الجزء الثالث - الباب الثاني: كلام مروان بن الحكم وولده في الخلفاء

الباب الثاني:  كلام مروان بن الحكم وولده في الخلفاء

كتب مروان إلى النعمان بن بشير يخطبُ إليه ابنته أُمَّ أبانٍ لابنه عبد الملك : بسم الله الرحمن الرحيم . من مروان بن الحكم إلى النعمان بن بشير . سلام عليك ، فإني أحمدُ إليكَ الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فإن الله ذا المنِّ والبرهان ، العظمة والسلطان ، قد خصَّكم - معاشر الأنصار - بنُصرة دينه ، وإعزاز نبيه محمدٍ - ( صلى الله عليه وسلم ) - وقد جعلك منهم في البيْتِ العميمِ ، والفرعِ القديم . وقد دعاني إلى إحباب مصاهرتك والإيثار لك على الأكفاءِ من ولدِ أبي . وقد أحبَبْتُ أن تزوِّجَ ابني عبد الملك بن مروان ابنتك أمَّ أبانٍ بنتَ النعمان ، وقد جعلت صداقها ما نطق به لِسانكَ وترنَّمتْ به شفتاك ، وبلغهُ مُناك . وحكمت به في بيت المالِ قبلكَ . فكتب إليه النعمان : من النعمان بن بشير إلى مروان بن الحكم . بدأت باسمي سُنة من رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - وذلك أني سمِعْتُ خليلي - ( صلى الله عليه وسلم ) - يقول : " إذا كتب أحدُكم إلى أحدٍ فلْيبدأ بنفسهِ " .

أما بعد ، فقد بلغني كتابُكَ ، تذكر من مودَّتِك ما أراك صادقاً ، فغُنْماً أصبت ، وبحظِّك أخذْتَ ، ونفسَكَ زكَّيْتَ ، لأناَّ ناسٌ قد جعل الله حميداً حُبنا إيماناً ، وبُغْضنا نفاقاً . وأما ما أطْنَبْتَ فيه من ذكرُ شرفنا ، وقديم سلفنا ، ففي مدحِ الله لنا وذكرِهِ إيانا في كتابهِ المنزل ، وقرآنه المفصَّل على نبيه - ( صلى الله عليه وسلم ) - ما أغنى به عن مدح غيره من المخلوقين ، فأما ما ذكرْتَ من إيثارك إياي بابنك عبد الملك على الأكفاء من ولد أبيك ، فحظِّي منك مردودٌ عليهم ، موفَّرٌ لهم غير مشاحٍّ فيه ، ولا منافَسِ عليه ، وأما ما ذكرتَ من بذْلِك لي من بيت المال قبلي ، وبما نطق به لساني ، وترنَّمتْ به شفتاي ، وبلغه مناى ، فلعمري لقد أصبح حظي فيه - والحمدُ لله - أوفرَ من حظِّكَ ، وسهْمي فيه أجزلَ من سهمِكَ ، وأمري فيه أجوزَ من أمركَ ، وبعدُ : فلو أنَّ نفسي طاوعتني لأصبَحتْ . . . لها حفَدٌ مما يُعَدَّ كثيرُ ولكنها نفسٌ عليَّ كريمةٌ . . . عَيوفٌ لأصهارِ اللئامِ قذورُ في أبياتٍ أُخر قال معاوية لمروان : منْ تَرى لأهل العراق ؟ قال : من لا يَفْحجُ الحلوبَ حتى تدنوَ الدِّرَّة ، ولايدني العلبة َ حتى تمسَحَ الضرَّةَ . وقال مروان لابنه : آثر الحق ، وحصِّنْ مملكتَكَ بالعدل ، فإنهُ سورها المنيع الذي لا يُغْرِقُهُ ماءٌ ، ولا تحرقُهُ نارٌ ، ولا يهدِمُهُ منجنيق . وذكر أبو هريرة معاوية في مجلس فيه مروان فاغتابه ، ثم خاف أن يبلُغَ معاوية ذلك ، فقال : إنَّ رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - قال : " المجالسُ بالأمانة " وسأل مروان أن يكتم عليه . فقال مروانُ : والله . لما ركبت مني في ظنِّك بي أنيِّ أنقُلُ حديثكَ أعظَمُ ممَّا ركبتَ من معاوية .

عبد الملك بن مروان

خطب فقال : أيُّها الناس ، اعملوا لله رغبةً أو رهبةً ، فإنكم بناتُ نِعمتهِ ، وحصيدُ نقمته ، ولا تَغرسُ لكم الآمال إلا ما تجتنيه الآجال . وأقِلُّوا الرغْبةَ فيما يورِثُ العطبَ ، فكلُّ ما تزرَعُهُ العاجلة تقلعه الآجلةُ . واحذروا الجديدين ، فهما يكراَّن عليكم باقتسام النفوسِ ، وهدمِ المأسوس . كفانا الله وإياَّكم سطوة القدر ، وأعاننا بطاعته عن الحذر من شرِّ الزمن ، ومعضلات الفتَن . بصق عبد الملك ، فقصر ، فوقع بصاقه على البساط ، فقام رجل فمسحهُ بثوبه ، فقال عبدُ الملك : أربعة لا يُستحيى من خدمتهم : السلطان والولد ، والضَّيف ، والدابة وأمر للرجلِ بِصِلة . استأذن رجل عليه ، فأذن له ، فوقف بين يديه ووعظه ، فقال عبد الملك لرجلٍ : قل للحاجب ، إذا جاء هذا فلا تمنعه ، وإنما أراد أن يعرفَهُ الحاجبُ فلا يأذنَ له . وقال : إني لأعرف عزّة الرجل من ذلته بجلسته . وقال له ابنه الوليد : ما السياسة ؟ قال : هيبة الخاصة مع صدق مودَّتِها ، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها ، واحتمال هفوات الصنائع . ودخل الشعبي عليه ، فخطَّأه في مجلس واحد في ثلاث ، سَمِع الشعبي منه حديثاً ، فقال : أكتبنيه . فقال : نحن معاشر الخلفاء لا نُكْتِبُ أحداً شيئاً . وذكر رجلاً فكنَّاه فقال : نحن معاشر الخلفاء لا يكنى الرجال في مجالسنا ، ودخل إليه الأخطل ، فدعا له بكرسي . فقال : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : الخلفاء لا تُسْأَل ، فأخجَلهُ في أول مقام . وقال لأخيه عبد العزيز حين وجَّههُ إلى مصر : تفَقَّد كاتبك وحاجبك وجليسك ، فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسِّمُ يعرِفك بحاجبك والخارج من عندك يعرفك بجليسك .

