ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم

ذكر نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم

وذكر بعض أخبار آبائه وأجداده

اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد، وهو ابن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد الله أبو رسول الله أصغر ولد أبيه، وكان عبد الله والزبير وعبد مناف - وهو أبو طالب - بنو عبد المطلب لأم واحدة، وأمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم؛ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق.

وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، أنه قال: عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، وأبو طالب - واسمه عبد مناف - والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة، وأميمة، ولد عبد المطلب إخوة، أم جميعهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ ابن عمران بن مخزوم بن يقظة.

وكان عبد المطلب - فيما حدثني يونس بن عبد الأعلى - قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه أخبره أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لستفتي عن نذرها، فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحر ابني؟ قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم؛ فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر والنذر دين، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم - وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم. أيهم ينحر ؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من ألإبل - فقال ابن عباس للمرأة: فأرى أن تنحرى مائة من الإبل مكان ابنك. فبلغ الحديث مروان، وهو أمير المدينة، فقال: ما أرى أبن عمر ولا ابن عباس أصابا الفتيا؛ إنه لا نذر في معصية الله، استغفري الله وتوبى إلى الله، وتصدقي واعملي ما استطعت من الخير؛ فأما أن تنحري ابنك فقد نهاك اله عن ذلك. فسر الناس بذلك، وأعجبهم قول مروان، ورأوا أنه قد أصاب الفتيا، فلم يزالوا يفتون بألا نذر في معصية الله .

وأما ابن إسحاق، فإنه قص من أمر نذر عبد المطلب هذا قصة؛ هي أشيع مما في هذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب؛ وذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: كان عبد المطلب بن هاشم - فيما يذكرون والله أعلم - قد نذر حين لقى من قريش في حفر زمزم ما لقى: لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا منه حتى يمنعوه؛ لينحرن أحدهم لله عند الكعبة، فلما توافى له بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره الذي نذر، ودعاهم إلى الوفاء بالله بذلك، فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع ؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحاً، ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني به، ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل في جوف الكعبة، وكانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عند هبل سبعة أقدح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله، وقدح فيه: نعم للأمر إذا أرادوه يضرب به؛ فإن خرج قدح: نعم عملوا به، وقدح فيه لا، فإذا أرادوا أمراَ ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به.

وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً ،أو ينكحوا منكحاًَ، أو يدفنوا ميتاً، أو شكو في نسب أحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا ابن فلان، قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحق فيه؛ ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب فإن خرج عليه منكم كان وسيطاً وإن خرج عليه من غيركم كان حليفاً، وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته منهم، لا نسب له ولا حلف، وإن خرج في شيء سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به، وإن خرج لا أخروه عاماً ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح - فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنى هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطى كل رجل كمنهم قدحه الذي فيه اسمه - وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بنى أبيه، وكان فيما يزعمون أحب ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطأ فقد أشوى، وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم -فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها، قام عبد المطلب عند هبل في جوف الكعبة يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح، فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم اقبل إلى إساف ونائلة - وهما وثنا قريش اللذان تنحر عندهما ذبائحهما - ليذبحه، فقامت له قريش من أنديتها، فقالوا ماذا تريد يا عبد المطلب ؟ قال: أذبحه فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبداً حتى تعذر فيه؛ لئن فعلت هذا، لا يزال الرجل يأتي بإبنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا ! فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عبد الله ابن أخت القوم - والله لا تذبحه أبداً حتى تعذر فيه؛ فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه.

وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل وانطلق به إلى الحجاز، فإن به عرافة لها تابع، فسلها، ثم انت على رأس أمرك؛ إن أمرتك أن تذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة، فوجدوها - فيما يزعمون - بخيبر -، فركبوا إليها حتى جاءوها، فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، وما أراد به، ونذره فيه. فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله.

فرجعوا عنها، فلما خرجوا من عندها، قام عبد المطلب يدعو الله. ثم غدوا عليها، فقالت: نعم، قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم ؟ قالوا: عشر من الإبل - وكانت كذلك - قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشراً من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا في اقبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها، فقد رضى ربكم، ونجا صاحبكم.

فخرجوا حتى قدموا مكة، فلما اجمعوا لذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله، ثم قربوا عبد الله وعشراً من الإبل - وعبد المطلب في جوف الكعبة عند هبل يدعو الله - فخرج القدح على عبد اللله، فزادوا عشراً، فكانت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب في مكانه ذلك يدعو الله، ثم ضربوا فخرج السهم على عبد الله، فزادوا عشراً من الإبل، فكانت ثلاثين، ثم لم يزالوا يضربون بالقداح ويخرج القدح على عبد الله، فكلما خرج عليه زادوا من الإبل عشراً؛ حتى ضربوا عشر مرات، وبلغت الإبل مائة، وعبد المطلب قائم يدعو، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضى ربك يا عبد المطلب. فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليه ثلاث مرات. فضربوا على الإبل وعلى عبد الله، وقام عبد المطلب يدعو فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية وعبد المطلب قائم يدعو، ثم عادوا الثالثة فضربوا، فخرج القدح على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع.

ثم انصرف عبد المطلب آخذاً بيد ابنه عبد الله، فمر - فيما يزعمون - على امرأة من بنى أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر؛ يقال لها أم قتال بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إليه إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله ؟ قال: مع أبي، قالت: لك عندي مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع على الآن، قال: إن معي أبي ولا أستطيع خلافة ولا فراقه.

فخرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة - ووهب يومئذ سيد بني زهرة سناً وشرفاً - فزوجه آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، ويرة لأم حبيب بنت أسد ابن عبد العزى بن قصي، وأم حبيب بنت أسد لبرة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي. فزعموا أنه دخل عليها حين ملكها مكانه فوقع عليها، فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم خرج من عندها، حتى أتى المرأة التي عرضت عليهما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس ؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة.

وقد كنت تسمع من أخيها ورقة ابن نوفل، وكان قد تنصر واتبع الكتب، حتى أدرك، فكان فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة نبي من بني إسماعيل.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق؛ عن أبيه إسحاق بن يسار؛ أنه حدث أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب بن هبد مناف بن زهرة، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من آثار الطين، فخرج من عندها، فتوضأ وغسل عنه ما كان به من ذلك، وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم مر بإمرأته تلك، فقال: هل لك ؟ فقالت: لا، مررنت بي وبين عينيك غرة، فدعوتني فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها. فزعموا أن امراته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاء أن يكون بي، فأبى علي، ودخل على آمنة بنت وهب فأصابها؛ فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني علي بن حرب الموصلي، قال: حدثنا محمد بن عمارة القرشي، قال : حدثنا الزنجي بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال : لما خرج عبد المطلب بعبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من خثعم، يقال: لها فاطمة بنت مر، متهودة من أهل تبالة، قد قرأت الكتب، فرأت في وجهه نوراً، فقالت له: يافتى، هل لك لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الإبل ؟ فقال:

أما الحرام فالممات دونـه         والحل لا حل فأستبـينـه
فكيف بالأمر الذي تبغينه

ثم قال: أنا مع أبي ولا أقدر أن أفارقه، فمضى به، فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فأقام عنجها ثلاثاً ثم انصرف. فمر بالخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه، فقال لها: هل لك فيما كنت أردت ؟ فقالت: يافتى، إنى والله ما أنا بصاحبة ريبة، ولكنى رأيت في وزجهك نوراً فأردت أن يكون في، وأبى وزالله إلا أن يجعله حيث أراد، فما صنعت بعدى ؟ قال: زوجني أبي آمنة بنت وهب، فأقمت عندها ثلاثاً؛ فأنشأت فاطمة بنت مر تقول:

إني رأيت مخيلةً لـمـعـت            فتلألأت بحنـاتـم اقـطـر
فلمأتهـا نـوراً يضـيء لـه             ما حوله كإضـاءة الـبـدر
فرجوتها فـخـراً أبـوء بـه              ما كل قـادح زنـده يوري
لله مـا زهـريةٌ سـلـبـت              ثوبيك ما استلبت وما تدري!

