باب الثاء

بسم الله الرحمن الرحيم

باب الثاء

الثابت يكسر الوثبات.

الثابت: الرزانة والحلم، وهو ضد الخفة والطيش. والوثبات: جمع وثبة، وهي الصولة والانتقام. وهذا مثل ظاهر المعنى، وهو مصنوع فيما أظن.

أثقف من سنورٍ.
يقال ثقف الرجل، بضم القاف، يثقف ثقافة، فهو ثقف وثقيف؛ وثقف، بكسرها، يثقف ثقفا، فهو ثقف وثقف ، كندس وندسٍ، إذا كان حاذقا فطنا خفيفا. ومنه، حديث أنس: وكان غلاما ثقفا. والسنور، على وزن جردحل: الهر المعروف، والأنثى سنورة، وله أسماء كثيرة، حتى حكي أنَّ أعرابياً صاده ولم يعرفه. فلقيه إنسان، فقال له: ما هذا السنور ثم لقيه أخر، فقال: ما هذا القط ثم آخر، ثم آخر. فلما رأى كثرة أسمائه ظن أن ذلك لخير عظيم فيه، فقال: أبيعه، لعل الله تعالى يرزقني مالاً كثيراً. فلما وقفه في السوق قيل له: بكم تبيعه قال: بمائة دينار. فقيل له إنّه لا يساوي إلا نصف درهم. فرمى به وقال: لعنه اللهما اكثر أسمائه، وأقل بركتهوهو في الخفة وسرعة الاختطاف النهاية. فمن ثم ضرب به المثل.

أثقل رأساً من فهدٍ.
الفهد، بفتح الفاء وسكون الهاء بعدها دال مهملة، الحيوان المعروف الذي يتصيد به، وهو سبع، ويزعمون إنّه متولد من بين الأسد والنمر. وفهد الرجل، بالكسر تشبه بالفهد في نومه وتمدده، كما في حديث أم زرع: إنَّ دخل فهد وإنَّ خرج أسد. ويقال فهد أيضاً إذا نام وتغافل عما يجب تعهده. والفهد كثير النوم ثقيله، ومن ثم قالوا: أنوم من فهد، وأثقل رأساً من فهد.

مثقل استعان بذقنه.
المثقل، من الثقل المذكور، وهو ضد الخفة. ويقال: ثقل الشيء بالضم، يثقل، ثقلاً، على مقال عنب، فهو ثقيل؛ وثقله تثقيلا؛ وأثقله تثقيلا؛ وأثقله. والاستعانة: طلب العون. والذقن، بفتحتين والذال معجمة: معجم اللحيين من اسفل.

يضرب هذا المثل للذليل يستعين بمثله أو أذل منه. وأصله في البعير يحمل عليه الثقل فلا يستطيع إنَّ ينهض به، فيضرب بذقنه على الأرض، معتمدا عليه ليقوم.

أثقل من حديث معادٍ.
الثقل تقدم؛ والحديث: الخبر؛ والمعاد: الذي سمعته ثم أعيد عليك مرة أخرى فهو يثقل على السماع كثيرا لعدم الداعي إلى سماعه، مع الملل الحاصل للنفس من تكراره. والنفس للطافتها وروحانيتها اكثر من البدن تألما بالاذاية واقل صبرا واحتمالا، فلا تكاد ترتاح إلاّ إلى ما فيه غذاؤها، من علوم تستحصلها، أو غرائب ولطائف تتفكه بها. فإذا عمدت ذلك غلبها الضجر، ونفرت غاية النفر؛ ومن ثم تستثقل الكلام المعاد وتمل منه، ولو كان في نفسه بليغا عجيبا، إذ لم يبق لها حظ فيه. وكان عدم الملل في كتاب الله تعالى، مع معاودته على مرور الليلي والأيام، معجزة ظاهرة للعيان؛ ومن ثم قيل: كل مكرر مملول إلاّ القرآن. ومما قيل في ثقيل:

يا ثقيلاُ على القلوب إذا عن ... لها أيقنت بطول الجهاد
يا قذى في العيون يا غلة بين ... تراقي حرارة في الفؤاد
يا طلوع العذول يا بين ألف ... يا غريما أتى على الميعاد
يا ركوما في يوم غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم الكساد
خل عنا فإنما أنت فينا ... وأو عمرو وكالحديث المعاد
وامض في غير صحبة الله ما عشت ... ملقى من كل فج وواد
يتخطى بك المهامه والبيد ... دليل أعمى كثير الرقاد

وقال بعضهم في صفة ثقيل: هو أثقل من دواء بلا علة، وأبغض من خراج بلا غلة؛ قد خرج عن حدّثني الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال؛ يحكي ثقل الحديث المعاد، ويمشي على القلوب والأكباد؛ إذا نظرت إلى مشيته أنشدت:

مشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلاهي زيدت الأرض ثامنه

وقد يستحسن إعادة الحديث، لا لذاته بل لأمر عارض فيه للنفس أرب أما رغبة في كلام المتكلم خصوصا، أو في نغمته، أو في النظر إليه، أو في دوام جلوسه، أو عدم قضاء الوطر من ذلك الكلام أو نحو ذلك، ومن ثم يستعدا حديث المحبين والمغنين، كما قيل:

وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

و لهذا الشعر حديث عجيب: ذكروا إنَّ رجلاً خرج في طلب إبل له أضلها. قال: فبينما أنا في واد إذ سمعت صوت منشد ينشد: وكنت إذا ما جئت سعدي أزورها " البيتين " . فدنوت من الصوت، فإذا أنا براعٍ قد ضم غنما له تحت شجرة وهو يترنم، فسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: من الرجل فقلت: منقطع مه المسالك، أتاك يستعين بك ويستجير. فقال: أهلاً ومرحبا، انزل على الرحبفعندي وطاء وطي وطعام غير بطي. فنزلت فنزع شملته، فبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز، ثم قال: اعذرني في هذا الوقتفقلت: والله إنَّ هذا لخير كثيرفمال إلى فرسي فربطه وساقه وعلق عليه. وفلما أكلت صليت واستندت فبينما أنا بين النائم واليقظان، إذ أقبلت من فوق الوادي جارية أطلعت الشمس في غير أوان طلوعها، فوثب الفتى إليها، وجعل يقبل الأرض حتى وصل إليها. فأخذ في حديث مستلذ، مع شكوى وزفرات، وأنا متناوم، وهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح. ولم يزالا كذلك حتى طلع الفجر، فعانقها وتنفس الصعداء وبكيا، ثم قال لها: يا ابنة العم، بالله لا تبطئي علي كما أبطأت الليلةفقالت يا أبن العم، ما علمت أني أنتظر الرقباء والوشاة حتى يناموا فودعها وافترقا، وكل منهما ينظر لصاحبه ويبكي. فبكيت رحمة لهما ثم قلت في نفسي: أستضيفه الليلة الأخرى حتى أنظر ما يكون من أمرهما. فلما أصبحنا قلت له: جعلني الله فداك الأعمال بخواتمها، وقد نالني أمس تعب، واحب إنَّ أستريح عندك اليوم. فقال: على الرحب والسعةلو بقيت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلاّ كما تحب. فعمد إلى شاه فذبحها وشواها، فقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلاّ إنّه أكل، أكل من لا يريد أكلا. فلما أزل معه نهاري ذلك، ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما منه؛ إلاّ إنّه كالولهان، ولم أعلمه بشيء مما رأيت. فلما أقبل الليل وطأ وطائي، وصليت وأعلمته إني أريد الهجوع لتعبي. فقال: نم هنيئافتناومت فقام ينتظرها إلى هنيئة من الليل وأبطأت. فلما حان وقت مجيئها قلق قلقاً شديداً، فبكى ثم جاء فحركني فأوهمته إني كنت نائما، فقال: يا أخي، هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني ز جاءتني البارحة قلت: قد رأيتها. قال تلك ابنة عمي واعز الناس علي، وإني لها محب وعاشق، وهي كذلك وأكثر. ومنعني أبوها من تزويجها لفقري وفاقتي، وتكبر علي، فصرت راعيا بسببها، فكانت تزورني كل ليلة. وقد حان وقت مجيئها، واشتغل قلبي عليها، وتحدثني نفسي إنَّ الأسد قد افترسها، ثم انشأ يقول:

ما بال مية لا تأتي لعادتها ... أعاقها طرب أم شدها شغل
نفسي فداؤك قد أحللت بي سقما ... تكاد كم حره الأعضاء تنفصل

ثم ذهب فغاب عني ساعة، ثم أتى بشيء فطرحة بين يدي، فإذا بالجارية قتلها الأسد وأكل أعضائها وشوه خلقتها. ثم اخذ السيف وانطلق. فغاب عني ساعة، فإذا هو قد جاء برأس الأسد، فطرحه ناحية ثم قال:

ألا أيها الليث المدل بنفسه ... هلكت لقد جريت حقا لك الشرا
أخلفتني فرداً وقد كنت آنسا ... وقد عادت الأيام من بعدها صفرا

ثم قال: بالله يا أخي إلاّ ما سمعت مني، فإني ميت لا محالةفإذا أنا مت فكفني في عباتي، وضم إلي ما بقي من أعضائها، وادفنا في قبر واحد. وخذ شويهاتي هؤلاء وعصاي وثيابي، فسوف تأتيك عجوز، فأعطها ذلك فهي والدتي. وقال لها: مات ولدك كمداً، فإنها تموت عند ذلك، فادفنها إلى جانب قبرنا، وعلى الدنيا منا السلامفلم يكن إلاّ قليلا حتى صاح صيحة، ووضع يده على صدره فمات من ساعته. ففعلت به جميع ما أوصاني وبت حزينا باكيا فلما أصبحنا، أقبلت عجوز ولهى، فسألتني عنه، فأخبرته خبره، فجعلت تبكي حتى إذا أقبل الليل شهقت شهقة فارقت الدنيا. فدفنتها إليه وبت الليلة الرابعة. فلما أصبحت ركبت فرسي وسقت الغنم وإذا أنا بهاتف يقول:

كنا على ظهرها والدهر يجمعنا ... والشمل مجتمع والدار والوطن
ففرق الدهر بالتفريق ألفتنا ... فصار يجمعنا في بطنها الكفن

قال: فأتيت الحي ودفعت الغنم لبني عمهم وانصرفت.

أثقل من حمل الدهيم.
الثقل تقدم؛ والحمل معروف والدهيم على وزن زبير: اسم ناقة عمرو بن الريان الهذلي قتل هو واخوته فحملت رؤوسهم عليها. وتقدمت هذه القصة في حرف الهمزة فقالوا: أشأم من دهيم، وأثقل من حمل دهيم. وظهر كلام الصحاح أنَّ قولهم للداهية الدهيم وأم الدهيم مأخوذ من هذا.

أثقل من الزواقي.
الثقل مر؛ والزقاء: الصياح. ثقال: زقا الصدا، ويزقو ويزقي زقاء وزقيا إذا صاح. قال:

ولو أنَّ ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقى ... إليها الصدى من جانب القبر صائح

الزواقي في المثل: الديكة وجمع زاق وزاقية. وكانوا يسمرون بالليل، فإذا صاحت الديكة تفرقوا، فيستثقلونها بذلك فقالوا: أثقل من الزواقي.

أثقل من مغن وسطٍ.
الثقل مر، والمغني اسم فاعل من الغناء، وبالمد، وهو الصوت. والوسط يكون تارة اسماً غير وصف. فإن كان بالتحريك، فاسم صريح لمّا بين طرفي الشيء، وإنَّ كان بالسكون فظرف، كقول عنترة:
ما راعني إلاّ حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم

و يقال: كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين، وإلاّ فبالفتح. وقيل: هما جاريان فيما كان مصمتا كالحلقة؛ فإنَ كان متبادلين الأجزاء فبالسكون فقط. قال صاحب الفصيح فيما يثقل ويخفف باختلاف المعنى: تقول جلس وسط القوم يعني بينهم أي بالتسكين وجلس وسط الدار، وأحتجم وسط رأسه، أي بالتحريك وهذا الذي قلنا أولاً. وقد يكون الوسط وصفا، أما بمعنى الأعدال كقوله تعالى: )و كذلك جعلناكم أمة وسطا(. وأما بمعنى التوسط بين أمرين، ومنه المثل. قال السهيلي: الوسط من أوصاف المدح والتفضيل، ولكن في موضعين: في ذكر النسب وفي ذكر الشهادة. أما النسب فلأن أوسط القبيلة أعرقها وأولاها بالصميم وأبعدها عن الأطراف وأجدر ألا تضاف إليه الدعوة، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فكان الوسط، من أجل هذا، مدحا في النسب بهذا السبب. وأما الشهادة فنحو قوله سبحانه قال: )أوسطهم. وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس( فكان هذا مدحا في الشهادة، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد، بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى ولا تميل به الرغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من هاهنا، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل. وظن كثير من الناس أنَّ معنى الأوساط الأفضل على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الوسطى الفضلى. وليس كذلك، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم، كما يقتضيه لفظ التوسط. فإذا كان وسطا في السمن فهو بين الممخة والعجفاء، والوسط في الجمال بين الحسناء والشوهاء إلى غير ذلك من الأوصاف، لا تعطي مدحا ولا ذما. غير انهم قالوا في المثل: أثقل من مغن وسط على الذم، لأنه إنَّ كان مجيداً جدا أمتع وأطرب؛ وإنَّ كان بارد جداً أضحك وألهى، وذلك أيضاً مما يمتع. قال الجاحظ: " وإنّما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء البارد الذي لا يمتع لحسن ولا يضحك بلهو " انتهى. وقال أبن رشيق: " قال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك. ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط " . وقد قال أبن الرومي يهجو أبن طيفور:

عدمتك يا أبي الطاهر ... وأطعمت ثكلك من شاعر
ما أنت سخن ولا بارد ... وما بين هذا سوى الفاتر
وأنت كذاك تغثي النفوس ... تغثية الفاتر الخاثر

و نحو هذا قول الآخر:

مسيخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر

وسيأتي هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى.

