عمر وعفراء وعروة

أخبرنا أبو طاهر بن السواق وذكر حديثا قال: قال أبو عمر محمد بن العباس الخزاز قال: حدثني أبو بكر محمد بن خلف قال: حدثني أبو محمد البلخي قال: حدثني أحمد بن سراقة قال: حدثني العباس بن الفرج قال: سمعت الأصمعي يقول عن ابن أبي الزناد قال: قال عمر بن الخطاب، رحمه الله: لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بنيهما.

شجرتان ملتفتان على قبرين

وبإسناده قال ابن المرزبان: وحدثني إسحاق بن محمد بن أبان قال: حدثني معاذ بن يحيى قال: خرجت إلى صنعاء، فلما كنا ببعض الطريق قيل لنا: إن قبر عفراء وعروة على مقدار ميل من الطريق. قال: فمضت جماعة كنت فيهم، فإذا قبران متلاصقان قد خرج من كل قبر ساق شجرة، حتى إذا صارتا على مقدار قامة التفت كل واحدة منهام بصاحبتها.

قال إسحاق: فقلت لمعاذ أي ضرب هو من الشجر؟ فقال: لا أدري، ولقد سألت أهل القرية عنه، فقالوا: لا نعرف هذا الشجر ببلادنا.

القلب الخافق

قال أبو بكر بن المرزبان: أخبرني سعيد بن الفضل الأزدي قال: أنشدني العتبي لعروة بن حزام:

لو أن أشد الناس وجدا ومثله ... من الجن بعد الإنس يلتقيان.

فيشتكيان الوجد ثمت أشتكي ... لأضعف وجدي فوق ما يجدان.

فقد تركتني ما أعي لمحدث ... حديثا، وإن ناجيته ونجاني.

لقد تركت عفراء قلبي كأنه ... جناح عقاب دائم الخفقان.

هاتف الجبل

وجدت بخط ابن حيويه يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف قال: حدثني عبد الواحد بن محمد النجاري قال: حدثني محمد بن الهيثم بن عيدي عن الهيثم قال: حدثنا محمد بن ملك قال: حدثني عثمان بن عمر التيمي قال: هوي فتى من بنس أسد فتاة من فخذه، وكان أيسر منها وأغنى، فكان أبوه يمنعه من أن يتزوجها، ويريد له أشرف منها وأيسر، ويعرض عليه غيرها، فيأبى إلا هي، فيمتنع أبوه من ذلك. وكان أبوها قد حبسها عليه رجاء أن يتزوجها، فلما طال على أبيها وأيس منه زوجها من غيره، فلقيها الفتى يوما فقال لها:

لعمري، يا سعدى، لطال تأيمي، ... ومعصيتي شيخي فيك كليهما.

وتركي ذا الحيين لم أبغ منهما ... سواك، ولم يربع هواي عليهما.

فقالت الجارية:

حبيبي لا تعجل لتفهم حجتي، ... كفاني ما بي من بلاء ومن جهد.

ومن عبرات تعتريني وزفرة ... تكاد لها نفسي تسيل من الوجد.

غلبت على نفسي جهارا ولم أطق ... خلافا على أهلي بهزل ولا جد.

ولن يمنعوني أن أموت برغمهم، ... غدا، جوف هذا الغار في جدث وحدي.

فلا تنس أن تأتي هناك، فتلتمس ... مكاني فتسلو ما تحملت من جهدي.

فلما كان في غد أتاها حيث زعمت له، فوجدها ميتة فحملها، فأدخلها شعبا ثم التزمها فمات معها، قال: فالتمسا حولا، فلم يقدر عليهما، ولم يعلم لهما خبر، فإذا هاتف يهتف على الجبل الذي هما فيه، وكان الجبل يدعى أعرافا:

إن الكريمين ذوي التصافي ... الذاهبين بالوفاء الصافي.

والله ما لاقيت في تطوافي ... أبعد من غدر ومن إخلاف.

من ميتين في ذرى أعراف.

قال: فصعد القوم الجبل، فوجدوهما ميتين فواروهما.

المجنون الهائج

أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إن لم يكن سماعا فإجازة قال: اخبرنا أبو عمر بن حيويه قال: حدثنا ابن المرزبان قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الفضل قال: حدثني أحمد بن معاوية قال: رأيت مجنونا بصحراء أثير، وقد هاج، وهو يقول:

هد ركي الهوى وكنت جليدا، ... ورأيت الفراق مرا شديدا.

الناسك العاشق

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف الواعظ بقراءتي عليه قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين الواعظ قال: حدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: حدثنا فضل اليزيدي قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن المهدي بن عمرو الهلالي قال: سمعت أبا يحيى التيمي يقول: كان يختلف معنا فتى من النساك يقال له أبو الحسين إلى مسعر بن كدام، وكان يختلف معه فتى حسن الوجه يفتن الناس، إذا رأوه، فأكثر الناس القول فيه، وفي صحبته إياه، فمنعه أهله أن يصحبهن وأن يكلمه، فذهل عقله حتى خشي عليه التلف، فبلغ ذلك مسعرا، فقال: قولوا له لا تقربني، ولا تات مجلسي، فإني له كاره، فلقيته، فأخبرته بذلك، فتنفس الصعداء، ثم أنشأ يقول:

يا من بدائع حسن صورته، ... تثني إليه أعنة الحدق.

لي منك ما للناس كلهم، ... نظر وتسليم على الطرق.

لكنهم سعدوا بأمنهم، ... وشقيت حين أراك بالفرق.

لا راحة ولا نوم

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف صاحب بن سمعون بقراءتي عليه من نحو خمسين سنة قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، حدثنا أبو حاتم السجستاني، حدثني شيخ ظريف حجازي قال: كنت بمكة، فإذا كان الليل سمعت أنينا إلى جنبي، فطال الليل علي، فسألت عنه فقيل لي: فتى مريض، فدخلت عليه فإذا هو من أحسن الناس وجها كأنه ذهب وفضة، فكلمته، فإذا هو عاشق يغلب على عقله حتى يخالط، فأصابه ذلك وأنا عنده، فجعل يقول:

متيم قد براه السقم، ... كأنه نضو يقاسي الألم.

فما له راحة ولا نوم إلى الصباح.

آه من البين

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستادني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام، حدثنا الحسن بن محمد بن حبيب، سمعت أبا علي الحسن بن محمد الزنجاني الصوفي بأسفرايين، سمعت عبد السعيد المنجوري، سمعت سهلان القاضي يقول: بينا أنا مار في طرقات جبل شورى، وقد مرت علي قافلة عظيمة، إذ بفتى شاب على طريق ذاهب العقل مدهوش عريان، وبين يديه خلقان متمزقة، فقال لي: أين رأيت القافلة؟ قلت: في موضع كذا وكذا. قال: آه من البين، آه من البين، آه من دواعي الحب! قلت: ما دهاك؟ فقال:

شيعتهم من حيث لم يعلموا، ... ورحت والقلب بهم مغرم.

سألتهم تسليمة منهم ... علي إذ بانوا فما سلموا.

ساروا ولم يرثوا لمستهتر، ... ولم يبالوا قلب من تيموا.

واستحسنوا ظلمي، فمن أجلهم ... أحب قلبي كل من يظلم.

يوم طش بعد رش

وأخبرنا أبو بكر الأردستاني أيضا بمكة على باب الندوة، أخبرنا الحسين بن حبيب المذكر، سمعت أبا الفرج أحمد بن محمد النهاوندي يقول: مررت بدرب أبي خلفن فإذا جماعة وقوف على مجنون، فوقفت فهش إلي، وقال:

اسقني قبل تباريح العطش، ... إن يومي يوم طش بعد رش.

حب من أهواه قد أدهشني، ... لا خلوت الدهر من ذاك الدهش.

ابن أبي البغل والمغنية

أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري بقراءتي عليه سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، أخبرنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن أحمد بن الكابت، حدثني عبدوس بن مهدي بالكرج قال: نزل علي بن أبي البغل، عند تقلده الإشراف، على عمال الجبل، فزارته مغنية كان بها لهجا على قلة إعجابه بالنساء، فلما كانت ليلة، ونحن قعود في البستان نشرب، وقد طلع القمر، هبت ريح عظيمة فقلبت صوانينا التي كان فيها شرابنا، وأقبلت الغلمان يسقوننا، فسكر ابن أبي البغل على ضعف شربه وقام إلى مرقده، وأخذنا معه والمغنية، فلما حصلنا فيه استدعى قدحا، ولنا مثله،وأنشأ يقول:

مغموسة في الحسن معشوقة، ... تقتل ذا اللب وتحييه.

بات يرينيها هلال الدجى، ... حتى إذا غاب أرتنيه.

وطرح الشعر على المغنية فلقنته وغنتنا فيه، وشربنا القدح، وانصرفنا، فلما كان من الغد، وحضرنا المائدة، وهي معنا، فاتحناه بما كان فحلف أنه لم يشعر بما جرى، ولا بالشعر، واستدعى دفتره، فأثبت البيتين فيه.

لا قضاة للعاشقين

أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي عن أبي الحسن بن نصر بن الصباح لعمرو الوصافي:

لهفي على ساكن قصر السراه ... نغص حبيه علي الحياه.

ما ينقضي من عجب فكرتي ... في قصة فرط فيها الولاه.

ترك المحبين، بلا حاكم ... لم ينصبوا للعاشقين القضاه.

لقد أتاني خبر ساءني ... من قولها في السر: واخجلتاه.

حديث الجنيد

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن أحمد بن الفضل الأزجي سنة أربعين وأربعمائة، أخبرنا أبو الحسن علي بن جعفر السيرواني بمكة حكى عن الجنيد أنه قال: أعرف من قتلته المحبة، ولم يعرف المحبة، ثم قال: كيف؟ فقلنا: يقول الشيخ! فقال: قتله ما خبئ فيها.

أصناف الناس

أخبرنا عبد العزيز بن علي قراءة عليه، أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن جهضم بمكة لفظه وكتابه في المسجد سنة ست وتسعين وثلاثمائة، سمعت أحمد بن محمد يقول: كان سهل يقول: الناس ثلاثة أصناف: صنف منهم مضروب بسوط المحبة، مقتول بسيف الشوق، مضطجع على بابه ينتظر الكرامة، وصنف منهم مضروب العفو، وصنف منهم مضروب بسوط الغفلة، مقتول بسيف الشهوة، مضطجع على بابه ينتظر العقوبة.

ذو النون والمريض

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزحجي، حدثنا علي بن الحسن بمكة، حدثنا أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي، حدثني أحمد بن جعفر الدستري، حدثنا سعيد بن عثمان قال: دخل ذو النون على مريض يعوده فراى المريض يئن، فقال ذو النون: ليس بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه، فقال المريض: لا ولا صدق في حبه من لم يتلذذ بضربه، فقال ذو النون: لا ولا صدق من رأى حبه لربه، عز وجل.

نوح داود

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام، حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا عبد الرحمن بن محبوب، حدثنا زكريا بن يحيى البزاز، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا محمد بن يحيى البصري، حدثنا عمرو بن جميع العجلي عن عامر بن يسار عن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نوح داود، عليه السلام، كان يمكث قبل ذلك لا يأكل الطعام، ولا يشرب، ولا يقرب النساء، فإذا كان قبل ذلك بيوم أخرج له منبرا إلى البرية، وأمر مناديا قبل ذلك بيوم ليستنفر في البلاد ومن حولها: ألا من أحب أن يسمع نوح داود فليأت، فتأتي الوحوش والسباع والهوام والطير والرهبان والعذارى من خدورهن، وبنو إسرائيل، كل صنف على حدته، فيصغون إليه. قال: وسليمان قائم على رأسه فيأخذ في الثناء على الله، عز وجل، فيضجون بالصراخ والبكاء، ثم يأخذ في ذكر الجنة، فتموت طائفة من الناس والوحوش والسباع والرهبان، وطائفة من العذارى، ثم يأخذ في ذكر النار، فتموت طائفة منهم، ثم يأخذ في أهوال القيامة والنوح على نفسه، فتموت طائفة من هؤلاء ومن كل صنف.