وقالت أيضاً:

بني هاشمٍ قد غادرت من أخيكـم              أمينة إذ للبـاه تـعـتـركـان
كما غادر المصباح عند خمـوده                  فتائل قد ميثـت لـه بـدهـان
ومل كل ما يحوي الفتى من تلاده              لعزمٍ ولا مـا فـاتـه لـتـوان
فأجمل إذا طالبت أمـراً فـإنـه                      سيكفيكه جـدان يعـتـلـجـان
سيكفيكه إمـا يدٌ مـقـفـعـلةٌ                      وإما يدٌ مبـسـوطةٌ بـبـنـان
ولما حوت منه أمينة مـا حـوت                  حوت منه فخراً ما لذلـك ثـان

حدثني الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثنا معمر وغيره، عن الزهري، أن عبد الله بن عبد المطلب كان أجمل رجال قريش، فذكر لآمنة بنت وهب جماله وهيئته، وقيل لها: هل لك أن تزوجيه فتزوجته آمنة بنت وهب، فدخل بها، وعلقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثه أبوه إلى المدينة في ميرة يحمل لهم تمراً، فمات بالمدينة، فبعث عبد المطلب ابنه الحارث في طلبه حين أبطأ، فوجده قد مات.

قال الواقدي: هذا غلط، والمجتمع عليه عندنا في نكاح عبد الله بن عبد المطلب ما حدثنا به عبد الله بن جعفر الزهري، عن أمر بكر بنت المسور، أن عبد المطلب جاء بابنه عبد الله، فخطب على نفسه وعلى ابنه، فتزوجا في مجلس واحد، فتزوج عبد المطلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وتزوج عبد الله ابن عبد المطلب آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة.

قال الحارث: قال ابن سعد: قال الواقدي: والثبت عندنا، ليس بين أصحابنا فيه اختلاف، أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشأم في عير لقريش، فنزل بالمدينة وهو مريض، فأقام بها حتى توفي، ودفن في دار النابغة - وقيل التابعة - في الدار الصغرى إذا دخلت الدار عن يسارك، ليس بين أصحابنا في هذا اختلاف.

ابن عبد المطلب

وعبد المطلب اسمه شيبة، سمي بذلك؛ لأنه فيما حدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه: كان في رأسه شيبة.

وقيل له عبد المطلب: وذلك أن أباه هاشماً كان شخص في تجارة له إلى الشأم، فسلك طريق المدينة إليها، فلما قدم المدينة نزل - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق. وفيما حدثت عن هشام ابن محمد عن أبيه. وفيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، ودخل حديث بعضهم في بعض، وبعضهم يزيد على بعض - على عمرو بن زيد بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته سلمى بنت عمرو - وأما ابن حميد فقال في حديثه عن سلمة، عن ابن إسحاق: سلمى بنت زيد بن عمرو - ابن لبيد بن حرام بن خداش بن جندب بن عدي بن النجار فأعجبته، فخطبها إلى أبيها عمرو، فأنكحه إياها، وشرط عليه ألا تلد ولداً إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهته قبل أن يبني بها، ثم انصرف راجعاً من الشأم، فبنى بها في أهلها بيثرب، فحملت منه. ثم ارتحل إلى مكة وحملها معه، فلما أثقلت ردها إلى أهلها، ومضى إلى الشأم فمات بها بغزة، فولدت له سلمى عبد المطلب، فمكث بيثرب سبع سنين أو ثماني سنين. ثم إن رجلاً من بني الحارث بن عبد مناة مر بيثرب، فإذا غلمان ينتضلون، فجعل شيبة إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي: من أنت ؟ قال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. فلما أتى الحارثي مكة، قال للمطلب وهو جالس في الحجر: يا أبا الحارث، تعلم أني وجدت غلماناً ينتضلون بيثرب، وفيهم غلام إذا خسق قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. فقال المطلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به، فقال له الحارثي: هذه ناقتي بالفناء فاركبها، فجلس المطلب عليها، فورد يثرب عشاء، حتى أتى بني عدي بن النجار، فإذا غلمان يضربون كرة بين ظهري المجلس، فعرف ابن أخيه فقال للقوم: أهذا ابن هاشم ؟ قالوا: نعم، هذا ابن أخيك، فإن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فإنها إن علمت لم تدعه، وحلنا بينك وبينه. فدعاه فقال: يابن أخي، أنا عمك، وقد أردت الذهاب بك إلى قومك - وأناخ راحلته - فما كذب أن جلس على عجز الناقة، فانطلق به، ولم تعلم به أمه حتى كان الليل، فقامت تدعو بحربها على ابنها، فأخبرت أن عمه ذهب به، وقدم به المطلب ضحوة، والناس في مجالسهم، فجعلوا يقولون: من هذا وراءك ؟ فيقول: عبد لي، حتى أدخله منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: من هذا ؟ قال: عبد لي، ثم خرج المطلب حتى أتى الحزورة، فاشترى حلة فألبسها شيبة، ثم خرج به حين كان العشي إلى مجلس بني عبد مناف، فجعل بعد ذلك يطوف في سكك مكة في تلك الحلة، فيقال: هذا عبد المطلب، لقوله: "هذا عبدي" حين سأله قومه، فقال المطلب:

عرفت شيبة والنجار قد جعلت            أبناؤها حوله بالنبل تنتضـل

وقد حدثني هذا الحديث على بن حرب الموصلي، قال: حدثنيأبو معن عيسى - من ولد كعب بن مالك - عن محمد بن أبي بكر الأنصاري، عن مشايخ ألأنصار، قالوا: تزوج هاشم بن عبد مناف امرأةً من بني عدي بن النجار، ذات شرف، تشرط على من خطبها المقام بدار قومها، فتزوجت بهاشم، فولدت له شيبة الحمد، فربي في أخواله مكرماً، فبينا هو يناضل فتيان الأنصار إذ أصاب خصله، فقال: أنا ابن هاشم. وسمعه رجل مجتاز، فلما قدم مكة، قال لعمه المطلب بن عبد مناف: قد مررت بدار بنى قيلة، فرأيت فتىً من صفته ومن صفته ... يناضل فتيانهم، فاعتزى إلى أخيك، وما ينبغي ترك مثله في الغربة. فرحل المطلب حتى ورد المدينة، فأراده على الرحلة، فقال: ذاك إلى الوالدة، فلم يزل بها حتى أذنت له، وأقبل به قد أردفه، فإذا لقيه اللاقي وقال: من هذا يا يا مطلب ؟ قال: عبد لي، فسمي عبد المطلب. فلما قدم مكة وقفه على ملك أبيه، وسلمه إليه، فعرض له نوفل بن عبد مناف في ركح له، فاغتصبه إياه، فمشى عبد المطلب إلى رجالات قومه، فسألهم النصرة على عمه، فقالوا: لسنا بداخلين بينك وبين عمك، فلما رأى ذلك كتب إلى أخواله يصف لهم حال نوفل، وكتب في كتابه:

أبلغ بنى النجار إن جـئتـهـم               أني منهم وابنهم والخـمـيس
رأيتهم قـومـاً إذا جـئتـهـم                   هووا لقائي وأحبوا حـسـيس
فإن عمي نـوفـلاً قـد أبـى                  إلا التي يغضي عليها الخسيس

قال: فخرجأبو أسعد بن عدس النجاري في ثمانين راكباً، حتى أتى الأبطح، وبلغ عبد المطلب، فخرج يتلقاه، فقال: المنزل يا خال ! فقال: أما حتى ألقى نوفلاً فلا. قال: تركته جالساً في الحجر في مشايخ قريش، فأقبل حتى وقف على رأسه، ثم استل سيفه، ثم قال: ورب هذه البنية؛ لتردن على ابن أختنا ركحه أو لأملأن منك السيف، قال: فإنى ورب هذه البنية أرد ركحه. فأشهد عليه من حضر، ثم قال: المنزل يا بن أختى، فأقام عنده ثلاثاً واعتمر، وأنشأ عبد المطلب يقول:

تأبى مـازنٌ وبـنـو عـديٍ                 ودينار بن تيم اللات ضيمـي
وسادة مالك حتى تـنـاهـى           ونكب بعد نوفل عن حريمي
بهم رد الإله علي ركـحـي             وكانوا في التنسب دون قومي

وقال في ذلك سمرة بن عمير،أبو عمرو الكناني:

لعمري لأخوالٌ لشـيبة قـصـرةً                من أعمامه دنيا أبـر وأوصـل
أجابوا على بعدٍ دعاء ابن أختهـم           ولم يثنهم إذ جاوز الحق نـوفـل
جزى الله خيراً عصبةً خزرجـيةً                تواصوا على برٍ، وذو البر أفضل

قال: فلما رأى ذلك نوفل، حالف بنى عبد شمس كلها على بني هاشم. قال محمد بن أبي بكر: فحدثت بهذا الحديث موسى بن عيسى، فقال: يا بن أبي بكر، هذا شيء ترويه الأنصار تقرباً إلينا؛ إذ صير الله الدولة فينا ! عبد المطلب كان أعز في قومه من أن يحتاج إلى أن تركب بنو النجار من المدينة إليه .قالت: أصلح الله الأمير ! قد احتاج إلى نصرهم من كان خيراً من عبد المطلب. قال: وكان متكئاً فجلس مغضباً، وقال: من خير من عبد المطلب ! قلت: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صدقت، وعاد إلى مكانه، وقال لبنيه: اكتبوا هذا الحديث من ابن أبي بكر.

وقد حدثت هذا الحديث في أمر عبد المطلب وعمه نوفل بن عبد مناف، عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: حدثنا زياد بن علاقة التغلبي - وكان قد أدرك الجاهليه - قال: كان سبب بدء الحلف الذي كان بين بنى هاشم وخزاعة الذي افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه مكة، وقال: لتنصب هذه السحابة بنصر بني كعب؛ أن نوفل بن عبد مناف - وكان آخر من بقي من بني عبد مناف - ظلم عبد االمطلب بن هاشم بن عبد مناف على أركاح له - وهي الساحات - وكانت أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو النجارية من الخزرج، قال: فتنصف عبد المطلب عمه، فلم ينصفه، فكتب إلى أخواله:

يا طول ليلى لأحزاني وأشـغـالـي                هل من رسولٍ إلى النجار أخوالي !
ينبي عـدياً ودينـاراً ومـازنـهـا                      ومالكاً عصمة الجيران عن حالـي
قد كنت فيكم ولا أخشى ظـلامة ذي            ظلمٍ عزيزاً منيعاً نـاعـم الـبـال
حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجنـي             عن ذاك مطلبٌ عمي بـتـرحـال
وكنت ما كان حياُ نـاعـمـاً جـذلاً                   أمشي العرضنة سحـابـاً لأذيالـي
فغاب مطلبٌ في قعر مـظـلـمةٍ                    وقام نوفل كي يعدو على مـالـي
أأن أرى رجلاً غابت عمـومـتـه                     وغاب أخوالـه عـنـه بـلا وال
أنحى عليه ولم يحفظ لـه رحـمـاً                 ما أمنع المرء بين العم والخـال !
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكـم             لا تخذلـوه ومـا أنـتـم بـخـذال
ما مثلكم في بني قحطـان قـاطـبةً             حيٌ لجـارٍ وإنـعـام وإفـضـال
أنتم ليانٌ لمـن لانـت عـريكـتـه                 سلمٌ لكم وسمام الأبلـخ الـغـالـي

قال: فقدم عليه منهم ثمانون راكباً، فأناخوا بفناء الكعبة، فلما رآهم نوفل بن عبد مناف، قال لهم: أنعموا صباحاً ! فقالوا له: لا نعم صباحك أيها الرجل ! أنصف ابن أختنا من ظلامته. قال: أفعل بالحب لكم والكرامة؛ فرد عليه الأركاح وأنصفه.

قال: فانصرفوا عنه إلى بلادهم. قال: فدعا ذلك عبد المطلب إلى الحلف، فدعا عبد المطلب بسر بن عمروٍ وورقاء بن فلان ورجلاً من رجالات خزاعة، فدخلوا الكعبة وكتبوا كتاباً.

وكان إلى عبد المطلب بعد مهلك عمه المطلب بن عبد مناف ما كان إلى من قبله من بني عبد مناف من أمر السقاية والرفادة، وشرف في قومه، وعظم فيهم خطره، فلم يكن يعدل به منهم أحد، وهوالذي كشف عن زمزم، بئر إسماعيل بن إبراهيم، واستخرج ما كان فيها مدفوناً؛ وذلك غزالان من ذهب، كانت جرهم دفنتهما - فيما ذكر - حين أخرجت من مكة، وأسيافٌ قلعية، وأدراع، فجعل الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب، فكان أول ذهب حليته - فيما قيل - الكعبة. وكانت كنية عبد المطلب أبا الحارث، كني بذلك لأن الأكبر من ولده الذكور كان اسمه الحارث، وهو شيبة.

ابن هاشم

واسم هاشم عمرو؛ وإنما قيل له هاشم، لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكه وأطعمه، وله يقول مطرود بن كعب الخزاعي - وقال ابن الكلني: إنما قاله ابن الزبعري:

عمرو الذي هشم الثريد لقومه           ورجال مكة مسنتون عجاف

ذكر أن قومه من قريش، كانت أصابتهم لزبة وقحط، فرحل إلى فلسطين، فاشترى منها الدقيق، فقدم به مكة، فأمر به فخبز له ونحر جزوراً، ثم اتخذ لقومه مرقة ثريد بذلك الخبز.

وذكر أن هاشماً هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف.

وحدثت عن هشام بن محمد، عن ابيه، قال: كان هاشم، وعبد شمس - وهو أكبر ولد عبد مناف، والمطلب - وكان أصغرهم - أمهم عاتكة بنت مرة السلمية؛ ونوفل - وأمه واقدة - بني عبد مناف، فسادوا بعد أبيهم جميعاً، وكان يقال لهم المجبرون، قال: ولهم يقال:

يأيها الرجل المحول رحله            ألا نزلت بآل عبد مناف !

فكانوا أول من أخذ لقريش العصم، فانتشروا من الحرم، أخذ لهم هاشم حبلاً من ملوك الشأم الروم وغسان، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي الأكبر، فاختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلاً من ألأكاسرة، فاختلفوا بذلك السبب إلى العراق وأرض فارس، وأخذ لهم المطلب حبلاً من ملوك حمير، فاختلفوا بذلك السبب إلى اليمن، فجبر الله بهم قريشاً، فسموا المجبرين.

وقيل: إن عبد شمس وهاشماً توأمان، وأن أحدهما ولد قبل صاحبه، وإصبع له ملتصقة بجبهة صاحبه، فنحيت عنها فسال من ذلك دم، فتطير من ذلك، فقيل: تكون بينهما دماء. وولي هاشم بعد أبيه عبد مناف السقاية والرفادة.

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ابن محمد، قال: حدثني معروف بن الخربوذ المكي، قال: حدثني رجل من آل عدي بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف عن أبيه، قال: وقال وهب بن عبد قصي في ذلك - يعنى في إطعام هاشم قومه الثريد:

تحمل هاشمٌ ما ضاق عـنـه                 وأعيا أن يقوم به ابن بـيض
أتاهم بالغـرائز مـتـأقـاتٍ                       من أرض الشأم بالبر النفيض
فأوسع أهل مكة من هـشـيمٍ              وشاب الخبز باللحم الغريض
فظل القوم بين مـكـلـلاتٍ                    من الشيزى وحائرها يفيض

قال :فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان ذا مال - فتكلف أن يصنع صنيع هاشم، فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش فغضب، ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، ولم تدعه قريش وأحفظوه، قال: فإني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق، تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين. فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشماً عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية.