أثقل من الفيل.
الثقل مر؛ والفيل بالكسر الحيوان المعروف وثقله معروف. ومما قال بعض الثقلاء يخاطب ثقيلا:

أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل
أنت في المنظر إنسان ... وفي المخبر فيل
ولو تعرضت لظل ... فسد الظل الظليل

وقال الأخر:

فما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا

ويحكى إنَّ الأعمش كان ينشد هذا البيت عندما يستثقل جليسا، وزعموا إنّه قال: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاءوإنّه نقش على خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم، فإذا أستثقل جليسا ناوله إياه؛ وإنّه قال له رجل يوما: مم عمشت عيناك فقال: من النظر إلى الثقلاء.

وفي حق الثقلاء قال: جالينوس: لكل شيء حمى، وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وقيل له: لم صار الرجل ثقيل أثقل من الحمل الثقيل فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب عليه بالجوارح. وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح قال: نعم، من ظل الثقلاء. قال: فمررت به يوما وهو بين ثقلين، فقلت له: كيف الروح فقال: في النزعكان بعضهم إذا رأى ثقيلاً يقول: قد جاءكم جبل. فإذا جلس قال: قد وقع عليكمقيل لبعض الظرفاء، وكان له ثلاثة بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل فقال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلاّ الوسط. وكان بشار يأتيه ثقيل يقال له أبو سفيان. فسئل عنه بشار يوما فقال: لا ادري لم لا تحمل الأمانة أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلتهكأن قربه أيام المصائب وليالي النوائب؛ وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب. ثم أنشد:

ربما يثقل الجليس وإنَّ كان ... خفيفا في كفة الميزان
ولقد قلت حين وتد في البيت ... ثقيل أربى على ثهلان
كيف لا تحمل الأمانة ارضٌ ... حملت فوقها أبا سفيان

و كان لبشار أيضاً صديق يقال له هلال، فقال لبشار يوما: يا أبا معاذإنَّ الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوضه منه شيئاً، فما عوضك قال: الطويل العريض. قال: وما هو قال: إلاّ أراك ولا أرى الثقلاء أمثالكثم قال: يا هلال، أتطيعني في نصيحة أخصك بها قال: نعمقال: انك كنت تسرق الحمير زمانا، ثم تبت وصرت رافضيا؛ فعد إلى سرقة الحمير، فهي والله خير لك من الرفضوفي هلال ه يقول بشار:

وكيف يحق لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال
قعودا عند دسكرتي وداري ... كأن لهم علي فضول مال
إذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال

و استأذن بعض الثقلاء على أبن المبارك، فلم يأذن له. فكتب إليه ذلك الثقيل:

هل لذي حاجة إليك سبيل ... لا طويل قعوده بل قليل

فأجابه أبن مبارك:

أنت يا صاحب الكتاب ثقيل... وقليل من الثقيل طويل

و وصف بعض الأذكياء ثقيلاً فقال: هو ثقيل السكون بغيض الحركة، كثير الشؤم قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين. وما أحقه بقول القائل:

ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سره رغم انفي ألم
لنظرته وخزة في القلوب ... كوخز المحاجم في الملتزم
أقول له إذ أتى: لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم
عدمت خيالك لا من عمى ... وسمع كلامك لا من صمم

و وصف أخر ثقيلاً فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حصاة. ما أشبه طلعته إلاّ بغداة الفراق أو كتاب طلاق أو طلعة الرقيب أو موت الحبيب

مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامق
يظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ على العاشق

و ذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يقال له أبو عمار، فقال: ما الحمام على الأصرار، وحول الدين على الأقدار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس من طلعة أبي عمار. وانشد:

تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض

وقال الأخر:

إلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد
ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل مع الساعات تزداد

وقال الأخر:

وثقيل أشد من ثقل الموت ... ومن شدة العذاب الأليم
ولو عصت ربها الجحيم لمّا كان ... سواه عقوبة للجحيم

وقال جحظة البرمكي في صفة ثقيل:

يا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة المنزل ... يا وجه العدو الثقيل
يا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول
يا نهضة المحبوب من غضبةٍ ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل
ويا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوء بعذر طويل
يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول
يا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل
ويا طبيب قد أتى باكراً ... على أخي سقم بماء البقول
يا شوكة في قدم رخصةٍ ... ليس إلى إخراجها من سبيل
يا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السعر عند المعيل
يا ردة الحاجب عن قسوة ... يا نكسة بعد برء العليل

وقال آخر في ثقيل:

ليس من الناس ولكنه ... يحسبه الناس من الناس
أثقل في انفس أصحابه ... من جبل رأسي على رأسِ

وقال أخر:

يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهدِ
إني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي

وقال الآخر:

نظر العين نحوه ... علم الله يمرض
فإذا ما أردتم ... أن تروه فغمضوا
لا تصبكم ملمة ... والملمات تعرض

وقال الآخر:

شخصك من مقلة النديم ... أوحش من نحسة النجوم
يا رجلا وجهه علينا ... أثقل من منة اللئيم
إني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصي من الجحيم

و الشعر في هذا المعنى كثير. وقد قال المفسرون نزلت آية في الثقلاء: فإذا طعمتم فانتشروا. أد بهم الله بذلك. وكان حماد بن سلمة إذا رأى ثقيلا قال: ربنا اكشف عنا العذاب أنا مؤمنون. وذكر الأعمش ثقيلا كان يجلس إلى جانبه فقال: والله إني لأبغض شقي الذي يليه مني. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه وأغمك بحديثه أو سؤاله فأعره عينا عمياء أذنا صماء. وأنشد أيضاً في ذلك:

هذا فتى أثقل من أحد ... يصبح من يلقاه في جهد
علامة البغض على وجهه ... بينة مذ كان في المهد
لو دخل النار طفا حرها ... ومات من فيها من برد

و في الاستبراد قال آخر في قينة:

ولو مازج النار في حرها ... حديثك اخمد منها اللهب

وقال كشاجم:

غناء بريح بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواء ... فإنَ جمعا خفت أن يقتلا

و لقي برد الخيار المغنى أبا العباس المبرد على الجسر في يوم ثلج فقال له: أنت المبرد وأنا برد الخيار واليوم كما ترى اعتزلنا لا يهلك الناس الفالج بسببنا. وأذكرني هذا قول أبن الخطيب: بياض بمقدار نصف صفحة في النسخ كلها.