وقال : أفضل الرجال من تواضع عن رفعة ، وزهد عن قدرة ، وأنصف عن قوة . وخاض جلساؤه يوماً في مقتل عثمان ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين ، في أي سنك كنت يومئذٍ ؟ قال : كنت دون المحتَلَم . فقال : فما بلغ من حزنك عليه ؟ قال : شغلني الغضبُ له عن الحزن عليه . وقال : الهدية السحر الظاهر . وقال لمعلم ولده : روِّ بي الشعر يعرفوا به مكارم الأخلاق ، ولا تروِّهم شعرَ هذيل فتزَّين لهم الفرار ، ولا شعر أُححية بن الجلاحَ فتحسِّن لهم البخل ، وأطعمهم اللحمَ تشتد قلوبهم ، وجُزَّ أشعارهم تغلُظ رقابهم . وقال : الفرقُ بين عمرَ وعثمانَ أنَّ عمر ساء ظنُّه فأحكم أمره ، وعثمانَ حسن ظنه فأهمل أمره . ودخل عبدُ الملك على معاوية ومعه بنوه ، فلما جلسوا على الكراسي ، وأخذوا مجالسهم اغتاظ معاويةُ ، ثم قال : كأنك أردت مكاثرتي ببنيك يا بن مروان . وما مثَلي ومثلُكَ ، إلا كما قال الشاعر : يُفاخِرُني بِكَثْرَتِها قريظٌ . . . وقبْلي والد الحَجَلِ الصقور الأبيات . فقال عبد الملك : يا أمير المؤمنين ، إنما هؤلاء ولدك ويَدُكَ وعضُدُك ، وقد علمتُ إنما خفْتُ عليهم العينَ ، وليسو عائدين . كتب عبد الملك إلى الحجاج : إنك قِدْحُ ابن مقبل ، يريد قوله : خروجَ مِنَ الغُمَّى ، إذا صُكَّ صَكةً . . . بدا والعيونَ المُسْتَكِفَّة تلمحُ وكتب إليه مرة : أما بعد ، فإنك سالمٌ والسلامُ . يريدُ قوله : يُديرونني عن سالمٍ وأُديرَهم . . . وجِلْدَةُ بين العينِ والأنفِ سالمُ وقال عبد الملك لعبد الله بن مسعدة الفزاري : أتدري أي النساء أفضل ؟ قال : اللَّواتي يقول أهل الرجل قد سحرتهُ . وقيل له عَجِلَ عليكَ الشيبُ يا أمير المؤمنين . قال : وكيف لا يعجل عليَّ ، وأنا أعرضُ عقلي على الناسِ كل جمعة مرة أو مرتين . يعني خُطْبةُ الجمعة وبعض ما يعرض من الأمور . وخطب مرةً فقال : إني والله ما أنا بالخليفة المستضعفِ - يعني : عثمان - ولا أنا بالخليفة المداهِنِ - يعني : معاوية - و لا أنا بالخليفة المأْبون يعني يزيد . وقال : لو ألقيتُ الخيزُرانةَ من يدي لذهب شطرُ كلامي . وقال لمعلِّم ولدِه : علِّمهم العومَ ، وخُذْهم بقلَّةِ النوم . وقال عبد الملك : لقد كنت أمشي في الزرع فأتقي الجندب أن أقتله ، وإنَّ الحجاج ليكتب إليّ في قتل فئامٍ من الناس فما أحفل بذلك . ومن كلامه : لا تُلْحِفوا إذا سألتم ، ولا تبخَلوا إذا سُئِلْتُم . ونظر إلى عُمَرَ بن عبد العزيز وهو غلام ، فقال : إنِّي لأرى غلاماً أوشكت همَّتَهُ أن ترفعهُ عن الدنيا . وكان عبد الملك بخيلاً ، فقال يوماً لكُثَيِّر : أي الشعر أفضل ؟ فقال : كُثير يُعَرِّضُ ببخْلِهِ : أفضله قول المقنَّع الكنْدي : إنِّي أُحَرِّضُ أهلَ البخل كلُّهُم . . . لو كان ينفعُ أهل البخلِ تحريضي وهي أبيات ، فقال عبد الملك - وعرف ما أراد - الله أصدقُ من المقنَّع إذ يقول : " والذينَ إذا أنفقوا لَم يُسرِفوا ولم يَقْتروا وكان بين ذلك قَواما " .