حدثني الحارث قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام ابن محمد، قال: أخبرني رجل من بني كنانة، يقال له ابن أبي صالح، ورجل من أهل الرقة مولى بني أسد، وكان عالماً، قالا: تنافر عبد المطلب ابن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي الحبشي، فأبى أن ينفر بينهما، فجعل بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو، أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك لامة، وأكثر منك ولداً، وأجزل منك صفداً، وأطول منك مذوداً !. فنفره عليه. فقال حرب: إن من انتكاث الزمان أن جعلناك حكماً ! فكان أول من مات من ولد عبد مناف ابنه هاشم، مات بغزة من أرض الشأم، ثم مات عبد شمس بمكة فقبر بأجياد، ثم مات نوفل بسلمان من طريق العراق، ثم مات المطلب بردمان من أرض اليمن، وكانت الرفادة والسقاية بعد هاشم إلى أخيه المطلب.

ابن عبد مناف

واسمه المغيرة - وكان يقال له القمر من جماله وحسنه، وكان قصي يقول - فيما زعموا -: ولد لي أربعة، فسميت اثنين بصنمي، وواحداً بداري، وواحداً بنفسي؛ وهم عبد مناف وعبد العزى ابنا قصي - وعبد العزى والد أسد - وعبد الدار بن قصي، وعبد قصي بن قصي - درج ولده - وبرة بنت قصي؛ أمهم جميعاً حبَّى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن خزاعة.

وحدثت عن هشام بن محمد، عن أبيه، قال: وكان يقال لعبد مناف القمر، واسمه المغيرة، وكانت أمه حبَّى دفعته إلى مناف - وكان أعظم أصنام مكة - تديناً بذلك، فغلب عليه عبد مناف، وهو كما قيل له: كانت قريشٌ بيضةً فتفلقت فالمح خالصةٌ لعبد مناف

ابن قصي

وقصي اسمه زيد؛ وإنما قيل له قصي، لأن أباه كلاب بن مرة كان تزوج أم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل - واسم سيل خير - بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر، بن عمرو بن جعثمة بن يشكر، من أزدشنوءة حلفاء في بني الديل، فولدت لكلاب زهرة وزيداً، فهلك كلاب وزيد صغير، وقد شب زهرة وكبر، فقدم ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير ابن عذرة بن سعد بن زيد، أحد قضاعة، فتزوج - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن اسحاق. وحدثت عن هشام بن محمد عن أبيه - فاطمة أم زهرة وقصي - وزهرة رجل قد بلغ، وقصي فطيم أو قريب من ذلك - فاحتملها إلى بلاده من أرض بني عذرة، من أشراف الشأم، فاحتملت معها قصياً لصغره، وتخلف زهرة في قومه، فولدت فاطمة بنت سعد بن سيل لربيعة بن حرام رزاح بن ربيعة، فكان أخاه لأمه، وكان لربيعة بن حرام ثلاثة نفر من امرأة أخرى؛ وهم حنّ بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وجلهمة بن ربيعة. وشب زيد في حجر ربيعة، فسمي زيد قصياً لبعد داره عن دار قومه، ولم يبرح زهرة مكة، فبينا قصي بن كلاب بأرض قضاعة لا ينتمي - فيما يزعمون - إلا إلى ربيعة بن حرام، إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء - وقد بلغ قصي، وكان رجلاً شاباً - فأنبه القضاعي بالغربة وقال له: ألا تلحق بقومك ونسبك فإنك لست منا ! فرجع قصي إلى أمه، وقد وجد في نفسه مما قال القضاعي، فسألها عما قال له ذلك الرجل، فقالت له: أنت والله يا بني أكرم منه نفساً ووالداً، أنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي، وقومك بمكة عند البيت الحرام، وفيما حوله. فأجمع قصيٌّ الخروج إلى قومه واللحوق بهم، وكره الغربة بأرض قضاعة، فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب، فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض البأس، فأقام قصي حتى إذا دخل الشهر الحرام، خرج حاج قضاعة، فخرج فيهم حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان رجلاً جليداً نسيباً، فخطب إلى حليل بن حبشية الخزاعي ابنته حبىَّ بنت حليل ،فعرف حليل النسب ورغب فيه، فزوجه - وحليل يومئذ فيما يزعمون - يلي الكعبة وأمر مكة.

فأما ابن إسحاق، فإنه قال في خبره: فأقام قصي معه - يعين مع حليل - وولدت له ولده عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا بني قصي. فلما انتشر ولده، وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل بن حبشية، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشاً فرعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلم رجالاً من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فلما قبلوا منه ما دعاهم إليه وبايعوه عليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام - وهو ببلاد قومه - يدعوه إلى نصرته، والقيام معه، فقام رزاح بن ربيعة في قضاعة، فدعاهم إلى نصر أخيه والخروج معه إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم من ذلك.

وقال هشام في خبره: قدم قصي على أخيه زهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد، وكانت خزاعة بمكة أكثر من بني النضر، فاستنجد قصي أخاه رزاحاً، وله ثلاثة إخوة من أبيه، من امرأة أخرى، فأقبل بهم وبمن أجابه من أحياء قضاعة، ومع قصيٍ قومه بنو النضر، فنفوا خزاعة، فتزوج قصي حبىَّ بنت حليل بن حبشية من خزاعة، فولدت له أولاده الأربعة، وكان حليل آخر من ولي البيت، فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابنته حبىَّ، فقالت: قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، قال: فإني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به، فجعله إلى أبي غبشان - وهو سليم بن عمرو بن بوىّ بن ملكان بن أفصى - فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وبعود. فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، فاستنصر أخاه، فقاتل خزاعة، فبلغنا - والله اعلم - أن خزاعة أخذتها العدسة، حتى كادت تفنيهم ،فلما رأت ذلك جلت عن مكة، فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن، فولي قصي البيت وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش، فأنزلهم أبطح مكة. وكان بعضهم في الشعاب ورءوس جبال مكة، فقسم منازلهم بينهم، فسمى مجمعاً، وله يقول مطرود - وقيل: إن قائله حذافة ابن غانم:

 أبوكم قصىٌ كان يدعى مجمعاً            به جمع الله القبائل من فهر

وملكه قومه عليهم.

وأما ابن إسحاق، فإنه ذكر أن رزاحاً أجاب قصياً إلى ما دعاه إليه من نصرته، وخرج إلى مكة مع إخوته الثلاثة، ومن تبعه لذلك من قضاعة في حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصي، والقيام معه، قال: وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصياً، وأمره به حين انتشر له من ابنته من الأولاد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة والقيام عليها، وبأمر مكة من خزاعة، فعند ذلك طلب قصي ما طلب .

فلما اجتمع الناس بمكة وخرجوا إلى الموقف، وفرغوا من الحج ونزلوا منى، وقصي مجمع لما أجمع له، ومن تبعه من قومه من قريش وبني كنانة ومن معه من قضاعة، ولم يبق إلا أن ينفروا للصدر، وكانت صوفة تدفع بالناس من عرفة؛ وتجيزهم إذا نفروا من منى؛ إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار - ورجل من صوفة يرمي للناس، لا يرمون حتى يرمي - فكان ذوو الحاجات المعجلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرمي معك، فيقول: لا والله حتى تميل الشمس، فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل، يرمونه بالحجارة ويستعجلونه بذلك؛ ويقولن: ويلك قم فارم ! فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، هذا الحديث، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد.