ثكل أرأمها ولدا.
الثكل بضم الثاء: الهلاك والموت وفقد الأحبة وفقد الأولاد وهذا هو الكثير الاستعمال. يقال: ثكله بكسر الكاف ثكلا فهو ثكلان وهي ثكلى مثل سكرى. قالت الحماسية:

سيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات

و يحكى إنَّ عمير بن جندب مات قبيل الإسلام. فجهزوه ثم كشف القناع عن رأسه فقال: أين القصل والقصل بالقاف على الصحيح وبالصاد المهملة واللام على مثال صرد وهو أحد بني عمه. فقالوا: سبحان الله مر آنفا فما حاجتك إليه فقال: أتيت فقيل لي: لامك الهبل إلاّ ترى إلى حفرتك تنثل وقد كادت أمك تثكل أنَّ رأيت إنَّ حولناك إلى محول ثم غيب في حفرتك القصل الذي مشى فاحزأل ثم ملأناها من الجندل أنَّ تعبد ربك وتصل وتترك سبيل من أشرك وضل فقلت: نعم فأفاق عمير وتزوج وولد له الأولاد. ولبث القصل ثلاثا ثم مات ودفن في قبر عمير.
وقال أسماء المرية:

أيا جبلي وادي عريعرة التي ... نأت عن ثوى قومي وحق قدومها
ألا خليا مجرى الجنوب لعله ... يداوي فؤادي من جواه نسيمها
وكيف تداوي الريح شوقا مماطلا ... وعينا طويلا بالدموع سجومها
وقولا لركبان تميمية غدت ... إلى البيت ترجو أن تحط جرومها
بأن بأكناف الرغام غريبة ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها
مفجعة أحشاؤها من جوى الهوى ... وتبريح شوق عاكف ما يريمها

و الإرآم: التحبيب والتعطيف. يقال: رئم فلان كذا بالكسر يرأمه: احبه وألفه ورئمت الناقة ولدها رئما: عطفت عليه وأرأمتها: عطفتها على غير ولدها أو على البو وهو الجلد يحشى لها لتدر عليه. قال:

رئمت لسلمى بوضيم وإنني ... قديما لآبي الضيم وأبن أباة

وقال الحماسي:

ومولى جلت عنه الموالي كأنه ... من البؤس مطلي به القار أجرب
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للمبسين محلب

وقال الآخر:

أنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن

و الولد معروف. والمثل لبيهس المعروف بنعامة. وكان من حديثه أنه خرج مع أخوة له سبعة فلقيهم قوم في موضع يقال له الأثلاث فقتلوهم إلاّ بيهسا وكان أصغرهم. فاستحقروه واستبقوه ثم احتملوه معهم حتى إذا قام قائم الظهيرة نزلوا فنحروا ناقة من وسيقتهم فأكلوا منها ثم قال قائلهم: ظلموا لحم جزوركم فقال بيهس: لكن على الأثلاث لحم لا يظلل يعني لحوم إخوانه المقتولين فأرسلها مثلا. فقال أحدهم: إني لأسمع من هذا الإنسان أمر يوشك أن يكون وراءه شر: فاقتلوه فقال زعيمهم: أيعد علينا هذا بقتيل خلوه لصغر سنه فهو أحقر من ذلك فاحتملوه حتى إذا بلغوا به سمت الحي قالوا له: ائت أهلك وانع إخوانك فانطلق حتى دخل على أمه فقالت له: أين اخوتك قال: قتلوا. فقالت: وما الذي أتى بك دونهم فقال لها: لو خيرتك القوم لاخترتفأرسلها مثلا. وكانت تبغضه لكثرة شره، وتحب اخوته. فلما فقدتهم أحبته ورئمته. فقال حينئذ: ثكل أرأمها ولداً، أي عطفها على هذا الولد - يعني نفسه - ولا رققها عليه ولا آلفها إياه إلاّ ثكلها أولادها الباقين، وفقدها أولادها المحبوبين. ومضرب المثل من هذا المعنى ظاهر. ثم جمعت له أمه تراث اخوته وأعطته إياه. فجعل يدير فيه وكان يقول: يا حبذا التراث لولا الذلةفسارت مثلا. وصنع بعض أهل الحواء عرسا وحضره صبيان الحي، فلما رآهم بيهس يلعبون تجرد عن ثيابه وجعل يرقص معهم. فأتته أمه فقال له: ما هذا يا بيهس فقال:

البس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها

فذهبت مثلا. فبينما هو ذات يوم يرعى غنما له إذ ألجأه الحر إلى غار يستظل فيه. فرأى قتلة اخوته وهم عشرة قد عقلوا إبلهم على طرف الغار وقالوا. فخلى غنمه وبادر إلى الحي فأخذ سلاحه وأتى خالاً له يقال له أبو حنش وكان جبانا. فقال له: أبا حنش هل لك في ظباء تصطادهن ألجئهن الحر إلى عار قال: نعم. فتنكب قوسك وحيهلاً ورائيفأقبل به حتى هجم على فم الغار. وخاف بيهس أن يهرب خاله،فصاح على القوم حتى ثاروا. فتقدم بيهس وتبعه خاله علماً منه إنّه غير ناج إن فر وقتلا القوم ورجعا بسلاحهم إلى الحي، وقد ثأر بيهس باخوته. فكان من لقي خاله يقول له: ما اشجعك أبا حنشفيقول له: مكره أخاك لا بطلفذهبت مثلا. ويقال إنَّ مدركي الأوتار في الجاهلية ثلاثة: قيصر بن سعد - تقدم أمره - وسيف بن ذي يزن الحميري - و سنذكره - وبيهس هذا. قال الشاعر:

من يطلب الأوتار ما أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهسُ

و إنّما لقب بنعامة لطول رجليه فرأته أمه يوما فقالت: نعامة واللهفقال: نعامة عرفتني، نسأها اللهأي أخر في أجلها. وقيل لصممه، وكان أصم أصلع، والعرب ، والعرب تصف النعامة بذلك، يزعمون إنّه مصلمٌ لا أذن له ولا يسمع الأصوات أما حقيقة أو إنّه لا يلتفت إليها. قال علقمة يصف الظليم:

فوهٌ كشف العصا لأياً تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلومُ

وقال زهير:

كأن الرجل منها فوق صعلٍ ... من الظلماء جؤجؤهُ هواءُ
أسكن مصلمُ الأذنين أجنى ... له بالسيِّ تنومٌ وآء
وقال عنترة: فكأنني أطس الإكام عشيةً بقريب بين المنسمين مصلمِ

 

الثور يحمي أنفه بروقه.
الثور بفتح الثاء وسون الواو، معروف يطلق على الانسي والوحشي. والحماية: المنع والحفظ، يقال: حماه من كذا يحميه منعه وحفظه. والروق بالفتح القرن.
والمعنى أنَّ الثور يدافع عن نفسه بقرنه، فيضرب فقط الحث على حفظ الحريم، والدب بما أمكن. وتقدم في كلام عمرو بن أمامة حيث قال:

لقد عرفت الموت قبل ذوقه: ... إنَّ الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مقاتلٌ عن طوفه ... كالثور يحمي أنفه بروقه

و في خبر أبن إسحاق عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوباً أرض الله من الحمى. فأصاب أصحابه منها بلاء، وصرف ذلك عن نبيه. قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى. فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من شدة الوعك. فدنوت من أبي بكر فقالت له: كيف تجدك يا أبتِ قال:

كل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعلهِ

قالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقولقالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر فقال:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنَّ الجبان حتفه من فوقهِ
كل امرئ مجاهٌ بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ

قالت: فقلت والله ما يدري عامر ما يقولقال: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي أذخرٌ وجليلُ
وهل أردن يوما مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيلُ

قالت: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم وقلت. إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل وباءها إلى مهيعة. ومهيعة الجحفة.
والظاهر أنَّ عامرا رضي الله عنه تمثل بالشعر وإن كان فيه بعض مخالفة. وبعد كتبي هذا رأيت السهيلي قال: يذكر قول عامر: لقد وجدت الموت قبل ذوقه أنه لعمرو بن أمامة. انتهى. وهو ما استظهرناه قبل. وقول بلال: بوادٍ يروى بفخٍّ أيضاً وفخ موضع بمكة فيه ماء وفيه اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم لدخول مكة وفيه قال الشاعر:

ماذا بفخ من الإشراق والطيبِ ... ومن جوار نقياتٍ رعابيبِ

و مجنة سوق من أسواق العرب؛ وشامة وطفيل عينان من الماء وقيل جبلان. قال السهيلي: وفي هذا الخبر وما ذكر من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إلية وما كانوا عليه من الحنين إلى الاوطان الذي هو جبلة في البشر كما روي في حديث أصيل الغفاري ويقال فيه الهذلي حين قدم مكة فسألته عائشة: كيف تركت مكة يا أصيل فقال: تركتها د ابيضت أباطحها وأحجر ثمامها وأعذق إذخرها وأمشر سلمها فاغرورقت عين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا تشوقنا يا أصيلويروى أيضاً أنه قال له: دع القلوب تقروفي هذا المعنى قول الآخر::

إلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلهٌ ... بوادي الخزامي حيث ربتني أهلي
بلادٌ بها نيطت علي تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي

انتهى كلام السهيلي. وهذا المعنى مستوفي في هذا الكتاب في غير هذا الموضع.

ثار حَابِلُهُم على نَابِلِهِم
الثور: الهيجان والوثب: ثار يثور ثوراً فهو ثائر وأثرته وثورته واستثرته.
والحابل يطلق على من شد الشيء بحبل، ومنه المثل الآتي: يا حابل اذكر حلاًّوعلى من نصب الحبالة للصيد أو أخذه فيها. يقال: حبل الصيد واحتبله: إذا أخذه أو نصب له. والنابل والنبل: صاحب النبل وصانعه. والنبل: السهم قال امرؤ القيس:

نطعتهم سلكي ومخلوجة ... كرك لأمين على نابلِ

أي نطعنهم طعنا مستقيما وطعنا معوجا من كل وجه. كرك لأمين أي كردك لأمين أي سهمين على نابل أي على رامٍ في السرعة. وقال أيضاً:

وليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال

و يقال إنَّ الحابل في هذا المثل السدى والنابل الطعمة: فإذا قيل في القوم إنهم ثار حابلهم على نابلهم كان معناه أنهم أشتجروا وأوقدوا الشر فيما بينهم.
ومما يلتحق بهذا الباب قولك: أثقل من الحديد ومن الرصاص ومن حلول الدين مع الاقتار، ونحو ذلك وهو مطرد. وقولهم: ثل عرش فلان إذا هوى أمره وتضعضع عزه وذهب ملكه. قال زهير:

تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامهم النعلُ

و ثلَّ اللهُ عرشه: فعل به ذلك. وقال الأخر:

إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب

و العرش سرير الملك، وسقف البيت، والعز وقوام الأمر ومنه ما ذكر.
ولنذكر بعض ما تيسر من الشعر. قال أبن الرومي:

يا مادح الحقد محتالا له شبه ... لقد سلكت إليه مسلكا وعثا
يا دافن الحقد في ضعفي حنوانحه ... ساء الدفين الذي أضحت له جدثا
الحقد داء دوي لا دواء له ... يدوي الصدور إذا ما جمره حرثا
فأستشفينه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرئ المصدور ما نفثا
إنَّ القبيح وإنَّ ضيعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا
كم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا

و إنّما قال ذلك لأنّه قال: أيضاً في مدح الحقد:

لئن كنت في حفظي لمّا أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضي
لمّا عبتني إلاّ بفضل أمانة ... ورب امرئ يزري على خلقٍ محض
ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض
وما الحقد إلاّ توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض

و اخذ ذلك من قول أبن صالح، حين أتي به الرشيد وهو في قيوده، فقال له يحيى بن خالد وأراد أنَّ يسكته: بلغني انك حقودفقال له: أيها الوزير، إنَّ كان الحقد هو بقاء الخير والشر، انهما لباقيان في قلبيويروى إنّه قال له: إنّما صدري خزانة لحفظ ما استودعت من خير وشر. فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحداً احتج للحقد بمثل ما احتج بهوقال الأخر:

ما طلب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث

وقال الأخر:

إنَّ قوما يلحون في حب سعدي ... لا يكادون يفقهون حديثاً
سمعوا وصفها فلاموا عليها ... وأخذوا طيبا وأعطوا خبيثا

و تقدم هذا المعنى قبل مستوفي.
وقال أبو دلامة:

إنَّ الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإنَّ بحثوا عني ففيهم مباحث

و كانت لرجل عنده شهادة في الحق، فلما طلبه بالأداء قال له: إنَّ شهادتي لا تنفعك عند القاضي. فقال له الرجل: لابد من شهادتكفشهد أبو دلامة وانصرف وهو يقول الشعر المذكور. فحكم القاضي بشهادته وغرم المشهود عليه المال حتى قبضه المشهود له، فغرمه القاضي للمشهود عليه خوفا من ظلمه ليجمع المصلحتين. وقيل إنَّ أبا دلامة استأجر طبيبا ليعالج ابناً له مبلغ من الأجرة، فلما داواه قال للطبيب: إنّه ليس عندي ما أعطيك، ولكن أذهب وادع بهذا المبلغ على من شئتوقيل إنّه قال له ادع على فلان اليهودي به، وإني وأبني نشهد لكفأدعى الطبيب على اليهودي، فجاء أبو دلامة وابنه يشهدان له عند القاضي أبن أبي ليلى أو أبن أبي شبرقة فلما علم أبو دلامة أن القاضي لا يجيز شهادتهما أنشد بحيث يسمعه القاضي ما مر. فلما سمع القاضي ذلك حكم بشهادتهما خوفا من أذاه، وغرم ذلك المبلغ للمحكوم عليه، والله اعلم.

ومن هذا المعنى ما ذكر أبن رشيق عن العتبي من أن رجلا من أهل المدينة ادعى حقاً على رجل، فدعاه إلى أبن حنظب، القاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول فقال: زنقطة فلما ولى قال القاضي: ما شهادته له إلاّ كشهادته عليه. فلما جاء زنقطة أقبل على القاضي وقال له: فداك أبي وأميأحسن والله الشاعر حيث يقول:

من الحنظبيين الذين وجوههم ... دنانير مما شيف في أرض قيصرا

فأقبل القاضي على الكاتب وقال: كبير ورب السماءما أحسبه شهد إلاّ بالحق. أجز شهادتهوقال الصفدي:

صبري الذي اقتسمته غربة ونوى ... كأنما لهما في ذاك ميراث
وكل يومٍ على ما فيه من هرمٍ ... يلقى صروف الليالي وهي أحداث

وقال أبن الحداد يرثي:

شمس الظهيرة هل تدرين ما حدثا ... شمس العشيرة حلت مغربا حدثا
انظر ثبيراً هل أنهدت جوانبه ... لحادث في ثبير الحلم قد حدثا

و من المستحسن في باب الرثاء قول أبي الفرج الجوزي، وقد ليم على اكتحاله يوم عاشوراء:

ولائم لي على اكتحالي ... يوم أراقوا دم الحسين
فقلت: كفواأحق شيءٍ ... فيه بلبس السواد عبني

