تأملات في حكمة تعدد أزواج النبي صلى الله عليه واله وسلم

مما سبق يرى الباحث المتدبر أن الإسلام شرع للمسلمين الازدواج بواحدة.

وأنفذ التكثير إلى أربع بشرط القسط بينهن وإصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد، فهذا على مستوى القاعدة ويعم جميع المسلمين، والتعدد على مستوى القاعدة غير التعدد على مستوى القمة وأقصد بها النبوة، لأن النبي توفرت فيه جميع الشروط التي تجعله يسوق الناس إلى صراط الله الحميد، فهو أول شخص يخلص الدين لله ويسلم بما يدعو الآخرين إليه.

وعلى هذه الخلفية لا يمكن بحال أن ينطلق التعدد من داعي الشهوة أو يقود إلى داعي الشهوة كما قال بعضهم.

ويضاف إلى ما ذكرنا أن الرسول مؤيد بالعصمة.

مصون من الخطأ والغفلة في تلقي الوحي من الله وحفظه وتبليغه.

والله تعالى يصونه من الخطأ في جميع أمور الدين وتشريع القوانين.

وعلى هذه الخلفية لا يجوز لمقولة داعي الشهوة أن تطرح على مائدة البحث.

إن الإسلام أنفذ التكثير إلى أربع بشرط القسط بينهن، وفي هذا الباب كان للنبي صلى الله عليه وآله مختصات منعت عنها الأمة.

وكان التعدد بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسيلة من وسائل تشريع القوانين.

ومن باب التعدد خرجت أحاديث عن أمهات المؤمنين تبين حركة الرسول وسكونه في بيته.

ورويت الأحاديث الذي تبين قمة العدل والقسط بين النساء.

وتبين حسن معاشرتهن ورعاية جانبهن.

ورويت أحاديث الاخبار بالغيب وفيها حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أزواجه من الفتن وبين لأمته الأعمال التي تحقق سعادة الدارين.

وهذه الأحاديث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحدث بها وهو يبكي في فراشه.

أو وهو يبكي في وجود جبريل عليه السلام.

إن ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحته وسكونه وبكائه وما شرعه للمرأة وللطفل وللأسرة.

يستند أول ما يستند على تعدد الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وعلى خلفية تعدد الرواة يمكن للباحث المنصف أن يفهم الحكمة التي وراء تعدد الزوجات في هذا الشأن.

وبالنظر في المسيرة النبوية وفي تراجم الرجال.

نجد أن الكفار والمشركين والمنافقين لم يعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتعدد زوجاته على الرغم من أنهم كانوا يتربصون به الدوائر.

وعدم إحتجاجهم يعود إلى معرفتهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم له مختصات منعت عنها الأمة.

وان حكم الزيادة على الأربع كصرم الوصال وغيره من الأمور التي تختص بالنبي وعلموها وشاهدوها زمن البعثة.

والباحث في حركة الدعوة يعلم أن مسألة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ترتبط بآيات متفرقة كثيرة في القرآن الكريم.

وللوقوف على الحكمة التي وراء التعدد يجب البحث في كل جهة من الجهات التي أشار إليها القرآن وبينتها السنة المطهرة، وعلى سبيل المثال ذكر القرآن أن الله تعالى هو الذي زوج رسوله صلى الله عليه وآله إمرأة زيد.

وقد كان زيد هذا يدعى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التبني.

وكانت زوجة المدعو ابنا " في ذلك الحين كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب.

فكان حكم الله تعالى وطلق زيد زوجه.

وتزوج بها النبي صلى الله عليه وآله ونزل فيها آيات.

وكما أخبر القرآن بأن الله تعالى هو الذي زوج رسوله.

بين القرآن أن الله تعالى حرم على رسوله بعد اللاتي إخترن الله ورسوله.

رلا أن يطلق بعضهن ويتزوج مكانها من غيرهن.

وبالجملة: أخبر القرآن الكريم إن الله تعالى هو الذي أمر بالزواج.

وإنه تعالى زوج...إحداهن من رسوله.

وإنه جل شأنه هو الذي حرم على الرسول الزيادة والتبديل.

فما لهؤلاء لا يفقهون حديثا ".

ومن الآيات القرآنية التي أمر فيها الله تعالى رسوله بالإزدواج. (قوله تعالى (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك.

وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك.

وإمرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين.

قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم.

لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا " رحيما ".

ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء.

ومن أبتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين

بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما " حليما ".

لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا " (1).

قال صاحب تفسير الميزان: أحل الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعة أصناف من النساء: (الصنف الأول) ما في قوله( أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) والمراد بالأجور: المهور (الثاني) ما في قوله (وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) أي: من يملكه من الإماء الراجعة إليه من الغنائم والأنفال.

وذكر ابن كثير في تفسيره: إن الله أباح له التسري مما أخذ من المغانم.

وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما وملك مارية القبطية أم ابنه إبراهيم وكانت من السراري رضي الله عنها (2).

قال صاحب الميزان: (

_____________________

 (*) (1) سورة الأحزاب آيات 50 - 52.

(2) تفسير ابن كثير 399 / 3.

 

والثالث والرابع) ما في قوله (وبنات عمك وبنات عماتك) قيل: يعني نساء قريش (والخامس والسادس) ما في قوله (وبنات خالك وبنات خالاتك) قيل: يعني نساء بني زهرة.

وقوله (اللاتي هاجرن معك) قال في المجمع: هذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل.

والسابع) ما في قوله تعالى (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنيي إن أراد النبي أن يستنكحها) وهي المرأة المسلمة التي بذلت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بمعنى: إن ترضى أن يتزوج بها من غير صداق ومهر.

فإن الله أحلها له إن

أراد أن يستنكحها.

وقوله تعالى (خالصة لك من دون المؤمنين) إيذانا " بأن هذا الحكم.

أي حلية المرأة للرجل ببذل النفس، من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم لا يجرى في المؤمنين.

وقوله تعالى بعده (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم " تقرير لحكم الإختصاص وقوله تعالى (لكيلا يكون عليك حرج) تعليل لقوله في صدر الآية (إنا حللنا لك) أو لما في ذيلها من حكم الإختصاص.

