الجزء السابع - الباب الثالث حكم ونوادر للفرس

الباب الثالث حكم ونوادر للفرس

في رسالة كسرى إلى الهرمزان : اما بعد : فإنه لو كان الملوك يعرفون من حاجتهم إلى ذوي الرأي مثل الذي يعرف أهل الرأي من حاجتهم إلى الملوك لم يكن عجباً أن ترى مواكب الملوك على أبواب العلماء ، كما ترى مواكب العلماء على أبواب الملوك ، ولذلك قال الأولون : " إذا أراد الله بأمة خيراً جعل المُلك في علمائهم والعلم في ملوكهم". قال كسرى : أنا على ما لم أقل أقدر مني على رد ما قد قلته . وقال : اجتماع المال عند الأسخياء أحد الحصبين واجتماعه عند البخلاء أحد الجدبين . وقال : من عمل عمل أبيه كفي نصف التعب . قال بزرجمهر : التذلل للغلبة في حينها خير من الظفر في غير حينه . نظر ملك منهم يوماً إلى مُلكه فأعجبه فقال : إن هذا لمُلك إن لم يكن بعده هلك وإنه لسرور لولا أنه غرور ، وإنه يوم لو كان يوثق له بغد . قيل لبزرجمهر : هل تعرف نعمة لا يحسد صاحبها عليها ؟ قال : نعم ، التواضع . قيل : فهل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه ؟ قال : نعم ، العُجب . وقال : ما أحسن الصبر لولا أن النفقة عليه من العمر . قال له أنوشروان : متى يكون العي فصيحاً ؟ قال : إذا وصف حبيباً . قال بعضهم : الصدق زين إلا أن يكون سعايةً ، فإن الساعي أخبث ما يكون إذا صدق .

وقال بعضهم : من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كاذب حتى يثبت صدقه ، فإذا ثبت صدقه فهو عندي أحمق . سئل بزرجمهر عن الرزق قال : إن كان قد قسم فلا تعجله ، وإن كان لم يقسم فلا تتعبه . وقال : المصطنع إلى اللئيم كمن طوق الخنزير ثبرا ، وقرّط الكلب دُرّا ، وألبس الحمار وشيا ، وألقم الحية شهدا . وقال : من قوي فليقو على طاعة الله ، ومن ضعف فليضعف عن محارم الله . وكان يقول : السعيد يتبع الرزق ، والشقي يتبع مسقط الرأس . وقيل له : أي العيوب أقبح ؟ قال : قلة معرفة الرجل بنفسه . كتب رجل من الخاصة إلى أنوشروان : إن رجلاً من العامة دعاه إلى منزله فأطعمه من طعام الخاصة وسقاه من شرابها ، وقد كان الملك نهى عن ذلك وأوعد فيه ، فأحببت ألا أطوي عنه خبراً . فوقّع في كتابه : أحمدنا نصيحتك ، وذممنا صاحبك لسوء اختياره الإخوان . قال بزرجمهر لكسرى ، وعنده أولاده : أي أولادك أحب إليك ؟ قال : أرغبهم في الأدب ، وأجزعهم من العار ، وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه . وقال : من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحداً استحقاقه ، إما أن تزيده وإما أن تنقصه . وقال بزرجمهر : الحازم إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضل لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها ، فكذلك الحازم يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضه ببعض حتى يخلص الرأي . رفع إلى أنوشروان إن عامل الأهواز قد جبى من المال ما يزيد على الواجب في وقته ، وأن ذلك أجحف بالرعية ، فوقّع: رد هذا المال إلى هؤلاء الضعفاء ؛ فإن تكثير الملك لماله بظلم رعيته بمنزلة من حصّن سطوحه بما اقتلعه من قواعد بنيانه .

قال بزرجمهر : " الملوك تعاقب بالهجران ولا تعاقب بالحرمان " . قال أردشير : " الدين أس ، والملك حارس ، وما لم يكن له أس فمهدوم ، وما لم يكن له حارس فضائع " . كان على عهد كسرى رجل يقول : من يشتري ثلاث كلمات بألف دينار ؟ فيُطنز منه ، إلى أن اتصل البريد فأنهى خبره إلى كسرى ، فأحضره وسأله عنها . فالتمس إحضار المال فأحضر ، فقال الرجل : ليس في الناس كلهم خير ، فقال كسرى : هذا صحيح ، ثم قال : ولا بد منهم ، فقال : صدقت ، والثالث أي شيء ؟ قال : فالبسهم على قدر ذلك ، فقال له كسرى : قد استوجبت المال فخذه ، قال : لا حاجة لي به ، قال : فلم طلبته ؟ قال : لأني أردت أن أرى من يشتري الحكمة بالمال ، فاجتهد به كسرى في قبوله ، فأبى أن يقبل . قال كسرى لبعض عماله : كيف نومك بالليل ؟ قال : أنامه كله ، قال : أحسنت لو سُرقت ما نمت هذا النوم . وقال لأصحابه : أي شيء أضر على الإنسان ؟ قالوا : الفقر ، فقال كسرى : الشح أضر منه ؛ لأن الفقير إذا وجد اتسع ، والشحيح لا يتسع وإن وجد . وكان ملوك الفرس إذا بلغهم أن كلباً مات في قرية لا يعرف لموته سبب أمروا بأخذ أهل القرية بالبينة بأن الكلب مات حتف أنفه لم يمت جوعاً . قال بزرجمهر : لا شرف إلا شرف العقل ، ولا غنى إلا غنى النفس . قال أنوشروان : العطلة تهيج الفكرة ، والفكرة تهيج الفتنة . وكان على خاتمه " لا يكون عمران بحيث بجور السلطان " . قال بزرجمهر : أخيب الناس سعياً من أقام في دنياه على غير سداد ، وارتحل إلى آخرته بغير زاد . ورأى فقيراً جاهلاً فقال : بئسما اجتمع على هذا : فقر ينغص دنياه ، وجهل يفسد آخرته .

قال أبرويز لابنه شيرويه : لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك ، ولا تضيقنّ عليهم في العطاء فيضجوا منك ، أعطهم عطاءً قصداً ، وامنعهم منعاً جميلاً ، ووسع عليهم في الرجاء ، ولا توسع عليهم في العطاء . قال بزرجمهر : الإخوان كالسلاح فمنهم كالرمح تطعن به من بعيد ، ومنهم كالسهم الذي ترمي به ولا يعود إليك ، ومنهم كالسيف الذي لا يفارقك . قال كسرى : لا تظهر إنكار مالا عدة معك أن تدفعه . وقال لبزرجمهر : ما بال معاداة الصديق أقرب مأخذاً من مصادقة العدو ؟ فقال : لأن إنفاق المال أهون من كسبه ، وهدم البناء أهون من رفعه ، وكسر الإناء أهون من إصلاحه . وقال بزرجمهر : يستحب من الخريف الخصب ، ومن الربيع الزهر ، ومن الجارية الملاحة ، ومن الغلام الكيس ، ومن الغريب الانقباض . قيل لكسرى : أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلاً ؟ قال : عدوي ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : لأنه إذا كان عاقلاً فأنا منه في عافية . سئل بزرجمهر في نكبته عن حاله ، فقال : عولت على أربعة أشياء قد هونت على ما أنا فيه : أولها ، أني قلت : القضاء والقدر لا بد من جريانهما . والثاني ، أني قلت : إن لم أصبر فما أصنع ؟ والثالث ، أني قلت : قد كان يجوز أن يكون أشد من هذا ، والرابع ، قلت : لعل الفرج قريب وأنت لا تدري . قال أنوشروان : جميع أمر الدنيا منقسم إلى ضربين لا ثالث لهما ، واحد في دفعه حيلة فالاصطبار دواؤه ، والآخر لا حيلة في دفعه فالاضطرار شفاؤه . وكان إذا ولى رجلاً وقّع في كتابه : " سس خيار الناس بالمحبة ، وامزج للعامة الرغبة بالرهبة ، وسس سفلة الناس بالإخافة " . وسمع الموبذ في مجلسه ضحك الخدم فقال : أما يمنع جلالة الملك وهيبته هؤلاء الغلمان من الضحك ؟ فقال أنوشروان : إنما يهابنا أعداؤنا .