ولما سقطت ثنايا عبد الملك في الطست قال : والله لولا الخطبةُ ، والنساء ما حفلتُ بها . وذُكر عنده عمرُ فقال : قَلِّلوا من ذِكره ، فإنه طعنٌ على الأئمةِ ، حسرةٌ على الأمةِ . وقال : اطلبوا معيشةً لا يقدِرُ سلطانٌ جائرٌ على غصبها . فقيل : وما هو ؟ قال : الأدب . وكتب إلى الحجاج : جنِّبني دماء آل أبي طالب ، فإني رأيتُ بني حربٍ لما قتلوا حُسيناً نزع الله الملك منهم . دخل إليه أعرابي فبرك بين يديه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إن الناقة إذا منعت الحليب قَوَّمَتْها العصا ، فقال عبد الملك : إذاً تكفئ الإناء ، ونكسرُ أنف الحالب . وقال لزُفر بن الحارث : ما ظنُّك بي ؟ قال : ظنِّي بك أنك تقتلني ، فقال ، قد أكذب الله ظنك ، وقد عفوتُ عنك . ونازعه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فأربى عليه ، فقيل له : لو شكوتَه إلى عمه لانتقم لك منه ، فقال : مثلي لا يشكو ، ولا أعدُّ - أنا - انتقام غيري لي انتقاماً ، فلما استخلف قيل له في ذلك ، فقال : حِقدُ الُسُّلْطانِ عجز . وقالت له حُبَي المدينية : أقتلتَ عمراً ؟ فقال : قتلته وهو أعزُّ عليَّ من دم ناظري ، ولكن لا يجتمع فحلان في شَوْلٍ . وكتب إلى الحجاج ولا توَلينَّ الأحكام بين الناسِ جاهلاً بالأحكام ، ولا حديداً طائشاً عند الخصامِ ، ولا طمِعاً هلعاً يقرُّبُ أهل الغنى ويبُشُّ بأهل السعة ، فيكسر بذلك أفئدة ذوي الحاجة ، ويقطع ألسنتهم عن الإدلاء بالحجة ، والإبلاغ في الصفة ، واعلم أن الجاهل لا يعلم، والحديد لا يفهم ، والطائشَ القلقَ لا يعقِل ، والطمع الشره لا ينفَعُ عند الحجة ، ولا تغني قِبَلَه البيِّنةُ . والسلام . قالوا: أشرفَ يوماً على أصحابه ، وهم يذكرون سيرةَ عمر - رضي الله عنه - فغاظه ذلك ، فقال : إيهاً عن ذِكْرِ عمر ، فإنه إزراءٌ بالوُلاة مفسدة للرعية . وكان إذا أراد أن يولي رجلاً عمل البريدِ سأل عن صدقه ونزاهته وأناته ، ويقول: كذبه شكِّك في صدقه ، وشرهه يدعوه في الحق إلى كتمانه ، وعجلته تهجم بمن فوقه على ما يُؤثْمهُ ويُندِمُه . وقيل له: ما المروءة ؟ قال : موالاة الأكفاء ، ومداجاةُ الأعداء . قال له رجل : إني أريد أن أُسرَّ إليك شيئاً ، فقال عبدُ الملك لأصحابه : إذا شئتم . فنهضوا ، فأرادَ الرجل الكلامَ ، فقال له عبدُ الملك : قفْ ، لا تمدحني ، فإني أعلمُ بنفسي منكَ ، ولا تكذبني ، فإنه لا رأيَ للكذوب ولا تغتَبْ عندي أحداً . فقال : أفتأْذَنُ يا أمير المؤمنين في الانصراف ؟ قال: إذا شئتَ . وقال له رجلٌ من أهلِ الكتابةِ كان موصوفاً بقراءة الكتب وهو بالمدينة : إن بشَّرتُك بشارةً تسرُّك ما تجعلُ لي ؟ قال : وما مقدارها في السرور حتى نعلم مقدارها من الجعل ؟ قال : أن تملِكَ الأرض . قال : ما لي من مال ، ولكن أرأيتَ إن تكلَّفتُ لك جُعْلاً أتأتيني بذلك قبل وقته ؟ قال : لا ، قال : فإن حرمْتُكَ أتؤخِّرُهُ عن وقته ؟ قال : لا . قال : حسبُكَ ما سمعتْ . وكتب إلى الحجاج : إني قد استعملتُك على العراقَيْن صدمة ، فاخرج إليهما كميش الإزار شديد العذار منطوي الخصيلة قليل الثميلة ، غرار النوم ، طويل اليوم . فاضغط الكوفة ضغطة تحبق منها البصرة ، وارم بنفسك الغرض الأقصى ، فإني قد رميته بك ، وأرد ما أردته منك . والسلام . ولما ولي عبد الملك صعد المنبر ، فقال بعد الحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي - ( صلى الله عليه وسلم ) - : أن الله اختصنا بالكرامة ، وانتجبنا للولاية وآثرنا بالخلافة ، وأنا عبد من عبيد الله ، وخازن من خزان الله على مقاليد الأرض ، فإذا شاء لعبدٍ برزقٍ أنرني فأعطيته ، وإذا حرم عبداً أجرى ذلك على يدي ، فسلوا الله قضاء حوائجكم ، ونجاح طلباتكم، وإليه يكون معادكم ، ولا يمنعن رجلاً سألني اليومَ فحرمته أن يسألني غداً ، فإنما الأمورُ إلى الله عزَّ وجلَّ وبيده . ولمَّا أتاه خلعُ ابن الأشعث صعد المنبر فقال : فيومٌ علينا ، واليومٌ لنا . . . ويومٌ نُساءُ ، ويومٌ نسَرُّ إن أهل العراق استعجلوا قدري قبل انقضاء أجلي ، اللهم لا تسلِّط علينا من هوَ شرُّ منا ، ولا تسلطنا على من هو خيرٌ منا . اللهم صب سيف أهل الشام على أهل العراق حتى يبلغوا رضاك ، فلا تجاوزه إلى سخطك . فقام عدي بن أرطأة من ناحية المسجد ، فقال : إنا والله لا نقول كما قال قوم موسى : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن نقاتل معك ، ونجاهد المنافقين ، فكان أول يوم عرف فيه عدي . وكان عبد الملك يقول : اللحن هجنة على الشريف ، والعجب آفة الرأي . وقال اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدري في الوجه . وقال على المنبر : لم تنصفونا يا معشر الرعية . تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ، ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا بسيرة أصحاب أبي بكر وعمر ، نسأل الله أن يعين كلاًّ على كلٍّ . قال عمرو بن عبيد : كتب عبد الملك وصية بيده ، وأمر الناس بتدبر ما فيها وهي: إن الله جعل لعباده عقولاً عاقبهم بها على معصيته ، وأثابهم على طاعته ، فالناس بين محسنٍ بنعمة الله عليه ، ومسيء بخذلان الله إياه ، ولله النعمة على المحسن والحجة على المسيء ، فما أولى بمن تمت عليه النعمة في نفسه ، ورأى العبرة في غيره ، بأن يضع الدنيا حيث وضعها الله ، فيعطي ما عليه منها ولا يكترث بما ليس له فيها ، فإن الدنيا دار فناءٍ ولا سبيل إلى بقائها . ولابد من لقاء الله ، فأحذِّركم الله الذي حذركم نفسه ، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها ، فلا تقدرون فيها على توبة . وليست لكم منها أوبة ، وأنا استخلف الله عليكم ، وأستخلفه منكم . وأذن يوماً لخاصته ، فأخذوا مجالسهم ، وأقبل رجلٌ منهم على عيب مصعب بعد قتله ، فنظر إليه عبد الملك نظر كراهية ، لما قال ، ثم قال : أمسك . أما علمت أن من صغر مقتولاً فقد أزرى بقاتله . ولما قتل عمرو بن سعيد أذن للناس أذناً عاماً ، فدخلوا عليه - وجثة عمرو في ناحية البيت - فلما أخذوا مجالسهم تكلم عبد الملك فقال : إرموا بأبصاركم نحو مصارع أهل المعصية ، واجعلوا سلفهم لمن غبر منكم غظة ، ولا تكونوا أغفالاً من حسن الاعتبار ، فتنزل بكم جائحة السطوة ، وتجوس خلالكم بوادر النقمة ، وتطأ رقابكم بثقلها المعصية ، فتجعلكم همداً ، رفاتاً ، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتاً . وإياي من قول قائلٍ ، وسفه جاهل ، فإن ما بيني وبينكم أن أسمع النعرة ، فأصمم تصميم الحسام المطرور ، وأصول صيال الحنق الموتور ، إنما هي المصافحة والمكافحة بظبات السيوف ، وأسنة الرماح ، فتاب تائب ، أو هلك خائب ، والتوب مقبول ، والإحسان مبذول لمن أبصر حظه ، وعرف رشده . فانظروا لأنفسكم ، وأقبلوا على حظوظكم ، وليكن أهل الطاعة منكم يداً على ذوي الجهل من سفهائكم ، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغد عيشها ، ونفيس زينتها ، فإنكم من ذاك بين قضيتين : عاجل الخفض والدعة ، وآجل الجزاء والمثوبة . عصمكم الله من الشيطان ، وفتنته ونزغه ، وأيدكم بحسن معونته وحفظه . انهضوا - رحمكم الله - لقبض أعطياتكم غير مقطوعة عنكم ، ولا ممنوعة منكم ، ولا مكدرة عليكم إن شاء الله . قال : فخرج القوم بداراً كلهم يخاف أن تكون السطوة به . سمع عبد الملك شعر عمر بن أبي ربيعة ، فقال : بئس الجار الغيور أنت ، وكان يقول : حقد السلطان عجز ، والأخذ بالقدرة لؤم ، والعفو أقرب للتقوى ، وأتم للنعمة .