فإذا فرغوا من رمي الجمار، وأرادوا النفر من منىً، أخذت صوفة بناحيتي العقبة، فحبسوا الناس، وقالوا: أجيزي صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى ينفذوا، فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم، فلما كان ذلك العام، فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، قد عرفت ذلك لها العرب، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، أتاهم قصي بن كلاب بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة، فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروه فناكرهم، فقاتلوه فاقتتل الناس قتالاً شديداً، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، وحال بينهم وبينه.

قال: وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي بن كلاب، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، وثبت معه؛ أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه من قومه من قضاعة، وخرجت لهم خزاعة وبنو بكر وتهيئوا لحربهم، والتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ حتى كثرت القتلى من الفريقين جميعاً، وفشت فيهم الجراحة. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، إلى أن يحكموا بينهم رجلاً من العرب فيما اختلفوا فيه، ليقضي بينهم، فحكموا يعمر بن عوف ابن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضي بينهم بأن قصياً أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلى بين قصي ابن كلاب وبين الكعبة ومكة؛ فسمي يعمر بن عوف يومئذ الشداخ؛ لما شدخ من الدماء ووضع منها. فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، فكان قصيٌّ أول ولد كعب ابن لؤي أصاب ملكاً أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة أرباعاً بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم منمكة التي أصبحوا عليها.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ويزعم الناس أن قريشاً هابت قطع شجر الحرم في منازلهم، فقطعها قصي بيده، وأعانوه، فسمته العرب مجمعاً لما جمع من أمرها، وتيمنت بأمره، فما تنكح امرأة ولا رجل من قريش إلا في دار قصي بن كلاب، وما يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقدها لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره؛ يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها؛ فكان أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع، لا يعمل بغيره تيمناً بأمره ومعرفةً بفضله وشرفه، واتخذ قصي لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الملك بن راشد، عن أبيه، قال: سمعت السائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلاً يحدث عمر بن الخطاب - وهو خليفة - حديث قصي بن كلاب هذا وما جمع من أمر قومه، وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة، وولايته البيت وأمر مكة؛ فلم يردد ذلك عليه ولم ينكره.

قال: فأقام قصي بمكة على شرفه ومنزلته في قومه لا ينازع في شيء من أمر مكة؛ إلا أنه قد أقر للعرب في شأن حجهم ما كانوا عليه؛ وذلك لأنه كان يراه ديناً في نفسه، لا ينبغي له تغييره، وكانت صوفة على ما كانت عليه، حتى انقرضت صوفة، فصار ذلك من أمرهم إلى آل صفوان بن الحارث ابن شجنة وراثةً، وكانت عدوان على ما كانت عليه، وكانت النسأة من بنى مالك بن كنانة على ما كانوا عليه، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، فلم يزالوا على ذلك حتى قام الإسلام، فهدم الله به ذلك كله. وابتنى قصى داراً بمكة، وهي دار الندوة، وفيها كانت قريش تقضي أمورها، فلما كبر قصي ورق عظمه - وكان عبد الدار بكره هو، كان أكبر ولده، وكان - فيما يزعمون - ضعيفاً، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب كل مذهب وعبد العزى بن قصي وعبد بن قصي، فقال قصي لعبد الدار فيما يزعمون: أما والله لألحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك؛ لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها، ولا يعقد لقريش لواء لحربهم إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة ماء إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاماً إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمورها إلا في دارك. فأعطاه داره، دار الندوة التى لا تقضي قريش أمراً إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والندوة والسقاية والرفادة - وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب، فيصنع به طعاماً للحاج يأكله من لم تكن له سعة ولا زاد ممن يحضر الموسم؛ وذلك أن قصياً فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شراباً وطعاماً أيام هذا الحج، حتى يصدروا عنكم. ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه إليه، فيصنعه طعاماً للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره على قومه في الجاهلية، حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا؛ فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى حتى ينقضي الحج.

حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، قال: حدثني من أمر قصي ابن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه ابن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بنى عبد الدار، يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن عكرمة بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار. قال الحسن بن محمد: فجعل إليه قصي ما كان بيده من أمر قومه كله، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه.

ثم إن قصياً هلك، فأقام أمره في قومه من بعده بنوه.

ابن كلاب

وأم كلاب - فيما ذكر - هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وله أخوان من أبيه من غير أمه، وهما تيم ويقظة، أمهما - فيما قال هشام بن الكلبي - أسماء بنت عدي بن حارثة ابن عمرو بن عامر بن بارق.

وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمهما هند بنت حارثة البارقية. قال: ويقال: بل يقظة لهند بنت سرير، أم كلاب.

ابن مرة

وأم مرة وحشية بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأخواه لأبيه وأمه عدي وهصيص. وقيل إن أم هؤلاء الثلاثة مخشية. وقيل: إن أم مرة وهصيص مخشية بنت شيبان بن محارب بن فهر، وأم عدي رقاش بنت ركبة بن نائلة بن كعب بن حرب بن تيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان.

ابن كعب

وأم كعب ماوية - فيما قال ابن إسحاق وابن الكلبي - وماوية بنت كعب ابن القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وله أخوان من أبيه وأمه: أحدهما يقال له عامر، والآخر سامة، وهم بنو ناجية، ولهم من أبيهم أخ قد انتمى ولده إلى غطفان ولحقوا بهم، كن يقال له: عوف، أمه الباردة بنت عوف بن غنم بن عبد الله بن غطفان.

ذكر أن الباردة لما مات لؤي بنت غالب خرجت بإبنها عوف إلى قومها، فتزوجها سعد بن ذيبان بن بغيض، فتبنى عوفاً، وفيه يقول - فيما ذكر - فزارة بن ذيبان:

عرج على ابن لؤيٍ جملك             يتركك القوم ولا منزل لك

ولكعب أخوان آخران أيضاً من أبيه من غير أمه، أحدهما خزيمة، وهو عائذة قريش، وعائذة أمه، وهي عائذة بنت الخمس بن قحافة، من خثعم، والآخر سعد. ويقال لهم بنانة، وينانة أمهم؛ فأهل البادية منهم اليوم - فيما ذكر - في بنى أسعد بن همام، في بنى شيبان بن ثعلبة؛ وأهل الحاضرة ينتمون إلى قريش.

ابن لؤي

وأم لؤي - فيما قال هشام - عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة، وهي أولى العواتك اللائي ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، وله أخوان من أبيه وأمه، يقال لأحدهما: تيم، وهو الذي كان يقال له تيم الأدرم - والدرم نقصان في الذقن؛ قيل أنه كان ناقص اللحى - وقيس، قيل: لم يبق من قيس أخي لؤي أحد، وإن آخر من كان بقى منهم رجل هلك في زمان خالد بن عبد الله القسري، فبقى ميراثه، لا يدري من يستحقه. وقد قيل: إن أم لؤي وإخوته سلمى بنت عمرو بن ربيعة، وهو لحى بن حارثة ابن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، من خزاعة.

ابن غالب

وأم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة. وإخوته من أبيه وأمه: الحارث، ومحارب، وأسد، وعوف، وجون؛ وذئب، وكانت محارب والحارث من قريش الظواهر، فدخلت الحارث الأبطح.

ابن فهر

وفهر - فيما حدثت عن هشام بن محمد أنه قال: هو جماع قريش، قال: وأمه جندلة بنت عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي.

وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد - قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: أمه جندلة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي.

وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يقول - فيما ذكر عنه - أمه سلمى بنت أد بن طابخة بن إلياس بن مضر.

وقيل: إن أمه جميلة بنت عدوان من بارق، من الأزد.