وذكر ابن كثير: قال قتادة في قوله (خالصة لك من دون المؤمنين) ليس لأمرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (1).

وقال صاحب الميزان: وقوله تعالى (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) بالسياق يدل على أن المراد به أنه صلى الله عليه وآله وسلم على خيرة من قبول من وهبت نفسها له أو رده.

وقال ابن كثير: إن المراد بقوله (ترجي) أي تؤخر في (من تشاء منهن) أي من الواهبات (وتؤوي إليك من تشاء) أي من شئت قبلتها ومن شئت رددتها (2).

_________

(1) المصدر السابق 500 / 3.

(2) المصدر السابق 501 / 3.

وقال صاحب الميزان: وقوله تعالى (ومن إبتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) أي: ومن طلبتها من اللاتي عزلتها ولم تقبلها.

فلا إثم عليك ولا لوم.

أي: يجوز لك أن تضم إليك من عزلتها ورددتها من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لك بعد العزل والرد، ويمكن أن يكون إشارة

إلى أن له صلى الله عليه وآله وسلم أن يقسم بين نسائه.

وأن يترك القسم فيؤخر من يشاء منهن ويقدم من يشاء.

ويعزل بعضهن من القسم.

فلا يقسم لها أو يبتغيها فيقسم لها بعد العزل.

وهو أفقه لقوله بعده (ذلك أدنى أن تقر أعينهن..) الآية وذلك لسرور المتقدمة بما قسمت له.

ورجاء المتأخرة أن تتقدم بعد وذكر ابن كثير في معنى الآية (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن) أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم فإن شئت قسمت وإن شنت لم تقسم.

لا جناح عليك في أي ذلك فعلت.

ثم مع هذا أن تقسم لهن إختيار منك لا أنه على سبيل الوجوب.

فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلتك في ذلك.

وأعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن (1).

وقال صاحب الميزان: وقوله تعالى (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك) ظاهر الآية لو فرضت مستقلة في نفسها غير متصلة بما قبلها: تحريم النساء له صلى الله عليه وآله وسلم إلا من خير هن فإخترن الله.

ونفي التبدل بهن يؤيد ذلك.

لكن لو فرضت متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى (إنا أحللنا لك) الآية.

كان مدلولها تحريم ما عدا المعدودات.

وفي بعض الروايات عن بعض أئمة أهل البيت إن المراد بالآية: محرمات النساء المعدودة في قوله تعالى من سورة النساء آية 23 حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) الآية، وقوله تعالى (ولا أن تبدل بهن من أزواج) أي: أن تطلق بعضهن) وتزوج مكانها من غيرهن، وقوله (إلا ما ملكت يمينك) يعني: الإماء.

_______

(1) المصدر السابق 501 / 3.

وهو استثناء من قوله في صدد الآية (لا يحل لك النساء) (1).

وذكر ابن كثير في تفسيره: (لا يحل لك النساء من بعدا أي من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك.

وبنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات والواهبة.

وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك.

وهذا مروى عن أبي بن كعب ومجاهد.

وروي عن رجل من الأنصار قال.

قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توفين، أما كان له أن يتزوج ؟ فقال: وما يمنعه من ذلك ؟ قال: قلت: قول الله تعالى (لا يحل لك النساء من بعد) فقال: إنما أحل له ضربا " من النساء.

فقال تعالى )يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله تعالى (إن وهبت نفسها للنبي) ثم قيل له (لا يحل لك النساء من بعد(.

وروى ابن كثير عن أبي النضر عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء (2) إلا ذات محرم) (3)، وذكر ابن كثير لدى قوله تعالى (ولا أن تبدل بهن من أزواج) قال: نهاه عن الزيادة عليهن إن طلق واحدة منهن وإستبدال غيرها بها، إلا ما ملكت يمينه (4).

مما سبق يعلم الباحث المتدبر.

أن الأمر لله.

أحل سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينكح ما شاء من أصناف النساء الوارد ذكرهن في الآية.

وأحل له أن ينكح بغير مهر وهي الهبة ولا تحل الهبة إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

_________

(1) تفسير الميزان / العلامة الطباطبائي 335 / 16.

(2) أي ما شاء من اللاتي أحل الله له.

(3) تفسير ابن كثير 503 / 3.

(4) المصدر السابق 503 / 3.

 أما غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا يصلح نكاح إلا بمهر، وكان تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعدد ترى حكمته عند النظر في حركة الدعوة.

ويتأمل حركة المجتمع وحياة القبائل في عهد البعثة.

نجد إن المخاطر قد أحاطت بالدعوة من كل إتجاه.

وكان على الداعي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ بالأسباب لدفع لهذه العقبات.

ولقد إختلفوا في عدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

قال البعض: تزوج بخمس وعشرين امرأة وخطب خمس وعشرين.

وقال البعض: تزوج خمس وعشرين امرأة.

وكان في ملك يمينه إحدى وعشرين أمرأة.

وقال البعض: تزوج بخمس عشرة امرأة وقال البعض الآخر: تزوج بثلاث عشرة إمرأة غير ما كان في ملك يمينه.

وهذا الاختلاف يعود أصله لعدم التدبر في السيرة وفي الأحاديث وفي حركة الدعوة عموما ".

وعلى أكتاف اللاعلم واللاتدبر واللابصيرة صعد أعداء الدين واعترضوا على الإسلام بهذا وبغيره بعد أن أضافوا إلى ما تلقفوه إضافات جعلته أكثر تشوها ".

ومما لا يخفى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر برواية الحديث.

لأنه يوضح متشابه القرآن ويبين مجمله ويخصص عامه ويفيد مطلقه.

ويخبر بما يستقبل الناس من أحداث لكي يأخذوا بأسباب الحياة الكريمة.

ومما لا يخفى أيضا " أن رواية الحديث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تسر المسار الطبيعي.

ففي مرحلة ثم التضييق على

الرواية وفي مرحلة منع الناس من تدوين العلم وردعوا عن جمع السنن والآثار وربما حظر عليهم الحديث عن رسول الله مطلقا".

