الجزء الخامس - الباب الثاني كلام الحجاج

الباب الثاني كلام الحجاج

خطب فقال : أيها الناسُ . من أعْياه داؤه فعنْدي دَواؤه ، ومن اسْتبط أجله ، فعلى أنْ أعجِّله . ومَنْ ثَقْلَ عليه رأسُه وضَعْتُ عنه ثِقلَه ، ومن استطال ماضي عمره قصرْتُ عليه باقيَهُ : إنّ للشيطانِ طيفاً ، وللسُّلطان سَيْفاً ، فمن سَقمتُ سريرَتُه صحت عقوبتُه ، ومَن وضعَه ذنُبه رفعهُ صَلُبه ، ومَن لم تسَعْهُ العافيةُ لم تضق عنه الهلكةُ . ومن سبقتهُ بادرةُ فمه سَبقَ بدنَهُ بسفك دَمه . إني أنذرُ ثم لا أنظرُ ، وأحذِّر ثم لا أعْذِر ، وأتوعَّد ثم لا أغْفِر . إنما أفْسدكُم تَرْنيقُ ولانكمُ . ومَنْ استرخى لببُه ساء أدبُه . إن الحزم والعزم سلباً مني سوطي ، وأبدلاني به سيفي ، فقائمهُ في يدي ونِجَادُه في عنقي ، وذُبابُه قلادةٌ لمَنْ عصاني . والله لا آمُر أحَدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد ، فيخْرجَ من الباب الذي يليه إلاّ ضربتُ عنقه . وخبط لما أراد الحج ، فقال : أيها الناسُ . إني أريدُ الحجَّ ، وقد استخْلفتُ عليكم ابني . وأوصيتُه بخلافِ وصية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الأنصار ، فإنَّه أمرَ أن يُقبلَ منْ مُحسنهم ، ويُتجَاوز عن مُسيئهم : ألا وإني أوصيتُه ألا يقبل من مُحسنكم ، ولا يتجاوز عن مُسيئكم . ألا وإنكُم سَتقولُون بعّدي : لا أحْسن الله له الصِّحابة . ألا وإني مُعجِّلٌ لكم : لا أحْسنَ الله عليكُم الخلافةَ . وقال الحجاجُ لأنس بن مالك حين دخل إليه في شأْن ابنه عُبيد الله وكان خرج مع ابْن الأشَعث - لا مرحباً ولا أهْلاً . لعنه الله عليك منْ شيخ جَوَّالٍ في الفتن، مرةً مع أبي تُراب ، ومرةً مع ابن الأشعث . والله لأقْلعنك قلْع الصمغة ولأعصبنّك عَصب السَّلَمة ، ولأجردنَك جردَ الضبِّ . قال أنسُ : مَنْ يَعْنِي الأميرُ ؟ قال : إياك أعْني . أحمَّ اللهُ مَدَاك . فكتب أنس بذلك إلى عبد الملك ، فكتب عبدُ الملك إلى الحجاج يَا بن المستفرمة بعَجم الزبيب . لقد هممتُ بأن أرْكُلك ركْلةً تهوى منها إلى نار جَهنَّم . قاتلك الله أخْيفش العينين ، أصَكَ الرجلين أسود الجاعرَتين . وخطب الحجاج يوماً فقال في خطبته : والله ما بقي من الدنيا إلا مثلُ ما مَضى ، ولهو أشبهُ به من الماء بالماء . والله ما أحبُّ أنَّ ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه . وقال على المنبر يوماً : والله لألحونكم لحوَ العصَا ، ولأعصبنَّكُم عصب السَّلمة ، ولأضْربنكم ضرب غرائب الإبل . يأهل العراق ، يا أهل الشِّقاق والنِّفاق ، ومساوي الأخلاق . إني سمعتُ لكم تكبيراً ليس بالتكبير الذي يُراد به اللهُ في الترغيب ، ولكنه التكبيرُ الذي يُراد به الترهيبُ . وقد عرفْنا أنها عجَاجةٌ تحتها قصْفٌ . أي بَني اللكيعة ، وعبيدَ العصا ، وأبناءَ الإماء . إنما مَثلى ومثلكم ما قال ابنُ براقة الهمدَاني : وكنت إذا قومٌ غزوْني غزوتهم . . . فهل أنا في ذا يَالَ همدان ظالمُ ؟