الوليد بن عبد الملك

جاء إليه رجل فقال : عن فلاناً نال منك . قال : أتريد أن تقتص أوتارك من الناس بي ؟ . وهرب من الطاعون ، فقال له رجلٌ : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول : " لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل وإذأً لا تمتعون إلا قليل " فقال الوليد : إنما نريد ذلك القليل . وقال له رجل : عن فلاناً شتمك ، فأكب ، ثم قال : أراه شتمك . وكان الوليد لحاناً فدخل عليه يوماً رجل من العرب ، فقال له الوليد : ما شأنك ؟ قال : أود في أنفي واعوجاج . فقال له رجل من أصحابه : إن أمير المؤمنين يقول لك : ما شأنك ؟ فقال : كذا وكذا : ودخل إليه آخر فتظلم من ختن له . فقال الوليد : من ختنك ؟ فقال : معذر في الحي يا أمير المؤمنين .

قال عطاء : قلت للوليد : قال عمرو بن الخطاب : وددت أني سلمت من الخلافة كفافاً لا علي ولا لي . قال : كذبت ، الخليفة يقول هذا ؟ قلت : أو كذبت ؟ قال : فأفلت منه بجريعة الذقن . وقال يوماً : والله لأشفعن للحجاج بن يوسف . وذكر يوماً علياً - رضي الله عنه - على المنبر ، فقال : لص بن لص . قال بعضهم : ما أدرى أي أمريه أعجب ، لحنه فيما لا يلحن فيه ، أو نسبته علياً - رضي الله عنه - إلى اللصوصية ، ومر الوليد بمعلم صبيان ، فرأى جارية ، فقال : ويلك ما هذه الجارية ؟ قال : أعلمها القرآن . قال : فليكن الذي يعلمها أصغر منها . ولما استعمل يزيد بن أبي مسلم بعد الحجاج قال : أنا كمن سقط منه درهم فأصاب ديناراً . وسمع يقول على المنبر : عن حدثتكم وكذبتكم فلا طاعة لى عليكم ، وإن وعدتكم فأخلفتكم فلا طاعة لي عليكم . قال الجاحظ : فيقول : مثل هذا الكلام ثم يقول لأبيه : يا أمير المؤمنين ، قتل أبي فديك . وقال مرة : يا غلام ، رد الفرسان الصادان عن الميدان . وكان عبد الملك يقول أضر بالوليد حبنا له ، ولم نوجهه إلى البادية ، وصلى يوماً فقرأ : " ياليتها كانت القاضية " ، فقال عمر بن عبد العزيز : عليك . وروي عن أبي إسحاق بن قبيصة قال : كانت كتب الوليد تأتينا ملحونة وكذلك كتب محمد أخيه . قال : فقلت لمولى لهم : ما بال كتبكم تأتينا ملحونة ، وأنتم أهل الخلافة ؟ فأخبره بقولي ، فإذا كتاب منه ، قد ورد علي : أما بعد ، فقد أخبرني فلان بالذي قلت ، وما أحسبك تشك أن قريشاً أفصح من الأشعريين . والسلام .

