نحو عقلية اقتصادية متطورة

عبد المحسن ابو ميزر

نشر هذا المقال في نيسان / ابريل 1961 ، العدد السادس ، الرائد العربي

من القوانين القائمة في كل مجتمع إنساني ، أن الافراد الذين يتكون منهم المجتمع يجهدون لزيادة إنتاجهم واتقان صنعه وتوسيع مجالاته باستمرار .

هذا القانون نجده في كل مجتمع ، مهما كانت درجة تطوره ، ومهما كان النظام الذي يحكمه لإنه ينبع من طبيعة الفكرة المجتمعية الانسانية ، ويسجل التعبير الطبيعي لافراد المجتمع عن ذواتهم وعن سعيهم المتواصل لسد حاجاتهم المتطورة والنامية .

لعل ما يذكي هذه الروح ، التنافس بين افراد المجتمعات ، الذي يأخذ أشكالاً ومستويات ومجالات، تختلف بإختلاف التركيب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لكل مجتمع . بيد ان هذا القانون ، الذي نتحدث عنه ، تواجهه عادة عقبات مختلفة تعمل احياناً على تجميده ، وأحياناً على عرقلة انطلاقه . وتتمثل هذه العقبات بالاعراف والتقاليد ونوع العلاقات القانونية السائدة والمطبقة وغيرها .

ولما كان المجتمع ، كل مجتمع ، يزخر بطاقات إرادية هائلة ، فإن التغلب على هذه العقبات التي تحول بين المجتمع وبين توسيع انتاجه واتقانه ، أمر لا مفر منه ، ولا بد ان يتحقق ان عاجلاً او آجلاً . فالعقبات الطارئة لا تستطيع ان تمنع المجتمعات الانسانية من تنفيذ ارادتها ورغباتها في الانتاج والتقدم . واذا ما إستسلمت المجتمعات لتلك العقبات ، فإنها تكون بذلك تناقض منطق الحياة . وما من مجتمع يرضى لنفسه الضيق بديلاً عن السعة ، او الموت بديلاً عن الحياة .

إن مجتمعنا العربي ، كغيره من المجتمعات الانسانية الاخرى ، يمر اليوم في مرحلة انتقالية تاريخية . إنه ينتقل من الجهل الى العلم ، من التخلف الى التقدم ، ومن الجوع الى تلمس اسباب العيش ووسائله . وفي هذه المرحلة تبرز نزعة المجتمع الطبيعية المتجسدة في الطموح الى مزيد في الانتاج ، والى مزيد في اتقان هذا الانتاج وتوسيع مجالاته وتفتيح امكانات المنتجين وتجنيد طاقاتهم . كما تبرز الى جانب ذلك ، عقبات كثيرة كتلك الموجودة في المجتمعات البشرية كافة . وهي عقبات تتمثل حيناً بالتقاليد ، وتارة بالقوانين والانظمة ، وطوراً بالرواسب الفكرية القديمة المتخلفة . فما هي حقيقة المرحلة الحاضرة وما هي المهمات او المسؤوليات الملقاة على عاتق المسؤولين ؟ .

إن المرحلة التي يجتازها مجتمعنا العربي لها وجوه عديدة . وهي ، على الرغم من تعددها واختلاف صفاتها ومستوياتها ، مترابطة ومتداخلة مع بعضها البعض . فمثلاً ، من المتعذر علمياً الحديت عن الوجه السياسي بمعزل عن الوجه الاقتصادي او الاجتماعي . وكذلك من المتعذر علمياً البحث في الوجه الاجتماعي بمعزل عن الوجوه الاخرى ، لأن المرحلة تشكل وحدة واحدة وإن إتخذت وجوهاً متعددة .

غير ان الدراسة العلمية تقودنا الى التقرير بأن الوجه الاقتصادي يشكل ركناً اساسياً للمسألة . وهو من الأهمية بحيث يستأهل الوعي والاهتمام به وتفهم كل جوانبه ، وعياً واهتماماً وتفهماً يتناسب مع أهميته الكبيرة. إننا نعيش مرحلة بلغت فيها رغبتنا في زيادة الانتاج وتوسيعه واتقانه درجة كبيرة من القوة تتجلى في النهضة التي نعيشها . فقد ازداد وعي افراد المجتمع العربي بما يتعلق بحاجاتهم وطاقاتهم ومقدراتهم الاقتصادية . ووصل الوعي ، بشكل عام ، درجة اصبح المجتمع العربي بأسره يؤمن بأن عليه ان يواجه بحزم وارادة نافذة الصعوبات التي تحول بينه وبين تحقيق رغبته في زيادة الانتاج وتوسيعه واتقانه . لذلك نراه يسعى للتخلص من القديم ويتطلع الى الحديث ، متخلياً عن الوسائل البدائية التي طالما سادة حياته الاقتصادية وبات يسعى الى احلال الوسائل الجديدة التي توصل اليها العلم الحديث وتمخضت عنها المعرفة الانسانية . ومن الحق ان نسجل للمرحلة التي نعيشها ان العقل العربي قد تحررالآن بشكل شبه نهائي عن تردده في الاخذ بوسائل المدنية الحديثة ، سواء في الزراعة او في التصنيع او العلوم الاحصائية او الاقتصادية الخ.. وقد تخطى هذا العقل ذلك الطور البدائي الذي ساد في مطلع هذه المرحلة عندما كان يشككك بمبدأ الاعتماد على وسائل الانتاج الحديثة . وهو يقبل اليوم على هذه الوسائل متخلياً كلياً عن فكره السابق الذي كان يحول بينه وبين الاستفادة من التقدم التكنولوجي والحضاري بوجه عام.