متى تجمع القلب الذكي وصارماً . . . وأنْفاً حميا تجتنْبك المظالمُ أما والله لا تقْرعُ عَصاً عصاً إلا جعلتُها كأمس الذَّاهب . قال مالكُ بن دينار : رُبَّما سمعت الحجاج يذكُر ما صنع به أهلُ العراق ، وما صنَع بهم ، فيقعُ في نفسي أنه يظْلمُونه لبيانه ، وحسن تخلُّصه للحُجَج . وخطبَ الحجاج مرةً فقال : اللهم أرني الغي غياً فأجتنبَه ، وأرني الهُدي هدى فأتبعه ، ولا تكلْني إلى نفْسي فأضل ضلالاً بعيداً . والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا بعمامتي هذه ، ولما بقي منها أشْبهُ بما مضى من الماء بالماء وخطب بعد دَير الجَماجم فقال : يا أهل العراق . إن الشيطان قد استبطنكم فخالط. اللحمَ والدمَ والعصب والمسامع ، والأطراف ، والأعضاء ، والشغاف ، ثم أفْضى إلى الأمخاخ والأصْماخ ، ثم ارتفع فعَشش ، ثم باض ففرخ ، فحشاكم نفاقاً وشقاقاً ، وأشعركم خلافه . اتخذتموهُ دليلاً تتبعُونه ، وقائداً تُطيعونه، ومؤآمِراً تستشيرونه . فكيف تنفعكُم تجربةٌ ، أو تعظكم وقعةٌ ، أو يحجزُكم إسلامٌ ، أو ينفعكم بيان ؟ ألستُم أصحابي بالأهواز حيث رُمتم المكَر ، وسعيتُم بالغدر ، واستجمعتُم للكُفْر . وظننْتُم أن الله يخذُلُ دينه وخلافته ، وأنا أرمْيكُم بطرْفي ، وأنتم تتسللُون لوَاذاً ، وتنهزمون سِرَاعاً ؟ ثم يوم الزاوية ، وما يومُ الزّاوية بها كان فشَلكم وتنازعكُمُ وتخاذُلكم وتجادُلكم ، وبراءةُ الله منكم ، ونكوص وليكم عنكم ، إذْ وليتُم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ، النوازع إلى أعطانها . لا يسألُ المرءُ عن أخيه ، ولا يلوي الشيخُ على بَنيه ، حين عضكم السلاحُ ، ووقصتْكم الرِّماحُ .

ثم دَير الجماجم ، وما ديُر الجمَاجم بها كانت المعارك والملاحمُ ، بضرب يُزيلُ الهام عن مَقيله ، ويْذْهل الخيل عن خليله . يا أهل العراق . الكَفَرات بعد الفَجرات ، والغَدرات بعد الخَتَرات ، والنزْوة بعد النزوات إنْ بعثتكُم إلى ثُغوركم غلْلُتم وجَبْنتم ، وإن أمنْتُم أرْجفْتم ، وإنْ خفتم نافقْتُم لا تتذكرون حسنةً ، ولا تشكرون نعمة . هل استخفّكُم ناكثٌ أو استغواكم غاو ؟ أو استفزكم عاص ، أو استَنْصركم ظالم ، أو استعْضَدَ بكم خالع إلا تبعتُموه ، وآويتموه ونصرتموه وزكّيتموه ؟ يا أهلَ العراق ، هل شغَبَ شاغب ، أو نعب ناعبٌ ، أو زفر كاذبٌ إلا كنتُم أتباعَه وأنْصَاره؟ يا أهل العراقِ ، أو لم تنهكُم المواعظُ ، ولم تزْجركم الوقائعُ ؟ ثم التفت إلى أهلِ الشام فقال : يا أهل الشام : إنما أنا لكم كالظَّليم الرامح عن فِراخه ينْفي عنها القَذَرَ ، ويباعد عنها الحجرَ ، ويَكنُّها من المطر ويحميها من الضِّباب ، ويحرسُها من الذِّئاب . يا أهل الشام ، أنتُم الجُنة والرِّداء ، وأنتم العُدّة والحذاءُ . هذه خطبة أخرى قال مالكُ بنُ دينار: غدَوتُ إلى الجمعة ، فجلست قريباً من المنبر ، فصَعد الحجاجُ ثم قال : امرؤ زوَّر عملهُ ، وامُرؤ حاسب نفْسَه ، امرؤ فكر فيما يقرؤه غدا في صَحيفته ، ويراه في ميزانه . امُرؤُ كان عند قلبه زاجرٌ ، وعند همه أمرٌ ، أخذٌ بعنان قلبه كما يأْخُذُ الرجل بخِطام . جَمَله ، فإن قادهُ إلى طاعة الله تبعه ، وإن قادَهُ إلى معصية الله كفه . وكان يقول : إنا والله ما خُلقنا للفناء ، وإنما خُلقنا للبقاء ، ولكن نُنقل من دار إلى دار . وخطب يوماً فقال إن الله أمَرنا بطلب الآخرة . وكفانا مئُونة الدنيا ، فليتنا كُفينا مُونة الآخرة ، وأمِرْنا بطلب الدنيا . فقال حسن : ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق .

وأهدي إلى عبد الملك فرساً وبغلةً وكتب إليه : وجهتُ إلى أمير المؤمنين فرساً سهل الخدِّ ، حسن القدِّ ، يسبقُ الطرف ، ويستغرقُ الوصف وبغلةً هواها زمامُها وسوطُها . وكان يقول : العفو عن المُقرِّ لا عن المُصر . وقال : الكوفةُ امرأة حسناءُ عَاطل ، والبصرةُ عجوزٌ درداء ، قد أوتيت من كل شيء . وقال بعضهم ، سمعتُ الحجاج يقول - وقد أذن فلم تجتمع إليه الناس - : يُدعى : حي على الصلاة ، فلا تُجيبون . أمَا والله لو دُعي : حي على أربعة دراهمَ لغص المسجد بأهله . وقال ابنُ الكلْبيِّ عن أبيه : قاتِل الحُسَين - عليه السلام - قد دخل إلى الحجاج فقال : أنت قتلت حُسيناً ؟ فقال : نعم قال : وكيف قتلتهُ ؟ قال : دَسَرْتُه بالرمح دَسْراً ، وهبَرتُه بالسيف هبراً ، ووكلتُ رأسَه إلى امرئٍ غير وكد . فقال الحجاجُ : والله لا تجتمعان في الجَنة أبداً . فخرجَ أهلُ العراق يقولُون : صدَق الأميرُ . لا يجتمعُ - والله - ابن رسول وقاتله في الجنة أبداً . وخرج أهلُ الشام يقولون : صدَق الأمير . ولا يجتمع مَن شق عصا المسلمين ، وخالف أميرَ المؤمنين ، وقاتلهُ في طاعة الله - في الجنة أبَداً . وقال يوما على المنبر : يقول سليمانُ : ربّ اغفرْ لي وَهبْ لي مُلكاً لا ينبَغي لأحد من بعدي إن كان لَحَوداً . وكتب إلى عبد الملك كتاباً يقول فيه : كنتُ أقرأ في الصُحف ، فانتهيتُ إلى قوله الله عزّم وجل : فأولئك مَعَ الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين والصِّدِّيقين والشُّهدَاء والصالحين فأردتُ أن أزيدَ فيها : والخلفاء قال . فجعل عبد الملك يقول : ما للحجاج قاتلهُ اللهُ . وقال له بعضُ ولاة الحجاز : إن رأي أميرُ المؤمنين أن يستهديني ما شاءَ فليَفعل .

قال : أستهديك بغلةً على شَرْطي . قال : وما شَرْطُك ؟ قال : بغلةٌ قصير شعْرُها ، طويلٌ عِنانُها ، همُّها أمامَها ، وسوطُها لجامُها ، تستبينُ فيها العلفة ، ولا تهزلها الركبة . وقال يوما لجلسائه : ما يُذهبُ الإعياءَ ؟ فقال بعضهم : التمرُ . وقال آخر : التمزح وقال آخر : النومُ . قال : لا ، ولكن قضاءُ الحاجة التي أعْيَا بسببها . أتى بدواب لابن الأشعث ، فإذا سماتُها عدةٌ ، فَوسَم تحت ذلك للفرار . كتب الحجاجُ إلى قتيبة : لا تهجنن بلاءَ أحد من جُندك وإن قل، فإنك إذا فعلت ذلك لم يرغب أحدٌ منهم في حُسْن البلاءِ . وأعْط الذي يَأتيك بما تكره صادقاً مثل الذي يأْتيك بما تحبُّ كاذباً ، فإنك إن لم تفعل غرُّوك ولم يأْتوك بالأمر على وَجهه . واعلمْ أنه ليس لمكذوبٍ رأيٌ ، ولا في حسود ، حيلة. وقال لكاتبه : لا تجعلن مالي عند من لا أستطيع أخذه منه . قال : ومَنْ لا يستطيع الأميرُ أن يأخذه منه ؟ قال : المُفلس . وكتب الوليد بن عبد الملك إليه يأْمُره أن يكتب إليه بسيرته . فكتب إليه : إني قد أيقظت رأيي ، وأنمت هواي ، فأدنيت السيِّدَ المطاع في قومه ، ووليت الحرب الحازمَ في أمره ، وقلدت الخراج الموفِّر لأمانته ، وقسمت لكل خصْم من نفسي قسْماً أعطيه حظاً منْ نظري ، ولطيف عنايتي ، وصرفت السيف إلى النِطف . المسيء والثواب إلى المُحسن البريء ، فخاف المُريب صولة العقاب . وتمسك المحسن بحظِّه من الثواب . وقال : لأطلبن الدنْيا طلب من لا يموت أبداً ولأنفقَنَّها كمَنْ لا يعيش أبداً . وخطب فقال : يا أهل العراق : إن الفتْنة تلْقح بالنجْوى ، وتنبَح بالشكْوى ، وتحْصدُ بالسيف . أمَا والله لقد أبغضتموني فما تضرُّونني ، ولئن أحبَبْتموني ما تنفعونني . وما أنا بالمُسْتوحش لعدَاوتكم ، ولا المُسْتريح إلى مودتكم . زعمتم أني ساحرٌ ، وقد قال الله تعالى : ولا يفلح الساحرُ حيث أتى . وزعمتم أني أحسن الاسْمَ الأكبرَ . فلمَ تقاتلون من يعلم مَا لا تعْلمون ؟ ثم التفت إلى أهل الشام ، فقال : لأرواحُكم أطْيبُ منْ المسكِ ، ولدنوُّكُم أنُس من الولد . وما مثلكُم إلا كما قال أخُو ذُبيان . إذا حاولتَ في أسد فُجورا . . . فإني لستُ منك ولست منِّي هُمُ درعي التي استلاهتُ فيها . . . إلى يوم النِّار وهمْ مِجَنِّي ثم قال : يا أهل الشام ، بل أنتُم كما قال الله عز وجل : ولقد سبقتْ كلمتُنا لعبادِنا المُرْسلين . إنَّهمْ لهم المنصورون . قال بعضُهمْ : رأيتُ الحجاج وعنبسة بنَ سعيد واقفَيْن على دجْلة . فأقبل الحجاجُ ، وقال عنبسةُ ، إذا كنتَ في بلد يضعُفُ سلطانُه ، فاخرجْ عنه ، فإن ضعْف السلطان أضرُّ على الرعية منْ جُوده . وكان يقُول : خيرُ المعْروف ما نعشتَ به عثرات الكرام . ومما كفَّره به الفقهاءُ قولهُ : والناسُ يطُوفونُ بقبر رسول الله - ( صلى الله عليه وسلم ) - ومنبره إنما يطُوفُون بأعْوادٍ ورِمَّة . وقال يوماً : والله إن طاعتي أوجبُ من طاعة الله ، لأن الله تعالى يقول : " فتقُوا الله ما استطعتُم فجعل فيه مثنويةً ، وطاعتي لا مثنوية فيها . وضرب رجلاً فقال : اعتديت أيُّها الأميرُ . فقال : فلا عُدْوان إلا على الظالمين . وقف رجل له فقال : أصْلحَ اللهُ الأميرَ ، جنى جَانٍ في الحي ، فأُخذتُ بجريرته ، وأسْقط عطائي. فقال : أمَا سمعت قول الشاعر : جانيك من يجني عليك وقد . . . تُعْدى الصِّحاحَ مباركُ الجرب ولُرب مأْخوذ بذنب صديقه . . . ونجا المُقارِفُ صاحبُ الذنبِ فقال الرجل : كتابُ الله أولى ما اتّبع . قال الله تعالى : مَعاذَ الله أن نأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنا متاعَنا عنده . فقال الحجاجُ : صدقت . وأمَر بردِّ عطائه .

وقيل له - وقد احتُضر - : ألا تَتُوبُ ؟ فقال : إن كانت مُسيئاً فليسَت هذه ساعةَ التَّوبة ، وإن كنتُ مُحْسناً فليستْ ساعة الفزع . لما نصبَ المنجنيق على الكَعْبةِ جاءت نارٌ فأحرقتِ المنجنيقَ ، وامتنعَ أصحابه مِن الري ، فقال الحجاجُ : إن ذلك نار القربان دلتْ على أن فعلكم مُتقبَّل . وقال على المنبر : اقطَعوا هذه الأنْفسَ فإنها اسأل شيءٍ إذا أعطيتْ ، وأعصي شيءٍ إذا سئلت . فرحمَ الله امرأً جعل لنفسه خطاماً وزماماً ، فقادَها بخطامها إلى طاعة الله ، وعطفها بزمامها عن مَعصية الله ، فإني رأيت الصبرَ عن محارمه أيسر من الصبر على عذابه . وكان يقول : إنّ امرأً أتتْ عليه ساعةٌ من عُمُره لم يذكر ربه ، ولم يستغْفر من ذنبه ، أو يفكر في معَاده . لجديرٌ أنْ تطول حَسرته يومَ القيامة . لما قتل الحجاج عبدَ الله بن الزُّبير ارتجتْ مَكة بالبكاء ، فأمرَ الحجاج بالناس ، فجمعُوا إلى المسجد ، ثم صَعدّ المنبرَ ، فحمد الله وأثْنى عليه ، ثم قال : يا أهل مكة . بلغني إكْباركم واستفْظاعُكم قتل ابن الزُّبير . ألا وإن ابن الزبير ، كان منْ أخُيار هذه الأمة ، حتى رغب في الخلافة ، ونازع فيها أهْلها ، فخلع طاعة الله ، واستكنَّ بحرَم الله. ولو كان شيءٌ مانعاً للعُصاة لمنعتْ آدمَ حرمة الجنة ، لأن الله تعالى خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجَدَ له ملائكته ، وأباحه جنته ، فلما أخطأ أخرجَه من الجنة بخطيئته . وآدم على الله تعالى أكُرمُ من ابْن الزبير ، والجنة أعظُم حرمةً من الكعبة . فاذكُروا الله يذْكرْكم . وصعد المنبر بعد قتله ابن الزّبير مُتلثِّماً ، فحطَّ . اللِّثامَ عنه ، ثم قال : مَوْجُ ليلٍ الْتَطَمْ . . . فانجلي بضوء صبحه يا أهل الحجاز . كيف رأيتموني ؟ ألم أكشف ظلْمة الجور ، وطخية الباطل بنور الحق . والله لقد وطئكم الحجاج وطأة مُشْفق ، عطفتْه رحمٌ ، ووصْل قرابة . فإياكم أنْ تنزلُّوا عنْ سَنن ما أقمناكم عليه ، فأقطعَ عليكم ما وصَلْتُه لكم بالصارم البتَّات وأقيمَ من أوَدكم ما يقيم المُثقِّف من أوَد القنا بالنار . ها إليكم . ثم نزل وهو يقول : أخو الحرب إن عضَّتْ به الحربُ عَضَّها . . . وإنْ شمَّرتْ عن ساقها الحربُ شمرا . وخطب ذات يوم فقال : إنه والله ما لكم عندي بُلهنيةٌ ولا رُفَهْنيةٌ ، ولا رَبَغٌ عن التحلية . ولا أقول لمن عثر منكم : دعْ . دعْ . ولكن تعساً لليدين وللفمِ . قال الحجاج لرجل من أهل الشام . وقد أتِىَ برجل : قم فاضربْ عُنقه فقال : أصلح الله الأميرَ ، ولي نصْف أجرِه ؟ فقال الحجاجُ : ما أهمُّ بأمر أرجو فيه القُربة والزُّلفة إلا نازعنيه شاميٌّ . اضرب عنقهُ ، ولك ثلثُ أجره . كان الحجاجُ إذا استغْرب ضحِكاً وإلى بين الاستغفارِ . وكان إذا صعد المنبر تلفَّعَ بمِطرَفه ، ثم تكلَّم رويداً فلا يكادُ يُسمعُ منه ، ثم يتزيَّدُ في الكلام حتى يُخرج يده مِن مطْرَفة يزجرُ الزْجرة فيقرعُ بها أقْصَى مَنْ في المسجد . وكان يُطْعُم في كلِّ يوم على ألف مائدة ، على كل مائدة ثريدٌ وجَنب من شوَاء ، وسمكةٌ طريةٌ . ويطافُ به في مِحَفَةٍ على تلك الموائد ليفتقدَ أمور الناس ، وعلى كل مائدة عشرةٌ . ثم يقول : يا أهل الشام . كسرْوا الخُبز لئلا يُعادَ عليكُم . وكان له ساقيان : أحدُهما يسقي الماء والعسلَ ، والآخر يسقي اللبن . يروي عن محمد بن المُنتشر الهمداني ، قال : دفع إلى الحجاج أزادْ مُرْد بن الهربذ وأمرني أن أستخرج منه ، وأُغلِظَ له . فلما انطلقت به قال لي : يا محمدُ . إن لك شرفاً وديناً ، وإني لا أُعْطى على القسْر شيئاً ، فاستأْذِني ، وارفُق بي . قال : ففعلت . قال : فأدّى إلي في أسبوع خمْسَمائة ألف . قال : فبلغ ذلك الحجاج ، فأغضبَه ، انتزعَه من يدي ، ودفعه إلى رجل كان يتولى له العذاب ، فدق يديه برجليه ، ولم يعطهم شيئاً .

قال محمد بن المُنتشر : فإني لأُمرُّ يوماً في السوق إذا صائح بي : يا محمدُ . فالتفتُّ فإذا به معُروضاً على حمار ، مَوْثوقَ اليدين والرجلين فخِفْتُ الحجاج إن أتيتُه ، وتذممت منه . فملت إليه فقال لي : إنك وليت منِّي ما ولي هؤلاء . فَرَفَقْت بي فأحسنت إلي ، وإنهم صنعُوا بي ما ترى ، ولم أعْطهم شيئاً . وها هنا خمسمائة ألف عند فلان . فخذها ، فهي لك . قال : فقلت : ما كنت لآخذ منك على معروفٌ أجْراً ، ولا لأرزأك على هذه الحال شيئاً . قال : فأما إذا أبيت فاسمع أحدِّثك : حدثني بعض أهل دينك عن نبِّيك ( صلى الله عليه وسلم ) ، قال : إذا رضى الله عن قوم أمْطرهم المطرَ في وَقته ، وجعل المال في سُمحَائهم ، واستعمل عليهم خيارهم ، وإذا سَخِط الله على قوم استعمل عليهم شرارهم ، وجعل المال عند بخلائهم ، وأمطرَ المطرَ في غير حينه . قال : فانصرفت ، فما وضعت ثوبي حتى أتاني رسول الحجاج يأْمرني بالمسير إليه . فألفيته جالساً على فرْشه . والسيف مُنْتضي في يده . فقال لي : ادْن. فدنوت شيئاً ، ثم قال : ادْن . فدنوت شيئاً . ثم صاح الثالثة : ادْن . لا أبالك فقلت : ما بي إلى الدُّنوِّ من حاجة . وفي يد الأمير ما أرى . فأضحك الله سنه ، وأغمد عني سيْفه . فقال لي : اجلسْ . ما كان من حديث الخبيث ؟ . فقالت لَهُ : أيُّها الأميرُ . والله ما غششتُك منذ استنصحتني ، ولا كذبتك منذ اسْتخبرْتني ، ولا خنتك منذ ائتمنتني . ثم حّدثتُه الحديث . فلما صرت إلى ذكر الرجل الذي المال عنده أعْرض عنِّي بوجهه ، وأوْمأ إلي بيده . وقال : لا تسمِّه. ثم قال : إنّ للخبيث نفساً ، وقد سمع الأحاديث روى عن عبد الملك بن عُمير اللَّيْثي قال : بيْنا أنا جالس في المسجد الجامع بالكوفة إذا أتاني آتٍ ، فقال : هذا الحجّاج قد قدم أميراً على العراق ، فإذا به قدْ دخل المسجد مُعُتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وَجْهه ، مُتقلِّداً سيّفاً ، متنكباً قوساً ، ويؤم المنبر . فقام الناسُ نحوه ، حتى صَعد المنبرَ فمكث ساعة لا يتكلم . فقال الناسُ بعضهم لبعض : قبح الله بني أمية حيث يستعملون مثل هذا على العَراق . حتى قال عميْر بن ضابئ البُرجُمي : ألا أحصبُه لكم ؟ قالوا : أمْهل حتى ننظرَ . فلما رأى عيون الناس إليه حَسَر اللثامَ عن فمه ، ونهض فقال . أنا ابنُ جَلا وطلاعُ الثنايا . . . متى أضعِ العِمامَةَ تَعرفوني ؟ والله يا أهل الكوفة ، إني أرى رؤساً قد أينْعت ، وحان قطافها ، وإني لصاحُبها كأني أنظرُ إلى الدِّماء بيْن العَمائم واللِّحىَ : هذا أوَانُ الشدِّ فاشتدِّي زِيَمْ . . . قد لفها الليل بسَوِّاقٍ حُطمْ ليس براعِي إبلٍ ولا غنمْ . . . ولا بجَزَّارٍ على ظهْرِ وَضَمْ قد لفها الليل بعصلبِيٍّ . . . أروعَ خّرَّاجٍ من الدَّوى مهاجر ليس بأعرابي قد شمرت عن ساقها فشّدوا . . . وجدَّتِ الحربُ بكمْ فجِدُّوا والقوسُ فيها وتَرٌ عَرُدُّ . . . مثل ذراع البكر أو أشدُّ إني - والله - يا أهل العراق ، ما يقعْقع لي بالشِّنان ، ولا يغمز جانبي كغمزْ التِّين ، ولقد فُرِرتُ عن ذكاء ، وفتِّشت عَن تجْربة . وإن أميرَ المؤمنين نثر كنانته ، فعجمَ عيدانها عوداً عُوداً ، فوجدني أمَرَّها عُوداً وأصلبها مكسراً ، فرماكم بي ، لأنكم طالما أوْضعتم في الفتنة واضطجعتم في الضلالة. والله لأحْزمنكم حزم السلمة ، ولأضربنّكم ضرْب غرائب الإبل ، فأنتم لكلٍّ أهلٌ . إنما أنتم أهلُ قرية كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رِزُقُها رغداً من كلِّ مكانٍ فكفرتْ بأَنُعمِ اللهِ فأذاقَها الله لباسَ الجُوعِ والخَوْف بما كانوا يصنعُون وإني - والله - ما أقول إلا وفَّيْتُ ، ولا أهُم إلا أمْضيت ، ولا اخلق إلا فَرَيْتُ . وإن أميرَ المؤمنين أمرني بإعطائكم ، وأن أوَجِّهكم لمحاربة عدوِّكم مع المُلهب بن أبي صفرة . وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد إعطائه ثلاثةً إلا ضربت عنقه . يا غلام : اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين . فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم : من عَبْدِ الملك بن مرْوان أمير المؤمنين إلى مَن بالكوفةِ من المسلمين . حتى قال إلي سلامٌ عليكمْ فلم يقلْ أحدٌ شيْئاً . فقال الحجاج : أكْفف يا غلام . ثم أقبل على الناس ، فقال : أيسلِّم عليكُم أميرُ المؤمنين فلا تَردُونَّ عليه السلام ؟ هذا أدّبُ ابن أدّية . أما . والله لأؤَدِّبنكُم غير هذا الأدب ، أوْ تسْتقيمُن . اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين . فقرأ . فلما بلغ إلى قوله : سلام عليكم لم يبق في المسجد أحدٌ إلا قال : وعلى أمير المؤمنين السلام ، ثم نزل . فوضع للناس أعطياتهم ، فجعلوا يأْخذون ، حتى أتاه شيخٌ يرعَش - كبَراً ، فقال : أيُّها الأمير : إني في الضعف على ما ترى ، ولي ابنٌ هو أقوى مني على الأسفار . أفتقبله منِّي بديلاً ؟ قال : نفعل أيُّها الشيخ . فلما ولي قال له قائلٌ : هذا ابن ضابئ البرجمي الذي يقول أبوه: هَمَمْتُ ولم أفعلْ وكِدْتُ وَليْتَنِي تركت على عثمان تبكي حَلائله . ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولاً ، فوطئ بطنه ، وكسَر ضلعين من أضلاعه . فقال : ردُّوه . فلما : رُدَّ . قال أيُّها الشيخ : هلا بَعثْتَ يوم الدار فيرتحل ، ويأْمر وليه أن يلحَق به . ففي ذلك يقول ابن الزَّبير الأسدي : تجهزْ فإما أن تزور ابن ضابئ عميراً وإما أن تزور المهلبا . وكتب إلى الوليد بعد وفاة أخيه محمد بن يوسف : أخبر أميرَ المؤمنين - أكرمَه الله - أنه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار ، فإن يكن أصابها من حلِّها فرحمه الله ، وإن تكن من خيانة فلا رحمة الله . فكتب إليه الوليد : أما بعد . فقد قرأ أميرُ المؤمنين كتابك فيما خلف محمدُ بن يوسف ، وإنما أصاب ذلك من تجارة أحللناها له فترحم عليه ، رحمه الله . وكتب الحجاج إلى عبد الملك : بلغني أن أمير المؤمنين عطسَ عطسة فشمته قومٌ . فقال : يغفُر الله لنا ولكم . فيا ليتني كنت معهم . فأفوز فوزاً عظيماً . ووفدَ مرة على الوليد ، فقال له الوليدُ - وقد أكلا - : هل لك في الشراب ؟ قال : يا أميرَ المؤمنين : ليس بحرام ما أحللته ، وَلكنني أمنع أهل عَمَلي منه ، وأكره أن أخالف قول العبد الصّالح : وما أريدُ أن أخالِفكم إلى ما أنهاكم عنه فإعفاء . جلس الحجاج لقتل أصحاب ابن الأشعث ، فقام إليه رجلٌ منهم ، فقال : أصلحَ الله الأميرَ . إن لي عليك حقاً . قال : وما حقُّك ؟ قال : سَبَّك عبدُ الرحمن يوم فرددت عليه . فقال : من يعلُم ذلك ؟ قال : أنْشُدُ الله رجلاً سّمع ذلك إلا شهد به . فقام رجل من الأُسراء ، فقال : قد كان ذلك أيُّها الأمير . قال : خلُّوا عنه . ثم قال : للِشَّاهدِ : فما مَنعك أن تنكرَ كما أنكرَ ؟ فقال : لقديم بغضي إياك . قال : ولْيُخلَّ أيضاً عنه لصدقه .

وكان يقول : البُخل على الطعام أقبحُ من البرص على الجسد . ولما أتَى الحجاج البصرة ، وندب الناس إلى محاربة الخوارج ، واللَّحاق بالمهلب كان عليهم أشد إلحافاً ، وقد كان أتاهم خبرهُ بالكوفة ، فتحمَّل الناسُ قبل قدومه . فُيرى عن بعضهم أنه قال : إنّا لنتغدى معه إذا جاءه رجلٌ من بني سليم برجل يقودُه ، فقال : أصلح الله الأمير . إن هذا عاصٍ . فقال له الرجل . أنْشُدُك الله أيها الأميرُ في دَمى ، فوالله ما قبضتُ ديواناً قطٌّ ، ولا شهدت عسكراً ، وإني لحائكٌ أخِذت من تحت الحُفٍ . فقال : اضربوا عنقه . فلما أحس بالسيف سَجَد ، فلحقه السيف - وهو ساجد - فأمسكنا - عن الأكل فأقبل علينا الحجاج ، فقال : مالي أراكم صَفرت أيديكم واصفرَّت وجوهكم ، وحَدَّ نظرُكم من قتلِ رجُل واحد ؟ إن العاصي يجمع خلالا تُخِلُّ بمركزه ، ويعصي أميره ، ويَغُرُّ المسلمين ، وهو أجِيرٌ لكم ، وإنما يأخذ الأجرة لما يعمل ، والوالي مُخَّير فيه إن شاء قتله وإن شاء عفا . ثم كتب الحجاج إلى المهلب . أما بعدُ ، فإن بشراً رحمه الله استكرهَ نفسَه عليك ، وأراك غناءَه عنك . وأنا أريك حاجتي إلْيك فأربي الجد في قتال عدوِّك . ومَن خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله ، فإني قاتل مَن قبَلي . ومَن كان عندي من وَلي مَن هرب عنك فأعلمني مكانه ، فإني أرى أن أخُذ السمِي بالسمي والولي بالوليِّ . فكتب إليه المهلبُ ليس قبلي إلا مطيعٌ ، وإنَّ الناسَ إذا خافُوا العقوبة كبَّرْوا الذَّنب ، وإذا أمنُوا العقوبة صغَّرُوا . الذَّنب ، وإذا يئسوا من العَفْو أكُفرَهُم ذاك . فهبْ لي هؤلاء الذين سمَّيتهم عصاةً فإنهْمُ فريقان : أبطالٌ أرجُو أنْ يقْتل الله - عز وجل - بهم العدوَّ ، ونادمٌ على ذنْبه . وصعد المنبر بعد موتِ أخيه أو ابنه . فقال : يقولون : مات ويموتُ الحجاج . فمذ كان مَاذا ؟ واللهِ ما أرجُو الخيرَ كله إلا بعد الموتِ . واللهُ مَا رضي الله البقاءَ إلا لأهونِ خلقه عليه : إبليسَ ، إذ قال : رب فأنْظِرْني إلى يومِ يُبْعثون . قال فإنك مِن المنظرِين . وقال لمعلِّم ولده : علِّم ولدي السباحة قبل الكتابة ، فإنه يجدُون من يكتُب عنهُمْ ولا يجدون من يسْبَحُ عنهم . وسأل غلاماً فقال له : غُلام مَن أنت ؟ قال : غُلامُ سيِّد قيْس . قال : ومَن ذلك ؟ قال : زُرارةُ بن أوْفى قال : كيف يكونُ سيِّداً وفي داره التي ينزلها سُكانٌ ؟ قطع ناسٌ من بني عمْرو بن تميم وحَنظلة الطريق على قوم زمن الحجاج . فكتب إليهم : أما بعدُ : فإنكم استبحتُمْ الفِتنة ، فلا عن حقٍّ تقاتِلُون ، ولا عن مُنكر تَنْهون . وأيمُ الله إني لأهمُّ أن تكُونُوا أول من يرد عليه مِن قبلي مَن ينسفُه الطارِفَ والتالِدَ ، ويُخلِّي النساءَ أيَامي ، والصِّبيان يتامى فأيما رُفقه مرّت بأهل ماءٍ، فأهلُ ذلك الماء ضامنُون لها حتى تصيرَ إلى الماء الذي يليه . تقدمةً مني إليكم . والسعيد مَن وُعظ بغيره . وقال بعضهم : ارجُ نفسَك ، واحقن دمَك ، فإن الذي بين قتلك وبينك أقصر منْ إبهام الحباري . قالوا : قدم الحجاجُ المدينة، ففرق فيهم عشرة آلاف دينار ، ثم صعدَ المنبر فقال : يا أهل المدينة : أنتم أوْلى مَنْ عذر ، فو الله ما قدمُنا إلا على قلائصَ حَراجيجَ شُنَّربٍ ، ما تُتابَع ، ما تلْحقُ أرْجلُها أيدَيها ، وأنتُم أوْلى مَن عذر . فقام عبد الله بن عمار الديلي فقال : لا عذر اللهُ مَنْ يعذرُك ، وأنْت ابنُ عظيم القريتين . وأمير العراقين . إلى متى ؟ وحتى متى ؟ فنزل الحجاج فعين مالا كثيراً بالمدينة ، وفرقه في الناس . خطب ذات يوم بالكوفة فقال : يا أهل العراق . وأتيتكُم وأنا أرْفُل في لِمتي ، فما زال شقاقُكُم حتى اخضر شعري . ثم كشف عن رأس له أقرع ، وقال : مَنْ يكُ ذا لمة تكشّفها . . . فإنني غير ضمائري ذُعْري لا يمنعُ المرءَ أنْ يسودَ وأنْ . . . يضربَ بالسيف قلة الشعر

قال الشعبيُّ : سمعتُ الحجاج يقولُ : أما بعد ، فإن الله . جل وعلا كتب على الدُّنيا الفناءَ ، وعلى الآخرة البقاءَ ، فلا فناءً لما كتب عليه البقاءَ ، ولا بقاء لمَنْ كتب عليه الفناءَ ، فلا يغرنكُم ساعد الدنيا عن غائب الآخرة ، واقْهروا طول الأمل بقصر الأجل . وقال ابن عياش عن أبيه ، قال : إن أول يوم عُرِفَ فيه الحجاج - وكان في الشُّرط مع عبد الملك - أن عبدَ الملك بعث إلى زُفَر بن الحارث عشرة نفر ، أنا فيهم ، ومعنا الحجاجُ وغيره من الشُّرط . قال : فكلمناه ، وأبلغُناه رسالة عبد الملك ، فقال : لا سبيل إلى ما تُريدون . قال : فقلت له : يا هذا ، أراهُ والله سيأُتيكَ مالاً قبل لك به ، ثم لا يُغْني عنك فُسَّاقُك هؤلاء شيئاً ، فأطِعْني واخرُجْ . قال : وحضرت الصلاةُ فقال : نُصلي ، ثم نتكلم. فأقام الصلاة ونحن في بيِته ، فتقدم وصلى بنا وتأخَّر الحجاجُ ، فلم يصلِّ . فقلت له : أبا محمد . ما منعك مِن الصلاة؟ قال : أنا لا أصلي خلف مخالف للجماعةِ ، مُشاقٍّ للخلافة . لا . واللهِ لا يكونُ ذلك أبداً . قال : فبلغتْ عبدَ الملك . فقال : إن شُرطيكم هذا لجَلْدٌ . وخطب يوم فقال : أيها الناس ، إن الصبْرَ من محارم الله أيسرُ من الصبر على عذاب الله . فقام إليه رجلٌ فقال : مَا أصفق وجُهك ، وأقَل حياءَك أيها الحجاجُ ؟ فقال له الحجاجُ : اجترأْت علي. فقال له : أتجترئُ على الله ولا نُنْكِرُهُ . وأجْترئُ عليك فتُنكره فحلُم عنه ، وخلَّى سبيله . قال عبدُ الملك بن عُمَيْر : سمعتُ الحجَاج يقول في خطبته : أيها الناسُ لا يَملَّنَّ أحدُكم من المعروفِ ، فإن صاحبَه يعْرِضُ خيراً ، إما شكرٌ في الدنيا وإما ثوابٌ في الآخرة . وقال الحجاجُ لعبد الملك : ما فيَّ عيبٌ إلا أني حسود ، حقودٌ ، لجوجُ فقال : ما في الشَّيطان شيءٌ شرٌّ مِمَّا ذكرتَ .