ودخل على الوليد شيخان ، فقال أحدهما : نجدك تملك عشرين سنة ، فقال الآخر : كذبت ، بل نجده يملك ستين سنة. قال ، فقال الوليد : ما الذي قال هذا لاثٍ بصغري ولا الذي قال هذا يغر مثلي ، والله لأجمعن المال جمع من يعيش أبداً ، ولأفرقنه تفريق من يموت غداً . وخطب فقال : إن أمير المؤمنين عبد الملك كان يقول : الحجاج جلدة ما بين عيني ، ألا وإنه جلدة وجهي كله . ولما مات عبد الملك صعد الوليد المنبر ، فجمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : لم أر مثلها مصيبة ولم أر مثله ثواباً : موت أمير المؤمنين ، والخلافة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على المصيبة ، والحمد لله رب العالمين على النعمة انهضوا فبايعوا على بركة الله . مات لعبد الملك ابن ، فجاء الوليد فعزاه ، فقال : يا بني، مصيبتي فيك أعظم من مصيبتي بأخيك ، متى رأيت ابناً عزى أباه ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أمي أمرتني بذلك . قال : هو من مشورة النساء . وروي أن الوليد قام على المنبر بعد موت عبد الملك ، فقال : يالها من مصيبة ما أفجعها وأعظمها ، وأشدها وأوجعها وأغمها موت أمير المؤمنين ويالها نعمة ما أعظم المنة من الله تعالى علي فيها ، وأوجب للشكر له بها ، خلافته التي سربلتها ، فكان أول من عزى نفسه وهنأها بالخلافة . فأقبل غيلان بن مسلمة الثقفي ، فسلم عليه بالخلافة ثم قال : أصبحت يا أمير المؤمنين ورثت خير الآباء ، وسميت خير الأسماء ، وأعطيت أفضل الأشياء فعزم الله لك على الرزية بالصبر ، وأعطاك في ذلك نوافل الأجر ، وأعانك في حسن ثوابه على الشكر ، ثم قضى لعبد الملك بخير القضية ، وأنزله المنازل الرضية . فأعجبه كلامه وقال : أثقفي أنت ؟ قال : نعم وأحد بني معتب . فسأله : كم هو من العطاء ؟ فقال : في مائة دينار . فألحقه بشرف العطاء ، فكان أمل من ألحق بشرف العطاء .

فقال الوليد : لا تذكروا عمر بن الخطاب على أبوابنا ولا عندنا ، فإن ذكره طعن علينا .

سليمان بن عبد الملك     

تكلم وفد بين يدي سليمان فأخطئوا ، وتكلم بعدهم رجل فأبلغ . فقال سليمان : كأن كلامكم بعد كلامه سحابة لبدت عجاجه . وقال : عجبت لهذه الأعاجم ، ملكت طول الدهر ، فلمم تحتج إلى العرب ، وملكت العرب فلم تستغن عنهم. وتغدى سليمان بن عبد الملك عند يزيد بن المهلب ، فقيل له : صف لنا أحسن ما كان في منزله . قال : رأيت غلمانه يخدمونه بالإشارة دون القول . وقال : قد أكلنا الطيب ، ولبسنا اللين ، وركبنا وامتطينا الفاره العذراء ، فلم يبق من لذتي إلا صديق أطرح بيني وبينه مؤونة التحفظ . سمع سليمان رجلاً من الأعراب في سنة جدبة يقول : رب العباد مالنا ومالكا ؟ . . . قد كنت تسقينا فما بدا لكا أنزل علينا الغيث ، لا أبا لكا فقال سليمان أشهد أن لا أبا له ، ولا ولد له ولا صاحب . قال المبرد : فأخرجه أحسن مخرج .

قال سليمان ليزيد بن المهلب : ثلاث أنكرهن منك ، خفك أبيض مثل ثوبك ، ولا يكون خف الرجل مثل ثوبه ، وطيبك ظاهر ، وطيب الرجل يشم ولا يرى أثره ، وتكثر من مس لحيتك . قال : فغير خفه وطيبه . وقال : ما رأيت عاقلاً بهم أمرٍ إلا كان معوله على لحيته . وخطب فقال : الحمد لله الذي ما شاء صنع ، ومن شاء رفع ، ومن شاء وضع ، ومن شاء أعطى ومن شاء منع . إن الدنيا دار غرور ، ومنزل باطل وزينة ، تقلب بأهلها ، تضحك باكياً ، وتبكي ضاحكاً ، وتخيف آمناً ، وتؤمن خائفاً ، تفقر مثريها ، وتقرب مقصيها ، ميالة لاعبة بأهلها . عباد الله ، اتخذوا كتاب الله إماماً ، وارضوا به حكماً ، واجعلوه لكم قائداً ، فإنه ناسخ لما كان قبله ، ولن ينسخه كتاب بعده . اعلموا عباد الله : أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه ، كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس أدبار الليل إذا عسعس . وكان سليمان يقول : المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث يفخم اللحن كما يفخم نافع بن جبير الإعراب . وجمع بين الزهري وقتادة ، فغلب قتادة الزهري ، فقيل لسليمان في ذلك ، فقال : إنه فقيه مليح . وقيل : كان أول كلام بارع سمع من سليمان قوله : الكلام فيما يعنيك خيرٌ من السكوت عما يضرك ، والسكوت عما يغنيك خير من الكلام عما يضرك .

وقال : قد ركبنا الفاره وتبطنا الحسناء ، ولبسنا اللين ، وأكلنا ، الطيب حتى أجمناه ، وما أنا اليوم إلى شيء بأحوج مني إلى جليس يضع عني مئونة التحفظ . وروي عن قحذمٍ قال : فعل سليمان في غداةٍ ما لم يفعل عمر بن عبد العزيز ، أطلق ثمانين ألف أسير وكتب أن يبتتوا أي : يزودوا ، والبتات : الزاد .