ولما قُتل بزرجمهر بعث إلى ابنته فجاءته مكشوفة الرأس ، فلما رأته غطت رأسها ، فقال أنوشروان : سلوها عن ذلك فقالت : ما رأيت أحداً حتى رأيته . قال سابور : " لم أهزل في أمر ولا نهى قط ، ولم أخلف وعداً ولا وعيداً قط، وولّيت للغناء لا للهوى ، وضربت للأدب لا للغضب ، وأودعت في قلوب الرعية المحبة من غير جرأة ، والهيبة من غير ضغينة ، وعممت بالقوت ، ومنعت الفضول " . سئل أنوشروان أي الأشياء أحق بالتقاء ؟ قال : أعظمها مضرةً ، قيل : فإن جُهل قدر المضرة ؟ قال : أعظمها من الهوى نصيباً . وقال : " لا تنزلن ببلد ليس فيه خمسة أشياء : سلطان قاهر ، وقاض عادل ، وسوق قائمة ، وطبيب عالم ، ونهر جار " . وسأل كسرى موبذه : أيما أكثر الشياطين أو الناس ؟ فقال : إن حسبت الأكراد والرعاة والعامة وأهل الأسواق من الناس فإن الناس له كثير . ويقال : إن كسرى أنزل الكتّاب كلواذي ، وكانوا يأتون في كل يوم فيعملون عملهم ثم ينصرفون إلى منازلهم ، وفرّق إذنهم ، فكان يأذن لهم في أوقات مختلفة ؛ ليشغلهم ببعد المسافة ، ولئلا يجتمعوا فيدبّروا على الملك . وكانوا يقولون: " كل عزيز دخل تحت القدرة فهو ذليل ، وكل مقدور عليه مملوك محقور " . قال بزرجمهر : " من أحبك نهاك ومن أبغضك أغراك " . وقيل له : هل من أحد لا عيب فيه ؟ قال : الذي لا عيب فيه الذي لا يموت . وقال كسرى : أي شيء أضر ؟ فأجمعوا على الفقر ، فقال : الشح أضر منه ؛ لأن الفقير قد يصيب الفرجة . وسئل أنوشروان عن منفعة الولد الصالح قال : يستلذ به العيش ، ويهون به الموت .

سألت امرأة بزرجمهر عن مسألة فقال : لا أعرف جوابها ، فقالت : أنت تأخذ من الملك ما تأخذ ولا تعرف جواب مسألة لي ؟ فقال : إن الملك يعطيني على ما أعلمه ولو أعطاني على ما لا أعلمه لم يسعني بيت ماله ليوم واحد . وقالوا : من قدر أن يحترس من أربع خصال لم يكن في تدبيره خلل : الحرص ، والعُجب واتباع الهوى ، والتواني . قيل لأنوشروان : اصطنعت فلاناً ولا نسب له ، فقال : اصطناعنا إياه نسبه . دخل دهقان على المهلب فقال : أصلح الله الأمير : ما أشخصتني إليك الحاجة ، ولا قنعت بالمقام على الغنى ، ولا أرضى إذ قمت هذا المقام بالنصفة منك ، فقال : ويحك ما تقول ؟ قال : أصلحك الله ، الناس ثلاثة : فقير ، وغني ومستزيد ، فالفقير من مُنع حقه ، والغني من أعطي ما يستحقه ، والمستزيد من طلب الفضل بعد درك الغنى ، وإنك - أعزك الله - لما أنصفتني بإدائك لي حقي ، تطلعت نفسي إلى استزادتك فوق حقي ، فإن منعتني فقد أنصفتني ، وإن زدتني زادت منتك عظماً عليّ ، فأحسن جائزته ، وأمره بلزومه ، وأعجبه ما رأى من ظرفه . قال كسرى : النبيذ صابون الغم . حكى المعلّى بن أيوب عن بعض حكماء فارس أنه قال : تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل منه . من وصية كسرى : " لا تستشعروا الحقد فيدهمكم العدو ولا تحبوا الاحتكار فيشملكم القحط ، وكونوا لأبناء السبيل مأوى تؤووا غداً في المعاد، وتزوجوا في الأقارب ، فإنه أثبت للنسب ، وأقرب للسبب ، ولا تركنوا إلى الدنيا . فإنها لا تدوم ، ولا ترفضوها مع ذلك ؛ فإن الآخرة لا تنال إلا بها " .

وقال : " الحرب سوق ، وتجارتها الغلبة ، فمن لم يكن له بضاعة لم يكن له تجارة " . وقال : من حارب بأجرة فهو يعرض هزيمة ؛ لأن حربه بلا غضب ولا نية ولا أنفة ولا حمية . قال بزرجمهر : " أدنى الأنفس نفس تكرى للحرب " . قال اسفنديار : أفره ما يكون من الدواب لا يستغني عن السوط ، وأعف من تكون من النساء لا تستغني عن الزوج ، وأعقل من يكون من الرجال لا يستغني عن مشاورة ذوي الألباب . وقال عمرو بن العاص لدهقان نهر تيري : بم ينبل الرجل عندكم ؟ فقال : بترك الكذب ؛ فإنه لا يشرف إلا من يوثق بقوله ، وبقيامه بأمر أهله ، فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره ، وبمجانية الريب ؛ فإنه لا يعز من لا يؤمن أن يصادف على سوأة ، وبالقيام بحاجات الناس ؛ فإنه من رجي الفرج لديه كثرت غاشيته . وقال بزرجمهر : من كثر ادبه كثر شرفه وإن كان قبل وضيعا ، وبعُد صوته وإن كان خاملاً ، وساد وإن كان غريباً ، وكثرت الحاجات إليه وإن كان مقتراً ، وقال بعض ملوكهم لوزيره ، وأراد محنته : ما خير ما يرزقه العبد ؟ قال : عقل يعيش به ، قال : فإن عدمه ؟ قال : فمال يستره ، قال : فإن عدمه ؟ قال : فأدب يتحلى به ، قال : فإن عدمه ؟ قال : فصاعقة تحرقه . وقال أردشير : " من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خلال الخير عليه " . لما مات قُباذ قال المُوبذ : كان الملك أمس أنطق منه اليوم ، وهو اليوم أوعظ منه أمس . وقيل لبعض أشرافهم في علته التي مات فيها : ما بك ؟ فقال : فكر عجيب ، وحسرة طويلة . فقيل له : مم ذاك ؟ فقال : ما ظنكم بمن يقطع سفراً قفراً بلا زاد ، ويسكن قبراً موحشاً بلا مؤنس ، ويقدم على حكم عدل بلا حجة ؟ .

