ذكر القاضي أبي عبد الله محمد الفشتالي

وولي بعده الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الفشتالي. وبيت قومه بفاس البيت المعمور بالجود والصلاح والخير. وكان هو رحمه الله! أحد أعلام قطره الغربي نبلاً، وفضلاً، وسكوناً، وعقلاً. وحين بلغ إلى مراده من الخطة ببلده نحا في سيره منحى القاضي أبي عبد الله بن علي بن عبد الرزاق من المحافظة على الرتبة، وإقامة رسوم الأئمة، والصبر على مكاره السلطنة، والميل إلى الأخذ بالترفق في الحكومة. فسكن الناس إلى ولايته، ووثقوا بحسن نظره، ودانوا بإثرته. وقد كان ولي قبل تقدمه بفاس القضاء أيضاً بإطرابلس، وتجول في نواحي إفريقية، ثم إنه، عند تجول البلاد، أم قطره وقد صلب الدهر شطره، فاستقصى به، وتصدر لإقرار العلم وبثه. وكان على شدة وقاره، وتعاظم قاره، كثير النزول للطلبة، والحرص على الإفادة، والصبر عند المباحثة. وكان من عادته تقديم دول الفقه على التفسير. وذهب إلى عكس هذا الترتيب الشيخ الرحال أبو إسحاق الحسناوي، أحد جلساء القاضي عند إقرائه في آخرين؛ فجرت بين الطلبة إذ ذاك بفاس في المسألة مراجعات ومخاطبات وقفت على بعضها؛ فرأيت فيها من تخلق القاضي وتجمله ما ليس بنكير على رجاحة عقله، وسعة صدره تغمدنا الله وإياهم برحمته! فقد أصبحوا جميعاً بعد الحياة، وعصارة العيش، رباطاً!