يزيد بن عبد الملك

كتب إليه عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس يستأذنه في غلامٍ يهديه إليه ، فكتب إليه يزيد : إن كنت لا بد فاعلاً فليكن جميلاً ظريفاً لبيباً أديباً كاتباً ، فقيهاً حلواً ، عاقلاً أميناً سرياً ، يقول فيحسن ، ويحضر فيزين ، ويغيب فيؤمن . فكتب إليه : قد التمست صفة أمير المؤمنين ، فلم أجدها إلا في القاسم بن محمد ، وقد أبى أهله بيعه .

هشام بن عبد الملك

ذكر خالد بن صفوان خالد بن عبد الله القسري عند هشام ، فقال هشام : إن خالداً أدلَّ فأمل ، وأوجف فأعجف ، ولم يترك لأوبة مرجعاً ، ولا للصلح موضعاً ، وإني لكما قال الشاعر : إذا انصرفت نفسي عن الشيئ لم تكد . . . إليه بوجه آخر الدهر تقبل نهض هشام عن مجلسه مرة ، فسقط رداؤه عن منكبه ، فتناوله بعض جلسائه ، ليرده إلى موضعه ، فجذبه هشام من يده ، وقال : مهلاً إنا لا نتخذ جلساؤنا خولاً .

عدت لهشام مع دهائه سقطتان إحداهما : أن الحادي حدا به ، فقال : إن عليك أيها البختي . . . أكرم من تمشي به المطي فقال هشام : صدق . والأخرى : أنه ذكر عنده سليمان بن عبد الملك ، فقال : والله لأشكونه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك . وقال له مسلمة أخوه : كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل . وأنت جبان ؟ قالك لأني حليم وأني عفيف . وسمع هشام قول الكميت : مبدياً صفحتي على الموقف المع . . . لم ، بالله قوتي واعتصامي فقال : شري الترابي . افتتح هشام الصلاة فأرتج عليه فلم يفتح عليه أحد ، فقال : " أليس منكم رجل رشيد " . خطب هشام ، حين ولي ، أول ما خطب ، فقال : الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام . فأخبر بذلك محمد بن عمرو ، فقال : لكن عمر بن عبد العزيز كان إذا خطب بكى ، ثم قال : " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به". وكان سعيد بن هشام زانياً يتعرض للنساء ، فأخبر بذلك أبوه ، فقال : أيزني القرشي ؟ إنما مثلك يأخذ مال هذا ، ويعطيه هذا ، ويقتل هذا . ولما أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له : لا تخرج ، فإن الخلفاء لا يظعنون ، ولم نر خليفة ظعن ، فقال : أنتم تريدون أن تجربوا بي ، ونزل الرصافة وهي برية .

وقال : إنا نستعمل الرجل ، فنظن به خيراً ، فنكشفه عن خير ، فما رأينا خيره دون امتحان ، ولا تبينا دون تجربة . وذكر أنه وجد لهشام اثنا عشر ألف قميص قد أثر بها كلها . وحج هشام ، فلقيته قريش ، فنظر إليها الأبرش الكلبي فعجب لجمالها ومنطقها ، فقال هشام : إنه والله رب فحل كريم خطر على هجمانها .

الوليد بن يزيد

أتي هشام بعود ، فقال للوليد : ما هذا ؟ قال : خشب يشقق ثم يرقق ، ثم يلصق ثم تعلق عليه أوتار فينطق فتضرب الكرام رؤوسها بالحيطان سروراً به . وما في المجلس أحدق إلا وهو يعلم منه ما أعلمه ، وأنت أولهم يا أمير المؤمنين . وقد قيل : إن هذا الكلام هو للوليد بن مسعدة الفزاري مع عبد الله بن مروان . وحكى بعضهم قال : رأيت هشام بن عبد الملك يوم توفي مسلمة بن عبد الملك إذا طلع الوليد وهو نشوان يجر مطرف خز ، فوقف على هشام ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن عقبي من بقي لحوق بمن مضى ، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى ، واختل الثغر فوهى ، وعلى إثر من سلف يمضي من خلف ، فتزودوا ، فإن خير الزاد التقوى . قال : فأعرض هشام ولم يحر جواباً ووجم الناس . وقال : يا بني أمية ، إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ، ويزيد في الشهوة ، ويهدم المروءة ، وينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعل السكر . فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء رقية الزناء وإني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة ، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة . ولكن الحق أحق أن يقال . وكان الوليد ماجناً خليعاً منهمكاً في اللذات ، مشغوفاً بالخمر ، والغناء ، مطعوناً في دينه . ولما نعي له هشام قال : والله لأعقبن هذة النعمة بشكرة قبل الظهر . وتكلم بعض جلسائه ، ومغنية تغنيه ، فكره ذلك وضجر ، وقال لبعض الحاضرين : قم فنه ، فقام وفاكه والناس حضور والوليد يضحك . وذكرت جارية له أنه واقعها وهو سكران ، فلما تنحى عنها أذن المؤذن بالصلاة ، فحلف ألا يصلي بالناس غيرها ، فخرجت متلثمة فصلت بالناس . وقيل : أنه وثب على ابنة له فافترعها ، وإنه كان يلوط بأخٍ له كان مليحاً . وقال الوليد البندار : حججت مع الوليد بن يزيد ، وهو ولي عهدٍ وكان هشام أراد خلعه ، فأخرجه على الموسم ، وعلم أنه لا يترك خلاعته ومجونه ، فيفتضح عند أهل الحرمين ، فيكون ذلك عذراً إذا أراد خلعه ، فقلت له لما أراد أن يخطب : أيها الأمير ، إن اليوم يوم يشهده الناس من سائر الآفاق ، فأريد أن تشرفني بئ . قال : ما هو ؟ قلت : إذا علوت المنبر دعوت بي ، فيتحدث الناس بذلك ، وبأنك أسررت إلي شيئاً . فقال : أفعل . فلما جلس على المنبر قال : الوليد البندار . فقمت ، فقال : أدن مني . فدنوت، فأخذ أذني ثم قال لي : الوليد البندار ولد زنى ، والوليد بن يزيد ولد زنى . وكل من ترى حولي أولاد زنى . أفهمت ؟ قلت : نعم قال : انزل الآن ، فنزلت . وقيل : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ثم يجمع جراميزه ويثب ، فكأنما خلق على ظهر فرسه ، فكان الوليد بن يزيد يفعل مثل ذلك ، وفعله مرة وهو ولي عهده ثم أقبل على مسلمة بن هشام : فقال له : أبوك يحسن مثل هذا ؟ فال مسلمة : لأبي مائة عبد يحسنون هذا . فقال الناس : لم ينصفه في الجواب .