قال: فإذا رأى سليمان ما قد كثر من الموتى في كل فرقة، نادى يا أبتاه! قد مزقت المستمعين كل ممزق من بني إسرائيل والوحوش والهوام والسباع.

قال: فيقطع النوح، ويأخذ في الدعاء.

قال: فبينما هم كذلك إذ نادى بعض عباد بني إسرائيل: يا داود! عجلت على ربك تطلب الجزاء، فيخر داود مغشيا عليه، فإذا نظر إليه سليمان وما أصابه أتى بسرير، فحمله عليه، ثم أمر مناديا، فنادى: من كلن له مع داود حميم أو قريب، فليأت بسرير، فإن الذين كانوا معه قد ذكر الجنة والنار.

قال: فكانت المرأة تأتي بالسرير، فتقف على ابنها وأبيها وأخيها، وهم أموات، فينادى: وا بأبي! من قتله ذكر النار، وا بأبي! من قتله ذكر الجنة، وا بأبي! من قتله ذكر الخوف من الله تعالى، حتى إن الوحوش ليجتمعن على من مات منهن فيحملنه، وكذلك السباع والهوام.

قال: ثم يتفرقون، فإذا أفاق داود من غشيته قال لسليمان: ما فعلت عباد بني إسرائيل؟ فيقول سليمان: يا أبتاه ماتوا عن آخرهم. قال: فيقوم داود فيضع يده على رأسه، ثم يدخل بيت عبادته، ويغلق عليه بابه ثم ينادي: يا إله داود! أغضبان أنت على داود أم كيف ذا، إذ قصرت من الموت خوفا منك.

أيوب في بلائه

أخبرنا عبد العزيز بن علي الطحان، رحمه الله، حدثنا علي بن عبد الله بمكة، حدثني منصور بن أحمد قال: سئل أبو العباس بن عطاء عن قوله، عز وجل: مسني الضر، وأنت أرحم الراحمين، فقال: إن الله، عز وجل، سلط الدود على جسم أيوب، عليه السلام، كله إلا على قلبه ولسانه، فكان القلب غنيا بالله، عز وجل، قويا، واللسان بذكر الله تعالى رطبا دائما، فأكل الدود الجسم كله حتى بقيت أضلاعه مشتبكة، والعروق ممدودة، وحتى ما بقي للدود شيء يأكله، فسلط الله، عز وجل، الدود بعضه على بعض، فأكل بعضه بعضا، حتى بقيت دودتان، فجاعتا، فشدت إحداهما على الأخرى، فأكلتها، وبقيت واحدة، فجاعت فدبت إلى القلب لتنفذه، فقال أيوب، عليه السلام، عند ذلك: مسني الضر أن فقدت حلاوة ذكرك من قلبي، لأنك لو جمعت البلاء كله علي بعد أن لا أفقدك من قلبي ما وجدت للبلاء ألما، فأوحى الله، عز وجل، إليه: يا أيوب! إنك لتنظر إلي غدا. قال: يا رب بهاتين العينين؟ قال: يا أيوب أجعل لك عينين يقال لهما البقاء، فتنظر إلى البقاء بالبقاء.

الجارية الصوفية

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي، حدثنا علي بن عبد الله بن الحسن الهمذاني بمكة، حدثنا محمد بن عبد الله الشكلي، حدثني محمد بن القنطري قال: قال ذو النون: بينا أنا أسير على ساحل البحر، إذ بصرت بجارية عليها أطمار شعر، وإذا هي ناحلة ذابلة، فدنوت منها لأسمع ما تقول، فرأيتها متصلة الأحزان بالأشجان، وعصفت الرياح واضطربت الأمواج، وظهرت الحيتان، فصرخت، ثم سقطت إلى الأرض، فلما أفاقت نحبت، ثم قالت: سيدي! بك تقرب المتقربون في الخلوات، ولعظمتك سبحت النينان في البحار الزاخرات، ولجلال قدسك تضافقت الامواج المتلاطمات. أنت الذي سجد لك سواد الليل وبياض النهار والفلك الدوار والبحر الزخار والقمر النوار والنجم الزهار وكل شيء عندك بمقدار، لأنك الله العلي القهار:

يا مؤنس الأبرار في خلواتهم، ... يا خير من حطت به النزال.

من ذاق حبك لا يزال متيما، ... قرح الفؤاد يعوده بلبال.

من ذاق حبك لا يرى متبسما، ... في طول حزن للحشا يغتال.

فقلت لها: من تريدين؟ فقالت: إليك عني، ثم رفعت طرفها نحو السماء فقالت:

أحبك حبين، حب الوداد، ... وحبا لأنك أهل لذاكا.

فأما الذي هو حب الوداد، ... فحب شغلت به عن سواكا.

وأما الذي أنت أهل له، ... فكشفك للحجب حتى أراكا.

فما الحمد في ذا ولا ذاك لي، ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا.

ثم شهقت شهقة، فإذا هي قد فارقت الدنيا، فبقيت أتعجب مما رأيت منها، فإذا أنا بنسوة قد أقبلن وعليهن مدارع العشر، فاحتملنها، فغيبنها عني فغسلنها، ثم أقبلن بها في أكفانها فقلن لي: تقدم فصل عليها، فتقدمت فصليت عليها، وهن خلفي. ثم احتملنها ومضين.

ما بي جنون أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي، حدثنا أبو الحسن بن جهضم.

أنشدنا محمد بن عبد الله ليحيى بن معاذ:

أموت بدائي لا أصيب مداويا، ... ولا فرجا مما أرى من بلائيا.

؟إذا كان داء العبد حب مليكه، ... فمن دونه يرجى طبيبا مداويا.

مع الله يمضي دهره متلذذا، ... مطيعا، تراه كان، أو كان عاصيا.

يقولون يحيى جن من بعد صحة، ... وما بي جنون، يا خليلي، ما بيا.

 

رابعة العدوية ورياح القيسي

أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التوزي، رحمه الله، بقراءتي عليه، أخبرنا محمد بن عبد الله ابن أخي ميمي، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو معمل صاحب عبد الوارث قال: نظرت رابعة إلى رياح القيسي، وهو يقبل صبيا من أهله، ويضمه إليه، فقالت: أتحبه يا رياح؟ قال: نعم قالت: ما كنت أحسب أن في قلبك فارغا لمحبة غيري. قال: فصاح رياح وسقط مغشيا عليه، ثم أفاق، وهو يمسح العرق عن وجهه، وهو يقول: رحمة منه، تعالى ذكره، ألقاها في قلوب العباد للأطفال.

دواء المحبين

أخبرنا أحمد بن علي بن الحسين البزاز، حدثنا محمد بن عبد الله القطيعي، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثني إبراهيم بن عبد الملك قال: قدمت شعوانة وزوجها مكة، فجعلا يطوفان ويصليان، فإذا كل الرجل وأعيا، جلس، وجلست خلفه، فيقول هو في جلوسه: أنا العطشان من حبك لا أروى، وتقول هي بالفارسية: أنبت لكل داء دواء في الجبال، ودواء المحبين في الجبال لم ينبت.

يستحي من الله

أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت إن لم يكن سماعا فإجازة، أخبرنا علي بن أيوب، حدثنا محمد بن عمران قال: حكي عن أبي مسلم الخشوعي أنه نظر إلى غلام جميل، فأطال ثم قرأ: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، سبحان الله، ما أهجم طرفي على مكروه نفسه، وأدمنه على سخط سيده، وأغراه بما قد نهى عنه، وألهجه بالأمر الذي قد حذر منه، لقد نظرت إلى هذا نظرا لا أحسب إلا أنه سيفضحني عند جميع من قد عرفني في عرصة القيامة، ولقد تركتني نظري هذا، وأنا أستحيي من الله، سبحانه، وغن غفر لي. ثم صعق.

محبو الله أحياء وإن قبروا

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن شكر الخياط، حدثنا علي بن عبد الله بن الحسن بمكة، حدثنا علي بن إبراهيم النقاش، سمعت أبا القاسم بن مردان، سمعت أحمد بن عيسى الحراز يقول: دعتني امرأة غسل ولدها، ذكرت أنه أوصى بذلك، فلما كشفت عن الثوب قبض على يدي، فقلت: يا سبحان الله! حياة بعد موت؟ فقال: يا أبا سعيد إن المحبين لله تعالى أحياء وإن قبروا.

العباد على ثلاث منازل

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأزجي الخياط الشيخ الصالح، رحمه الله، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد الهمذاني بمكة في المسجد الحرام، حدثنا الخالدي، سمعت ابن مسروق يقول: بلغنا عن حيان القيسي أنه قال: العباد مع الله تعالى ثلاث منازل: قوم يضن بهم عن البلاء لئلا يسترق الجزع سرهم، فتكون هذه حكمة، أو يكون في صدورهم حرج من قضائه، وقوم يضن بهم عن مساكنة أهل المعاصي لئلا تغنم قلوبهم، فمن أجل ذلك سلمت صدورهم للعالم، وقم صب عليهم البلاء صبا، فما ازدادوا له إلا حبا.

تاه تفي حب الله

أخبرنا عبد العزيز بن علي، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الحسنبن يحيى بن حميوه، حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثني إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن الحسن البلخي عن إبراهيم بن أدهم قال: وجدت يوما راحة، وطاب قلبي لحسن صنع الله بي واختياره لي، فقلت: اللهم إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما أسكنت به قلوبهم قبل لقائك، فأعطني ذلك، فلقد أضر بي القلق. قال: فرأيت الله ، تبارك وتعالى، في النوم، فوقفني بين يديه، وقال: يا إبراهيم! ما استحييت مني، تسألين أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق إلى غير حبيبه أم هل يستريح المحب إلى غير من اشتاق إليه؟ فقلت: يا رب! تهب في حبك، فلم أدر ما أقول.

عمر والزاني القتيل

أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، حدثنا أبو الفضل أحمد بن ملاعب، أخبرني محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا علي بن مسهر عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي قال: كان أخوان من الأنصار، فخرج أحدهما في بعث، وتخلف الآخر عند امرأة أخيه. فقالت امرأة المقيم له: أشعرت أن امرأة أخيك يختلف إليها رجل. قال لها: فإذا جاء فأعلميني، فلما جاء أخبرته، وبينها وبينه حائط، فوضعت له سلما، فصعد، فأشرف، فإذا هو بامرأة أخيه توقد له نارا، وتشوي له دجاجة، وهو يقول:

وأشعث غرة الإسلام مني، ... خلوت بعرسه ليل التمام.

أبيت على ترائبها، ويمسي ... على جرداء لاحقة الحزام.

كأن مجامع الربلات منها، ... نيام ينهضون إلى قيام.

فنزل فضربه بالسيف حتى قتله، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فلما أصبح قام خطيبا فقال: أنشد الله والإسلام رجلا عند علم من هذا المقتول إلا أنبأ به. فقام إليه رجل فقص عليه القصة وأخبره بقوله. فقال عمر: أبعده الله وأسحقه.