وقال الأخر يرثي بعض الأمراء:

كان الأمير نظام الدين لؤلؤة ... قد صاغها الله من مجد ومن شرف
عزت فلم تقدر الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف

و قال الآخر في غلام له يلقب بالسيف:

ستذرف أجفاني عليك دموعها ... ولا غرو أن تبكي على السيف أجفان
بكتك عيون الشهب إذ كنت بدرها ... وغالك من قبل التتمة نقصان
وشقت يمين الصبح فيك عن الدجا ... قميصا فأضحى وهو للحزن عريان

وقال الزمخشري يرثي شيخه:

وقائلةٍ: ما هذه الدرر التي ... تناثر من عينيك سمطين سمطين
فقلت: هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني

و قول أبن الحداد:

شقيقك غيب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده
فهلا خسفت فكان الخسوف ... حداداً لبست على فقده

و قول أبن المعتز:

لم تمت أنت إنّما مات من لم ... يبق للمجد والسماحة ذكرا
لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا

وقول العطوي في رجل كان يعول أناسا كثيرين فمات:

وليس صرير النعش ما تسمونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
وليس فتيت المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف

وقال أبن عبدون الوراق:

قبرٌ بسوسة قد قبرت به الفتى ... أدرجت قلبي في مدارج لحده
أسكنته سكنى ورحت كأنني ... في الأرض لا بشراً أرى من بعده
صمت عليَّ مسامعي في وجهه ... صعقت من صعق الصراخ ورعده
وجهدت أن أبكي فلم أجد البكا ... فسكت سكتة صارمٍ في غمده
هبني بكيت له وما يجدي البكا ... ماءٌ بخدي والتراب بخده

و هذا الباب كثير لا يأتي عليه الحصر.

ومن أشهر المراثي وأحسنها مرثية أبي الحسن الأنباري في أبي بقية حين قتله عضد الدولة وصلبه وأولها:

علوٌّفي الحياة وفي الممات: ... لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ

و هي مشهورة معروفة. ولمّا اشتهرت ووصلت إلى عضد الدولة وأنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوبوقال أبن نباتة في النسيب:

يا رب خالٍ على خدِّ الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبثُ
أورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عندي أنَّ الخال لا يرثُ

و في الخال قول الحاجري:

عجبت لخالٍ يعبد النار دائماً ... بخدك لم يحق بها وهو كافرُ
وأعجب من ذا الله تعالى طرفك منذرٌ ... يصدق في آياته وهو ساحرُ
وما أخضر ذاك الخد نبتاً وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائرُ
ومذ أخبروني أنَّ قدك بانةٌ ... تيقنت أنَّ القلب مني طائرُ

و في القد قول الآخر::
بروحي معشوق الجمال فما له ... شبيه ولا في حبه لي لائمُ
تثنى فمات الغصن من حسد من حسدٍ له ... ألم تره ناحت عليه الحمائمُ

وقول الآخر:

قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك
قال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى على غصن أن يستميلك

و يشبه هذا ما حكي أنَّ رجلا دخل دارا ينظرها ليشتريها فسمع في بعض خشبها صوتا فقال: ما هذا فقال صاحب الدار: أعزك اللههذا السقف يسبح لله عز وجل. فقال: أخشى أن يلحقه الخشوع فيسجد.
وقال لبن خفاجة:

وعشيِّ أنسٍ أضجعتني نشوةٌ ... فيه تمهد مضجعي وتدمثُ
خلعت عليَّ بها الأراكة ظلها ... والغصن يصغي والحمام يحدثُ
والشمس تجنح للغروب مريضةً ... والرعد يرقي والغمامة تنفثُ

و مما يستلذ في هذا المعنى قول الآخر:

عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثرِ
ولتغتبقها قهوةٌ ذهبيةٌ ... من راحتي أحوى المدامع أحوارِ
وعشية كم كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد يعذرِ
نلنا بها آمالنا في روضةٍ ... تهدي لناشقها نسيم العنبرِ
والورق يشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميصٍ أصفرِ
والروض بين مفضض ومذهبٍ ... والزهور بين مدرهم ومدنرِ
والنهر مصقول الأبطاح والربا ... والشط بين مزعفرٍ ومعصفرِ
وكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساط أخضرِ
وكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهرِ
وكأنه وجهاته محفوفةٌ ... بالورد والريحان خد معذرِ
نهرٌ اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلاّ لفرقة حسن هذا المنظرِ

وقول مالك بن المرحل:

وعشيةٍ سبق الصباح عشاءها ... قصراً فما أمست حتى أسفرا
مسكينةٍ لبست خلى ذهبيةً ... وجلا تبسمها نقاباً أحمرا
وكأن شهب الجم بعض حليها ... عثرت به من سعةٍ فتكسرا

وقال أبو النصر عبد الجبار:

عليك بأغباب الوصال فضده ... يعيد حبال الوصل منك رثاثا
فلو كلف الإنسان رؤية وجهه ... لطلقه بعد الثلاث ثلاثا

ومثله قول الآخر:

عليك بإغباب الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا

و سيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى وقال الحموي:

أنَّ قوماً يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا

و هذا من الاقتباس وهو أن يؤتى في الكلام المنثور أو المنظوم بلفظ يشبه لفظ القرآن أو الحديث غير منوي به إنّه قرآن أو حديث. ولا بد من هذا القيد الآخر: ولذلك ساغ سوق اللفظ مع تغيير فيه أو في معناه ولا يلزم فيه كفر تبديل القرآن ولا خلاف نقل الحديث بالمعنى. ولنذكر طرفا من ذلك هاهنا: فمن الاقتباس من القرآن في النثر قول الحريري: فلم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب. وهو في الشعر أكثر. ثم إنّه قد يكون اللفظ المقتبس بيتا كاملا كقول أبي محمد بن السيد البطليوسي في بعض مواضعه:

خففوا ثقل الخطايا ... أفلح القوم المخففون
كيف تعطون من الباقي ... وبالفاني تضنون
لن ينالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون

و قول أبن العفيف:

يا عاشقين حاذروا ... مبتسما من ثغره
فطرفه الساحر قد ... شككتم في أمره
يريد أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره

و قد يكون شطر البيت كقول أبي فراس:

قد كان بدر السماء حسناً ... والناس في حبه سواءُ
لا تعجبواربما قديرٌ ... يزيد في الخلق ما يشاءُ

و قول محيي الدين البغدادي:

إن لا مني من رآه فقد ... جار على الغائب في الحكمِ
وإن لحاني من رآه فقد ... أضله الله على علمِ

و قول أبن الدماميني وقد رأى جرة خمر كسرت فساحت الخمر على الأرض:

كسروا الجرة عمداً ... ملؤوا الأرض شرابا
قلت والإسلام ديني: ... ليتني كنت ترابا
و قلت أنا في نحو هذا أخذا منه:
عثرت هيفاء تحكي ... بدر تمٍّ حين غابا
قبَّلَ التراب لماها ... ونضا عنها النقابا
وجنى ورداً ونداً ... وارتوى منها رضابا
قلت لمّا عانقته: ليتني كنت ترابا

و قد يكون أقل من الشطر الثاني كقول أبن النبيه:
قل لراسي الجفون إنَّ لجفني ... في بحار الدموع سبحا طويلا
و هي قصيدة على هذا النمط، أخذ قوافيها من سورة المزمل.