وقال عمرو بن عتبة بن أبي سفيان للوليد : إنك تستنطقني بالأنس بك ، وأكفت من ذلك بالهيبة لك ، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك ، فأسكت مطيعاً أو أقول مشفقاً ؟ قال : كل ذلك مقبول منك ، ولله فينا علمٌ نحن صائرون إليه ، ونعود فنقول : قال : فقتل بعد أيام . قال العلاء بن المغيرة البندار : قلت للوليد : إني أريد العراق أفلك حاجة يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ، بربط . من صنعة زربي . قال حماد الراوية : دخلت على الوليد بن يزيد وإذا عنده رجلان ، فقالا : قد نظرنا فيما أمر به امير المؤمنين ، فوجدناه يعيش مؤيداً منصوراً ، يزجي له الخراج ، وتخلص له قلوب الرعية ثلاثين سنة . قال : فقلت في نفسي : والله لأخدعنه كما خدعاه . فقلت : يا أمير المؤمنين ، نحن أعلم بالرواية والآثار ، وقد نظرنا في هذا الأمر من قبلهما ، فوجدناك تعيش على ما ذكر أربعين سنة . قال : فنكت في الأرض ثم قال : لا ما قال هذان يغرني ، ولا ما قلت يبطرني ، والله لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد ، ولأصرفنه في حقه صرف من يموت في غد . وقد روي مثل هذا الكلام عن الوليد بن عبد الملك .

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

لما قتل الوليد بن يزيد قال يزيد خطيباً ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ، ولا حرصاً على الدنيا ، ولا رغبة في الملك ، وما بي إطراء نفسي ، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجت غضباً لله ولدينه ، وداعياً إلى الله ، وإلى سنة نبيه ، لما هدمت معالم الهدى ، وأطفئ نور أهل التقوى ، وظهر الجبار العنيد ، المستحل لكل حرمة ، والراكب لكل بدعة ، مع أنه والله ما كان يؤمن بيوم الحساب ، وإنه لابن عمي في النسب ، وكفئي في الحسب . فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمري ، وسألته ألا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي ، حتى أراح الله منه العباد ، وطهر منه البلاد بحول الله وقوته ، لا بحولي وقوتي . أيها الناس ، إن لكم علي ألا أضع حجراً على حجرٍ ، ولا لبنة على لبنة ، ولا أكري نهراً ، ولا أكنز كالاً ، ولا أعطيه زوجةٌ ولا ولداً ، ولا أنقل مالاً من بلدٍ إلى بلدٍ ، حتى أسد فقر ذلك البلد وخصاصة أهله ، بما يغنيهم ، فإن فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه منه ، ولا أجمركم في بعوثكم فأفتنكم ، وأفتن أهليكم ، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم ، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به من بلادهم ، وأقطع نسلهم ، ولكن عندي أعطياتكم في كل سنة ، وأرزاقكم في كل شهر ، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين ، فيكون أقصاهم كأدناهم . فإن أنا وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة ، وحسن المؤازرة والمكانفة ، وإن أنا لم أوف لكم فلكم أن تخلعوني إلا تستتيبوني ، فإن تبت قبلتم مني . وإن عرفتم أحداً يقوم مقامي ممن يعرف بالصلاح ، يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم ، فأردتم أن تبايعوه ، فأنا أول من بايعه ، ودخل في طاعته . أيها الناس ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم . وخطب فقال : الأمر أمر الله ، والطاعة طاعة الله ، فأطيعوني بطاعة الله ما أطعت الله يغفر الله لي ولكم . وكتب إلى مروان حين تربص ببيعته : أما بعد ، فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر الأخرى ، فاعتمد أيتهما شئت ، والسلام . وكان يزيد يتأله ، ويظهر النسك ، فكان أبوه الوليد إذا ذكر بنيه قال : عبد العزيز سيدنا ، والعباس فارسنا ، ويزيد ناسكنا ، وروحٌ عالمنا ، وبشرٌ فتانا ، وعمر فحلنا ، وكان له تسعون ابناً .

مسلمة

قال : عجبت لمن أحفى شعره ثم أعفاه ، وقصر شاربه ثم أطاله ، أو كان صاحب سراري ، فاتخذ المهيرات . وقال: لا أزال في فسحة من أمر الرجل حتى أصطنع عنده يداً ، فإذا اصطنعتها لم يكن إلا ربها . ولما حضرته الوفاة أوصى بثلث ماله لأهل الأدب ، وقال : صناعة مجفوٌّ أهلها . وكان إذا كثر عليه أصحاب الحوائج وخشي الضجر أمر أن يحضر ندماؤه من أهل الأدب ، فيتذاكرون مكارم الناس وجميل طرائفهم ومروءاتهم فيطرب ، ويهيج ، ثم يقول : ائذنوا لأصحاب الحاجة ، فلا يدخل أحد إلا قضى حاجته . وقال هشام : يا أبا سعيد ، هل دخلك ذعر قط من حرب شهدتها أو لعدو ؟ قال : ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه علي حيلة ، ولم يغشني فيها ذعر يسلبني رأيي . قال هشام : هذه البسالة . ودخل على معر بن عبد العزيز في مرضه الذي مات فيه ، فقال : ألا توصي يا أمير المؤمنين؟ قال : بم أوصي ؟ فوالله إن لي من مال . فقال : هذه مائة ألف ، مر فيها بما أحبت . قال : أو تقبل ؟ قال : نعم . قال: تردها على من أخذتها منه ظلماً . فبكى مسلمة ثم قال : يرحمك الله ، لقد ألنت منا قلوباً قاسية ، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً . واستبطأ عبد الملك ابنه مسلمة في مسيره إلى الروم ، فكتب إليه : لمن الظعائن سيرهن تزحف؟... سير السفين إذا تقاعس يجدف فلما قرأ مسلمة الكتاب ، كتب في جوابه : ومستعجبٌ مما يرى من أناتنا . . . ولو زبنته الحرب لم يترمرم وسمع مسلمة رجلاً يتمثل بقول الشاعر ، وقد دلي بعض بني مروان في قبره : ما كان قيس هلكه هلك واحد . . . ولكنه بنيان قومٍ تهدما فقال مسلمة : لقد تكلمت بكلمة شيطانٍ ، هلا قلت : إذا مقرم منا ذرا حد نابه . . . تخمط فينا ناب آخر مقرم وقال رجل عند مسلمة : ما استرحنا من حائك كندة حتى أتانا هذا المزوني ، قال مسلمة : تقول لرجل سار إليه قريعاً قريش ، يعني نفسه والعباس بن الوليد . إن يزيد حاول عظيماً ومات كريماً . وكان مسلمة يقول : الروم أعلم ، وفارس أعقل . وقال : ما حمدت نفسي على ظفرٍ ابتدأته بعجزٍ ، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم . وقال : مروءتان ظاهرتان : الرياش والفصاحة .