نصر بن حجاج وامرأة السلمي

وجدت بخط أحمد بن محمد بن علي الأبنوسي، حدثنا أبو محمد علي بن عبد الله بن المغيرة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن أحمد الواسطي، حدثني إبراهيم بن الربيع، حدثني سماك بن عطية قال: لما قدم نصر بن حجاج البصرة نزل على مجاشع بن مسعود السلمي، فبينما هو ليلة يتحدث هو وامرأته كتب على رمل هم عليه قعود: أنا أحبك. قال: فكتبت هي: وأنا كذلك، فدعا بإجانة، ووضعها على الكتابة، فلما أصبح دعا غلامه، فقال: أي شيء هذا؟ قال: أنا أحبك، وأنا كذلك، فدعاها ودعاه، وقال لها: ضميه إلى صدرك يذهب عنكما ما أنتما فيه.

ضحيتا الهوى

وجدت بخط أبي عمر بن حيويه ونقلته منه قال: حدثنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان، أخبرني صالح بن يوسف المحاربي قال: أخبرني أبو عثمان المازني، أخبرنا العتبي عن شبابة بن الوليد العذري أن فتى من بني عذرة، يقال له أبو مالك بن النضر، كان عاشقا لابنة عم له عشقا شديدا، فلم يزل على ذلك مدة، ثم إنه فقد بضع عشرة سنة، ولم يحس له خبر.

قال شبابة بن الوليد: فضلت إبل لي، فخرجت في طلبها، فبينا أنا سير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف، وهو يقول:

يا ابن الوليد ألا تحمون جاركم، ... وتحفظون له حق القرابات.

عهدي إذا جار قوم نابه حدث ... وقوه من كل أضرار الملمات.

هذا أبو مالك الممسى ببلقعة، ... مع الضباع وآساد بغابات.

طليح شوق بنار الحب محترق ... تعتاده زفرات إثر لوعات.

أما النهار فيضنيه تذكره، ... والليل مرتقب للصبح هل يأتي؟

يهذي بجارية من عذرة اختلست ... فؤاده، فهو منها في بليات.

فقلت: دلني عليه، رحمك الله، فقال: نعم، اقصد الصوت، فلما قصدت غير بعيد سمعت أنينا من خباء فأصغيت إليه، فإذا قائل يقول:

يا رسيس الهوى أذبت فؤادي، ... وحشوت الحشا عذابا أليما.

فدنوت منه، فقلت: أبو مالك؟ قال: نعم! قلت: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: حبي سعاد ابنة أبي الهيذم العذري، فشكوت يوما إلى ابن عم لنا من الحي ما أجد من بها، فاحتملني إلى هذا الوادي، منذ بضع عشرة سنة، ويأتيني كل يوم بخبرها، ويقوتني، حفظه الله، من عنده. فقلت له: إني أصير إلى أهلاه، فأخبرهم بما رأيت، قال: أنت وذاك.

فانصرفت، وصرت إلى أهل الجارية، فخبرتهم بحال الفتى، وما رأيت منه، وحدثتهم حديثه، فرقوا له فزوجوه بحضرتي، ورجعت إليه عامدا لأفرج عنه لما رأيت منه، فلما أخبرته الخبر، حدد النظر إلي، ثم تأوه تأوها شديدا بلغ من قلبي، ثم انشأ يقول:

الآن إذ حشرجت نفسي وحاصرها ... فراق دنيا، وناداها مناديها.

ثم زفر زفرة، فمات، فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأعلمتهم الخبر، فأقامت الجارية ثلاثا لا تطعم طعاما ثم ماتت.

غصص الموت

أخبرنا أبو محمد الحسن علي الجوهري، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس، حدثنا محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني أبي عن بعض أصحابه لأبي نواس:

إن في وصل من أحب دوائي، ... وبكفيه، إن أحب، شفائي.

إن أمت ضيعة، فلم أجن ذنبا، ... من حبيب أمات حسن عزائي.

كل يوم يذيقني غصص المو ... ت بصد يريشه بالجفاء .

الدماء المطلولة

ولي من أثناء قصيدة كتبتها إلى بعض الأدباء:

كم دم للعشاق أهريق بالهج ... ر إلى ركن كعبة غراء.

ودماء العشاق مطلولة لي ... س لها، فاعلموه، من أولياء.

سل بمجنون عامر وأخي عذ ... رة، ما كان منه مع عفراء.

وجميل وقيس لبنى، وغيلا ... ن، وخلق يفوتهم إحصائي.

ولي أيضا من أثناء قصيدة مدحت بها بعض الرؤساء بالإسكندرية:

فلله ما أبقى الهوى من حشاشة ... بها للنوى داء يعز دواه.

قلب رماه البين يوم فراقهم ... بسهم وما أخطاه حين رماه.

ولي من اثناء قصيدة:

وكم من ليلة بالرمل بتنا ... كأنا إلدة فوق الحشايا.

إذا ابتسمت، وستر الليل مرخى، ... أضاء لنا الدجى برق الثنايا.

ندير حديث من قتلته خود، ... ومن في الحب نالته الرزايا.

كمجنون وقيس قيس لبنى، ... ومن أبدى له الحب الخبايا.

ليلى الأخيلية والحجاج

أخبرنا أبو جعفر بن مسلمة في ما أذن لنا في روايته أن أبا القاسم إسماعيل بن سعيد بن سويد أخبرهم إجازة قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، حدثني أبي، حدثنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه عن مولى لعنبسة أن سعيد بن العاص قال: كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد إذا دخل على الحجاج، فدخل يوما، فدخلت إليهما، وليس عند الحجاج غير عنبسة، فقعدت فجيء الحجاج بطبق فيه رطب، فأخذ الخادم منه شيئا فجاءني به، ثم جيء بطبق، حتى كثرت الأطباقن وجعل لا يؤتون بشيء إلا جاءني منه بشيء، جتى ظننت أن ما بين يدي أكثر مما عندهم، ثم جاء حاجب فقال: امرأة بالباب، فقال له الحجاج: أدخلها! فدخلت، فلما رآها الحجاج، طأطأ رأسه حتى ظننت أن ذقنه قد اصاب الأرض، فجاءت حتى بين يديه، فنظرت إليها فإذا هي امرأة قد أسنت، حسنة الخلق، ومعها جاريتان لها، وإذا هي ليلى الأخيلية، فسألها الحجاج عن نسبها، فانتسبت له، فقال لها: يا ليلى ما أتىبك؟ فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم، وكلب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرفد.

فقال لها: صفي لنا الفجاج.

فقالت: الفجاج مغبرة، والأرض مقشعرة، والمنزل معتل، وذو العيال مختل، والهالك المقل، والناس مسنتون، رحمة الله يرجون. وأصابتنا سنون مجحفة مبطلة لم تدع لنا هيعا ولا ريعا، ولا عافطة ولا ناقلة، أذهبت الأموال، وفرقت الرجال، وأهلكت العيال. ثم قالت: إني قد قلت في الأمير قولا! قال: هاتي، فأنشأت تقول:

أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكف الله حيث تراها.

أحجاج لا تعط العصاة مناهم، ... ولا الله يعطي للعصاة مناها.

إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فثفاها.

شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها.

سقاها، فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث قال حماها.

إذا سمع الحجاج رز كتيبة، ... أعد لها قبل النزول قراها.

أعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها.

فما ولد الأبكار والعون مثله، ... بنجد ولا أرض يجف ثراها.

قال: فلما قالت هذا، قال الحجاج: قاتلها الله! ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها، ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال: والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبدا، ثم التفت إليها فقال: حسبك.

قالت: إني قد قلت أكثر من هذا، قال: حسبك، ويحك حسبك، ثم قال: يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها. قال: فأمر بإحضار الحجام، فالتفتت إليه فقالت: ثكلتك أمك! أما سمعت ما قال؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة. فبعث إليه يستثبته، فاستشاط الحجاج غضبا، وهم بقطع لسانه وقال: ارددها، فلما دخلت عليه قالت: كاد، وأمانة الله، يقطع مقولي. ثم أنشأت تقول:

حجاج! أنت الذي ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصمد.

حجاج! أنت شهاب الحرب إذ لقحت، ... وأنت للناس في جنح الدجى تقد.

ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيها الأمير إلا أنا بم نر امرأة قط أفصح لسانا ولا أحسن محاورة ولا أملح وجها ولا أرصن شعرا منها. فقال: هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها، ثم التفت إليها فقال: أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة. فقالت: نعم أيها الأمير، هو الذي يقول:

وهل تبكين ليلى إذا ما بكيتها ... وقام على قبري النساء النوائح.

كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها، ... وجاد لها دمع من العين سافح.

وأغبط من ليلى لا أناله، ... بلى! كل ما قرت به العين صالح.

ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي، ودوني تربة وصفائح.

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح.

فقال لها: زيدينا يا ليلى من شعره، فقالت: هو الذي يقول:

حمامة بطن الواديين ترنمي، ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها.

أبيني لنا، لا زال ريشك ناعما، ... ولا زلت في خضراء غض نضيرها.

وأشرف بالقوز اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها.

وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها.

يقول رجال: لا يضيرك نأيها! ... بلى! كل ما شف النفوس يضيرها.

بلى يضير العين أن تكثر البكى، ... ويمنع منها نومها وسرورها.

وقد زعمت ليلى بأني فاجر، ... لنفسي تقاها، أو عليها فجورها.

فقال لها الحجاج: يا ليلى ما الذي رابه من سفورك؟ فقالت: أبها الأمير، كان يلم بي كثيرا، فأرسل إلي يوما أني آتيك، وفطن الحي، فأرصدوا له، فلما أتاني سفرت، فعلم أن ذلك لشر، فلم يزد على التسليم والرجوع. فقال: لله درك، فهل رأيت منه شيئا تكرهينه؟ فقالت: لا والذي أسأله أن يصلحك غير أنه قال لي مرة قولا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر، فقتل له:

وذي حاجة قلنا له: لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل.

لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه، ... وأنت لأخرى فارغ وحليل.

فلا والذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا. حتى فرق الموت بيني وبينه. قال: ثم ماذا؟ قالت: لم يلبث أن خرج في غزاة له فأوصى ابن عمه: إذا أتيت الحاضرة من بني عبادة، فناد بأعلى صوتك:

عفا الله عنها! هل أبين ليلة ... من الدهر لا يسري إلي خيالها.

فخرجت وأنا أقول:

وعنه عفا ربي، وأحسن حاله، ... فعز علينا حاجة لا ينالها.

قال: ثم ماذا؟ قالت: لم يلبث أن مات، فأتاني نعيه. قال: فأنشدينا بعض مراثيك، فأنشدت:

لتبك عليه من خفاجة نسوة، ... بماء شؤون العبرة المتحدر.

قال: فأنشدينا:

كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصا بالكراكر.

فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي، وكان من جلساء الحجا: من هذا الذي تقول هذه هذا فيه؟ فوالله إني لأظنها كاذبة. فنظرت إليه، ثم قالت: أيها الأمير! إن هذا القائل لو رأى توبة لسره أن لا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه. فقال الحجاج: هذا وأبيك الجواب، وقد كنت عنه غنيا.

ثم قال لها: سلي ليلى تعطي. قالت: أعط فمثلك أعطى فأجزل.