وحبس أعلام الصحابة في المدينة لكيلا يذيعوا الأحاديث في الآفاق (1).

ولا يخفى ما قد ترتب على هذا من المفاسد التي تتلافى أبدا ". 

_______

(1) انظر كتابنا / معالم الفتن، كتابنا / إبتلاءات الأمم.

من ذلك شيوع القصص.

والقصص هو إخبار الناس بقصص الماضين.

وعمل ذلك مذموم شرعا " لأنه يصرف الناس عن الاشتغال بالعلوم الدينية والنافعة.

ولم يعهد ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومع إنتشار القصص وضع القصاصون الحديث في قصصهم.

وكانوا إذا دخلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل من العوام والرعاع.

أكثر جسارة على وضع الحديث، ومما وضوه أحاديث تنافي عصمة الأنبياء فجعلتهم يخطؤون.

وذلك أنهم عتموا على جوانب الوحي والدعوة.

وأظهروا جوانب الشهوات من حب النساء والأموالى والرآسة إلى غير ذلك (1).

ومما نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسب ويلعن ويجلد.

ونسبوا إليه أنه كان يسهو في الصلاة وأنه كان ينسى ايات القرآن الكريم، وأنه خطب إحدى زوجاته وهي في سن السادسة وبنى بها وهي في سن التاسعة.

وجميع ذلك تحت عنوان إنه بشر يغضب وينسى ويبحث عن الجمال والمتعة.

قاتلهم الله وتحت عنوان الشجاعة أظهروا حركة السيف وعتموا على الكلمة (2).

وأرادوا من وراء تجريد النبي من العصمة.

أن يبرروا أخطاء الأمراء الذين ضيعوا الصلاة وأتبعوا الشهوات وبالجملة: كان القصص مدخلا " للكذابين.

وكان النواة الأولى لإختلال منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال.

وتحت هذا السقف لا تظهر القراءة النقدية المتفحصة التقييمية إلا بعد عناء شديد.

ومما لا شك فيه أن رواية الحديث الشريف نهضت في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إلا أن أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان تصدوا لهذه النهضة وعارضوها بما بين أيديهم من حديث نخر فيه القصص إلى أقص مدى، وعلى إمتداد المسيرة بعد ذلك كان كل فريقا " يمسك بحبله، وعلى إمتداد حبل بني أمية ظهرت العقائد الفاسدة من جبرية وقدرية ومرجئة.

_________________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.                           

ورفعت أعلام الملك وكانت حركة الملوك عند الخطأ تبرر ويلتمس لها الأعذار من مخزون عتيق يعود فضل ولادته إلى القصاصين (1)، وعلى إمتداد حبل الإمام علي بن أبي طالب.

كان الحديث الشريف وعلومه.

والقرآن الكريم وعلومه.

حجة على المسيرة لكيلا يكون للناس على الله حجة، ولا يغني هذا أن الكذابين لم تمتد أيديهم إلى هذا الوعاء، فربما إمتدت أيديهم ولكن بعيدا " عن العبادات وعلوم المتشابه والمحكم من الآيات.

وعلى إمتداد المسيرة نشط العلماء وجمعوا السنن والآثار النبوية ودونوهما، ثم جاء من بعدهم علماء سهروا من أجل تنقية الأحاديث مما علق بها، ورغم عمليات التنقية إلا أن وعاء الحديث لم يسلم من وجود الأحاديث الإسرائيلية والأحاديث التي أشرف على طهيها القصاصون، وتوالى العلماء من أجل إنجاز هذه المهمة.

ولكن المهمة لم تصل إلى غايتها.

وذلك لأن الدولة كانت قد خلقت رموزا " ممنوع الاقتراب منها، والفرق والأحزاب والمجتمع خلقوا أصنافا " لا يمسها أحد بسوء أو نقد.

فمن إقترب من كتاب ما أو من جامعه، يكون قد أساء إلى الدولة.

ومن الدولة إنتقلت الإساءة إلى المواطنين.

ولما كان المجتمع قد تشرب حالة العداء لكل من يقترب من رمز من الرموز، فإن مجهود العلماء في هذا الباب لم يحقق الكثير وما حققوه يستحقوا عليه الثناء.

وشاء الله تعالى أن يقيم حجته ولو كره الوضاعون الذين أدخلوا في حركة الدعوة ما ليس منها.

وتاجروا بقصص لا تفيد الدعوة ولم يقم على * (هاش) * (1) المصدر السابق.

أحدائها تشريع، وحجة الله تعالى هو القرآن الكريم.

وعلى ضوء القرآن يتبين الباحث المنصف أن حركة الدعوة الإسلامية في عهد النبوة.

كانت حركة قرآنية شكلا " وموضوعا ".

ولقد وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأوصاف حميدة.

وصفه بأنه رؤوف رحيم وأنه على خلق عظيم إلى غير ذلك.

وبين القرآن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤيد بالعصمة ومصون من الخطأ والغفلة في تلقي الوحي من الله وحفظه وتبليغه.

والزم القرآن الناس بأن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم أسوة حسنة.

وفي عهد البعثة كانت أجهزة الصد عن سبيل الله تعلم أن عصمة الرسول من حجج القرآن.

وقد رسموا كثيرا " من الخطط لإبطال هذه الحجة وغيرها فخاب سعيهم ورد الله كيدهم إلى نحورهم.

وعلى إمتداد المسيرة

كان المسلمون يعرضون أي رأي وأي حديث وأي عقيدة على القرآن الكريم.

فإذا لم يروا ضوءا " قرآنيا " على هذه الدوائر.

لم تلتفتوا إليها، وذلك لإعتقادهم الراسخ بأن كل رأي ديني لا بد أن ينتهي إلى القرآن.

ذلك الكتاب الذي لا يقبل النسخ والإبطال والتهذيب والتغيير.

ولا يجد الباطل طريقه إليه.

وبالجملة: إن حركة الدعوة وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تقرأ إلا تحت هذا العنوان (عصمة الرسول) لأنها مركز للضوء القرآني.

ثم نعود إلى حيث بدأنا.