ولابن سهل الإسرائيلي قصيدة أخرى مثلها، اخذ قوافيها من سورة مريم، وكلتاهما مشورة. ومن ذلك قول بعضهم:

إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب: ميعاد السلو المقابر
سيبقى لها في مضمر القلب والحشى ... سرائر ود يوم تبلى السرائر

و قولنا:

في ظيبة هيفاء من أجفانها ... سحر الجفون البابلي تواتراً
فإذا انتضت من جفنها غضبين من ... جفنين قلنا: ساحران تظاهراً

و في التورية في الجفنين. وهذا الاقتباس هنا مما اختلف فيه الأصل والفرع معنى من جهة الحقيقة والمجاز. ومثله قول أبن الرومي يخاطب رجلا مدحه ولم يثبه:

لئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي:
لقد أنزلت حاجتي ... بوادٍ غير ذي زرعٍ

فأنه جعل مجازا عن الرجل الذي لا خير فيه وهو في الآية حقيقة.

ومن الاقتباس في الحديث قول بعضهم:
قال لي إنَّ رقيبي ... سيئ الخلق فداره
قلت: دعني وجهك ... الجنة حفت بالمكاره

أخذ من الحديث: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وقول بعضهم في غلام اسمه بدر فيه تورية:

يا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري
وقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري
فليفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهل بدر

اخذ من الحديث: لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتموقول بعضهم:

ومهفهفٍ يزري على القمر ... وجناته روض في الزهر
خالسته نوار وجنته ... وأخذ منها على حذر
فأخافني قوم فقلت لهم: ... لا قطع في ثمر ولا كثر

فقوله: لا قطعتم في ثمر ولا كثر هو لفظ حديث. والكثر جمار النخل. وقد زاد بعضهم الاقتباس من الفقه، وزاد أخرون الاقتباس من سائر العلوم. فمن الاقتباس من علم الفقه قول أبي تمام:

إنَّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد
مثل الدنانير بالدراهم في ... الصرف حرام إلاّ يدا بيدِ

شرطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل
فلما أردت الأخذ بالشرط عرضوا ... وقالوا يصح البيع والشرط باطل

و قول مالك بن المرحل موريا:

مذهبي تقبيل خد مذهبٍ ... صاحبي ماذا ترى في مذهبي
لا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل المغرب

و قول أبن العفيف:

قضاة الحسن ما صنعي بطرف ... تمنى مثله الرشا الربيب
رمى فأصاب قلبي باجتهادٍ ... صدقتم: كل مجتهد مصيب

وقول أبي عبد الله الشران، وقد كان عند أبن جماعة إعذار، فدعا البلد، ولم يدع الشران فكتب إليه الشران:

ماذا أعد المجد من أعذاره ... في ترك دعوتنا إلى إعذاره
إنَّ كان رسم دون محضرنا اكتفى ... لا بد إنَّ يبقى على إعذاره

و من الاقتباس من علم قول أبي بكر بن حجة الحموي:

أيا عرب الوادي المنيع حجابه ... وأعني به قلبي الذي به خيموا
رفعتم قبابا نصب عيني نحوها ... تجر ذيول النوق والقلب يجزم
منعتم تحيات السلام لموتنا ... غراما وقد متنا فصلوا وسلموا

و قول البوصيري:

خفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم

و قول بهاء الدين زهير:

يقولون لي أنت الذي طار ذكره ... فمن صادر يثنى عليك ووارد
هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي

و مرض شرف الدين بن عنين، فكتب إلى الملك المعظم بن المكل العادل:

انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلاف
أنا كالذي يحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي

فلما بلغه البيتان، نهض إلى زيارته واستصحب ألف دينار. فلما دخل عليه وعاينه قال له: أنت كالذي هو موصول، يحتاج إلى صلة وعائد، فهذه الصلة وأنا العائد.

وقول السليماني:

وإني الذي أقصيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي
و قولنا من أبيات:

فلم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر

و فولنا من أخرى:

قصر الهناء أسى لغير ضرورةٍ ... لولا نواكم، والهوى ممدود

و من أظرف ما وقع في ذلك قول أبن جابر يخاطب معزولا عن ولاية:

فلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه

ومن الاقتباس من علم الحديث قول أبن جابر:

نقل المسواك فيما قد روى ... أنَّ ذاك الريق مسك وعسل
قلت: عن من قال: عن مبسمها ... قلت: هذا خبر صح وجل
مذ تبدى جوهر الثغر لنا ... صح في حسن لدينا ما نقل

و قولنا في هذا المعنى:

نقل النسيم عن الأرائك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الواضح
وحديثه المروي أنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح
يفتر العقدين من برد صفا ... ولآلئٍ منضودة وأقاح
صدقا أحاديث الصحيحين اعتلت ... عن ريبة تغزى لها من لاح

و من الاقتباس من علم أصول الفقه قول أبن جابر:

جئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت: لقد جهلت الطريقه
إنّما موعدي مجاز فقلت: الأصل ... في سائر الكلام الحقيقه

و قوله أيضاً:

لا تعجبوا من عموم الحب في الرشإٍ ... كل الجمال له في الناس مخصوص
بدر ولكن إلى الغزلان منتسب ... قد نص ذلك جيد منه منصوص

و قول آخر:

كيف لي بالسلو عنها وقلبي ... قد هوى حمله بمهوى الخرص
ما تعصيت ظاهر الصبر إلاّ ... ردني جيدها بأوضح نص
و قول أبي بكر بن حجة، رحمه الله تعالى، وهو في الفنين معاً.
بوادي حماة الشام أيمن الشط ... وحقك تطوى شقة الهم بالبسط
بلاد إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بإسفنط
فمن يجتهد في أنَّ بالأرض بقعة ... تماثلها قل: أنت مجتهد مخطي
وصوب حديثي مائها وهوائها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي

ومن الاقتباس من علم الكلام قول أبن جابر:

عرض الحب دون جوهر ذاك ... الثغر من أكبر المحال بجود:
أجمع الناظرون في ذاك أنَّ لا ... عرض دون جوهر في الوجود

و قولنا من أبيات:

فالجسم بالٍ ذو وبالٍ بعدكم ... أبدا به عرض الشحوب جديد

و في هذا البيت الجناس بين بالٍ وبالٍ، والاقتباس في الجسم والعرض، ومراعاة النظير بذلك الاعتبار، والطباق بين البلى والجدة.
ومن الاقتباس من علم المنطق قول أبن جابر:

مقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصله
تمنعا الجمع والخلو معا ... وإنّما ذاك حكم منفصله

و قول أبن الخطيب:

حتى إذا فرض الجلاد جداله ... ورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدها ... أخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط حد سيفك عندها ... جزئي قياسك فزت بالمطلوب

و قول الآخر:

يا دمع أجفاني أطرد يا حر ... أضلاعي أتقد يا قرح اكبادي أنتك
ويقل إتلاف النفوس تلفها ... لفوات حظ منك لم يستدرك
أملي يشك وعفوكم متواطئ ... فأصار من متواطئ لمشكك
مالي سواك لمن أمد يد الرجا ... متمسكا يا ملجأ المتمسك