قال: لك عشرون. قالت: زد فمثلك زاد فأجمل. قال: لك أربعون. قالت: زد فمثلك زاد فأفضل. قال: لك ستون. قالت: زد فمثلك زاد فأكمل. قال: لك ثمانون. قالت: زد فمثلك زاد فأتم. قال: لك مائة، واعلمي يا ليلى أنها غنم، قال: معاذ الله أيها الأمير، أنت أجود جوادا وأمجد مجدا وأورى زندا من أن تجعلها غنما. قال: فما هي ويحك يا ليلى؟ قالت: مائة ناقة يدعى بها. فأمر بها ثم قال: ألك حاجة بعدها؟ قالت: تدفع إلي النابغة الجعدي في قرن. قال: قد فعلت.

وقد كانت تهجوه ويهجوها، فبلغ النابغة ذلك، فخرج هاربا عائذا بعبد الملك، فاتبعه إلى الشام، فهرب إلى قتيبة، فمات بقومس، ويقال بحلوان.

علي بن صالح والقينة

ذكر أبو عمر بن حيويه في ما نقلته من خطه قال: حدثنا محمد بن خلف قال: حدثنا الحسين بن جعفر قال: حدثنا عبد الله بن أحمد العبدي قال:حدثني سليمان بن علي الهاشمي أن علي بن صالح بن داود ذكر عن جارية من القيان أنها تميل إليه محبة وكلفا، وكانت موصوفة بالأدب شاعرة، فكره مراسلتها، فحضر يوما عند بعض أهل البصرة، وكانت عنده، فلما رأت علي بن صالح قالت: طاب عيشنا في يومنا هذا، فلم يلتفت إليها وأطرقت هي أيضا فلم تنظر إليه، ثم دعت بداوة فكتبت على منديل، كان معها، ثم غافلت أهل المجلس، فألقت إليه المنديل، فأخذه فإذا فيه:

لعل الذي يبلو بحبك يا فتى، ... يردك لي يوما إلى أحسن العهد.

قال: فما هو إلا أن قرأت الشعر حتى وجدت في قلبي من أمرها مثل النار، وقمت فانصرفت خوفا من الفضيحة، ثم لم أزل أعمل الحيلة في ابتياعها من حيث لا تعلم، فعسر ذلك علي، فعرفتها الخبر، وما عزمت عليه من ابتياعها، فأعانتني على ذلك حتى ملكتها، فلم أوثر عليها أحدا من حرمي، ولا أهلي، ولا كان عندي شيء يعدلها، فتوفيت، فأنا لا عيش لي بعدها، ولا سرور. فوالله ما لبث بعد هذا الكلام إلا أياما يسيرة حتى مات أسفا وكمدا، فدفن إلى جنبها.

ريقته مدام

ولي من قصيدة أولها:

قفي أخبرك ما صنع الغرام، ... عشية قوضت تلك الخيام.

لقد فتك الهوى بي يوم ساروا، ... ولو لم يؤثروا قتلي أقاموا.

سروا والليل في ثوبي حداد، ... وقد ألقى مراسيه الظلام.

وقد هتكوا الأكلة عن بدور ... كوامن ليس يبرحها التمام.

وفي الأحداج ذو لعس، لماه، ... لنا كأس، وريقته مدام.

رمى، وقلوبنا الأغراض، فانظر ... بعينك هل تطيش له سهام.

عشق ليس فيه فحش

أنبأنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس الخزاز، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي، حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا العتبي قال: كان عند خالد بن عبد الله فقهاء من أهل الكوفة، فيهم أبو حمزة الثمالي، فقال خالد: حدثونا بحديث عشق ليس فيه فحش! فقال أبو حمزة الثمالي: أصلح الله الأمير! زعموا أنه ذكر عند هشام بن عبد الله غدر النساء وسرعة تزويجهن. فقال هشام: إنه ليبلغني من ذلك العجب.

فقال بعض جلسائه: أنا أحدثك عما بلغني من ذلك.

بلغني ان رجلا من بني يشكر يقال له غسان بن مهضم من العذافر، كانت تحته ابنة عم له يقال لها أم عقبة بنت عمرو بن الأجبر، وكان لها محبا، وكانت هي له كذلك، فلما حضره الموت، وظن أنه مفارق الدنيا، قال ثلاثة أبيات. ثم قال لها: يا أم عقبة! اسمعي ما أقول، وأجيبيني بحق، قال ثلاثة أبيات. ثم قال لها: يا أم عقبة! اسمعي ما أقول، وأجيبيني بحق، فقد تاقت نفسي إلى مسألتك عن نفسك، بعدما يواريني التراب.

فقالت: قل، فوالله لا أجيبك بكذب ولأجعلنه آخرخطاب مني.

فقال، وهو يبكي بكاء منعه الكلام:

أخبريني بما تريدين بعدي، ... والذي تضمرين يا أم عقبه.

تحفظيني من بعد موتي لما قد ... كان مني من حسن خلق وصحبه.

أم تريدين ذا جمال ومال، ... وأنا في التراب في سحق غربه.

فأجابته ببكاء وانتحاب:

قد سمعنا الذي تقول وما قد ... خفته يا خليل من أم عقبه.

أنا من أحفظ الأنام وأرعا ... هم لما قد أوليت من حسن صحبه.

سوف أبكيك ما حييت بشجو ... ومراث أقولها وبندبه.

قال: فلما قالت ذلك طابت نفسه، وفي النفس ما فيها، فقال:

أنا والله واثق منك لكن ... ربما خفت منك غدر النساء.

بعد موت الأزواج يا خير من عو ... شر فارعي حقي بحسن الوفاء.

إني قد رجوت أن تحفظي العه ... د، فكوني إن مت عند الرجاء.

قال: ثم اعتقل لسانه، فلم ينطق حتى مات. فلم تلبث بعده حتى خطيت من كل جانب، ورغبت فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها من العقل والجمال والعفاف، فقالت مجيبة لهم:

سأحفظ غسانا على بعد داره ... وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر.

وإني لفي شغل عن الناس كلهم ... فكفوا! فما مثلي بمن مات يغدر.

سأبكي عليه ما حييت بعبرة ... تجول على الخدين مني وتحدر.

فأيس الناس منها حينا، فلما مرت بها لأيام نسيت عهده وقال: من مات فقد فات، فأجابت بعض خطابها، فتزوجها، فلما كانت الليلة التي أراد الدخول بها جاءها غسان في النوم، وقد أغفت، فقال:

غدرت، ولم ترعي لبعلك حرمة، ... ولم تعرفي حقا، ولم تحفظي عهدا.

ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب، ... حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا.

غدرت به لما ثوى في ضريحه، ... كذلك ينسى كل من سكن اللحدا.

قال: فلما سمعت هذه الأبيات انتبهت مرتاعة مستحية منه كأنه بات معها في جانب البيت، وأنكر ذلك منها من حضرها من نسائها، فقلن: ما لك، وما حالك، وما دهاك؟ فقالت: ما ترك غسان لي في الحياة أربا، ولا بعده في سرور رغبة. أتاني في منامي الساعة، فأنشدني هذه الأبيات، ثم أنشدتها وهي تبكي بدمع غزير وانتحاب شديد، فلما سمعن ذلك منها أخذن بها في حديث آخر لتنسى ما هي فيه، فغافلتهن وقامت، فلم يدركنها حتى ذبحت نفسها حياء مما كادت أن تركب بعده من الغدر به والنسيان لعهده. فقالت امرأة منهن: قد بلغنا أن امرأة أتاها زوجها في المنام فلامها في مثل هذا، فقتلت نفسها. فما سمعنا به.

قال: وكانت المرأة القائلة هذا الكلام صاحبة شعر ورجز فقالت:

ماذا صنعت وماذا ... لقيت من غسان.

قتلت نفسك حزنا ... يا خيرة النسوان.

وفيت من بعد ما قد ... هممت بالعصيان.

إن الوفاء من الل ... ه، لم يزل بمكان.

قال: فلما بلغ زوجها، وكان يقال له المقدام بن حبيش، وكان قد أعجب بها، أنها قالت: ما كان لي مستمتع بعد غسان، قال: هكذا فلتكن النساء في الوفاء، وقل من تحفظ ميتا، إنما هي أيام قلائل حتى ينسى وعنه يسلى.

فقال هشام: صدق وبر، لجاد ما أدركه عقله وحسن عزائه حين فاتته طلبته. أحسنت المرأة ووقفت،وأحسن الرجل فصبر.

نظرة بتبسم

أنشدنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي الخلال، رحمه الله، قال: أنشدنا أبو بكر أحمد بن محمد الخوارزمي لبعضهم:

وقالوا لها: هذا حبيبك معرضا، ... فقالت: ألا إعراضه أيسر الخطب.

فما هي إلا نظرة بتبسم، ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب.

قميص الكتمان

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي العلاف الواعظ بقراءتي عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد الصوفي، حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثني القاسم بن يزيد، حدثني محمد بن سلام، حدثني خلاد بن يزيد الأرقط قال: كان عويمر العقيلي مشغوفا بابنة عم له، وكان يقال لها ريا، فزوجت برجل، فحملها إلى بلاده، فاشتد وجده، واعتل علة أخذه الهلاس بها، فدعوا له طبيبا لينظر إليه، فقال له: أخبرني بالذي تجد، فرفع عقيرته فقال:

كذبت على نفسي فحدثت أنني ... سلوت لكيما ينظروا حين أصدق.

وما عن قلى مني ولا عن ملالة، ... ولكنني أبقي عليك وأشفق.

وما الهجر إلا جنة لي لبستها، ... لتدفع عني ما يخاف ويفرق.

عطفت على أسراركم، فكسوتها ... قميصا من الكتمان لا يتخرق.

ولي عبرتان ما تفيقان: عبرة ... تفيض، وأخرى للصبابة تخنق.

ويومان: يوم فيه جسم معذب ... عليل، ويوم للتفرق مطرق.

وأكثر حظي منك أني إذا سرت ... لي الريح من تلقائكم أتنشق.

ثم ذهب عقله، فقال المتطبب لأهله ومن حضره: ارفقوا به، ثم انصرف. فما مكث إلا ليالي يسيرة حتى قضى.

 

 

طرف قتول

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري، أخبرنا ابن روح، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا الكوكبي، حدثني إسحاق بن محمد، أخبرني أبو عثمان المازني قال: قال أبو حيان الدارمي في أبي تمام الروبج من بني هاشم، وكان يهواه:

سباك من هاشم سليل ... ليس إلى عطفه سبيل.

ما اختال في صحن قصر أوس ... إلا تسجى له قتيل.

ولا حظته العيون حتى ... رنت له الكاعب البتول.

فإن يقف، فالعيون نصب، ... وإن تصدى، فهن حول.

يمسحه عن أديم خد ... مورد، صحنه أسيل.

للحتف في عينه قسي ... أيدي المنايا بها تصول.

ينزع فيها بغير نبل، ... طرف لعشاقه قتول.

قال أبو عثمان: فحدثني من أتى بخبره أن المأمون أنشد هذا الشعر، فقال: ما سمعت أرق من هذا المعنى:

فإن يقف، فالعيون نصب، ... وإن تصدى، فهن حول.

شعر ليحيى بن طالب

أخبرنا محمد بن أبي نصر الحفظ، حدثني الفقه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي حدثنا القاضي أبو محمد عبد الله بن الربيع، حدثنا أبو علي القالي قال: قال أبو بكر الأنباري: غني هارون الرشيد بشعر يحيى بن طالب:

أيا أثلاث القاع من بطن توضح، ... حنيني إلى أطلالكن طويل.

ويا أثلاث القاع قد مل صحبتي ... مسيري، فهل في ظلكن مقيل.

ويا أثلاث القاع قلبي موكل ... بكن، وجدوى خيركن قليل.

ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل.

فأشرب من ماء الحجيلاء شربة ... يداوى بها قبل الممات عليل.