وهو عدد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وهو العدد الذي بالغ فيه البعض روى صاحب الميزان إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج بخمس عشرة إمرأة، ودخل بثلاث عشرة إمرأة منهن، وقبض عن تسع، فأما اللتان لم يدخل بهما: فعمرة وسبا، وأما الثلاث عشرة اللاتي دخل بهن.فأولهن: خديجة بنت خويلد.

فثم سودة بنت زمعة.

ثم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية.

ثم أم عبد الله  عائشة بنت أبي بكر.

ثم حفصة بنت عمر.

ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث أم المساكين.

ثم زينب بنت جحش.

ثم أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان.

ثم ميمونة بنت الحارث.

ثم زينب بنت عميس.

ثم جويرية بنت الحارث.

ثم صفية بنت حمى بن أخطب.

والتي وهبت نفسها للنبي خولة بنت حكيم السلمي، وكان له سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية القبطية.

وريحانة الخندقية.

والتسع اللاتي قبض عنهن: عائشة.

وحفصة.

وأم سلمة.

وزينب بنت جحش.

وميمونة بنت الحارث.

وأم حبيب بنت أبي سفيان.

وجويرية.

وسودة.

وصفية، وأفضلهن: خديجة بنت خويلد.

ثم أم سلمة ثم ميمونة (1).

وقال أبو عمر في الإستيعاب: اللواتي لم يختلف أهل العلم فيهن.

هن إحدى عشر إمرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ست من قريش، وواحدة من بني إسرائيل من ولد هارون عليه السلام، وأربع من سائر العرب.

وتوفي في حياته صلى الله عليه وسلم من أزواجه أثنتان: خديجة بنت خويلد.

وزينب بنت خزيمة، وتخلف منهن تسع بعده، وأما اللواتي إختلف فيهن ممن أبتنى بها أو فارقها أو عقد عليها ولم يدخل بها أو خطبها ولم يتم له العقد معها، فقد إختلف فيهن.

وفي أسباب فراقهن إختلافا " كثيرا " يوجب التوقف عن القطع بالصحة في واحدة منهن (2).

وعن ابن هشام في السيرة: لم يختلف أهل العلم على أنه صلى الله عليه وسلم.

تزوج ست من قريش هن: خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة.

وأم سلمة بنت أبي أمية.

وعائشة بنت أبي بكر.

وحفصة بنت عمر.

وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وإنه تزوج من العربيات وغيرهن أربع هن: زينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث.

وزينب بنت خزيمة.

وجويرية بنت الحارث، وتزوج من بني إسرائيل واحدة هي: صفية بنت حيي من ولد هارون عليه السلام.

وكان له سريتان يقسم لها مع أزواجه هما: مارية القبطية.

وريحانة.

_______

(1) تفسير الميزان 316 / 16.

(2) الإستيعاب 34 / 1. 

وبقراءة السيرة وبالنظر في الدعوة في زمن البعثة.

يقف الباحث على أن زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحكمه البلاغ والإنذار والدعوة إلى الله عز وجل.

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ببعض هؤلاء الأزواج إكتسابا " للقوة وإزديادا " للعضد والعشيرة، وببعض هؤلاء إستمالة للقلوب وتوقيا " من بعض الشرور، وببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق وإدارة المعاش وليكون سنة جارية بين المؤمنين في حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة، وببعضها لتثبيت حكم مشروع وإجراء عملا " لكسر السنن المنحطة والبدع الباطلة الجارية بين الناس.

كما في تزوجه بزينب بنت جحش.

وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم طلقها زيد وقد كان يدعي زيد بن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التبني.

وكانت زوجة المدعو إبنا عندهم كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب.

فأبطل الإسلام ذلك.

وبالنظر في ازدواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنساء.

نجد إنه تزوج أول ما تزوج بخديجة رضي الله عنها.

وعاش معها مقتصرا " عليها نيفا " وعشرين سنة، وبعد وفاتها تزوج بسودة بنت زمعة وقد توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة.

وكانت سودة مؤمنة مهاجرة.

ولو رجعت إلى أهلها وهم يومئذ كفار لفتنوها كما فتنوا غيرها من المؤمنين والمؤمنات بالزجر والقتل والإكراه على الكفر.

وتزوج بزينب بنت خزيمة بعد قتل زوجها عبيدة بن الحارث يوم بدر شهيدا ".

وكانت من السيدات الفاضلات في الجاهلية تدعى أم المساكين لكثرة برها للفقراء والمساكين.

فصان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإزدواجها ماء وجهها.

وتزوج بأم سلمة.

واسمها هند.

وكانت من قبل زوجة عبد الله بن

عبد الأسد أبي سلمة.

أول من هاجر إلى الحبشة.

توفي من أثر جرح أصابه يوم أحد.

وكانت أم سلمة زاهدة فاضلة ذات دين ورأي.

فلما توفي عنها زوجها وكانت ذات أيتام تزوج بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وتزوج بجويرية.

واسمها برة بنت الحارث سيد بني المصطلق بعد وقعة بني المصطلق.

وقد كان المسلمون أسروا منهم مثني بيت بالنساء والذراري.

فتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها.

فقال المسلمون: هؤلاء أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم.

جميعا ".

فأسلم بنو المصطلق بذلك ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا جما غفيرا ".

وأثر ذلك أثرا " حسنا " في سائر العرب.

وكان هذا العمل من الأسباب الرئيسية لتصدع جبهة المشركين.

وذلك أن أبا سفيان بن حرب كان يرتكز في حربه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا البطن من خزاعة بني المصطلق.

فلما أسلموا تصدعت جبهة أبو سفيان.

وفتح الطريق أمام الدعوة بعد ذلك وأرسلت الرسائل إلى القادة والملوك.

وتزوج بصفية بنت حيي بن أخطب من نسل هارون عليه السلام.

وكانت في سبي خيبر.

فأصطفاها وأعتقها وتزوج بها.

وأقيمت بهذا الإزدواج حجة دامغة على اليهود كما سيأتي.

وتزوج أم حبيبة.

واسمها رملة بنت أبي سفيان.

وكانت زوجة عبيد الله بن جحش.