لعل هذه الموضوعية تجاه فكرة العلم والحضارة من العلامات الرئيسة للروح التقدمية التي تتسم بها المجتمعات الحديثة ، والتي ندين اليها بالتقدم المادي وغير المادي الذي يميز مجتمعاتنا اليوم . وقد بدأنا نشاهد كيف ان مجتمعنا يشد السير في طريق تطوير وسائل انتاجه من زراعة وتصنيع ويؤسسها على اسس جديدة ستقوده ، ولا شك ، الى استقلال اقتصادي وبحبوحة مالية . وكلما أخذ بأساليب العلم الحديث وفي تنظيم اقتصاده وارسائه على ما هو متيسر له الان من وسائل تخطيط واحصاء وبرامج واضحة . ومن خلال تحديد اتجاه سير مجتمعنا الحالي ، نستطيع ان نتعرف الى الصعوبات الجمة التي لا بد ان تعترض اتجاهه الجديد . وهذه الصعوبات ستحفز الانسان العربي ان يتخطى ترسبات الجهل وان يتخلى عن اساليبه القديمة البالية .

تنعكس امثال هذه العقبات والعراقيل عادة على مختلف الوجوه والميادين في المجتمع . فيبرز بحدة متزايدة دور الواعين والمسؤولين المخلصين وتتحدد مهمتهم في العمل البناء من أجل التغلب على هذه الصعوبات واطلاق المجتمع بكل طاقاته . ويمكننا تلخيص هذه المهمات على الصعيد الاقتصادي بالامور التالية :

1 – القيام بدراسة علمية شاملة لمصادر التنمية الاقتصادية في المجتمعات العربية ووضع المخططات السليمة اللازمة لاستغلالها على الوجه الأكمل والافضل ، وتطوير القائم منها وتوسيع كفايته الانتاجية .

2 – تشجيع التوظيف المالي الوطني ورؤوس الاموال العربية في المشاريع الصناعية ، والاستفادة من مدخرات الافراد في هذا السبيل وفق مخطط اقتصادي اجتماعي سليم ، والقضاء على روح اللاثقة والتردد والتقاليد التي تعترض مساهمة الافراد في المشاريع الصناعية .

3 – حث الحكومات العربية على النهوض بمسؤولياتها في تمويل المشاريع الصناعية والزراعية الكبرى او المساهمة في تمويلها وفق خطة اقتصادية اجتماعية مدروسة ، تدفع بعجلة التطور الاقتصادي والاجتماعي الى الامام .

4 – العمل على توفير الكفايات الفنية اللازمة ، وذلك عن طريق فتح المعاهد العلمية والزراعية والمهنية وتوسيع القائم منها وارسال اكبر عدد ممكن من البعثات الطلابية الى الخارج للتخصص في مختلف ميادين الانتاج وتوسيعه واتقانه على ضوء الاسس العلمية الحديثة .

5 – العمل على تشجيع الانفتاح أكثر فأكثر على تجارب المجتمعات الانسانية المختلفة والافادة من تجاربها في وسائل التنمية والنهوض الاقتصادي .

6 – وضع سياسة بعيدة المدى لتحقيق التكامل الاقتصادي بين الاقطار العربية ، والحرص على تنسيق العمل في ما بينها ، تمهيداً لتحقيق وحدة اقتصادية عربية شاملة .

7 – سن التشريعات والانظمة الضرورية لتحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي والغاء التشريعات والانظمة التي تعترض سبيل التقدم المنشود .

إننا نملك الطاقات الكبرى ومصادر الثروة الهائلة ، ومجتمعنا مليء بالامكانات والثروات الانتاجية الضخمة التي تضمن للمجتمع حياة سعيدة . وتجارب الامم تنضح بالخبرة والمعرفة الواجب الافادة منها ، والتي تمكنت من الوصول اليها عبر جهود مضنية ومآس مريرة قاسية . وما علينا اليوم سوى مضاعفة الجهد والافادة من تجارب الغير ، وان نتحلى بالوعي والمعرفة لننطلق في طريق التقدم والازدهار .

كل هذه الطموحات لا يمكن ان تتحقق بمعزل عن تطوير العقلية العربية تطويراً جذرياً وتسليحها بمواضيع تتعدى حدود المال والاقتصاد لتصل الى ابعاد اجتماعية وفكرية وخلقية قادرة على حل مشاكل التقدم المجتمعي . واول المفاهيم التي يجب العمل على تطويرها مفهومان رئيسان هما : المفهوم الاول هو قدرة العلم الشاملة التي لا حد لها على تزويد النهضة الاقتصادية بأسلم السبل واقصرها وأقلها كلفة وجهداً وأكثرها انتاجاً واتقاناً . والمفهوم الثاني هو وظيفة الملكية الاجتماعية . فقد أصبح من الامور المسلم بها في العالم ، انه يجب ان يكون للملكية وظيفة تتعدى الفائدة الفردية المباشرة الى المساهمة في زيادة كمية الخصب والمنعة والسعادة للمجتمع بأسره . وهذا المفهوم لم يعد مقتصراً على مذهب من المذاهب الاقتصادية – الاجتماعية ، بل أخذت به المذاهب جميعها ، وإن إختلفت في طريقة فهمه وتطبيقه .