أحدث عنك النفس أن لست راجعا ... إليك، فحزني في الفؤاد دخيل.

أريد هبوطا نحوكم فيردني، ... إذا رمته، دين علي ثقيل.

فقال هارون الرشيد: يقضى دينه، فطلب فإذا هو قد مات قبل ذلك بشهر.

غصة الحديث

وبإسناده حدثنا القالي، أخبرنا أبو بكر بن دريد أنشدنا عبد الرحمن عن عمه لرجل من بني كلاب:

ولما قضينا غصة من حديثنا، ... وقد فاض من بعد الحديث المدامع.

جرى بيننا منا رسيس يزيدنا ... سقاما، إذا ما استوعبته المسامع.

كأن لم تجاورنا أمام، ولم يقم، ... بعيص الحمى إذ أنت بالعيش قانع.

فهل مثل أيام تقضين بالحمى ... عوائد، أو غيث الستارين واقع.

وإن نسيم الريح من مدرج الصبا، ... لأوراب قلب شفه الحب نافع.

قال أبو علي القالي: الرس الشيء من الحبر والرسيس مثله.

أفق من الحب

وبإسناده قال: وأنبأنا القالي، أخبرنا ابن دريد حدثنا أبو حاتم للعوام بن عقبة بن كعب:

أإن سجعت في بطن واد حمامة ... تجاوب أخرى ماء عينيك دافق.

كأنك لم تسمع بكاء حمامة ... بليل، ولم يحزنك إلف مفارق.

ولم تر مفجوعا بشيء يحبه ... سواك، ولم يعشق كعشقك عاشق.

بلى فأفق عن ذكر ليلى، فإنما ... أخو الصبر من كف الهوى وهو تائق.

نصيب وأم بكر

أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار، وحدثني إبراهيم بن عبد الله السعدي عن جدته جمال بنت عون بن مسلم عن جدها السعدي قال: رأيت رجلا أسود معه امرأة بيضاء، فوقفت أتعجب من شدة سواده مع شدة بياضها، فقلت له: من أنت؟ فقال: أن الذي أقول:

ألا ليت شعري ما الذي تحدثن لي ... غدا غربة النأي المفرق والبعد.

لدى أم بكر حين تنتشب النوى ... بنا، ثم يخلو الكاشحون بها بعدي.

أتصرمني عند الألى فيهم العدى، ... فتشمتهم بي أم تقيم على العهد.

ابن أبي عتيق ونصيب وسعدى

أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الحنبلي، حدثنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه، حدثنا الجرمي بن أبي العلاء، واسمه أحمد، حدثنا الزبير بن بكار، وحدثني أبو عثمان أحمد بن محمد الأسدي عن محمد بن عبد الله عن مؤرخ قال: أراد ابن أبي عتيق الحج، فلقي نصيبا، فقال: هل توصي إلى سعدى بشيء؟ قال: نعم ببيتين. قال: ما هما؟ قال:

أتصبر عن سعدى، وأنت صبور، ... وأنت بحسن الصبر منك جدير.

وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنا بارق نحو الحجاز أطير.

قال: فخرج ابن أبي عتيق، فوجد سعدى في مجلس لها، فقال لها: يا سعدى! معي إليك رسالة. قالت: وما هي؟ هاتها يا ابن الصديق، فأنشدها البيتين، فتنفست تنفسا شديدا، فقال ابن أبي عتيق: أوه أجبته، والله، بأحسن من بيتيه، وعتق ما ملك أن لو سمعها لنعق وطار.

عاشق يقتله الصد

حدثني محمد بع عبد الله الأندلسي، وكتبه لي بخطه، حدثني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد الحافظ الأندلسي، حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الطبيب الأديب قال: كنت أختلف في النحو إلى محمد بن خطاب النحوي في جماعة، وكان معنا عنده أبو الحسن أسلم بن أحمد بن سعيد ابن قاضي قضاة الأندلس أسلم ابن عبد العزيز صاحب المزني والربيع، قال محمد بن الحسن: وكان أجمل من رأته العيون، وكان معنا عند محمد بن خطاب أحمد بن كليب، وكان من أهل الأدب والشعر، فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره وصرف فيه القول متسترا بذلك، إلى أن فشت أشعاره فيه، وجرت على الألسنة وتنوشدت في المحافل.

فلعهدي بعرس في بعض الشوارع بقرطبة، والكوري الزامر قاعد في وسط المحفل، وفي رأسه قلنسوة وشر، وعليه ثوب خز عبيدي، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه، وكان يزمر لأمير المؤمنين الناصر، وهو يزمر في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم، وهو:

أسلمني في الهوى ... أسلم هذا الرشا.

غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا.

وشى بيننا حاسد، ... سيسأل عما وشى.

ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى.

ومغن محسن يسايره فيها، فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب، ولزم بيته، والجلوس على بابه.

وكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب أسلم سائرا ومقبلا نهاره كله، فامتنع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا، فإذا صلى المغرب، واختلط الظلام خرج مستروحا، وجلس على باب داره، فعيل صبر أحمد بن كليب فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة صوف من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجا، وبالأخرى قفصا فيه بيض، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه، فتقدم إليه، وقبل يديه وقال: يا مولا! تأمر من يقبض هذا؟ فقال له أسلم: ومن أمن؟ فقال: أجيرك في الضيعة الفلانية، وقد كان يعرف أسماء ضياعه والعاملين فيها، فأمر أسلك غلمانه ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في الضياع عند ورودهم ثم جعل يسأله عن الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام، فتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وإلى هنا بلغت بنفسك، وإلى ها هنا تتبعني؟ أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملة وعن القعود على بابي نهارا، حتى قطعت عني جميع ما لي فيه راحة، فقد صرت من سجنك في حيرة، والله، لا فارقت هذه الليلة قعر منزلي، ولا جلست بعدها على بابي لا ليلا ولا نهارا. ثم قال، فانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا.

قال محمد بن الحسن: واتصل ذلك بنان فقلنا لأحمد بن كليب: قد خسرت دجاجك وبيضك، فقال: هات كل ليلة قبلة يده، وأخسر أضعاف ذلك.

قال: فلما يئس من رؤيته البتة نهكته العلة، وأضجعه المرض.

قال محمد بن الحسن: فأخبرني شيخنا أبو عبد الله محمد بن خطاب قال: فعدته فوجدته بأسوأ حال، فقلت له: ولم لا تتداوى؟ فقال: دوائي معروف، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في البتة. فقلت له: وما دواؤك؟ قال نظرة من أسلم، ولو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك، وكان هو والله أيضا يؤجر.

قال: فرحمته وتقطعت نفسي له، فنهضت إلى أسلم، فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقاني بما أحب، فقلت له: لي حاجة. قال: وما هلي؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي، فقال: نعم! ولكن تعلم أنه برح بي وشهر اسمي وآذاني. فقلت: كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها، فتفضل بعيادته. فقال لي: والله ما أقدر على ذلك فلا تكلفني هذا. فقلت له: لا بد، فليس عليك في ذلك شيء، وإنما هي عيادة مريض.

قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت: فقم الآن! فقال لي: لست والله أفعل، ولكن غدا، فقلت له: ولا خلف؟ قال: نعم.

قال: فانصرف إلى أحمد بن كليب وأخبرته بوعده بعد تأبيه، بذلك وارتاحت نفسه.

قال: فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم وقلت له: الوعد. فوجم، وقال: والله لقد تحملني على خطة صعبة علي، وما أدري كيف أطيق ذلك. قال: فقلت له: لا بد أن تفي بوعدك لي.

قال: فأخذ رداءه ونهض معي راجلا، فلما أتينا منزل أحمد بن كليب، وكان يسكن في آخر درب طويل، وتوسط الزقاق وقف واحمر وخجل، وقال لي: يا سيدي، الساعة والله أموت وما أقدر أن أنقل قدمي، ولا أستطيع أن أعرض هذا على نفسي. فقلت له: لا تفعل بعد أن بلغت المنزل وتنصرف؟ فقال: لا سبيل، والله، إلى ذلك البتة.

ورجع هاربا، فاتبعه فأخذت بردائه، فتمادى وخرق الرداء، وبقيت قطعة منه في يدي لشدة إمساكي له، ومضى ولم أدركه، فرجعت ودخلت على أحمد بن كليب.

وقد كان غلامه دخل عليه، إذ رآنا من أول الزقاق، مبشرا، فلما رآني دونه تغير وجهه وقال: وأين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة، فاستحال من وقته، واختلط، وجعل يقول ويتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الترجع، فاستبشعت الحال، وجعلت أترجع وقمت، فثاب إليه وجهه، وقال: أبا عبد الله! قلت: نعم! قال: اسمع مني، واحفظ عني. ثم أنشأ يقول:

أسلم يا راحة العليل، ... رفقا على الهائم النحيل.

قال: فقلت: اتق الله، ما هذه الكبيرة؟ فقال لي: قد كان. فخرجت عنه، فوالله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا.

قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وهذه قصة مشهورة عندنا. ومحمد بن الحسن ثقة، ومحمد بن خطاب ثقة، وأسلم هذا من بني خلف وكانت فيهم وزارة وحجابة، وهو حاجب الديوان المشهور في غناء زرياب، وكان شاعرا، وابنه الآن في الحياة يكنى أبا الجعد.

قال أبو محمد: ولقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله محمد بن سعيد الخولاني الكاتب، فعرفها، وقال: لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد الكطر لا يكاد أحد يمشي في طريق، وهو قاعد على قبر أحمد بن كليب المذكرو زائرا له قد تحين غفلة الناس في مثل ذلك النهار.

 

 

شعر ملحون

قال شيخنا: قال لنا أبو محمد، وحدثني أبو محمد قاسم بن محمد القرشي قال: كتب ابن كليب إلى محمد بن خطاب شعرا يتغزل فيه بأسلم، فعرفه ابن خطاب على أسلم فقال: هذا ملحون، وكان ابن كليب قد أسقط التنوين من لفظه في بيت من الشعر، فكتب ابن خطاب إلى ابن كليب بذلك، فكتب إليه ابن كليب مسرعا:

ألحق لي التنوين في مطمع، ... فإنني أنسيت إلحاقه.

لا سيما إذ كان في وصل من ... كدر لي في الحب أخلاقه.

قبر عاشق

أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أنشدنا أبو عمر محمد بن العباس عمن أنشده في أثر حكاية ذهبت علي وحفظت الشعر:

مررت بقبر مشرق وسط روضة ... عليه من النوار ثوب شقائق.

فقلت: لمن هذا؟ فجاوبني الثرى: ... ترحم عليه إنه قبر عاشق.

وفاة عزيز لا حياة ذليل

أخبرني أبو الخطاب أحمد بن المغيرة الأندلسي بدمشق لأبي العلاء أحمد بن سليمان وذكر لي أنه قرأ عليه ديوان الصبابة وقرأته جميعه بدمشق.

ولي من أثناء قصيدة له أولها:

أسالت أتي الدمع فوق أسيل، ... ومالت لظل بالعراق ظليل.

ومنها:

أسرت أخانا بالخداع، وإنه ... يعد، إذا اشتد الوغى، بقبيل.

فإن تطلقيه ترتجي شكر قومه، ... وإن تقتليه تؤخذي بقتيل.

وإن عاش لاقى ذلة، واختياره ... وفاة عزيز، لا حياة ذليل.