مروان بن محمد

دخل عبد الرحمن بن عطية التغلبي على مروان بن محمد ، فاستأذنه في تقبيل يده فأعرض عنه ، ثم قال له : قد عرف أمير المؤمنين موضعك في قومك ، وفضلك في نفسك ، وتقبيل اليد من المسلم ذلة ، ومن الذمي خديعة ، ولا خير لك في أن تنزل بين هاتين . قالوا : كان يأخذ مروان بن محمد كل سنة من الخزانة قباءين ، فإذا أخلقهما ردهما إلى الخزانة وأخذ جديدين . وكان يقال : إن مروان بن محمد هو ابن إبراهيم بن الأشتر وإن أمه كانت أمة لإبراهيم فأصابها محمد بن مروان يوم قتل الأشتر فأخذها من نفله وهي حامل بمروان ، فولدته على فراشه ، ولذلك قال ابن عباس السفاح : الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة ، وابن أمة النخع ، ابن عم رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - وابن عبد المطلب .

مروان

كتب إلى بعض الخوارج : إني وإياك كالزجاجة والحجر ، إن وقع عليها رضها ، وإن وقعت عليه فضها . قال الأصمعي : لما ولي مروان الخلافة أرسل إلى ابن رغبان - الذي نسب إليه بعد ذلك مسجد ابن رغبان - ليوليه ؛ فرأى له سجادةً مثل ركبة البعير ، فقال : يا هذا ؛ إن كان ما بك من عبادةٍ فما يحل لنا أن نشغلك . وإن كان من رياءٍ فما يحل لنا أن نستعملك . قال عبد الحميد : تعلمت البلاغة من مروان ، أمرني أن أكتب في حاجة فكتبت على قدر الموسع ، فقال لي : اكتب ما أقول لك : بسم الله الرحمن الرحيم أما آن للحرمة أن ترعى ، وللدين أن يقضى ، وللموافقة أن تتوخى ووقع إلى عاملٍ بالكوفة : حاب علية الناس في كلامك ، وسو بينهم وبين السفلة في أحكامك . قالوا : وإنما لقب بالحمار لأن أصحاب أبي مسلم لما خرجوا كانوا حمارةً ، فكان الواحد إذا استعجل حماره يقول : هر مروان . هس ، مروان ، فلما ظفروا به استمر به اللقب . ويعرف بالجعدي ، لأنه نسب إلى رأي الجعد بن درهم وزيره ، وكان زنديقاً ، فكان مروان يعير بأنه على رأيه ، ثم إن مروان قتله وصلبه ، وبالجعد هذا يعير كل زنديق ، قال دعبل : قل لعبد الرقيب قل : ربي الل . . . ه فإن قالها فليس بجعدي قال عمر بن مروان : عرض أبي بظهر الكوفة ثمانين ألف عربي ، ثم قال بعد أن وثق في نفسه بكثرة العدد والعدد : إذا انقضت المدة لم تغن العدة ولا العدة. قال بعض القرشيين : وفد على مروان بن محمد - وقد تولى الخلافة - ونزل حران قال : فتوالت على بابه الوفود ، فخرج إلينا آذنه ، فقال : أمير المؤمنين يغسل ثيابه ، فمن أراد أن يقيم فليقم ، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف . فجعل الناس يعجبون من ذلك ، ولم يبرح أحد . قال : وخرج من عنده رجل برمح فنصبه على سقفه ، وجعل يراعي الشمس ، فلما مالت أذن ، ولما أذن خرج علينا رجل أزرق أشقر ، بخده أثر ، فلما نظر إليه عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد قال : أهو هذا أعضه الله ببظر أمه ؟ قال : وهو والله يسمعه ، فأبده النظر ومر إلى الصلاة ، فلما قضاها استدبر القبلة بظهره وأقبل علينا بوجهه ، فقال لكاتبه : أمعك أسماء هؤلاء ؟ قال : نعم ، ودفع إليه قرطاساً ، فوقع تحت اسم كل رجلٍ بعشرة آلاف درهم ، ولا والله ما عاقبه على ما سمع منه .

وكان يقال : لو ذهبت دولة بني مروان على يد غير مروان لقال الناس : لو كان مروان ما ذهبت . كان أهل حمصٍ ينادون مروان في حصارهم : يا بن مصعب ، فيقول : شريف كريم ، وينادون : يا بن الأشتر ، يا بن زربي ، فيقول: خلطتم . وذلك أنه قيل في أمه : إنها كانت لمصعب ، وقيل : بل كانت لخباز يقال له : زربي . وناداه رجل من الخوارج ، فقال : يا بن طنفسة . يريد : زربي .