وقال أردشير : إن للآذان مجةً ، وللقلوب مللاً ، ففرقوا بين الحكمتين بلهو يكن ذلك استجماما . وكان أنوشروان يقول : القلوب تحتاج إلى أقواتها من الحكمة كاحتياج الأبدان إلى أقواتها من الغذاء . وقال أردشير : " الداء في كل مكتوم " . قال سابور : لما رأيت تأتّي الأشياء لذوي الجهل على جهلهم وانصرافها عن ذوي الألباب والعقول ، علمت أن المدبّر غيرهما ، وأنها جارية بغير تدبير العاقل والأحمق . قال أردشير : اشغل النفس بما يحسن قطعاً لها عما لا يحسن . كان كسرى إذا غضب على بعض حاشيته هجره ولم يقطع عنه خيره ، فقيل له في ذلك ، فقال : " نحن نعاقب بالهجران لا بالحرمان " . وقال أنوشروان : إياك وما يعتذر أو يستحيا منه ؛ فإنما يعتذر من الذنب ، ويستحيا من القبيح . قال أردشير : " الابتداء بالمعروف ، نافلة وربه فريضة " . قال بزرجمهر : إذا اشتبه عليك أمران فانظر أحبهما إلى نفسك فاجتنبه ، وإذا أعياك فشاور امرأةً وخالفها . قيل لأردشير : هل ندمت على شيء قط؟ قال : نعم ، على معروف أمكنني فأخرته . قيل لأنوشروان : أي شيء أحق أن نجتهد فيه في الصبا وفي الشباب وفي كل حين ؟ قال : أما في الصبا فالتأدب ، وأما في الشباب فالعمل ، وأما في كل حين فاجتناب الذنوب . قيل لمزدك : ما الفرق بين الحزن والغضب ؟ قال : إذا كان الأمر ممن فوقك أحزنك ، وأما إذا كان ممن دونك أغضبك.

جلس كسرى للمظالم فتقدم إليه رجل قصير وجعل يصيح أنا مظلوم ، وهو لا يلتفت إليه ، فقال له الموبَذ : انظر في أمره ، قال كسرى : القصير لا يظلمه أحد ، فقال الرجل : أيها الملك ، الذي ظلمني هو أقصر مني ، فضحك ونظر في أمره . وقال بزرجمهر : الفراغ يهيّج الفكرة ، والفكرة تهيّج الفتنة . قال أنوشروان : الناس ثلاث طبقات ، تسوسهم ثلاث سياسات : طبقة من خاصة الأبرار ، يسوسهم العطف واللين والإحسان ، وطبقة من خاصة الأشرار تسوسهم الغلظة والشدة والعنف ، وطبقة هم العامة ، يسوسهم اللين والشدة ، لئلا تحرجهم الشدة ، ولا يبطرهم اللين. وقالوا : التقاط الرشى وضبط الملك لا يلتقيان . كانت الفرس تقول : نحن لا نملك من يحتاج أن يشاور ، فقال بعضهم : نحن لا نملك من يستغني عن المشورة . قيل لأنوشروان : ما وثائق الحزم ؟ قال : أن يختل الأعداء من المال ، فإن الناس أتباعه . قال بعض ملوكهم : يكاد الملك أن يكون مستغنياً عن كل شيء إذا كان حكيماً إلا عن شيء واحد وهو المشورة . قالت أم بزرجمهر : يا بني ركوب الأهوال يأتي بالغنى ، وهو أوثق أسباب الفناء . وأوصى بعض ملوكهم ابنه فقال : أطلق من الناس عقد كل حقد ، واقطع عنهم سبب كل وتر ، وتغاب عن كل دنية ، ولا تركبن شبهة ، ولا تعجل إلى تصديق ساع ، فإن الساعي غاش ، وإن قال قول النصيح .

قال بزرجمهر : إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر في الناس طباجاً فالثقة بكل أحد عجز ، وإذا كان الموت لكل أحد راصداً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق . قال أردشير : " إصلاح الشيم بالقناعة ، ونمو العقل بالعلم " . كتب أنوشروان إلى مرازبة خراسان : عليكم بأهل الشجاعة والسخاء فإنهم أهل حسن الظن بالله . وقال بعض حكمائهم : لو كان الإفراط محموداً في شيء ما كان إلا في الحلم والجود ، ولو تلاحى فيهما الإفراط والاعتدال لكان الاعتدال أولاهما بالذم ؛ لسلامة الجود من جميع العيوب . كتب أبرويز من حبسه إلى ابنه : إن كلمةً منك تسفك دماً، وإن أخرى منك تحقن دماً ، وإن سخطك سيوف مسلولة على من سخطت عليه ، وإن رضاك بركة مستفيضة على من رضيت عنه ، وإن نفاذ أمرك مع ظهور كلامك ، فاحترس في غضبك من قولك أن يخطئ ، ومن لونك أن يتغير ، ومن جسدك أن يخف ؛ فإن الملوك تعاقب قدرة ، وتعفو حلماً ، وما ينبغي للقادر أن يستخف ولا للحليم أن يزدهى ، فإذا رضيت فابلغ بمن رضيت عنه يحرض سواه على رضاك ، وإذا سخطت فضع من سخطت عليه يهرب من سواه من سخطك ، وإذا عاقبت فانهك لئلا يتعرض لعقوبتك ، واعلم أنك تجل عن الغضب ، وأن الغضب يصغر عن ملكك ، وقدّر لسخطك من العقاب كما تقدّر لرضاك من الثواب . وكتب إليه رسالة : لا زالت النعمة عند الأجواد ، والسلطان في أهل العلم ، والعدل في الحكّام ؛ لأن بنعمة الأجواد يعم الدنيا الخصب ، وبعلم الملك يشمل الناس الأمن ، وبعدل الحكّام تخلو الدنيا من الظلم .