وهاجر معها إلى الحبشة الهجرة الثانية فتنصر عبيد الله هناك.

وثبتت هي على الإسلام.

وكان أبوها أبو سفيان في مكة يجمع الجموع على الإسلام يومئذ.

فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحصنها.

وتزوج بحفصة بنت عمر.

وقد مات زوجها بعد الهجرة مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بدر.

وتزوج عائشة بنت أبي بكر وهى بكر.

لقد قالوا: إن تعدد الزوجات لا يخلو من الإنقياد لداعي الشهوة.

فأين هذا الإنقياد وهذا الداعي ؟ لقد تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول ما تزوج بخديجة وعاش معها مقتصرا " عليها نيفا " وعشرين سنة وهذه المدة هي ثلثا عمره الشريف بعد الإزدواج، ومن هذه المدة ثلاث عشرة سنة بعد نبوته قبل الهجرة من مكة، ثم هاجر إلى المدينة وشرع في نشر الدعوة وإعلاء كلمة الدين.

وتزوج بعدها من النساء منهن البكر ومنهن الثيب ومنهن الشابة ومنهن العجوز والمكتهلة، وكان ذلك ما يقرب من عشرة سنين، ثم حرم عليه النساء بعد ذلك إلا من هي في حبالة نكاحه، ومن المعلوم أن هذه الفعال على هذه الخصوصيات، لا يقبل التوجيه بمجرد حب النساء والولوع بهن.

والوله بالقرب منهن.

فأول هذه السيرة وآخرها يناقضان ذلك (1).

ووفقا " لما نشاهده من العادة الجارية بين الناس.

إن الرجل المتولع بالنساء المغرم بحبهن والخلاء بهن والصبوة إليهن.

هذا الرجل تراه مجذوب إلى الزينة عشيق للجمال.

حنين إلى الشباب ونضارة السن وطراوة الخلقة.

فإذا نظرنا إلى هذه الخواص التي تتوفر في الرجل المتولع بالنساء.

نجد أنها لا تنطبق على سيرة النبي الأعظم صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه بني بالثيب بعد البكر.

وبالعجوز بعد الفتاة الشابة.

فقد بنى بسودة بنت زمعة وهي مسنة.

وبنى بزينب بنت جحش وسنها يومئذ يقرب على الخمسين بعدما تزوج بمثل عائشة وأم حبيبة.

وهكذا.

__________

(1) تفسير الميزان 195 / 4. 

فإذا أضفنا إلى هذه الحركة في الإزدواج أنه صلى الله عليه وآله وسلم خير نساءه بين التمتيع والسراح الجميل وهو الطلاق إن كن يردن الدنيا وزينتها، وبين الزهد في الدنيا وترك التزين والتجمل إن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة.

على ما يشهد به قوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا " جميلا ".

وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا " عظيما ") (1).

فهذا المعنى أيضا " أمام الباحث المتدبر لا ينطبق على حال رجل مغرم بجمال النساء صاب إلى وصالهن، فلا يبقى حينئذ للباحث المتعمق إذا أنصف إلا أن يوجه كثرة إزدواجه صلى الله عليه وآله وسلم، فيما بين أول أمره وآخر أمره، بعوامل أخرى غير عامل الإنقياد لداعي الشهوة حيث الشره والشبق والتلهي.

في ظلال الأوامر الإلهية لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم: سار النبي بالدعوة في طريق الزهد وترك الزينة وندب نساءه إلى ذلك.

قال تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا " جميلا ".

وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا " عظيما ".

يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ".

ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا " نؤتها أجرها

مرتين وأعتدنا لها رزقا " كريما ".

يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا " معروفا ".

وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى. وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) (1).

__________

(1) سورة الأحزاب آية 29.

 قال صاحب تفسير الميزان: آيات راجعة إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأمره أولا ": أن ينبئهن أن ليس لهن من الدنيا وينتها إلا العفاف والكفاف إن إخترن زوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تخاطبهن ثانيا ": إنهن واقفات في موقف صعب على ما فيه من العلو والشرف، فإن إتقين الله يؤتين أجرهن مرتين.

وإن أتين بفاحشة مبينة يضاعف لهن العذاب ضعفين، ويأمرهن بالعفة ولزوم بيوتهن من غير تبرج، والصلاة والزكاة وذكر ما يتلى في بيوتهن من الآيات والحكمة.

ثم يعد مطلق الصالحين من الرجال والنساء وعدا بالمغفرة والأجر العظيم فقوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك) إلى تمام الآيتين.

أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخيرهن بين أن يفارقنه ولهن ما يردن، وبين أن يبقين عنده ولهن ما هن عليه من الوضع الموجود.

وقد ردد أمرهن بين أن يردن الحياة الدنيا وزينتها، وبين أن يردن الله ورسوله والدار الآخرة.

وهذا الترديد يدل: أن الجمع بين سعة العيش وصفائها بالتمتع مع الحياة وزينتها وزوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعيشة في بيته مما لا يجتمعان.

ونتبين من الآيات أن ليس لزوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من

حيث هي زوجية كرامة عند الله تعالى، وإنما الكرامة المقارنة لزوجيته المقارنة للإحسان والتقوى.

ولذلك لما ذكر سبحانه ثانيا " علو منزلتهن، قيده أيضا " بالتقوى فقال تعالى (لستن كأحد من النساء إن إتقتين) وهذا كقوله في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا " سجدا ").

إلى ان قال عز وجل (وعد الله الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات أجرا " عظيما ")

__________

(1) سورة الأحزاب آيات 28 - 33. 

حيث مدحهم عامة بظاهر أعمالهم أولا "، ثم قيد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح (1).

وقال ابن كثير لدى تفسيره الآية: هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال.

ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل (2).

وقال في الميزان في قوله تعالى (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا " جميلا ") التمتيع إعطاؤهن عند التطليق ما لا يتمتعن به، والتسريح هو التطليق، والسراح الجميل: هو الطلاق من غير خصومة ومشاجرة بين الز وجين (3).