وكان فهر في زمانه رئيس الناس بمكة - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق -و في حربهم حسان بن عبد كلال بن مثوب ذي حرث الحميري. وكان حسان - فيما أقبل - أقبل من اليمن مع حمير وقبائل من اليمن عظيمة، يريد أن ينقل أحجار الكعبة من مكة إلى اليمن، ليجعل حج الناس عنده ببلاده، فأقبل حتى نزل بنخلة، فأغار على سرح الناس، ومنع الطريق وهاب أن يدخل مكة؛ فلما رأت ذلك قريش وقبائل كنانة وخزيمة وأسد وجزام ومن كان معهم من أفناء مضر، خرجوا إليه، ورئيس الناس يومئذ فهر بن مالك ،فاقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمت حمير، وأسر حسان بن عبد كلال ملك حمير، أسره الحارث بن فهر، وقتل في المعركة - فيمن قتل من الناس - ابن ابنه قيس بن غالب بن فهر، وكان حسان عندهم بمكة أسيراً ثلاث سنين، حتى افتدى منهم نفسه، فخرج به ، فمات بين مكة واليمن.

ابن مالك

وأمه عكرشة بنت عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان، في قول هشام.

وأما ابن إسحاق فإنه قال: أمه عاتكة بنت عدوان بن عمرو بن قيس ابن عيلان.

وقيل: إن عكرشة لقب عاتكة بنت عدوان، واسمها عاتكة.

وقيل إن أمه هند بنت فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. وكان لمالك أخوان، يقال لأحدهما: يخلد، فدخلت يخلد في بنى عمرو بن الحارث ابن مالك بن كنانة، فخرجوا من جماع قريش. والآخر منهما يقال له: الصلت، لم يبق من ذريته أحد.

وقيل: سميت قريش قريشاً بقريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة؛ وبه سميت قريش قريشاً، لأن عير بنى النضر كانت إذا قدمت قالت العرب: قد جاءت عير قريش، قالوا: وكان قريش هذا دليل بنى النضر في أسفارهم، وصاحب ميرتهم، وكان له ابن يسمى بدراً، احتفر بدراً، قالوا: فبه سميت البئر التي تدعى بدراً، بدراً.

وقال ابن الكلبي: إنما قريش جماع نسب، ليس بأب ولا أم ولا حاضن ولا حاضنة.

وقال آخرون: إنما سمي بنو النضر بن كنانة قريشاً؛ لأن النضر بن كنانة خرج يوماً على نادى قومه، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى النضر، كأنه جملٌ قريش.

وقيل: إنما سميت قريش قريشاً بدابة تكون في البحر تأكل دواب البحر، تدعى القرش، فشبه بنو النضر بن كنانة بها؛ لأنها أعظم دواب البحر قوة.

وقيل: إن النضر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله، والتقريش - فيما زعموا - التفتيش: وكانوا بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيسدونها بما يبلغهم - واستشهدوا لقولهم: إن التقريش هو التفتيش، يقول الشاعر:

أيها الناطق المقرش عـنـا             عند عمروٍ فهل لهن انتهاء !

وقيل: إن النضر بن كنانة كان اسمه قريشاً. وقيل: بل لم تزل بنو النضر ابن كنانة يدعون بني النضر حتى جمعهم قصي بن كلاب، فقيل لهم: قريش؛ من اجل أن التجمع هو التقرش، فقالت العرب: تقرش بنو النضر، أي تجمعوا.

وقيل: إنما قيل قريش، من أجل أنها تقرشت عن الغارات.

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم؛ أن عبد الملك بين مروان سأل محمد بن جبير: متى سميت قريش قريشاً ؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش. فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصياً كان يقال له القرشي، ولم تسم قريش قبله.

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: لما نزل قصي الحرم وغلب عليه، فعل أفعالاً جميلة، فقيل له: القرشي، فهو أول من سمى به .

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي جهم، قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي.

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة، حيث وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة في الجاهلية.

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: فأخبرني كثير بن عبد الله المزني، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان. قال: محمد بن عمر: وهي توقد إلى اليوم.

ابن النضر

واسم النضر قيس، وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة. وإخوته لأبيه وأمه نضير ومالك وملكان وعامر والحارث وعمرو وسعد وعوف وغنم ومخرمة وجرول وغزوان وحدال. وأخوهم من أبيهم عبد مناة، وأمه فكيهة - وقيل فكهة - وهي الذفراء بنت هنى بن بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وأخو عبد مناة لأمه علي بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن عمرو بن مازن الغساني، وكان عبد مناة بن كنانة تزوج هنداً بنت بكر بن وائل، فولدت له ولده، ثم خلف عليها أخوه لأمه علي بن مسعود، فولدت له، فحضن علي بنى أخيه، فنسبوا إليه، فقيل لبنى عبد مناة: بنو علي، وإياهم عنى الشاعر بقوله:

لله در بنـى عـل            يٍ أيمٍ منهم وناكح

وكعب بن زهير بقوله:

صدموا علياً يوم بدرٍ صدمةً             دانت عليٌ بعدها لنـزار

ثم وثب مالك بن كنانة على علي بن مسعود، فقتله، فواده أسد بن خزيمة.

ابن كنانة

وأم كنانة عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان. وقد قيل: إن أمه هند بنت عمرو بن قيس، وإخوته من أبيه أسد وأاسدة، يقال إنه أبو جذام والهون، وأمهم برة بنت مر بن أد بن طابخة، وهي أم النضر بن كنانة؛ خلف عليها بعد أبيه.

ابن خزيمة

وأمه سلمى بنت سليم بن الحاف بن قضاعة، وأخوه لأبيه وأامه هذيل، وأخوهما لأمهما تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة.

وقد قيل: إن أم خزيمة وهذيل سلمى بنت أسد بن ربيعة.

ابن مدركة

واسمه عمرو، وأمه خندف، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة، وأمها ضرية بنت ربيعة بن نزار. قيل: بها سمى حمى ضرية، وإخوة مدركة لأبيه وأمه عامر - وهو طابخة - وعمير - وهو قمعة - ويقال: إنه أبو خزاعة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق أنه قال: أم بنى إلياس خندف، وهي امراة من أهل اليمن، فغلبت على نسب نبيها، فقيل: بنو خندف.

قال: وكان اسم مدركة عامراً، واسم طابخة عمراً. قال: وزعموا أنهما كانا في إبل لهما يرعيانها، فاقتنصا صيداً، فقعدا عليه يطبخانة، وعدت عادية على إبلهما، فقال عامر لعمرو: أدترك الإبل أو تطبخ هذا الصيد ؟ فقال عمرو: بل أطبخ الصيد، فلحق عامر الإبل، فجاء بها، فلما راحا على أبيهما، فحدثاه بشأنهما، قال لعامر: أنت مدركة، وقال لعمرو: أنت طابخة.

وحدثت عن هشام بن محمد، قالوا: خرج إلياس في نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، فسمى مدركة، وأخذها عامر فطبخها فسمى طابخة، وانقمع عمير في الخباء فلم يخرج فسمى قمعة، وخرجت أمهم تمشي فقال لا: إلياس أين تخندفين ؟ فسميت خندف - والخندفة ضرب من المشي - قال: وقال قصي بن كلاب:

أمهتى خندف وإلياس أبى

قال: وقال إلياس لعمرو ابنه:

إنك قد أدركت ما طلبتا
ولعامر: وأنت قد أنضجت ما طبختا
ولعمير: وانت قد اسأت وانقمعتا

ابن إلياس

وأمه الرباب بنت حيدة بن معد، وأخوه لأبيه وأمه الناس، وهو عيلان، وسمى عيلان - فيما ذكر - لأنه كان يعاتب على جوده، فيقال له لتغلبن عليك العيلة يا عيلان، فلزمه هذا الاسم.
وقيل: بل سمى عيلان بفرس كانت له تدعى عيلان.
وقيل: سمى بذلك؛ لأنه ولد في جبل يسمى عيلان.
وقيل: سمى بذلك لأنه حضنه عبدٌ لمضر يدعى عيلان.

ابن مضر

وأمه سودة بنت عك، وأخوه لأبيه وأامه إياد، ولهما أخوان من أبيهما من غير أمهما، وهما ربيعة وأنمار؛ أمهما جدالة بنت وعلان بن جوشم ابن جلهمة بن عمرو، من جرهم.

