النفوذ الأجنبي وحكم الفرس

تعرضت سورية بوصفها قلب المنطقة العربية الأم، لأحداث عسكرية هامة، أولها هجوم الغوتيين على مملكة أكاد في الألف الثالث قبل الميلاد. وفي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد تعرضت لاحتلال مؤقت من قبل الكاشيين ثم الحثيين، وفي أواخر الألف الثاني قبل الميلاد أغار عليها الحثيون وشعوب البحر وتصدت لهم مصر وسورية، وفي النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد كانت البلاد مسرحاً لشعوب كثيرة، ثم احتل الفرس الأخمينيون البلاد بسبب خيانة الكهنة البابليين بعد أن احتلوا بابل 539ق.م بقيادة "قورش".

وهكذا انتهت وحدة سورية التي دامت سبعين عاماً وكانت خارطة سورية تمتد من الخليج إلى البحر ومن جبال طوروس حتى سيناء وشبه الجزيرة العربية.

ولكن هذا الانتصار الواسع الذي تم للفرس الأخمينيين، لم يحل دون استمرار الحضارة السورية المتمثلة باللغة الآرامية وآدابها والتي انتشرت في بلاد فارس ذاتها. حتى أطلق على "دارا الأول" لقب "الملك الآرامي الكبير" فقد كان رئيس ولايات موحدة "أومرزبانات" ، نرى رموزها في لوحات بارزة على واجهات قصر "بيرسيوبوليس".

ظهر الأخمينيون الفرس في أعقاب الميديين وأسس "قورش" أو "سيرهوس" 559-529ق.م دولتهم، ثم جاء بعده "قمبيز" الذي استولى على سورية ومصر، وكان مستبداً أشبه بالمجانين.

ثم جاء "داريوس" أو "دارا الأول" بن "هيستاسيس" سنة 523ق.م، فوسع نطاق الإمبراطورية وأصبحت تمتد من جبال الهندوس شرقاً وأعلى مصر غرباً، وقسمها إلى عشرين ولاية أو سترابه أو مرزبانه وتتمتع بحكم ذاتي مع سلطة مركزية. وقد تضمنت نقوش "بهايستون" أسماء 23 ولاية، أما نقوش رستم فقد تضمنت أسماء 28 ولاية، وكانت ولاية "أسورا عربايا" تمتد من حران شمالاً إلى سيناء جنوباً، وهي جزء من الإقليم الخامس المسمى مرزبانه عبر نهرا. ويقول "استرابون" إن دمشق كانت المدينة الأكثر أهمية في العصر الفارسي هذا. وكانت "اصطخر" برسيوبوليس عاصمة "دارا"، وفيها قصره العظيم.

كانت أسورا عربايا تضم قبرص أيضاً، وكانت أرواد وجبيل وصيدا وصور تتمتع بالحكم الذاتي. وثارت صيدا العاصمة على الفرس. وقام الفينيقيون بطرد الفرس من تسع مدن ولكن الفرس دمروا صيدا واستعادوا سلطانهم.

وكانت عبادة "أهورا مازدا" قد وحدت بلاد فارس الواسعة، لكن اللغات الرسمية كانت ثلاث وكانت الآرامية هي الرابعة انتشرت من الهند إلى مصر. وعلى واجهات قصر الملك في "بيرسيوبوليس" منحوتات بارزة تمثل وفود "المرزبانات" التابعة للفرس، ومنها كانت "مرزبانا أسوارا عربايا" التي كانت تعني سورية، وكانت تضم القسم الشمالي "آثورا" والقسم الجنوبي عربايا. وهذه التسمية هي الأولى التي حملتها البلاد، ولقد مثل الوفد السوري هذا وهو يقدم أعمال الصناع المشهورين والمنتجات المعدنية والخيول التي كانت البلاد مشهورة بتربيتها وإنتاجها، منقوشة في هذه المنحوتات.