وفي عهد سابور إلى ابنه : وزيرك فليكن مقبول القول عندك ، رفيع المنزلة لديك ، يمنعه مكانه منك ، وما يثق به من لطافة منزلته عندك ، من الخنوع لأحد والضراعة إلى أحد ، والمداهنة لأحد في شيء مما تحت يديه ؛ لتبعثه الثقة بك على محض النصيحة لك ، والمنابذة لمن أراد غشك وانتقاصك حقك ، وإذا أورد عليك رأياً يخالفك ولا يوافق الصواب عندك ، فلا تجتهد جهد الظنين ، ولا ترده عليه بالتجهم ، فيفتّ في عضده ذلك ، ويقبضه إثباتك كل رأي يلوح له صوابه ، با اقبل ما رضيت من رأيه وقوله ، وعرفه ما تخوفت من ضرر الرأي الذي انصرفت عنه ، لينتفع بأدبك فيما يستقبل النظر فيه ، واحذر كل الحذر من أن تنزل بهذه المنزلة سوى وزيرك ممن يطيف بك من خاصتك وخدمك ، أو أن تسهّل لأحد منهم السبيل إلى الانبساط بالنطق عندك ، والإفاضة في أمر رعيتك وعملتك ، فإنه لا يوثق بصحة رأيهم ، ولا يؤمن الانتشار فيما ائتمنوا عليه من السر المكتوم من سواهم . وفي هذا العهد : واعلم أن قوام أمرك بدرور الخراج ، ودرور الخراج بعمارة البلاد ، وبلوغ الغاية في ذلك باستصلاح أهله بالعدل عليهم ، والمعاونة لهم ؛ فإن بعض ذلك لبعض سبب ، وعوّام الناس لخواصهم عدة ، وبكل صنف منهم إلى الآخر حاجة ، فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتّابك ، وليكونوا من أهل البصر والعفافا والكفاية ، وأسند إلى كل امرئ منهم شقصاً يضطلع به ، ويمكنه تعجيل الفراغ منه ، فإن اطلعت على أن أحداً منهم خان أو تعدى فنكّل به ، وبالغ في عقوبته ، واحذر أن تستعمل على الأرض الكثير خراجها إلا البعيد الصوت ، العظيم شرف المنزلة ، ولا توايّنّ أحداً من قواد جندك الذين هم عدة للحروب ، وجنة من الأعداء خراجاً ؛ فلعلك تهجم من بعضهم على خيانة الأموال ، وتضييع للعمل ، فإن سوّغته المال وأغضبت له عن التضييع كان ذلك إهلاكاً وإضراراً بالرعية وداعية إلى فساد غيره ، وإن أنت كافأته فقد استفدته وأضغنت صدره ، وهذا أمر توقّيه حزم ، والإقدام عليه خرق ، والتقصير فيه عجز . وفيه : واعلم أن من أهل الخراج من يلجئ بعض أرضه وضياعه إلى خاصة الملك وبطانته لأحد أمرين ، أنت حري بكراهتهما : إما للامتناع من جور العمال وظلم الولاة ، فتلك منزلة يظهر بها سوء أثر العمال وضعف الملك وإخلاله بما تحت يده ، وإما للدفع بما يلزمهم من الحق ، والكسر له ، فهذه خلة يفسد بها أدب الرعية ، وتنتقص بها الأموال ، فاحذر ذلك ، وعاقب الملجئين والملجأ إليهم . وفي كتاب للموبذ إلى هرمز بن سابور : فأما وزراء الملك فيجب أن يختارهم من أهل بيت الوزارة والحسب والعقل والصلاح والتجربة والأناة ومحض الطاعة وشدة الاهتمام بصلاح الخاصة والعامة ، وقلة الشره والحرص على الدنيا . ولا يؤثر على الملك قريباً ولا بعيداً ، ولا يمالئ عليه لرغبة ولا رهبة ، ولا يلتمسه شيئاً يرجو به نفعاً ، أو يخاف به ضراً ، وأن يطيع آراءهم ، ويتهم بعضهم على بعض ، وألا يُطمع أحداً في أعمالهم ، ولا في الإصغاء إليه ، فإن الوزير : الناصح أكثر الناس له عامة وبطانة الملك قرابته خاصة ، وما شيء أزين للملك ولا أنفع ولا أعود عليه من الوزير الناصح . وقال أبرويز لوزيره : اكتم السر ، واصدق في الحديث ، واجتهد في النصيحة ، واحترس بالحذر ، فعلي ألا أعجل عليك حتى أستأني ، ولا أقدم عليك حتى أستيقن ولا أطمع فيك فأغتالك . وقال لكاتبه : إنما الكلام أربعة أقسام : سؤالك الشيء ، وسؤالك عن الشيء ، وامرك بالشيء ، وخبرك عن الشيء ، فهذه دعائم المقالات ، إن التمس إليها خامس لم يوجد ، وإن نقص منها واحد لم تتيم ، فإذا طلبت فأسجح ، وإذا سألت فأوضح ، وإذا أمرت فاحتم ، وإذا خبّرت فحقق . وصف رجل أنوشروان فقال : كان والله من أصبر الناس ، قيل : وما بلغ من صبره ؟ فقال : كان له كاتب بليد فكان يكتب له تذكرة بحوائجه فينسى التذكرة . يقولون : للوزير على الملك ، وللكاتب على الصاحب ثلاث خصال : رفع الحجاب عنه ، واتهام الوشاة عليه ، وإفشاء السر إليه . وحُكي أن سابور استشار وزيرين كانا له ، فقال أحدهما : " لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً به ، فإنه أصون للسر ، وأحزم في الرأي ، وأدعى إلى السلامة ، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض ؛ لأن الواحد رهن بما أفشي إليه ، وهو أحرى ألا يظهره رهبة للملك ، ورغبة إليه ، وإذا كان عند اثنين فظهر ، دخلت على الملك الشبهة ، واتسعت على الرجلين المعاريض ، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد ، وإن اتهمهما اتهم بريئاً بجناية مجرم ، وإن عفا عنهما عفا عن واحد لا ذنب له ، وعن الآخر ولا حجة عليه " .

نسخة عهد أردشير بن بابك إلى من يخلفه من بعده

من ملك الملوك أردشير بن بابك إلى من يخلفه بعقبه من ملوك فارس السلام والعافية . أما بعد : فإن صنيع الملوك على غير صنيع الرعية ، فالملك يطيعه العز والأمن والسرور والقدرة على طباع الأنفة والجرأة والعبث والبطر . ثم له ، كلما ازداد في العمر تنفساً وفي الملك سلامةً ، زيادة في هذه الطبائع الأربعة حتى تسلمه إلى " سُكر السلطان الذي هو أشد من سكر الشراب " فينسى النكبات والعثرات والغِير والدوائر . ويحين تسلط الأيام ولؤم غلية الدهر ، فيرسل يده بالفعل ولسانه بالقول . وقد قال الأولون منا : " عند حسن الظن بالأيام تحدث الغير " . وقد كان من الملوك من يذكره عزه الذل ، وأمنه الخوف ، وسروره الكآبة ، وقدرته العجز ، فإذا هو قد جمع بهجة الملوك ، وفكرة السوقة ، ولا حزم إلا في جمعهما . اعلموا أن الذي أنتم لاقوه بعدي هو الذي لقيني من الأمور ، وهي بعدي واردة عليكم بمثل الذي وردت به عليّ ، فيأتيكم السرور والأذى في الملك من حيث أتياني ، وأن منكم من سيركب الملك صعباً فيُمنى من شماسه وجماحه وخبطه واعتراضه بمثل الذي منيت به ، وأن منكم من سيرث الملك عن الكفاة المذللين له مركبه ، وسيجري على لسانه ويلقى في قلبه أن قد فرّغ له وكفي واكتفى وفرّغ للسعي في العبث والملاهي ، وأن من قبله من الملوك إلى التوطيد له أجروا ، وفي التمكين له سعوا ، وأن قد خص بما حرموا ، وأُعطي ما مُنعوا ، فيكثر أن يقول مسرّاً ومعلناً ، خصوا بالعمل وخصصت بالدعه ، وقدّموا قبلي إلى الغرر وخُلّفت في الثقة .