أجمل الناس وأقبحهم

أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين الوكيل، حدثنا أبو الحسين محمد بن عبد الله القطيعي، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال: خرج رجل من بين أسد في نشدان إبل له أضلاه، حتى إذا كان ببعض بلاد قضاعة، أمسى في عشية باردة، وقد رفعت له بيوت، فتفرس أيها أرجى أن يكون أمثل قرى، قال: فرأيت مظلة روحاء فأممتها، فإذا بامرأة من أكمل النساء حسنا، وآصلهن عقلا، فسلمت فردت ورحبت ثم قالت: ادخل من القر، وادن من الصلاة! فدخلت فلم ألبث أن أتيت بعشاء كثير، فأكلت وهي تحدثني، حتى إذا راحت الإبل إذا هنيء قد أقبل إليها كأنه بعرة دمامة وضؤولة شخص، وذد كان في حجرها ابن لها كأطيب الولدان وأحسنهم، فلما رأى ذلك الإنسان مقبلا هش إليه، وعدا في لقائه، فأخذ الصبي، فاحتمله ثم أقبل به يلثم فاه مرة وعينه أخرى، ويفديه. فقلت في نفسي: أظنه عبدا لهم، حتى جاء فجلس إلى جانبها، وقال: من ضيفكم هذا؟ فأخبرته، فعرفت أنه زوجها وأن الصبي ولده منها، فطفقت أنظر إليه تارة وإليها أخرى وأتعجب لاختلافهما، كأنها الشمس حسنا، وكأنه قرد قبحا، ففطن لنظري إليها وإليه، فقال: يا أخا بين أسد! ترى عجبا؟ قلت: أجل، وأبيك، إني لأرى عجبا معجبا.

قال: صدقت! تقول: أحسن الناس وآدم الناس. قلت: نعم، فليت شعري كيف أودم بينكما! قال: أخبرك كيف كان ذلك.

كنت سابع سبعة بينكما! قال: أخبرك كيف كان ذلك.

كنت سابع سبعة أخوة كلهم لو رأيتني معهم ظننتني عبدا لهم، وكان أبي وأخوتي يطرحونني، وكنت لكل عمل دنيء: للرواية مرة، ولرعاية الغنم أخرى، وكانت أخوتي هم أصحاب الإبل والخيل. فبينا أنا أرعى الإبل في عام جدب أشهب إذ ضل بعير منها، فقالوا لأبي: ابعث فلانا يبغيه! فدعاني فقال: اذهب فاطلب هذا البعير! فقلت: ما تنصفني أنت ولا بنوك. أما إذا الإبل درت ألبانها وطاب ركوبها، فهم أصحابها، وأما إذا ندت ضلالها، فأنا باغيها. فقال: يا لكع اذهب! أما والله إني لأظنه آخر أيامك من ضرب وجيع.

قال: وظننت أني مضروب، فعدت مضطهدا مجقورا خلق الثياب جائعا مقرورا، فطفت ليلة في بسابس ليس بها غريب، فبت، ثم أصبحت فغدوت حافيا، حتى دفعت مساء الليلة إلى مظلة، فإذا عجوز وسيمة خليقة للخير والسؤدد، في عشية بادرة ذات صر، ومعها هذه عدسة نفسها، وهي ابنتها، فأدخلتني العجوز، وأتتني بتمر وعلقتني هذه سخريا، وهزؤوا بي، وقالت: ما رأينا كالعشية قد فتى أجمل منك، ولا أجكم خلقا. فقلت: يا هذه جنبيني نفسك، فإني عن الباطل وأهله في شغل.

قالت: ويحك! هل لك أن تدخل هذا الستر علي، إذا نام الحي، فنتحدث وتمثلنا من أماثيلك هذه؟ فإنا نراها ملاحا. فغرني إبليس، لما شبعت من القرى، ودفئت من الصلى، وجاء أبوها وأخوتها مثل السباع، واضطجعوا أمام الخيمة، وأنا فيها، فلم يزل بي القدر المحتوم حتى نهضت لألج عليها الستر، فإذا هي نائمة، فهمزتها برجلي، فانتهت وقالت: من هذا؟ قلت: الضيف. قالت: إياك، فلا حيام الله.

قال الأسدي: وهي والله تصدف حياء من حديث زوجها صدوف المهرة العربية سمعت صلاصل لجامها. ثم قالت: لا حسن خبرك، اخرج لعنك الله!.

قال: فسقط في يدي، وعرفت أني لست في شيء، فخرجت لأهرب فزعا مذعورا فهاجني كليب لهم، مثل الفارس لا يطاف مرتبضه، وأرادأكلي، فأرهبته عني، ثم قالت: اذهب لا صحبك الله. فلما رجعت عاد الكلب إلي فرهقني، فجعلت أمشي القهقرى، وأرهبه لعصية معي، وهو يركبني بأجرامه، حتى شد علي شدة، فتعلقت أظفاره وأنيابه في مقدم مدرعة صوف علي، وأهويت من قبل عقبي في بئر، وهوى معي، فإذا وهو في قرارها، وقد الله تعالى، وقدر الله تعالى أنه لم يكن فيها ماء، فسمعت المرأة الوجبة، فأقبلت ومعها حبل حتى أشرفت علي، ثم أدلت الحبل فقالت: ارتق، لعنك الله! فلولا أن يقص أثري معك، غدوة، لوددت أنها قبرك.

قال: فتعلقت بالحبل وارتقيت حتى إذا كدت أن أتناول يدها تهور بها ما تحت قدميها من البئر، وبئر، إنما هي بئر حفر لا طي لها، فإذا أنا وهي والكلب في قرارها، ينبح في ناحية، وهي تبكي في ناحية، وتدعو بالبثور والفضيحة، وأنا منقبض في ناحية فقر برد جلدي على القتل، حتى إذا أصبحت أمها تفقدتها عند الصلاة فأتت أباها، فقالت: أتعلم أن ابنتك ليست ههنا؟ فقام، وكان قائفا عالما بالآثار، فتحدى أثري وأثرها، حتى تطلع في البئر، فإذا نحن فيها، فرجع سريعا، فقال لبنيه: أختكم وكلبكم وضيفكم في البئر.

قال: فتواثبوا فمن آخذ حجرا، ومن آخذ سيفا، ومن آخذ عصا، وهم يريدون أن يجعلوا البئر قبري وقبرها. فقال أبوها: مه! فإن ابنتي ليست بحيث تظنون. قال: فنزل أحدهم، فأخرجها وأخرج الكلب ثم أخرجوني، فقال أبوهم: إنكم إن قتلتم هذا الرجل طلبتم، وإن خليتموه افتضحتم، وقد رأيت أن أزوجه إياها، فلعمري! إنه ما يطعن في نسبه، وإنه لكفؤ، ثم علي، فقال: هل فيك خير؟ فلما وجدت ريح الحياة، كأنما كان على قلبي غطاء فانكشف، قلت: وأين الخير إلا عندي؟ حكمك! قال: خمسين بكرة وعبدا وأمة قلت: لك ما سألت، وإن شئت فازدد. قال: قد ملكتها، فانصرفت حتى آتي أبي، فلما رآني قال: لا مرحبا، ولا أهلا، فأين البعير؟ قلت: أربع عليك أيها الرجل تسمع الخبر، فإنما أنت محدث: كان من الأمر كيت وكيت، قال: ورويت بك زناد أبيك، إذا والله لا تسلم ولا تخذل، علي بالإبل.

فلما جاءت قال: اعتد حاجتك، فاعتددت منهن خمسين بكرة كأنهن العذارى، ودفع إلي عبدا وأمة مولدين، ثم ساق معي الإبل حتى أتيناهم، فدفعنا إليهم حقهم، واحتملنا صاحبتنا، وها هي هذه، جهدها أن تقول كذبت، فاعجب لذلك فعل ذهر، أي أكثر العجب.

لا يقبل الرشة

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني في ما أذن لنا في روايته: حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت منصور بن عبد الله يقول: دخل قوم على الشبلي في مرضه الذي مات فيه فقالوا: كيف تجدك يا أبا بكر؟ فأنشأ يقول:

إن سلطان حبه ... قال: لا أقبل الرشا.

فسلوه، فديته ... لم بقتلي تحرشا.

كيف يقتل الفاسق

أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي بن السواق، رحمه الله، حدثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا أبو عباد شيخ قديم قال: أدركت الخادم الذي كان يقوم على راس الحجاج، فقلت له: أخبرني بأعجب شيء رأيت من الحجاج؟ قال: كان أميرا على واسط، وكانت بواسط امرأة يقال: إنه لم يك بها في ذلك الوقت امرأة أجمل منها، فأرسل ابن أخيه إليها يريدها على نفسها مع خادم له، فأبت، وقالت: إن أردتني فاخطبني إلى أخوتي، وكان لها أخوة أربعة، فأبى وقال: لا! إلا كذا، وعاودها، فأبت إلا أن يخطبها إلى أخوتها، فأما حرام فلا، فأبى هو إلا الحرام، فأرسل إليها بهدية، فأخذتها فعزلتها، ثم أرسل إليها عشية جمعة أني آتيك الليلة، فقالت لأمها: إن الأمير قد بعث إلي بكذا وكذا، فأنكرت أمها ذلك، وقالت لأخوتها: إن أختكم قد زعمت كذا وكذا، فأنكروا ذلك وكذبوها، فقالت: إنه قد وعدني أن يأتيني الليلة، فسترونه.

فقعد أخوتها فيبيت حيال البيت الذي هو فيه، وفيه سراح، وهم يرون من يدخل إليها، وجويرية لها على باب الدار، قاعدة. حتى جاء الأمير فنزل عن دابته،وقال لغلامه: إذا أذن المؤذن في الغلس، فأتني بدابتي، ودخل، فمشت الجارية بين يديه، فقالت له: ادخل، فدخل وسيدتها على سرير مستلقية، فاستلقى إلى جانبها ثم وضع يده عليها، وقال: إلى كم هذا المطل؟ فقالت له: كف يدك يا فاسق، فدخل أخوتها عليها، ومعهم سيوف، فقطعوه، ثم لفوه في نطع، وجاؤوا به إلى سكة من سكك واسط، فألقوه فيها.

وجاء الغلام بالدابة فجعل يدق الباب دقا رفيقا وليس يكلمه أحد، فلما خشي الصبح، وأن تعرف الدابة، انصرف وأصبحوا، فإذا هم به، فأتوا له الحجاج، فأخذ أهل تلك السكة، فقال: أخبروني ما هذا. وما قصته؟ قالوا: لا نعلم ما حاله وما قصته. غير أنا وجدناه ملقى. ففطن الحجاج، فقال: علي بمن كان يخدمه. فأتي بذلك الخصي الذي كان الرسول. فقالوا: هذا كان صاحب سره. فقال له الحجاج: اصدقني! ما كان حاله وما فصته؟ فأبى، فقال له: إن صدقتني لم أضرب عنقك، وإن لم تصدقني فعلت بك، وفعلت. فأخبره الأمر على جهته، فأمر بالمرأة وأمها وأخوتها فجيء بهم، فعزلت المرأة عنهم، فسألها فأخبرته بمثل ما اخبر به الخصي، ثم سأل الأخوة على انفراد، فأخبروه بمثل ذلك، وقالوا: حن صنعنا به الذي ترى. فصرفهم وأمر برفيقه ودوابه وماله وكل قليل وكثير له أن يعطى للمرأة.

فقالت المرأة: عندي هديته التي وجه بها إلي. فقال: بارك الله لك فيها، وأكثر النساء مثلك، هي لك، وكل ما ترك من شيء فهو لك، فأعطاهما جميع ما ترك وخلى عنها وعن أخوتها، وقال: إن مثل هذا لا يدفن فألقوه للكلاب. ودعل بالخصي فقال: أما أنت فقد قلت لك إني لا أضرب عنقك، وأمر بضرب وسطه.