و من الاقتباس من علم العروض قول الآخر:

له جيش نصر قد نضى السعد دونه ... صوارم روع لا تلقيها القوانس
إذا ما قوافي الخيل فيه تداركت ... فأبشر بنصر بحره متكاوس

و قولنا من قصيدة:

سلام طويل الحب فيكم مديده ... فليس بذي نهك وليس بذي شطر

و قولنا أيضاً في التغزل:

يا شادنا يصيد أساد غيل ... بقوس صدغين وسهم كحيل
بم استبحت دمي الحرم في ... قتلي وحرمت وصالي الحليل
وقطع سببي من ودا ... دك وذا لا يرضينه الخليل

و في الخليل التورية وفي الأبيات أنواع أخرى من البديع ظاهرة.
ومن الاقتباس من علم الهيئة قول الغزالي:

يا حسن ليلتنا التي قد زارنا ... فيها فأنجز ما مضى من وعده
قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده

و قوله أيضاً:

حلت عقارب صدغه من خده ... قمرا يجل به عن التشبيه
ولقد عهدناه يحل ببرجها ... ومن العجائب كيف حلت فيه

و من الاقتباس من علم الهندسة قول أبن جابر:

محيط بشكل الملاحة حسنه ... كأن به أقليدسا يتحدث
فعارضه خط استواءٍ وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث

و من الاقتباس من علم الخط قول أبن جابر أيضاً:

فوق خديه للعذار طريق ... قد بدا تحته بياض وحمره
قيل ماذا فقلت: أشكال حسنٍ ... تقتضني أنَّ أبيع قلبي بنظره

و اعلم أنَّ معظم ما نشدنا، لك إنَّ تجعله من باب الإيهام تورية أو توجهها لا من باب الاقتباس والخطب سهل.
ومما جمع ثلاثة فنون مما مر قول بعضهم:

دارست قلبي الصبر أعتده ... عن عاصم لي منك أو نافع
فلم يكن يرفع ما حل بي ... ورب فعل ليس بالرافع
ضل بي المذهب يا مالكي ... فهل لذلك الوجه من شافع

و مثل هذا قول الآخر:

من شافع لي عند مالك مهجتي ... مالي سوى حبي وليس بنافعي
فمن المحقق أن مذهب مالكٍ ... لا تستقيم لديه حجه شافعي

و هذا الباب أكثر من أن يأتي عليه الحصر.
وقال أبن العربي، وقد وقف عليه مليح وهو في مجلس فهز رمحا بيده، ارتجالا:

يهز علي الرمح ظبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث
فلو كان رمحا واحدا لا تقينه ... ولكنه رمح وثان وثالث

و هذا غاية في القوة العارضة أنسجاما وحسن سبك وصحة معنى، الارتجال وصعوبة القافية. وقد وقع إشكال لجماعة من الأدباء في الشعر وما أريد فيه، وذلك من حيث لم يعتد استعمال الرمح في العيون؛ وإلاّ فهو بين واضح.
وقلت أنا:

لا يلهينك من فتى سرباله ... وبهاء منظره ورونق نفثه
أو تقتحمه من رثاثة زيه ... فتجول في إطرائه أو مغثه
حتى تبين قدره عن فره ... ولجينه عن بحثه
وتميز عن طول الزمان هشيمه ... من غضه وسمينه من غثه
ونفاذه غرض النوائب إنَّ دجت ... من طيشه ووفاء من ملثه
ومقام ما أستودعه من كامن ... الأسرار في كتمانه أو نثه
وترى إذا ما شمت بارق وعده ... أن قد مطرت بوبله أو دثه
وترى جلية قوله إما روى ... نبا لدى تهذيبه أو مقثه
وترى بمرجاس البصيرة غوره ... في وده للأصدقاء ودعثه
فهناك إن احمدته فلتصفه ... ودا وإلاّ فلتحد عن وعثه
فلرب ذي ورم يروق رواؤه ... حسنا وسوف تمجه في دأثه
ولرب مرعى مونق في دمنة ... وإذا شممت صددت عنه لخبثه
ولرب حسي ترتوي من عذبه ... عفوا وتكدي أو تشوب بنبثه
ومهند ذكر حسام باتر ... خلق الجفير من الحوادث رثه
أزرت به مرآته وإذا انتضي ... أرضاك مشهده ومرأى جثه
هذا وإنَّ المرء ليس بحاصد ... أبدا سوى ما قد أتى من حرثه
ولسوف يجني كل ما هو غارس ... في دهره من كرمه أو رمثه
ويرى مغبة سعيه مذخورة ... لمآبه من رمثه أو عيثه

النفث: المراد به الكلام. والإطراء: المبالغ في المدح والمغث ضده واللجين مصغرا: الفضة واللجين مثل أمير زبد أفواه الإبل وما سقط من الورق عند الخبط. وأطلق اللجين واللجين على محمود الأخلاق ومذمومها كما يقولون: إنَّ فلان لا يفرق بين لجين الكلام ولجينه أي بين جيده ورديئه والنفاذ والطيش أصلها في السهام وذكرهما مع ذكر الغرض في النوائب استعارة وفي الغرض مع ذلك توجيه. والملث: الوعد بلا نية الوفاء. والدث: المطر الضعيف. والمرجاس: حجر يرمى في البئر ليعلم به عمقها وفيه أقوال أخرى. واحمدت الرجل: وجدته محمودا وكذا اذممته: فإنَ قلته بلا همزة كان بمعنى الثناء والمناسب هنا الأول. والدأث بفتح الدال المهملة وسكون الهمزة: الأكل والحسي: بئر غير غارقة بمستنقع فيها الماء وينبع منها واكدى الحافر: بلغ كديه في حفره. والرمث بكسر الراء: شجرة معروفة من أشجار البادية وليس لها من الثمرة ما للكرم وهو ضجر العنب فكني بالكرم والرمث عن السعي الذي يجدى نفعا والذي لا نفع فيه كغارس الرمث المذكور. والمث بفتح الراء: الأصلاح وضده العيث وهو الإفساد.
وقول الآخر:

ليل البراغيث داء لا دواء له ... لا بارك الله في ليل البراغيث
كأنهن بجسمي إذ علقن به ... أيدي الشهود على مال المواريث

وقال أبن شرف في معناه:

لك منزل كملت ستارته ... للهو لكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب وظل يزهو حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث

و مثله قول الآخر:

ليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض
فذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغني بلا عروض

و قول أعرابي بات بمصر فآذاه البرغوث:

تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل

و قول الكناني ملغزا فيه:

ومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي

و قول أبن سكرة في مليح يعرف بابن برغوث:

بليت ولا أقول بمن لأني ... متى ما قلت من هو يعشقوه
حبيبي قد نفى عني رقادي ... فإنَ غمضت أيقضني أبوه

وقال البستي:

لا در در نوازل الأحداث ... نقلت احبتنا إلى الأجداث
فغدت مآنسنا وهن مقابر ... وغدت مدائحنا وهن مراث

و في هذا القدر من الباب كفاية. والله يقول الحق وهذا يهدي السبيل.