وقوله تعالى (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب شعفين) الآية، عدلي سبحانه عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهن، إلى مخاطبتهن أنفسهن لتسجيل ما لهن من التكليف وزيادة التوكيد.

وقوله (من يأت منكن بفاحشة مبينة) الفاحشة: الفعلة المبالغة في الشناعة والقبح وهي الكبيرة.

كإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإفتراء والغيبة وغير ذلك، والمبينة: هي الظاهرة.

وقوله تعالى (ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحا " نؤتها أجرها مرتين) الآية.

القنوت: الخضوع، وقيل: الطاعة، وقيل: لزوم الطاعة مع الخضوع، والإعتداد.

التهيئة، والرزق الكريم مصداقه الجنة.

والمعنى: ومن يخضع منكن لله ورسوله.

أو لزم طاعة الله ورسوله مع الخضوع، ويعمل عملا " صالحا " نعطها أجرها مرتين.

وهيأنا لها رزقا " كريما وهى الجنة.

______________________________

 " (*) (1) تفسير الميزان 306 / 16.

(2) تفسير ابن كثير 480 / 3.

(3) تفسير الميزان 306 / 16، ابن كثير 481 / 3.

وقوله تعالى (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن إتقيتن فلا تخضن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) الآية.

فالآية تنفي مساواتهن لسائر النساء إن إتقين، وترفع منزلتهن على غيرهن.

ثم تذكر أشياء من النهي والأمر، متفرعة على كونهن لسن كسائر النساء كما يدل عليه قوله تعالى (فلا تخضعن بالقول) وقوله (وقرن) وقوله (ولا تبرجن)الخ، وهي خصال مشتركة بين نساء النبي صلى الله عليه وآله.

وسائر النساء، فتصدير الكلام بقوله (لستن كأحد من النساء إن إتقيتن) ثم تفريع هذه التكاليف المشتركة عليه، يفيد يأكد هذه التكاليف عليهن.

كأنه قيل: لستن كغيركن.

فيجب عليكن أن تبالغن في إمتثال هذه التكاليف، وتحتطن في دين الله أكئر من سائر النساء، وتؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن.

مضاعفة

جزائهن.

خيرا " وشرا "، كما دلت عليها الآية السابقة، فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف.

وقوله تعالى (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) بعد ما بين علو منزلتهن ورفعة قدرهن لمكانهن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشرط في ذلك التقوى فبين أن فضيلتهن بالتقوى لا بالإتصال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، نهاهم عن الخضوع في القول، وهو ترقيق الكلام وتليينه مع الرجال، بحيث يدعو إلى الريبة وتثير الشهوة، فيطمع الذي في قلبه مرض.

وهو فقدانه قوة الإيمان.

التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء.

وقوله تعالى (وقلن قولا " معروفا ") أي كلاما " معمولا " مستقيما " يعرفه الشرع والعرف الإسلامي.

وهو القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله.

وقوله تعالى (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)

إلى قوله (وأطعن الله ورسوله).

قال المفسرون: أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة.

لأن المرأة أقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها (1) وقيل: (قرن) من قر يقر.

إذا أثبت.

وأصله: أقررن، حذفت إحدى الرائين، أو من قار.

يقار: فإذا إجتمع، كناية عن ثباتهن في بيوتهن ولزومهن لها، والتبرج: الظهور للناس كظهور البروج لناظريها.

وقوله (الجاهلية الأولى) قيل: الجاهلية الأولى قبل البعثة، فالمراد الجاهلية القديمة.

وقوله تعالى(وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) أمر بامتثال الأوامر الدينية.

وقد أفرد الصلاة والزكاة بالذكر من بينها، لكونهما ركنين في العبادات والمعاملات، ثم جمع الجميع في قوله تعالى (وأطعن الله ورسوله) وطاعة الله هي إمتثال تكاليفه الشرعية، وطاعة رسوله فيما يأمر به وينهى بالولاية المجعولة له عند الله.

كما قال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (2).

الألقاب والمعافي: وضعت الشريعة نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دائرة الأمومة، بمعنى: إن كل إمرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحمل لقب (أم المؤمنين) فيقال: أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين أم سلمة وأم المؤمنين حفصة وأم المؤمنين صفية وأم المؤمنين مارية...إلخ.

قال تعالى: (النيي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) (3).

قال صاحب الميزان: فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم، إنه أولى بهم منهم.

___________________

(1) تفسير ابن كثير 482 / 3.

(2) تفسير الميزان 309 / 16.

(3) سورة الأحزاب آية 6.

ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه وبين ما هو أولى منه، فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والمحبة والكرامة وإستجابة الدعوة، فالنبي أولى بذلك من نفسه، ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك، كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه، ففيما إذا توجه شئ من المخاطر إلى نفس النبي، فليقه المؤمن بنفسه ويفده نفسه وليكن النبي أحب إليه من نفسه، وأكرم عنده من نفسه،

ولو دعته نفسه إلى شئ.

والنبي إلى خلافة، أو أرادت نفسه منه شيئا " وأراد النبي خلافه، كان المتعين إستجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وطاعته وتقديمه على نفسه (1).

وقال ابن كثير: في الصحيح: قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله ووالده والناس أجمعين (2)، وروى البخاري عن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمربن الخطاب.

فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شئ إلا نفسي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم.

لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك.

فقال عمر: فإنه الآن يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر (3).

وقال صاحب الميزان: وقوله تعالى (وأزواجه أمهاتهم) جعل تشريعي.

أي: أنهن منهم. بمنزلة أمهاتهم في وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتنزيل إنما هو في بعض آثار الأمومة، لا في جميع الآثار كالتوارث بينهن وبين المؤمنين والنظر في وجوههن كالأمهات وحرمة بناتهن على المؤمنين لصيرورتهن أخوات لهم.

__________

(1) الميزان 276 / 16.

(2) تفسير ابن كثير 468 / 3.

(3) رواه البخاري ك الإيمان، وأنظر ابن كثير 467 / 3.

وكصيرورة آبائهن وأمهاتهن أجدادا " وجدات.

وإخوتهن وأخواتهن أخوالا وخالات للمؤمنين (1).