وهذا الباب من الأبواب التي يكسر بها سكور الفساد ، ويهاج بها دواهم البلاء ، ويعمى البصير عن لطيف ما يُنتهك من الأمور في ذلك . فإنا قد رأينا الملك الرشيد السعيد المنصور المكفي المظفر الحازم في الفرضة ، البصير بالعورة ، اللطيف للشبهة ، المبسوط له العلم والعمر ، يجتهد فلا يعدو إصلاح ملكه حياته إلا أن يتشبه به متشبه . ورأينا الملك القصير عمره ، القريبة مدته ، إذا كان سعيه بإرسال اللسان بما قال ، واليد بما عملت ، بغير تدبير يدرك ، أفسد جميع ما قُدم له من الصلاح قبله ، ويُخلّف المملكة خراباً على من بعده . وقد علمت أنكم ستبلون مع الملك بالأزواج والأولاد والقرناء والوزراء والأخدان والأنصار والأصحاب والأعوان والمتنصحين والمتقربين والمضحكين والمزينين ، وكل هؤلاء ، إلا قليلاً ، أن يأخذ لنفسه أحب إليه من أن يعطى منها ، وإنما عمله لسوق يومه وحياة غده ، فنصيحته الملوك نصيحة لنفسه ، وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه ، وغاية الفساد عنده فساد من يجعل نفسه هي العامة ، والعامة هي الخاصة ، فإن خُص بنعمة دون الناس فهي عنده نعمة عامة ، وإذا عُم الناس بالنصر على العدو والعدل في البيضة والأمن على الحريم والحفظ للأطراف والرأفة من الملك والاستقامة من الملك ولم يخصص من ذلك بما يُرضيه سمى تلك النعمة نعمة خاصة ، ثم أكثر شكيته الدهر ومذمته الأمور ، بقيم للسلطان سوق المودة ما أقام له سوق الأرباح ، ولا يعلم ذلك الوزير القرين أن في التماس الريح على السلطان فساد جميع الأمور . وقد قال الأولون منا : " رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان " . واعلموا أن الملك والدّين توأمان ، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدين أس الملك وعماده ، ثم صار الملك بعد حارس الدين ، فلا بد للملك من أسه ولا بد للدين من حارسه ، فإن ما لا حارس له ضائع ، وإن ما لا أس له مهدوم ، وأن رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إياكم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه فتحملكم الثقة بقوة الملك على التهاون بهم فتحدث في الدين رياسات مستسرات فيمن قد وترتم وجفوتم وحرمتم وأخفتم وصغّرتم من سفلة الناس والرعية وحشو العامة . ولم يجتمع رئيس في الدين مسر ورئيس في الملك معلن في مملكة واحدة إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك ، لأن الدين أس ، والمُلك عماد ، وصاحب الأس أولى بجميع البنيان من صاحب العماد . وقد مضى قبلنا ملوك كان الملك منهم يتعهد الجملة بالتفتيش ، والجماعات بالتفصيل ، والفراغ وكانوا بالأشغال ، كتعهده جسده بقص فضول الشعر والظفر ، وغسل الدرن والغمر ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن . وقد كان من أولئك الملوك من صحة ملكه أحب إليه من صحة جسده ، وكان بما يخلّفه من الذكر الجميل المحمود أفرح وأبهج منه بما يسمعه بأذنه في حياته ، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد ، وكأن أرواحهم روح واحدة ، يمكّن أولهم لآخرهم ، ويصدّق آخرهم أولهم ، تجتمع أنباء أسلافهم ومواريث آرائهم وصياغات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم ، فكأنهم جلوس معهم يحدثونه ، ويشاورونه ، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر على ما غلب عليه من مُلكنا ، فكان إفساده أمرّنا ، وتفريقه جماعتنا ، وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا ، فلما أذن الله في جمع مملكتنا ودولة أحسابنا كان من ابتعاثة إيانا ما كان " بالاعتبار يتّقى العثار " ومن يخلفنا أوجد للاعتبار منا ، لما استدبروا من أعاجيب ما مرّ علينا . اعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية ، وأنه لا سلطان للملوك على القلوب . واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم . واعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه ، وهو أقطع سيفيه ، وإن أشد ما يضر بكم من لسانه ما صرف الحيلة فيه إلى الدين ، فكان بالدين يحتج ، وللدين فيما يظهر ، يغضب فيكون للدين بكاؤه ، وإليه دعاؤه ، ثم هو أوجد للتابعين والمصدقين والمناصحين والموالين والمؤازرين منكم ، لأن بغضة الناس موكلة بالملوك ، ومحبتهم ورحمتهم موكلة بالضعفاء والمغلوبين .

وقد كان من قبلنا من الملوك يحتالون لعقول من يحذرون ، بتخريبها ، فإن العاقل لا تنفعه جودة تجربة إذا صير عقله خرابا ، وكانوا يحتالون للطاعنين بالدين على الملوك فيسمونهم بالمبتدعين ، فيكون الدين هو الذي يقتلهم ويربح الملوك منهم . ولا ينبغي للملك أن يعترف للعبّاد والنسّاك والمتبتلين أن يكونوا أولى بالدين ولا أحدب عليه ولا أغضب له منه . ولا ينبغي للملك أن يدع النسّاك بغير الأمر والنهي لهم في نسكهم ودينهم ، فإن خروج النساك وغير النساك من الأمر والنهي عيب على الملوك وعيب على المملكة ، وثلمة يستبينها الناس بينة الضرر للملك ولمن بعده . واعلموا أن تصبر الوالي على غير أخدانه وتقريبه غير وزرائه فتح لأبواب محجوب عنه علمها . وقد قيل : " إذا استوحش الوالي ممن لم يوطن نفسه عليه أطبقت عليه ظلم الجهالة " . وقيل : " إن أخوف ما يكون العامة آمن ما يكون الوزراء " . اعلموا أن دولتكم تؤتى من مكانين : أحدهما ، غلبة بعض الأمم المخالفة لكم ، والآخر فساد دينكم ، ولن يزال حريمكم من الأمم محروساً ودينكم من غلبة الأديان محفوظاً ما عظّمت فيكم الولاة ، وليس تعظيمهم بترك كلامهم ، ولا إجلالهم بالتنحي عنهم ولا المحبة لهم بالمحبة لكل ما يحبون ، ولكن تعظيمهم تعظيم أديانهم وعقولهم ، وإجلالهم إجلال منزلتهم من الله جل وعز ، ومحبتهم محبة إصابتهم وحكاية الصواب عنهم . واعلموا أنه لا سبيل إلى أن يعظّم الوالي إلا بالإصابة في السياسة ، ورأس إصابة السياسة أن يفتح الوالي لمن قبله من الرعية بابين : احدهما ، باب رقة ورحمة ورأفة وبذل وتحنن وإلطاف ومواتاة ومواساة وبشر وتهال وانبساط وانشراح ، والآخر ، باب غلظة وخشونة وتعنت وشدة وإمساك ومباعدة وإقصاء ، ومخالفة ومنع وقطوب وانقباض ومحقرة إلى أن يبلغ القتل .