ميتا الحب

أخبرنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قراءة عليه في داره بالحريم الطاهري سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري، حدثنا أبو القاسم بإسناد له عن ابن الأشدق قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت شابا تحت الميزاب قد أدخل رأسه في كسائه، وهو يئن كالمحموم، فسلمت، فرد السلام، ثم قال: من أين؟ قلت: من البصرة. قال: ؟ أترجع إليها؟ قلت: نعم! قال: فإذا دخلت النباج، فاخرج إلي الحي، ثم ناد: يا هلال يا هلال، تخرج إليك جارية فتنشدها هذا البيت:

لقد كنت أهوى أن تكون منيتي ... بعينيك حتى تنظري ميت الحب.

ومات مكانه، فلما دخلت النباج أتيت الحي، فناديت: يا هلال يا هلال، فخرجت إلي جارية لم أر أحسن منها، وقالت: ما وراءك؟ قلت: شاب بمكة أنشدني هذا البيت. قالت: وما صنع؟ قلت: مات، فخرت مكانها ميتة.

إساءة الدنيا وإحسانها

أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن النوخي بقراءتي عليه، أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الرماني النحوي، حدثنا أبو بكر بن دريد: أنشدنا عبد الرحمن عن عمه:

رويدك يا قمري! لست بمضمر ... من الشوق إلا دون ما أنا مضمر.

ليكفك أن القلب مذ أن تنكرت ... أسيماء عن معروفه متنكر.

سقى الله أياما خلت ولياليا، ... فلم يبق إلا عهدها المتذكر.

لئن كانت الدنيا أجدت إساءة، ... لما أحسنت في سالف الدهر أكثر.

عيون وخدود

أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن أيضا، أخبرنا علي بن عيسى الرماني قال: أخبرنا ابن دريد أنشدنا عبد الرحمن عن عمه لأبي المطرب العنبري:

أيا بارقي مغنى بثينة أسعدا ... فتى مقصدا بالشوق فهو عميد.

ليالي منا زائر متهالك، ... وآخر مشهور كواه صدود.

على أنه مهدي السلام وزائر ... إذا لم يكن ممن يخاف شهود.

وقد كان في مغنى بثينة لو رنت ... عيون مها تبدو لنا وخدود.

جسم ناحل وعظام

أخبرنا أبو الحسين احمد بن التوزي، أخبرنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، حدثنا أبو بكر بن الأنباري، أخبرن ابي: أنشدنا احمد بن عبيد:

ألا مسعف من بعد ناء وشقة ... برام، وأعلام بسفح برام.

أقام به قلبي وراحت مطيتي ... بأشلاء جسم ناحل وعظام.

قال أبو بكر: الأشلاء جمع شلو، وهو العضو.

موت جميل بثينة

أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس قال، حدثنا أبو الحسين عبيد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن خلف، حدثنا أبو بكر العامري، أخبرني أبو الحسن بن محمد بن أبي سيف، أخبرني أبو عبد الرحمن العجلاني عن سهل بن سعد الساعدي قال: بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل تعوده، فإنه ثقيل بالمرض؟ قلت: نعم! فدخلنا عليه، وهو يجود بنفسه، وما يخيل إلي أن الموت علق به، فنظر إلي وقال: يا ابن سعد! ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب خمراقط، ولم يسفك دما حراما قط، يشهد أن لا إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، منذ خمسين سنة.

قال: قلت: من هذا الرجل؟ فإني أظنه، والله، قد نجا، لن الله تعالى يقول: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما.

قال: أنا. قال: فقلت: والله ما رأيت كاليوم أعجب من هذا، وأنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة.

قال: أنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، وإن كان أكثر ما كان مني إليها أني كنت آخذ يدها أضعها على قلبي، فأستريح إليها.

قال: ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال:

صدع النعي وما كنى بجميل، ... وثوى بمصر ثواء غير قفول.

ولقد أجر الذيل في وادي القرى، ... نشوان بين مزارع ونخيل.

قومي بثينة، فاندبي بعويل، ... وابكي خليلك دون كل خليل.

ثم أغمي عليه فمات.

غشية تجيء وأخرى تذهب

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن يوسف العلاف بقراءتي عليه، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين، حدثنا جعفر بن محمد، حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، حدثنا علي القمي، حدثني أبو المصعب المديني قال: دخلت على الربيع بن عبيد، وكان قد أخذته زمعة الحب، وتيم عقله، فكان يصيبه كالغفلة حتى يذهب عقله، فسمعته وهو يخاطب نفسه، ويقول:

الحب لو قطعني ... ما قلت للحب ظلم.

قد كنت خلوا، زمنا، ... فاليوم يبدو ما كتم.

قال: قلت كيف أنت برحمك الله؟ فقال: من أنت؟ فقلت: أنا أخوك أبو المصعب. قال: غشية تجيء، وأخرى تذهب، وأنا أتوقع الموت ما بين ذلك. قلت: الله بينك وبين من ظلمك. قال: مه، والله ما أحب أن يناله مكروه في الدنيا ولا في الآخرة! ثم تنفس حتى رحمته، وهمت دموعه، وذهب عقله، فقمت عنه.

الهم الملازم

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري في ما أذن لنا أن نرويه عنه، أخبرنا أبو القاسم طلحة بن محمد الشاهد، أخبرنا أبو عبد الله الحرمي بن أبي العلاء وهو أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي الخمصة الغطفاني المكي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني محمد بن حسن: أنشدني محرز بن جعفر لعبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي:

غراب وظبي أعصب القرن باديا، ... بصرم، وصردان العشي تصيح.

لعمري لئن شطت بعتمة دارها، ... لقد كنت من وشك الفراق أليح.

أروح بهم، ثم أغدو بمثله، ... ويحسب أني في الثياب صحيح.

الفتى المشدود بالحبل

ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز ونقلته منخطه أن أبا بكر محمد بن خلف المحولي حدثهم قال: حدثنا يحيى بن جعفر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة الأخنس عن الزهري عن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه قال: كنت في خيل خالد بن الوليد فقال لي فتى منهم، وهو في سني، قد جمعت يداه إلى عنقه برمة، ونسوة مجتمعات غير بعيدات عنه: يا فتى! قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة ومدنيني من هؤلاء النسوة، فأقضي إليهن حاجة، ثم تردني، فتفعل ما بدا لك؟ قال: قلت والله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته حتى وقفته، فقال: إسلم حبيش على بعد العيش، وذكر الحديث.

حكاية سلم حبيش على بعد العيش

ذكر أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزاز، ونقلته من خطه، أن أبا بكر محمد خلف بن المرزبان حدثهم قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الكوفي، حدثنا الهيثم بن عدي، حدثني سعيد بن شيبان عن أبي مسعود الأسلمي عن أبيه قال: نشأ فينا غلام يقال له عبد الله بن علقمة، وكان جميلا، فهوي جارية من غير فخذه، يقال لها حبيشة، فكان يأتيها، ويتحدث إليها. قال: فخرج ذات يوم من عندها، ومعه أمه، فراى في طريقه ظبية على رابية، فأنشأ يقول:

يا أمنا خبرينا، غير كاذبة، ... ولا تشوبي سؤول الخير بالكذب.

حبيش أحسن أم ظبي برابية، ... لا بل حبيشة من در ومن ذهب.

انصرف من عندها مرة أخرى، فأصابته السماء، فأنشأ يقول:

وما أدري، إذا أبصرت يوما، ... أصوب القطر أحسن أم حبيش.

حبيش، والذي خلق البرايا ... على أن ليس عند حبيش عيش.

فلما كثر ذلك منه وشهر بها، قال قومه لأمه: إن هذا الغلام يتيم، وإن أهل هذه المرأة يرغبون بأنفسهم عنكم، فانظري جارية ن قومك ممن لا تمتنع عليك، فزينيها واعرضيها عليه لعله يتعلقها ويسلى، ففعلت، وحضرها نساؤها، فجعلوا يعرون عليه نساء الحي، ثم يقولون له: يا عبد الله! كيف ترى؟ فيقول: إيها، والله حسناء، إلى ان قال قائل: أهي أحسن أم حبيشة؟ فقال: مرعى ولا كالسعدان.

فلما يئسوا من أن ينصرف عنها، قال بعضهم لبعض: عليكم بحبيشة، وطمعوا أن ياتوا الأمر من قبلها، فقالوا: والله لئن أتاك، لا تزرين به، وتتجهمينه، وتقولين له: أنت أبغض الناس إلي، فلا تقربني، ونحن بمرأى منك ومسمع، ليفعلن بك ما يسوءك، فأتاها، فلم تكلمه بشيء مما قالوا، ولم تزد على أن نظرت إليه، ونظر إليها، ثم أرسلت عينيها بالبكى، فانصرف عنها، وهو يقول:

وما كان حبي عن نوال بذلته ... وليس بمسلي التجهم والهجر.

سوى أن دائي منك داء مودة، ... قديما، ولم يمزج كما تمزج الخمر.

وما أنس مل أشياء لا أنس دمعها ... ونظرتها حتى يغيبني القبر.

فبينما هما على أشد ما كانا عليه من الهوى والصبوة،إذ هجم عليهم جيش خالد بن الوليد يوم الغميصاء، فأخذ الغلام رجل من أصحاب خالد، فأراد قتله، فقال له: ألمم بي أهل تلك البيوت أقضي إليهن حاجة، افعل ما بدا لك.

قال: فأقبلت به حتى انتهى إلى خيمة منها، فقال: إسلم حبيش بعد انقطاع العيش، فأجابته فقالت: سلمت وحياك الله عشرا، وتسعا وترا، وثلاثا تترى، فلم أر مثلك يقتل صبرا. وخرجت تشتد، وعليها خمار أسود، وقد لاثته على رأسها، وكان وجهها مثل القمر ليلة البدر، فقال حين نظر إليها:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... ببرزة، أو إن لم تفتني الحرانق.

أما كان حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى وهو راهق.

فإني لا سرا لدي أضعته، ... ولا راق عيني بعد وجهك رائق.

على أن ما بات العشية شاغل، ... فلا ذكر إلا أن تكون توامق.

فها أنا ماسور لديك مكبلن ... وما أنا بعد اليوم بالعتب ناطق.

فأجابته:

أرى لك أسبابا أظنك مخرجا ... بها النفس من جنبي والروح زاهق.

فأجابها فقال:

فإن يقتلوني، يا حبيش، فلم يدع ... هواك لهم مني سوى غلة الصدر.

وأنت التي قفلت جلدي على دمي ... وعظمي وأسبلت الدموع على النهر.

فأجابته فقالت:

ونحن بكينا من فراقك مرة، ... وأخرى، وقايسنا لك العسر باليسر.

فأنت فلا تبعد، فنعم أخو الندى، ... جميل المحيا في المروءة والبشر.

قال الذي أخبر به: فلم سمعت ذلك منهما أدركتني الغيرة، فضربته ضربة، فقطعت منها يده وعنقه، فلما رأته قد سقط قالت لي: ائذن لي أن أجمع بعضه إلى بعض، فأذنت لها، فجمعته وجعلت تمسح التراب عن وجهه بخمارها وتبكي، ثم شهقت شهقة خرجت منها نفسها.