وقال ابن كثير في تفسير الآية: (وأزواجه أمهاتهم) أي في الحرمة والإحترام والتوقير والاكرام والإعظام.

ولكن لا تجوز الخلوة بهن.

ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وإخواتهن بالإجماع (2).

وعلى خلفية ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين ووجوب تعظيم أمهات المؤمنين وحرمة نكاحهم بعد النبي صلى الله عليه وآله.

حذر تعالى من التعدي بإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن حرمة نكاح أزواجه.

قال تعالى (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " إن ذلكم كان عند الله عظيما ") (3).

قال صاحب الميزان: والمعنى: أي ليس لكم إيذاؤه بمخالفة ما أمرتم به في نسائه وفي غير ذلك.

وليس لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " (إن ذلكم) أي نكاحكم أزواجه من بعده كان عند الله عظيما "، وفي الآية إشعار بأن بعضهم ذكر ما يشير إلى نكاحهم أزواجه بعده.

وقوله تعالى (إن تبدوا شيئا " أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما ") معناه ظاهر.

وهو في الحقيقة تنبيه تهديدي لمن كان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أو يذكر نكاح أزواجه من بعده (4): وقال ابن كثير في تفسيره: عن سفيان عن ابن عباس في قوله تعالى (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) قال: نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده.

قال رجل لسفيان: أهي عائشة ؟ قال: قد ذكروا ذلك.

__________________

(1) تفسير الميزان 277 / 16.

(2) ابن كثير 468 / 3.

(3) سورة الأحزاب آية 53.

(4) الميزان 337 / 4.

وكذا قال مقاتل بن حيان.

وعبد الرحمن بن زيد.

وذكر بسنده عن السدي: إن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك (1).

نظرات في دوائر الترغيب والترهيب: كان تعدد الزوجات سنة جارية في غالب الأمم القديمة.

وذكرت التوراة الحاضرة أن سليمان الملك تزوج مئات من النساء.

ولما كان الدين الخاتم الذي بعث به النبي صلى الله عليه وآله وسلم دين يعتني بتهذيب الأخلاق وتنظيم جميع نواحي الحياة الإنسانية.

وإيجاد حلول للأرامل واليتامى والمساكين.

ولما كان من مقاصد الشريعة تكثير نسل المسلمين وعمارة الأرض بين مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد، فإن الإسلام أمر بالإزدواج فأحل النكاح وحرم الزنا والسفاح.

وشرع الإسلام الإزدواج بواحدة وأنفذ التكثير إلى اربع، والإسلام لم يشرع تعدد الزوجات على نحو الواجب والفرض على كل رجل مسلم.

بمعنى أنه لم يأمر بأن على كل مسلم أن يتزوج بأربع زوجات، وإنما قيد التعدد بوثوق الرجل إنه سيقسط بينهن ويعدل.

قال تعالى (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى.

فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.

فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة...) الآية (2) قال في الميزان: قوله تعالى (وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) أي: فأنكحوا واحدة لا أزيد.

وقد علقه الله تعالى على الخوف.

وقال تعالى (وك تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) (3)

___________________

(1) تفسير ابن كثير 506 / 3.

(2) سورة النساء آية 3.

(3) سورة النساء آية 129.

قال في الميزان: الآية: بيان الحكم العدل بين النساء الذي شرع لهن على الرجال في قوله تعالى في أول السورة (وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) والعدل هو الوسط بين الأفراط والتفريط.

ومن الصعب المستصعب تشخيصه.

وخاصة من حيث تعلق القلوب تعلق الحب بهن.

فإن الحب القلبي مما لا يتطرق إليه الإختيار دائما "، فبين تعالى إن العدل بين النساء بحقيقة معناه، وهو إتخاذ الوسط حقيقة.

مما لا يستطاع للإنسان ولو حرص عليه.

وإنما يجب على الرجل أن لا يميل كل الميل إلى أحد الطرفين.

وخاصة طرف التفريط.

فيذر المرأة كالمعلقة لا هي ذات زوج فتسفيد من زوجها، ولا أرملة فتزوج أو تذهب لشأنها فالجواب على الرجل من العدل بين النساء أن يسوي بينهن عملا " بإيتائهن حقوقهن من غير تطرف، والمندوب عليه أن يحسن إليهن.

ولا يظهر الكراهة لمعاشرتهن ولا يسئ إليهن خلقا ".

وكذلك كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1).

____________________

(1) تفسير الميزان 102 / 5.

ولما كانت الشريعة قد أنفذت التعدد إلى أربع.

بمعنى أن الأمة وقفت في تعدد الزوجات عند أربع.

وانتقال الرجل من واحدة إلى أكثر مقيد بالعدل والقسط بين النساء، فإن إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من أربع نسوة فيه دلائل على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم.

لأنه إزدواجه بين العدل في جميع نواحي الحياة الزوجية وما يتفرع منها، وكما هو معروف أن التشريع لا بد له أن يحيط بجميع نواحي الحياة لتقوم

به حجة الله على عباده.

لهذا كان إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من أربع من خصوصياته لأنه صلى الله عليه وآله وسلم الداعي إلى الله الذي صانه الله من الخطأ والغفلة في تلقي الوحي من الله وحفظه وتبليغه.

وبالجملة: كان في إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من أربع بيان للقسط وللعدل وعلى خلفيته شقت الدعوة طريقها في عهد البعثة وسط القبائل.

وعلى هذه الخلفية إلتقى التشريع والحركة في خطوة واحدة.

ولما كان التشريع الذي وراء إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه بيان لإقامة المجتمع الصالح الذي تعتبر الأسرة نواته الأولى، ولأن هذا التشريع في حقيقته حجة على العباد ليتميز منهم الصالح والطالح، وعلى هذه الخلفية يكون الثواب والعقاب يوم القيامة، فإن الدين أمر زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأوامر ونهاهن بنواهي.

وبين أن زوجية الأنبياء والرسل من حيث هي زوجية.

ليس لها كرامة عند الله، وإنما الكرامة المقارنة لزوجية الأنبياء والرسل.

هي المقارنة للايمان وللإحسان والتقوى.