واعلموا أني لم أسم هذين البابين باب رفق وباب عنف ، ولكني سميتهما جميعاً بابي رفق ؛ لأن فتح باب المكروه مع باب السرور هو أوشك لإغلاقه حتى لا يبتلى به أحد . واعلموا أن في الرعية من الأهواء الغالية للرأي ، والفجور المستثقل للدين ، والسفلة الحنقة على الوجوه بالنفاسة والحسد ما لا بد معه أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة ، وبباب الاستبقاء باب القتل . واعلموا أن الوالي قد يفسد بعض الرعية من حرصه على صلاحها ، أو قد يغلظ عليها من شدة رقته لها ، وقد يقتل منها من حرصه على حياتها . واعلموا أن قتالكم الأعداء من الأمم قبل قتالكم الأدب من أنفس رعيتكم ليس بحفظ ولكنه إضاعة ، وكيف يجاهد العدو بقلوب مختلفة وأيد متعادية ؟ وقد علمتم أن الذي بني عليه الناس وجبلت عليه الطباع حب الحياة وبغض الموت ، وإن الحرب تباعد من الحياة ، وتدني من الموت ، فلا دفع ولا منع ولا صبر ولا محاماة مع هذا إلا بأحد وجهين : إما بنية ، والنية ما لا يقدر عليه الوالي عند الناس بعد النية التي تكون في أول الدولة ، وإما بحسن الأدب وإصابة السياسة . واعلموا أن بدء ذهاب الدولة إنما يبدأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة ، فإذا فشا الفراغ تولّد منه النظر في الأمور والفكر في الأصول ، فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة ، فتختلف بهم المذاهب ، ويتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم ، وهم في ذلك مجتمعون في اختلافهم على بغض الملوك ؛ لأن كل صنف منهم إنما يجري إلى فجيعة الملك الذي يملكه ، ولكنهم لا يجدون سلماً إلى ذلك أوثق من الدين ، ولا أكثر أتباعاً ، وأعز امتناعا ، ولا أشد على الناس صبراً ، ثم يتولد من تعاديهم أن الملك لا يستطيع جمعهم على هوىً واحد ، فإذا انفرد ببعضهم فهو عدو لبعض . ثم يتولد من تعاديهم وعداوتهم للملك كثرتهم ، فإن من شأن العامة الاجتماع على الاستثقال للولاة والنفاسة عليهم ، لأن في الرعية المحروم والمضروب والمقام عليه وفيه وفي حميمه الحدود ، والداخل عليه بعز الملك الذل في نفسه وخاصته ، فكل هؤلاء يجري إلى متابعة أعداء الملك ، ثم يتولد من كثرتهم أن يجبن الملك على الإقدام عليهم ؛ فإن إقدام الملك على جميع الرعية تغرير بملكه ونفسه ، ويتولد من جبن الولاة عن تأديب العامة تضييع الثغور التي فيها الأهم من ذوي الدين وذوي البأس ؛ لأن الملك إذا سد الثغور بخاصة المناصحين له وخلت به العامة الحاسدة والمعادية ، لم يعد بذلك تدريبهم في الحرب وتقويتهم في السلاح ، وتعليمهم المكيدة مع البغضة ، فهم عند ذلك أقوى عدو وأخفره وأخلفه للظفر ، ولا بد من استطراد هذا كله إذا ضيّع أوله . فمن ألغى منكم الرعية بعدي وهي على حال أقسامها الأربعة - التي هي : أصحاب الدين والحرب والتدبير والخدمة . من ذلك : الأساورة صنف، والعبّاد والنسّاك وسدنة النيران صنف ، والكتّاب والمنجمون صنف والأطباء صنف ، والزرّاع والمهّان والتجار صنف . فلا يكونن بإصلاح جسده أشد اهتماماً منه بإحياء تلك الحال ، وتفتيش ما يحدث فيها من الدخلات ؛ فلا يكونن لانتقاله عن الملك بأجزع منه لانتقال صنف من هذه الأصناف إلى غير مرتبته ؛ لأن تنقل الناس عن مراتبهم سريع في نقل الملك عن ملكه ، إما إلى خلع وإما إلى قتل ؛ فلا يكونن من شيء من هذه الأشياء بأوحش منه من رأس صار ذنباً ، وذنب صار رأساً ، أو يد مشغولة أُحدثت فراغاً ، أو كهيم صار ضريرا ، أو لئيم مرج . فإنه يتولد من تنقل الناس عن حالاتهم أن يلتمس كل امرئ منهم فوق مرتبته ، فإذا انتقل عنها أوشك أن يرى أشياء أرفع مما انتقل إليه فيغبط أو ينافس فيه . وقد علمتم أن من الرعية أقواماً هم أقرب الناس إلى الملوك حالاً ، وفي تنقل الناس عن حالاتهم مطمعة للذين يلون الملوك في الملك ، ومطمعة للذين دون الذين يلون الملوك في تلك الحال ، وهذا لقاح بوار الملك .

ومن ألقى منكم الرعية وقد أضيع أول أمرها فألفاها في اختلاف من الدين ، واختلاف من المراتب وضياع من العامة ، وكانت به على المكاثرة قوة فليكاثر بقوته ضعفهم ، وليبادر بالأخذ بأكظامهم قبل أن يبادروا بالأخذ بكظمه ، ولا يقولن أخاف العسف ، فإنما يخاف العسف - من يخاف جريرة العسف - على نفسه ، وأما إذا كان العسف لبعض الرعية صلاحاً لبقيتها ، وراحة له ولمن بقي معه من الرعية من النغل والدغل والفساد فلا يكونن إلى شيء بأسرع منه إلى ذلك ، فإنه ليس نفسه يعسف ، ولا أهل موافقته يعسف ولكنما يعسف عدوه . ومن ألغى منكم الرعية في حال فسادها ، ولم ير بنفسه عليها قوة في صلاحها ، فلا يكونن لقميص قمل بأسرع خلعاً منه لما لبس من ذلك الملك ، وليأته البوار ، إذا أتاه ، وهو غير مذكور بشؤم ولا منوّه به في دناءة ، ولا مهتوك به ستر ما في يديه . واعلموا أن فيكم من يستريح إلى اللهو والدعة ثم يديم من ذلك ما يورّثه خلقاً وعادة فيكون ذلك لقاح جد لا لهو فيه ، وتعب لا خفض معه ، مع الهجنة في الرأي ، والفضيحة في الذكر ، وقد قال الأولون منا : " لهو رعية الصدق بتقريظ الملوك ولهو ملوك الصدق بالتودد إلى الرعية " . واعلموا أنه من شاء منكم ألا يسير بسيرة إلا قُرّظت عليه فعل ، ومن شاء منكم بعث العيون على نفسه فأزكاها فلم يكن الناس بعيب نفوسهم بأعلم منهم بعيبه فعل . ثم أنه ليس منكم ملك إلا كثير الذكر لمن يلي الأمر بعده . ومن فساد الرعية نشر أمور ولاة العهود ، فإن في ذلك من الفساد أن أولّه دخول عداوة ممضة بين الملك ووليّ عهده ، وليس يتعادى متعاديان بأشد من أن يسعى كل واحد منهما في قطع سؤل صاحبه ، وهكذا الملك ووليّ عهده ، لا يسر الأرفع أن يعطي الأوضع سؤله في فنائه ، ولا يسر هذا الأوضع أن يعطي الآخر سؤله في البقاء ، ومتى كان فرح أحدهما في الراحة من صاحبه تدخل في كل واحد وحشة من صاحبه في طعامه وشرابه ، ومتى تباينا بالتهمة يتخذ كل واحد أحباء وأخداناً وأهلاً ، ثم يدخل كل واحد منهما وغر على أحباء صاحبه ، ثم تنساق الأمور إلى إهلاك أحدهما لما لا بد له من الفناء ، فتفضي الأمور إلى الآخر وهو حنق على جيل من الناس يرى أنه موتور إن لم يحرمّهم ويضعهم وينزل بهم التي كانوا يريدونها به ، لو ولوّا ، فإذا وضع بعض الرعية وأسخط بعضاً على هذه الجهة تولّد من ذلك ضغن وسخط من الرعية ، ثم ترامى ذلك إلى بعض ما أحذر عليكم بعدي . ولكن لينظر الوالي منكم لله تعالى ثم للرعية ثم لنفسه ، ثم لينتخب ولياً للعهد من بعده ، ثك يكتب اسمه في أربع صحائف فيختمها بخاتمه فيضعها عند أربعو نفر من خيار أهل المملكة ، ثم لا يكون منهم في سر ولا علانية أمر يستدل به على وليّ ذلك العهد ، لا في إدناء وتقريب يعرف به ، ولا في إقصاء وتنكب يستراب له ، وليتق ذلك في اللحظة والكلمة ، فإذا هلك جُمعت تلك الكتب التي عند الرهط الأربعة إلى النسخة التي عند الملك، ففضضن جميعاً ثم نوّه بالذي وضح اسمه في جميعهن . يلقى الملك ، إذا لقيه ، بحداثة عهده بحال السوقة ، فيلبس ذلك الملك ، إذا لبسه ، على بصر السوقة وسمعها ورأيها - أذنه - ، فإن في سكر السلطان الذي يناله ما يُكتفى به له من سكر ولاية العهد مع سكر الملك ، فيصم ويعمى قبل لقاء الملك كصم الملوك وعماهم ، ثم يلقى الملك فيزيده صماً وعمى مع ما يلقى في ولاية العهد من بطر السلطان وحيلة العتاة وبغي الكذابين وترقية النمامين ، وتحميل الوشاة بينه وبين من فوقه . ثم اعلموا أنه ليس للملك أن يكذب ؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه . وليس له أن يلعب ولا يعبث ، لأن العبث واللعب من عمل الفراغ ، وليس له أن يفرغ ، لأن الفراغ من عمل السوقة ، وليس له أن يحسد ؛ لأن الحسد لا يجب أن يكون إلا على ملوك الأمم على حسن التدبير ، وليس له أن يخاف ، لأن الخوف من المعوز . وليس له أن يتسلط إن هو أعوز . واعلموا أن زين الملك في استقامة الحال ألا تختلف منه ساعات العمل والمباشرة وساعات الفراغ والدعة وساعات الركوب والنزهة ، فإن اختلافها منه خفة ، وليس للملك أن يخف.