موت عروة بن حزام

قال أبو بكر بن المرزبان وأخبرنا أحمد بن زهير، أخبرنا الزبير بن بكار، أخبرنا أبي قال: قال عروة بن الزبير: مررت بوادي القرى فقيل لي: هل لك في عروة بن حزام؟ فقلت: الذي يلقى من الحب ما يلقى؟ قالوا: نعم! فخرجت حتى جئته، فإذا هو في بيت منفرد عن البيوت، وإذا، والله، حوله أخوات له أمثال التماثيل، وأمه وخالته. قال: فقلت له: أنت عروة؟ قال: نعم! قلت: صاحب عفراء؟ قال: صاحب عفراء، ثم استوى قاعدا فقال:وأنا الذي أقول:

وعينان ما أوفيت نشزا فتنظرا ... بما فيهما إلا هما تكفان.

ألا فاحملاني، بارك الله فيكما، ... إلى حاضر البلقاء ثم ذراني.

ثم التفت إلى أخواته فقال:

من كان من أمهاتي باكيا أبدا، ... فاليوم إني أراك اليوم مقبوضا.

من كان يلحو فإني غير سامعه، ... إذا علوت رقاب القوم معروضا.

قال عروة بن الزبير: فلما سمعن قوله برزن والله يضربن حر الوجوه، ويشقنقن جيوبهن. قال عروة: فقمت، فما وصلت إلى منزلي حتى لحقني رجل فقال: قد مات.

قصة عروة وعفراء

نقلت من خط ابن حيويه: حدثنا أبو بكر بن المرزبان، حدثني أبو العباس فضل بن محمد اليزيدي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، أخبرني لقيط بن بكر المحاربي.

أن عروة بن حزام وعفراء ابنة مالك العذريين، وهما بطن من عذرة، يقال لهم بنو هند بن حزام بن ضبة بن عبد بكير بن عذرة، نشأا جميعا فعلقها علاقة الصبي، وكان عروة يتيما في حجر عمه، حتى بلغ، فكان يسأل عمه أن يزوجه عفراء فيسوفه، إلى أن خرجت عير لأهله إلى الشام وخرج عروة إليها، ووفد على عمه ابن عم له من البلقاء يريد الحج، فخطبها، فزوجها إياه.

وأقبل عروة في عيره حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلة من نحو المدينة فيها امرأة على جمل أحمر، فقال لأصحابه: والله، إنها شمائل عفراء، فقالوا: ويحك! ما تترك ذكر عفراء لشيء؟ قال: وجاء القوم، فلما دنوا منه وتبين الأمر يبس وبقي قائما لا يتحرك، ولا يحير كلاما،ولا يرجع جوابا، حتى بعد القوم، فذلك حيث يقول:

وإني لتعروني لذكراك رعدة، ... لها بين جلدي والعظام دبيب.

فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب.

فقلت لعراف اليمامة: داوني، ... فإنك إن أبرأتني لطبيب.

فما بي من حمى ولا مس جنة، ... ولكن عمي الحميري كذوب.

قال أبو بكر: وعراف اليمامة هذا الذي ذكره عروة وغيره من الشعراء، هو رياح بن راشد ويكنى أبا كحيلة، وهو عبد لبني يشكر، تزوج مولاه امرأة من بني الأعرج، فساقه في مهرها ثم ادعى بعد نسبا في بني الأعرج.

ثم إن عروة انصرف إلى أهله واخذه البكاء والهلاس حتى نحل، فلم يبق منه شيء، فقال بعض الناس: هو مسحور، وقال قوم: بل به جنة! وقال آخرون: بل هو موسوس، وإن بالحاضر من اليمامة لطبيبا يداوي من الجن، وهو أطب الناس، فلو أتيتموه، فلعل الله يشفيه، فساروا إليه من أرض بني عذرة حتى داواه، فجعل يسقيه السلوان، وهو يزداد سقما، فقال له عروة: يا هناه! هل عندك للحب دواء أو رقية؟ فقال: لا والله. فانصرفوا حتى مروا بطبيب بحجر، فعالجه وصنع به مثل ذلك، فقال له عروة: والله ما دائي ودوائي إلا شخص بالبلقاء مقيم، فهو دائي، وعنده دوائي.

وفي غير هذه الرواية: شخص بالبلقاء مقيم هو وراني، أي أمرضني وهزلني، والورى داء يكون في الجوف مثل القرحة والسل.

قال سحيم عبد بني الحسحاس:

وراهن ربي مثل ما قد ورينني، ... وأحمى على أكبادهن المكاويا.

رجع الحديث قال: فانصرفوا به، فأنشأ يقول عند انصرافهم به:

جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني.

فقالا: نعم! نشفي من الداء كله، ... وقاما مع العواد يبتدران.

فما تركا من رقية يعلمانها، ... ولا سلوة إلا وقد سقياني.

فقالا: شفاك الله، والله ما لنا ... بما ضمنت منك الضلوع يدان.

قال: فلما قدم على أهله، وكان له أخوات أربع ووالدة وخالة، فمرض دهرا، فقال لهن يوما، اعلمن أني لو نظرت إلى عفراء نظرة ذهب وجعي، فذهبن به حتى نزلوا البلقاء مستخفين، فكان لا يزال يلم بعفراء، وينظر إليها، وكانت عند رجل كريم سيد كثير المال والغاشية.

فبينا عروة يوما بسوق البلقاء، إذ لقيه رجل من بني عذرة فسأله عن حاله ومقدمه، فأخبره. قال: والله لقد سمعت انك مريض، وأراك قد صححت. فلما أمسى الرجل دخل على زوج عفراء فقال: متى قدم عليكم هذا الكلب الذي قد فضحكم؟ فقال زوج عفراء: أي كلب هو؟ قال: عروة! قال: أوقد قدم؟ قال: نعم! قال: أنت والله أولى بها منه أن تكون كلبا، ما علمت بقدومه، ولو علمت لضممته إلي.

فلما أصبح غدا يستدل عليه حتى جاءه، فقال: قدمت هذا البلد، ولم تنزل بنا، ولم تر أن تعلمنا بمكانك فيكون منزلكم عندنا وعلي، إن كان لكم منزل إلا عندي. قال: نعم! نتحول إليك الليلة، أو في غد. فلما ولى قال عروة لأهله: قد كان ما ترون، وإن أنتم لم تخرجوا معي لأركبن رأسي ولألحقن بقومكم، فليس علي بأس. فارتحلوا وركبوا طريقهم، ونكس عروة ولم يزل مدنفا، حتى نزل وادي القرى.

وروى العمري عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين أن عفراء لما بلغها وفاة عروة قالت لزوجها: يا هناه! قد كان من أمر هذا الرجل ما بلغك، والله ما كان ذلك إلا على الحسن الجميل، وإنه قد بلغني أنه مات في أرض غربة، فغن رأيت أن تأذن لي فأخرج في نسوة من قومي فيندبه ويبكين عليه. فقال: إذا شئت، فأذن لها، فخرجت، وقالت ترثيه:

ألا أيها الركب المخبون ويحكم! ... بحق نعيتم عروة بن حزام.

فلا هنئ الفتيان بعدك غارة، ... ولا رجعوا من غيبة بسلام.

فقل للحبالى لا ترجين غائبا، ... ولا فرحات بعده بغلام.

قال: ولم تزل تردد هذه الأبيات وتبكي حتى ماتت، فدفنت إلى جابنه، فبلغ الخبر معاوية، فقال: لو علمت بهذين الشريفين لجمعت بينهما.

وقد روي مثل هذا الكلام عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا، حدثنا العيشي عن أبيه قال: لما زوجت عفراء جعل عروة يضع صدره في أعطان إبلها، وحيث كانت تجلس، فقيل له: اتق الله، فإن هذا غير نافعك، فأنشأ يقول:

بي اليأس، أو داء الهيام سقيته، ... فإياك عني لا يكن بك ما بيا.

الهجران إثم

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الحوهري، حدثنا أبو القاسم طلحة، حدثنا الجرمي بن أبي العلاء، حدثني الزبير، حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبدي بن أبي سلمة: أنشدني جدي يوسف بن الماجشون لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم، ... ولامك أقوام، ولومهم ظلم.

ونم عليك الكاشحون، وقبلهم ... عليك الهوى قد نم لو نفع النم.

وزادك إغراء بها طول هجرها، ... قديما، وأبلى لحم أعظمك الهم.

فأصبحت كالهندي، إذ مات حسرة ... على إثر هند، أو كمن سقي السم.

ألا من لنفس لا تموت فينقضي ... عناها، ولا تحيا حياة لها طعم.

تجنبت إتيان الحبيب تأثما، ... ألا إن هجران الحبيب هو الإثم.

فذق هجرها، قد كنت تزعم أنه ... رشاد، ألا يا ربما كذب الزعم.

مصطبران على البلوى

أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ، أخبرنا أبو الحسين بن روح النهرواني حدثنا المعافى بن زكريا: أخبرنا محمد بن يحيى الصولي عن أحمد بن يحيى أنه أنشد:

هوى ناقتي خلفي، وقدامي الهوى، ... وإني وإياها لمختلفان.

هواي عراقي وتثني زمامها، ... كبرق سرى بعد الهدوء يماني.

تحن وأبكي، إنها لبلية، ... وإنا على البلوى لمصطبران.

فضل الشاعرة

أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي إجازة، أخبرنا القاضي أبو عمر أحمد بن محمد بن العلاف، اخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثني محرز الكاتب، أخبرني يحيى بن الخصيب قال: كنت عند فضل الشاعرة إذ استأذن عليها إنسان فأذنت له، وقالت: ما حاجتك؟ قال: تجيزين مصراع بيت من شعر. قالت: ما هو؟ قال:

من لمحب أحب في صغره ... فصار أحدوثة على كبره.

فقالت:

من نظر شفه وأرقه، ... فكان مبدا هواه من نظره.

لولا الأماني لمات من كمد، ... مر الليالي يزيد في ذكره.

ما إن له مسعد فيسعده ... بالليل في طوله وفي قصره.

شهقة الموت

قال محمد بن المرزبان، ونقلته من خط ابن حيويه عنه، قال: أخبرني بعض أصحاب المدايني اخبرنا المدايني، أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: كان بالمدينة رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف، وكان شاعرا، وكانت عنده ابنة عم له، وكان لها عاشقا، وبها مستهترا، فضاق ضيقة شديدة، وأراد المسير إلى هشام إلى الرصافة، فمنعه من ذلك ما كان يجد بها وكره فراقها، فقالت له يوما، وقد بلغ منها الضيق: يا ابن عمي! ألا تأتي الخليفة لعل الله تعالى أن يقسم لك منه رزقا، فنكشف به بعض ما نحن فيه. فلما سمع ذلك منها نشط للخروج، فتجهز، ومضى، حتى إذا كان من الرصافة على أميال خطر ذكرها بقلبه، وتمثلت له، فلبث ساعة شبيها بالمغمى عليه، ثم أفاق، فقال للجمال: احبس، فحبس إبله، فأنشأ يقول:

بينما نحن في بلاكث فالقا ... ع سراعا، والعيس تهوي هويا.

خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك، وهنا، فما أطقت مضيا.

قلت: لبيك، إذ دعاني لك الشو ... ق، وللحاديين ردا المطيا.

فكررنا صدور عيس عتاق، ... مضمرات، طوين بالسير طيا.

ذاك مما لقين من دلج السي ... ر، وقول الحداة، بالليل، هيا.

ثم قال للجمال: ارجع بنا! فقال له: سبحان الله، قد بلغت طيتك! هذه أبيات الرصافة. فقال: والله لا تخطو غلا راجعة، فرجع، حتى إذا كان من المدينة على قدر ميل لقيه بعض بني عمه، فأخبره أن امرأته قد توفيت، فشهق شهقة، وسقط عن ظهر البعير ميتا.