ولقد أخبر القرآن الكريم بسيرة إمرأة نوح وإمرأة لوط.

وبين أنهما لم يلتزما بخط النبوة والدعوة، ونتيجة لذلك لم ينفعهما زوجيتهما للنبيين الكريمين شيئا " ففلكتا في ضمن الهالكين من غير أدنى تمييز وكرامة.

وبالجملة: فالدعوة لم تستثنى أحدا " من التكاليف الشرعية.

فكما أن حجة التكاليف تحيط بالأمة فهي أيضا " تحيط بأزواج النبي صلى الله عليه وآله لأنهن ضمن نسيج الأمة.

ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه جل وعلا.

وبين عليه الصلاة والسلام طريق الأمن والامان فيما يستقبل الناس من فتن، والباحث المتعمق في أحاديث الأخبار بالغيب لا يسعه إلا أن يقر أن هذه الأحاديث حجة لله على عباده حتى قيام الساعة.

وأن هذه الحجة المستمرة من دلائل النبوة الخاتمة.

وكما حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمة مما يستقبلها من مهلكات الفتن، حذر أمهات المؤمنين من الفتن وبين لهن أسباب النجاة منها، وأخبر أن الله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون بعد أن أقيمت عليهم الحجة في أنفسهم وعلى إمتداد المسيرة

في الماضي والحاضر والمستقبل، ومن الأحاديث التي حذر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم إستيقظ ليلة فقال (سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن ؟ ماذا أنزل من الخزائن ؟ من يوقظ صواحب الحجرات ؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة (1) قال صاحب تحفة الأحوازي: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوحى إليه ما سيقع بعده من الفتن.

وقوله (من يوقظ صواحب الحجرات) يعنى: أزواجه.

وإنما خصهم بالإيقاظ لأنهن الحاضرات.

وأشار إلى موجب إستيقاظ أزواجه.

أن لا ينبغي لهن أن لا يتغافلن عن العبادة ويعتمدون على كونهن أزواج النبي وقال الحافظ: وإختلف في المراد بقوله (كاسية وعارية)، على أوجه: (أحدهما) كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى.

عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا (ثانيهما) كاسية من نعم الله.

عارية من الشكل الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب.

فأراد صلى الله عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك كله.

وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك (2).

وبعد أن أحكمت الدعوة حجتها في هذا الباب، قامت بتنظيم حركة الأمة نحو بيت النبوة.

ومن ذلك إنها حذرت من الإفتراء.

وبينت أن الإفتراء يكون عظيما " إذا كان متعلقا " بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن الإفتراء العظيم الطعن في نزاهة بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

لأن ذلك يؤدي إلى فضحه بين الناس.

وعلى هذه الخلفية تلتبس الأمور وتكون سببا " لقلب الدين من رأس.

وأخبرت الدعوة الخاتمة.

إن المجتمع الصالح من سعادته أن يتميز فيه أهل الزيغ والفساد ليكونوا على بصيرة من أمرهم وينهضوا لإصلاح ما فسد من أعضائهم، وأمرت الدعوة المؤمنين بها أن يقفوا صفا " واحدا " كنفس واحدة متلبسة بالايمان ولوازمه وآثاره، وأن لا يظنوا بأنفسهم إلا خيرا ".

________________________

(1) رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي (تحفة الأحوازي 440 / 6).

(2) تحفة الأحوازي شرح جامع الترمذي 440 / 6.

فأمام هذا التكاتف وحده يسقط أصحاب البهتان العظيم.

لأنهم أصحاب الخبر الذي لا علم لمخبره.

وأصحاب الدعوى التي لا بينة لمدعيها عليها.

ولو كانوا صادقين فيما يقولون ويرمون به بيت النبوة.

لأقاموا على ما يقولون الشهادة.

وهي في الزنا بأربعة شهداء.

فإن لم يأتوا بالشهداء.

فهم محكومون شرعا " بالكذب.

لأن الدعوى من غير بينة كذب وإفك.

وتنظيم الحركة نحو بيت النبوة في هذا الباب.

كان فيه تحصين للدعوة ورفع من أمامها الكثير من المعوقات.

وفي حركة أخرى.

قامت الدعوة بتحريم زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعده.

فبينت أن زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة أمهاتهم في وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن وراء ذلك حكمة ومن وراء الحكمة هدفا "، من ذلك إن نكاحهن غير النبي بعد الوحي والتشريع لازم ان الإزدواج سيكون من رجال لا علاقة لهم بالوحي والتشريع.

وربما يجد البعض في حركة هذا الإزدواج - وهي حركة في مجملها غير معصومة - ما تشتهيه أنفسهم فيتخذون هذا ذريعة لقلب التشريع في هذا الباب من رأس، فلهذا ولغيره اغلقت الدعوة المنافذ ونظمت الحركة في إتجاه بيت النبوة، وأمرت المؤمنين بها أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة لهم في حركته وسكونه وفي قوله وفعله.

لأنه وحده حجة على الناس في هذا الباب وفي غيره.

وهكذا أقامت الدعوة الخاتمة حجتها وبينت أن السعادة الحقيقية إنما هي بالإخلاص لله ولرسوله وحسن الطاعة.

وإتماما " للفائدة وإكمالا "

للغرض، نقدم بعضا من سيرة أمهات المؤمنين.

وسنلقى الضوء على هذه السيرة إذا كان الحدث متعلقا " بحركة الدعوة.

بمعنى إذا كان مقدمة جاءت عليها نتيجة أو قامت عليها حجة.

وإذا كان عرضي للأحداث سيكون مختصر " ا.

إلآ إنه لن يخلو مما يشير إلى معالم الصبر والرحمة والوفاء والزهد والصدقة وحب المساكين، ولن يخلو من المعنى الذي يحمل معالم سنة الإمتحان والإبتلاء الإلهي التي لا يستثنى الله منها أحدا " من عباده.

فتحت هذه السنة الإلهية.

ينظر الله تعالى إلى عباده كيف يعملون.

وعلى العمل يكون الثواب أو العقاب، والله هو التواب الرحيم.

وهو الغفور الكريم.