واعلموا انكم لن تقدروا على ختم أفواه الناس من الطعن والإزراء عليكم ، ولا قدرة بكم على أن تجعلوا القبيح حسنا. واعلموا أن لباس الملك ومطعمه مقارب للباس السوقة ومطعمهم ، وبالحري أن يكون فرحهما بما نالا من ذلك واحدا، ولبس فضل الملك على السوقة إلا بقدرته على اقتناء المحامد واستفادة المكارم ، فإن الملك إذا شاء أحسن وليس السوقة كذلك . واعلموا انه يحق على الملك منكم أن يكون ألطف ما يكون نظراً ، أعظم ما يكون خطراً ، وألا يذهب حسن أثره في الرعية خوفه لها ، وألا يستغني بتدبيره اليوم عن تدبير غد ، وأن يكون حذره للملاقين أشد من حذره للمباعدين وأن يتقي بطانة السوء أشد من اتقائه عامة السوء . " ولا يطمعنّ ملك في إصلاح العامة إذا لم يبدأ بتقويم الخاصة " . واعلموا أن لكل ملك بطانة ، وأن لكل رجل من بطانته بطانة ، ثم لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة ، - حتى يجتمع في ذلك جميع أهل المملكة ، فإذا أقام الملك بطانته - على حال الصواب أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك ، حتى تجتمع على الصلاح عامة الرعية . واعلموا أن الملك منكم قد تهون عليه العيوب ؛ لأنه لا يُستقبلُ بها ، وإن عملها ، حتى يرى أن الناس يتكاتمونها بينهم كتكاتمهم إياه تلك العيوب ، وهذا من الأبواب الداعية إلى طاعة الهوى ، وطاعة الهوى داعية إلى غلبته " فإذا غلب الهوى اشتد علاجه من السوقة المغلوبة فضلاً عن الملك الغالب " . اتقوا باباً واحداً طالما أمنته فضرني ، وحذرته فنفعني ، احذروا إفشاء السر عند الصغار من أهليكم وخدمكم ؛ فإنه لا يصغر أحد منهم عن حمل ذلك السر إلا ضيّع منه شيئاً يضعه حيث تكرهون ، إما سقطاً وإما عبثاً ، والسقط أكثر ذلك . اجعلوا حديثكم لأهل المراتب ، وحباءكم لأهل الجهاد ، وبشركم لأهل الدين ، وسركم عند من يلزمه خير ذلك وشره ، وزينة وشينة .

واعلموا أن " صحة الظنون مفاتيح اليقين " وأنكم ستستيقنون من بعض رعيتكم بخير وشر ، وستظنون ببعضهم خيراً وشراً ، فمن استيقنتم منه الخير والشر فليستيقن منكم بهما . ومن ظننتموهما به فليظنهما بكم في أمره ، فعند ذلك يبدو من المحسن إحسانه ، فيخالف الظن به فيغتبط ومن المسيء إساءته فيصدّق الظن به فيندم . واعلموا أن للشيطان في ساعات من الدهر طمعاً في السلطان عليكم : منها ساعة الغضب والحرص والزهو ، فلا تكونوا له في شيء من ساعات الدهر أشد قتالاً منكم عندهن حتى تنقشعن . وكان يقال : " اتق مقارفة الحريص القادر ؛ فإنه إن رآك في القوت رأى منك أخبث حالاتك ، وإن رآك في الفضول لم يدعك وفضولك " . استعينوا بالرأي على الهوى فإن ذلك تمليك للرأي على الهوى . واعلموا أن من شأن الرأي الاستخذاء للهوى ، إذا جرى الهوى على عادته ، وقد عرفنا رجالاً كان الرجل منهم يؤنس من قوة طباعه ونبالة رأيه ما تريه نفسه أنه على إزاحة الهوى عنه - وإن جرى على عادته ، ومعاودته الرأي وإن طال به عهده - قادر ، لثقة يجدها بقوة الرأي ، فإذا تمكن الهوى منه فسخ عزم رأيه ، حتى يسميه كثير من الناس ناقصاً في العقل ، فأما البصراء فبستبينون من عقله عند غاية الهوى عليه ما يستبان من الأرض الطيبة الموات . واعلموا أن في الرعية صنفاً من الناس هم بإساءة الوالي أفرح منهم بإحسانه وإن كان الوالي لم يترهم ، وكان الزمان لم ينكبهم ، وذلك لاستطراف حادثات الأخبار فإن استطراف الأخبار معروف من أخلاق حشو الناس ، ثم لا طرفة عندهم إلا فيما اشتهر ؛ فجمعوا في ذلك سرور كل عدو لهم ولعامتهم مع ما وتروا به أنفسهم وولاتهم . فلا دواء لأولئك إلا بالأشغال .

وفي الرعية صنف وتروا الناس كلهم ، وهم الذين قووا على جفوة الولاة ، ومن قوي على جفونهم فهو غير ساد ثغرا ، ولا مناصح إماماً ، ومن غش الإمام فقد غش الناس طرا وإن ظن أنه للعامة مناصح . وكان يقال : " من لم ينصح عملاً من غش عامله " . وفي الرعية صنف تركوا إتيان الملوك من قبل أبوابهم وأتوهم من قبل وزرائهم ، فليعلم الملك منكم أنه من أتاه من قبل بابه فقد آثره بنصيحة إن كانت عنده ، ومن اتاه من قبل وزرائه فهو مؤثر للوزير على الملك في جميع ما يقول ويفعل . وفي الرعية صنف دعوا إلى أنفسهم الجاه بالأياء والرد له ووجدوا ذلك عند المغفلين نافقاً ، وربما قرّب الملك الرجل من أولئك لغير نبل في رأي ، ولا إجزاء في العمل ، ولكن الأياء والرد أغرباه . وفي الرعية صنف أظهروا التواضع واستشعروا الكبر ، فالرجل منهم يعظ الملوك زارياً عليهم بالموعظة ، يعتد ذلك تقربّاً إليهم ، ويتخذ ذلك أسهل طريقي طعنه عليهم : ويسمّى ذلك هو وكثير ممن معه تحرياً للدين ؛ فإذا أراد الملك هوانهم لم يعرف لهم ذنباً يهانون عليه ، وإذا أراد إكرامهم فهي منزلة حبوا بها أنفسهم على رغم الملوك ، وإن أراد إسكاتهم كان السماع في ذلك أنه استثقل ما عندهم من حفظ الدين ، وإن أمروا بالكلام قالوا : إنما نفسد ولا نصلح ، فأولئك أعداء الدول وآفات الملوك : فالرأي للملوك تقريبهم من الدنيا ، فإنهم إليها أجروا ، وفيها عملوا ، ولها سعوا ، وإياها أرادوا ، فإذا تلوثوا بها بدت فضائحهم ، وإن امتنعوا مما في أيدي الملوك فإن فيما يحدثون ما يجعل للملوك سلّماً إلى سفك دمائهم . وكان بعض الملوك يقول : " القتل أقل للقتل " . وفي الرعية صنف أتوا الملوك من قبل النصائح لهم ، والتمسوا إصلاح منازلهم بإفساد منازل الناس ، فأولئك أعداء الناس ، وأعداء الملوك " ومن عادى الملوك وجميع الناس والرعية فقد عادى نفسه " .