وذكر بعضهم أن نزار بن معد لما حضرته الوفاة أوصى بنيه، وقسم ماله بينهم، فقال: يا بنى، هذه القبة - وهي قبة من أدم حمراء - وما أشبهها من مالى لمضر، فسمى مضر الحمراء. وهذا الخباء الأسود وما أشبهه من مالى لربيعة، فخلف خيلادهما، فسمى الفرس. وهو الخادم وما أشبهها من مالى لإياد - وكانت شمطاء - فأخذ البلق والنقد من غنمه. وهذه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فيه، فأخذ أنمار ما أصابه. فإن أشكل عليكم في ذلك شيء واختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي. فاختلفوا في القسمة، فتوجهوا إلى الأفعى؛ فبينما هم يسيرون في مسيرهم إذ رأى مضر كلأ قد رعى، فقال: إن البعير الذي رعى هذا الكلأ لأعور، وقال ربيعة: هو أزور، قال: إياد: هو أبتر، وقال أنمار: هو شرود؛ فلم يسيروا إلا قليلاً حتى لقيهم رجل توضع به راحلته، فسألهم عن البعير، فقال مضر: هو أعور ؟ قال: نعم، قال ربيعة: هو أزور ؟ قال: نعم، قال إياد: هو أبتر ؟ قال: نعم، قال أنمار: هو شرود ؟ قال: نعم، قال: هذه صفة بعيري، دلوني عليه، فحلفوا له: ما رأوه، فلزمهم وقال: وكيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته ! فساروا جميعاً حتى قدموا نجران، فنزلوا بالأفعى الجرهمي، فنادى صاحب البعير: هؤلاء أصحاب بعيري، وصفوا لي صفته ثم قالوا: لم نره. فقال الجرهمي: كيف وصفتموه ولم تروه ؟ فقال مضر: رأيته يرعى جانباً ويدع جانباً فعرفت أنه أعور. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والآخرى فاسدة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. وقال إياد: عرفت أنه أبتر بإجتماع بعره ، ولو كان ذيالاً لمصع به وقال أنمار: عرفت أنه شرود؛ لأنه يرعى المكان الملتف نبته، ثم يجوزه إلى مكان آخر أرق منه نبتاً وأخبث. فقال الجرهمي: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه، ثم سألهم: من هم ؟ فأخبروه، فرحب بهم فقال: أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى ! فدعا لهم بطعام فأكلوا وأكل، وشربوا وشرب، فقال مضر: لم أر كاليوم خمراً أجود، لولا أنها نبتت على قبر، وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحماً أطيب لولا أنه ربى بلبن كلب، وقال إياد: لم أر كاليوم رجلاً أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي يدعى له. وقال أنمار: لم أر كاليوم قط كلاماً أنفع في حاجتنا من كلامنا.

وسمع الجرهمي الكلام فتعجب لقولهم، وأتى أمه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا من نفسها كان نزل بها، فوطئها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال فقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم، فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة، ولم يكن ولد في الغنم شاة غيرها. فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر ونباتها على قبر ؟ قال: لأنه أصابني عليها عطش شديد. وقيل لربيعة: بم عرفت ؟ فذكر كلاماً.

فأتاهم الجرهمي، فقال: صفوا لي صفتكم، فقصوا عليه ما أوصاهم به أبوهم، فقضى بالقبة الحمراء والدنانير والإبل - وهي حمر - لمضر، وقضى بالخباء الأسود وبالخيل الدهم لربيعة، وقضى بالخادم - وكانت شمطاء - وبالخيل البلق لإياد، وقضى بالأرض والدراهم لأنمار.

ابن نزار

وقيل إن نزاراً كان يكنى أبا إياد. وقيل: بل كان يكنى أبا ربيعة، أمه معانة بنت جوشم بن جلهمة بن عمرو، وإخوته لأبيه وأمه، قنص، وقناصة، وسنام، ووحيدان، وحيدة، وحيادة، وجنيد، وجنادة، والقحم، وعبيد الرماح، والعرف، وعوف، وشك، وقضاعة؛ وبه كان معد يكنى ، وعدة درجوا.

ابن معد

وأم معد - فيما زعم هشام - مهدد بنت اللهم - ويقال: اللهم - ابن جلحب بن جديس. وقيل: ابن طسم. وقيل: ابن الطوسم، من ولد يقشان بن إبراهيم خليل الرحمن.

حدثنا الحارث بن محمد، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال : حدثنا هشام بن محمد، قال حدثني محمد بن عبد الرحمن العجلاني: وإخوته من أبيه وأمه الديث - وقيل: إن الديث هو عك. وقيل: إن عكا هو ابن الديث ابن عدنان - وعدن بن عدنان، فزعم بعض أهل الأنساب أنه صاحب عدن؛ وإليه تنسب،، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا، وأبين - وزعم بعضهم أنه صاحب أبين وأنها إليه تنسب، وأن أهلها كانوا ولده فدرجوا - وأد بن عدنان درج، والضحاك، والعي، وأم جميعهم أم معد.

وقال بعض النسابة: كان عك انطلق إلى سمران من أرض اليمن، وترك أخاه معداً، وذلك أن أهل حضور لما قتلوا شعيب بن ذي مهدم الحضورى، بعث الله عليهم بختنصر عذاباً، فخرج أرميا وبرخيا، فحملا معداً، فلما سكنت الحرب رداه إلى مكة، فوجد معد إخوته وعمومته من بنى عدنان قد لحقوا بطوائف اليمن، وتزوجوا فيهم، وتعطفت عليهم اليمن بولادة جرهم إياهم، واستشهدوا في ذلك قول الشاعر:

تركنا الديث إخوتنا وعـكـا إلى سمران فانطلقوا سراعا
وكانوا من بنى عدنان حتـى أضاعوا الأمر بينهم، فضاعا

ابن عدنان

ولعدنان أخوان لأبيه: يدعى أحدهما نبتاً والآخر منهما عمراً، فنسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلف النسابون فيه إلى معد بن عدنان، وأنه على ما بينت من نسبه.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود وغيره، عن نسبة رسول الله صلى الله عليه وسلم: محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد. ثم يختلفون فيما بعد ذلك.
وقال الزبير بن بكار: حدثني يحيى بن المقداد الزمعي، عن عمه موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن عمته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " معد ابن عدنان بن أدد بن زند بن يرى بن أعراق الثرى ".، قالت أم سلمة: فزند هو الهميسع، ويرى وهو نبت، وأعراقا الثرى هو إسماعيل بن إبراهيم.

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن العجلاني، عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن عمته، عن جدتها ابنة المقداد بن الأسود البهراني، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معد بن عدنان بن أدد بن يرى بن أعراق الثرى.

وقال ابن إسحاق - فيما حدثنا ابن حميد عن سلمة بن الفضل عنه عدنان - فيما يزعم بعض النساب - بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح ابن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم.

وبعض يقول: بل عدنان بن أدد بن أيتحب بن أيوب بن فيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.

قال: وقد انتمى قصى بن كلاب إلى قيذر في شعر.

قال: ويقول بعض النساب: بل عدنان بن ميدع بن منيع بن أدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: وذلك أنه علم قديم أخذ من أهل الكتاب الأول.

وأما الكلبي محمد بن السائب فإنه - فيما حدثني الحارث، عن محمد بن سعد، عن هشام - قال: أخبرني مخبرٌ عن أبي ولم اسمعه منه؛ أنه كان ينسب معد بن عدنان بن أدد بن الهميسع بن سلامان بن عوص بن بوز بن قموال ابن أبي بن العوام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن يدلاف بن طابخ بن جاحم ابن تاحش بن ماخى بن عبقى بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر ابن يثربى بن يحزن بن يلحن بن ارعوى بن عيفي بن ديشان بن عيصر بن أقناد ابن إيهام بن مقصر بن ناحث بن زارح بن شمي بن مزى بن عوص بن عرام ابن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم؛ صلوات الله عليهما.