واعلموا أن الدهر حاملكم على طبقات : منهن حال السخاء حتى تدنو من السرف ، ومنهن حال التقدير حتى تقرب من البخل ، ومنهن حال الأناة حتى تصير إلى البلادة ، ومنهن حال المناهزة للفرصة حتى تدنوا من الخفة ، ومنهن حال الطلاقة في اللسان حتى تدنو من الهذر ، ومنهن حال الأخذ بحكم الصمت حتى تدنو من العي . فالملك منكم جدير أن يبلغ من كل طبقة من محاسنها حدها ، فإذا وقف على الحدود التي وراءها سرف ألجم نفسه عما وراءها . واعلموا أن الملك منكم ستعرض له شهوات في غير ساعاتها ، والملك إذا قدّر ساعة العمل ، وساعة الفراغ وساعة المشرب ، وساعة المطعم ، وساعة الفضلة ، وساعة اللهو ، كان جديراً ألا يعرف منه الاستقدام بالأمور ولا الاستئخار بها عن ساعاتها ، فإن اختلاف ذلك يورث مضرتين : إحداهما ، السخف ، وهي أشد الأمرين ، والأخرى، نقض الجسد بنقض أقواته وحركاته . واعلموا أن من ملوككم من سيقول : لي الفضل على من كان من قبلي من آبائي وعمومتي ومن ورثت عنه هذا الأمر ؛ لبعض الإحسان يكون منه ، فإذا قال ذلك سوعد عليه بالمتابعة له ، فليعلم ذلك الملك أنه والمتابعين له إنما وضعوا أيديهم وألسنتهم في قصب آبائه من الملوك وهم لا يشعرون ، وبالحري أن يشعر بعض المتابعين له فيغمض على ما لا يحزنه من ذلك . واعلموا أن ابن الملك وأخاه وابن أخيه وعمه وابن عمه يقول : كدت أكون ملكاً ، وبالحري ألا أموت حتى أكون ملكاً ، فإذا قال ذلك قال ما لا يسر الملك ، فإن كتمه " فالداء في كل مكتوم " وإن أظهره كلم ذلك في قلب الملك كلما يكون لقاحاً للتباين والتعادي ، وسيجد ذلك القائل ، من المتابعين والمحتملين والمنمنمين ما تمنى لنفسه ما يزيده إلى ما اشتاق إليه شوقاً ، فإذا تمكن في صدره الأمل لم يرج النيل إلا في اضطراب من الحيل وزعزة تدخل على الملك وأهل المملكة ، فإذا تمنى ذلك فقد جعل الفساد سلّماً إلى الصلاح ، ولم يكن الفساد سلّماً إلى صلاح قط : وقد رسمت لكم في ذلك مثالاً لا مخرج لكم من هذا إلا به .

اجعلوا الملك لا ينبغي إلا لأبناء الملوك من بنات عمومتهم ، ولا يصلح من أولاد بنات العم إلا كامل غير سخيف العقل ، ولا عازب الرأي ، ولا ناقص الجوارح ، ولا معتوب عليه في الدين ؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قلّ طلاب الملك ، وإذا قلّ طلابه استراح كل امرئ إلى ما يليه ، ونزع إلى جديلته ، وعرف حاله ، وغض بصره ، ورضي بمعيشته ، واستطاب زمانه . واعلموا أنه سيقول قائل من عرض رعيتكم أو من ذوي قرابتكم : ما لأحد عليّ فضل لو كان لي ملك ، فإذا قال ذلك فقد تمنى الملك وهو لا يشعر ، ويوشك أن يتمناه بعد ذلك وهو يشعر ، فلا يرى ذلك من رأيه خطلاً ، ولا من فعله زللا ، وإنما يستخرج ذلك فراغ القلب واللسان مما يكلف أهل الدين والكتّاب والحسّاب ، أو فراغ اليد مما يكلف الأساورة ، أو فراغ البدن مما يكلّف التجار والمهنة والخدم . واعلموا أنا على فضل قوتنا ، وإجابة الأمور إياناً ، وجدة دولتنا ، وشدة بأس أنصارنا ، وحسن نية وزرائنا لم نستطع إحكام تفتيش الناس حتى بلغنا من الرعية مكروهاً ، ومن أنفسنا مجهودها . واعلموا أن الملك ورعيته جميعاً يحق عليهم ألا يكون للفراغ عندهم موضع " فإن التضييع في فراغ الملك ، وفساد المملكة في فراغ الرعية " . واعلموا أنه لا بد من سخط سيحدث منكم على بعض إخوانكم المعروفين بالنصيحة لكم ، ولا بد من رضىً سيحدث لكم على بعض أعدائكم المعروفين بالغش لكم ، فلا تُحدثوا ، عندما يكون من ذلك ، انقباضاً عن المعروف بالنصيحة ، ولا استرسالاً إلى المعروف بالغش . وقد خلّفت لكم رأيي إذ لم أستطع تخليف بدني ، وقد حبوتكم بما حبوت به نفسي ، وقضيت حقكم فيما آسيتكم به من رأيي ، فاقضوا حقي بالتشفيع لي في صلاح أنفسكم والتمسك بعهدي إليكم ، فإني قد عهدت إليكم عهدي وفيه صلاح جميع ملوككم وعامتكم وخاصتكم ، ولن تضيعوا ما احتفظتم بما رسمت لكم ما لم تضعوا غيره ، فإذا تمسكتم به كان علامةً في بقائكم ما بقي الدهر .

ولو لا اليقين بالبوار النازل على رأس الألف من السنين لظننت أنت قد خلّفت فيكم ما إن تمسكتم به كان علامةً في بقائكم ما بقي الدهر ، ولكن الفناء إذا جاءت أيامه أطعتم أهواءكم ، واستثقلتم ولاتكم ، وأمنتم ، وتنقلتم عن مراتبكم ، وعصيتم خياركم ، وكان أصغر ما تخطئون فيه سلّماً إلى أكبر منه حتى تفتقوا ما رتقنا ، وتُضيعوا ما حفظنا . والحق علينا وعليكم ألا تكونوا للبوار أغراضاً ، وفي الشؤم أعلاما ، فإن الدهر إذا أتى بالذي تنتظرون اكتفى بوحدته . ونحن ندعو الله تعالى لكم بنماء المنزلة ، وبقاء الدولة ، دعوة لا يفنيها فناء قائلها ، ولا يُميتها موت داعيها حتى المُنقلب ، ونسأل الله الذي عجّل بنا وأخّركم ، وقدّمنا وخلّفكم ، أن يرعاكم رعايةً يرعى بها من تحت أيديكم ، وأن يرفعكم رفعةً يضع بها من عاداكم ، وأن يكرمكم كرامةً يُهين بها من ناوأكم ، ونستودعكم الله العظيم وديعةً يكفيكم بها الدهر الذي يُسلمكم وباله وغيره وعثراته وغدراته والسلام على أهل الموافقة ممن يأتي عليه العهد من الأمم الكائنة بعدي .