حدثني الحارث، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: حدثنا هشام بن محمد، قال: وكان رجل من أهل تدمر، يكنى أبا يعقوب، من مسلمة بنى إسرائيل، قد قرأ من كتبهم، وعلم علماً، فذكر أن بروخ بن ناريا كاتب أرميا، أثبت نسب معد بن عدنان عنده، ووضعه في كتبه، وأنه معروف عند أحبار أهل الكتاب، مثبت في أسفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء، ولعل خلاف ما بينهم من قبل اللغة، لأن هذه الأسماء ترجمت من العبرانية. قال الحارث: قال محمد بن سعد: وأنشدني هشام، عن أبيه شعر قصي:

فلست لحاضنٍ إن لم تأثل                بها أولاد قيذر والنبـيت

قال: أراد نبت بن إسماعيل.

وقال الزبير بن بكار: حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي، عن زكرياء ابن عيسى، عن ابن شهاب، قال: معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن أسحب بن نبت بن قيذار بن إسماعيل.

وقال بعضهم: هو معد بن عدنان بن أدد بن أمين بن شاجب بن ثعلبة بن عتر بن دريح بن محلم بن العوام بن المحتمل بن رائمة بن العيقان بن علة بن الشحدود بن الظريب بن عبقر بن إبراهيم بن إسماعيل ابن يزن بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور بن عتود بن دعدع بن محمود بن الزائد بن ندوان بن أتامة بن دوس بن حصن بن النزال بن القمير ابن المجشر بن معدمر بن صيفي بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن .

وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن يقدر بن يقدم بن هميسع بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.

وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن الهميسع بن نبت بن سلمان - وهو سلامان - ابن حمل بن نبت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.

وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أدد بن المقوم بن ناحور بن مشرح ابن يشجب بن مالك بن أيمن بن النبيت بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم.

وقال آخرون: هو معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن أسحب ابن سعد بن دريح بن نضير بن حميل بن منحم بن لافث بن الصابوح بن كنانة ابن العوام بن نبت بن قيذر بن إسماعيل.

وأخبرني بعض النساب أنه وجد طائفة من علماء العرب قد حفظت لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل، واحتجت لقولهم ذلك بأشعار العرب، وأنه قابل بما قالوا من ذلكك ما يقول أهل الكتاب، فوجد العدد متفقاً، واللفظ مختلفاً، وأملى ذلك علي فكتبته عنه، فقال: هو معد بن عدنان بن أدد بن هميسع - وهميسع هو سلامان وهو أمين - ابن هميتع - وهو هميدع وهو الشاجب ابن سلامان - وهو منجر، وهو نبيت؛ سمي بذلك - فيما زعم - لأنه كان منجر العرب؛ لأن الناس عاشوا في زمانه، واستشهد لقوله ذلك بقول قعنب بن عتاب الرياحي:

تناشدني طيٌ وطيٌ بعـيدة           وتذكرني بالود أزمان ينبت

قال: نبيت بن عوص - وهو ثعلبة. قال: وإليه تنسب الثعلبية - ابن بورا - وهو بوز وهو عتر العتائر، وأول من سن العتيرة للعرب - ابن شوحا وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبية للعرب - ابن يعمانا - وهو قموال، وهو دريح الناصب، وكان ففي عصر سليمان بن داود النبي صلى الله عليه وسلم - ابن كسدانا - وهو محلم ذو العين - ابن حرانا - وهو العوام - ابن بلداسا - وهو المحتمل - ابن بدلانا - وهو يدلاف، وهو رائمة - ابن طهبا - وهو طالب، وهو العيقان - ابن جهمي - وهو جاحم، وهو علة - ابن محشى - وهو تاحش، وهو الشحدود - ابن معجالي - وهو ماخي، وهو الظريب خاطم النار - ابن عقارا - وهو عافى، وهو عبقر أبو الجن، قال: وإليه تنسب جنة عبقر - ابن عاقارى - وهو عاقر، وهو إبراهيم جامع الشمل. قال: وإنما سمى جامع الشمل لأنه أمن في ملكه كل خائف، ورد كل طريد، واستطلح الناس - ابن اللداعي - وهو ابن الدعا، وهو إسماعيل ذو المطابخ ،سمي بذلك لأنه حين ملك أقام بكل بلدة من بلدان العرب دا ر ضيافة - ابن اللداعي - وهو عبيد وهو يزن الطعان، وهو أول من قاتل بالرماح ،فنسبت إليه - ابن همادى وهو حمدان، وهو إسماعيل ذو الأعوج وكان فرساً له، وإليه تنسب الأعوجية من الخيل - ابن بشماني - وهو بشين وهو المطعم في المحل - ابن بثراني - وهو بثرم، وهو الطمح - ابن بحراني - وهو يحزن، وهو القسور - ابن يلحاني، وهو يلحن، وهو العنود - ابن رعواني - وهو رعوى، وهو الدعدع - ابن عاقارى - وهو عاقر - ابن داسان، وهو الزائد - ابن عاصار - وهو عاصر، وهو النيدوان ذو الأندية، وفي ملكه تفرق بنو القاذور وهو القادور. وخرج الملك من ولد النبيت بن القادور إلى بنى جاوان - ابن القادور ثم رجع إليهم ثانية - ابن قنادى - وهو قنار، وهو إيامة بن ثامار، وهو بهامى، وهو دوس العتق، وهو دوس أجمل الخلق، زعم في زمانه، فلذلك تقول العرب: أعتق من دوس لأمرين: أما أحدهما فلحسنه وعتقه، والآخر لقدمه، وفي ملكه أهلكت جرهم بن فالج وقطورا، وذلك أنهم بغوا في الحرم، فقتلهم دوس، وأتبع الذر آثار من بقى منهم، فولج في أسماعهم فأفناهم - ابن مقصر - وهو مقاصرى، وهو حصن، ويقال له: ناحث، وهو النزال بن زارح، وهو قمير - ابن سمى - وهو سما، وهو المجشر، وكان - فيما زعم - أعدل ملك ولى وأحسنة سياسة، وفيه يقول أمية بن أبي الصلت لهرقل ملك الروم:

كن كالمجشر إذ قالت رعيتـه               كان المجشر أوفانا بما حكملا

ابن مزرا - ويقال مرهر - ابن صنفا، وهو السمر، وهو الصفي، هو أجود ملك رئى على وجه الأرض، وله يقول أمية بن أبي الصلت:

إن الصفي بن النبيت ممـلـكـاً                   أعلى وأجود من هرقل وقيصرا

ابن جعثم - وهو عرام، وهو النبيت، وهو قيذر، قال: وتأويل قيذر صاحب ملك، كان أول من ملك من ولد إسماعيل - ابن إسماعيل صادق الوعد، ابن إبراهيم خليل الرحمن بن تارح - وهو آزر - ابن ناحور بن ساروع بن أرغوا ابن بالغ - وتفسير بالغ القاسم بالسريانية، لأنه الذي قسم الأرضين بين ولد آدم، وبالغ، فهو فالج بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ابن لملك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي صلى الله عليه وسلم - ابن يرد - وهو يارد الذي عملت الأصناكم في زمانه - ابن مهلائيل بن قينان بن أنوش ابن شيث - وهو هبة الله ابن آدم عليه السلام. وكان وصى أبيه بعد مقتل هابيل، فقال: هبة الله بن هابيل، فاشتق اسمه من اسمه.

وقد مضى من ذكرنا الأخبار عن إسماعيل بن إبراهيم وآبائه وأمهاته فيما بينه وبين آدم، ومما كان من الأخبار والأحداث في كل زمان من ذلك بعض ما انتهى إلينا، بوجيز من القول مختصر، في كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.

وحدثت عن هشام بن محمد قال: كانت العرب تقول: إنما خدش الخدوش منذ ولد أبونا أنوش؛ وإنما حرم الحنث، منذ ولد أبونا شث؛ وهو بالسريانية شيث.

ونعود الآن إلى: