المجلد الثاني - غزوة القردة

غزوة القردة

قال الواقدي: وفي جمادى الآخرة من هذه السنة، كانت غزوة القردة وكان أميرهم - فيما ذكر - زيد بن حارثة، قال: وهي أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميراً.

قال أبو جعفر: وكان من أمرها ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: سرية زيد بن حارثة التي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حين أصاب عير قريش، فيها أبو سفيان بن حرب، على القردة، ماء من مياه نجد. قال: وكان في حديثها أن قريشاً قد كانت خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان، فسلكوا طريق العراق، فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة؛ وهي عظم تجارتهم، واستأجروا رجلاً من بكر بن وائل يقال له فرات بن حيان، يدلهم على ذلك الطريق، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجزه الرجال، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: وأما الواقدي، فزعم أن سبب هذه الغزوة كان أن قريشاً قالت: قد عور علينا محمد متجرنا وهو على طريقنا. وقال أبو سفيان وصفوان بن أمية: إن أقمنا بمكة أكلنا رءوس أموالنا. قال أبو زمعة بن الأسود: فأنا أدلكم على رجل يسلك بكم النجدية، لو سلكها مغمض العينين لا هتدى. قال صفوان: من هو ؟ فحاجتنا إلى الماء قليل؛ إنما نحن شاتون. قال: فرات بن حيان؛ فدعواه فاستأجراه؛ فخرج بهم في الشتاء، فسلك بهم على ذات عرق، ثم خرج بهم على غمرة، وانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبر العير وفيها مال كثير، وآنية من فضة حملها صفوان بن أمية؛ فخرج زيد بن حارثة، فاعترضها، فظفر بالعير، وافلت أعيان القوم؛ فكان الخمس عشرين ألفاً، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم الأربعة الأخماس على السرية، وأتى بفرات بن حيان العجلي أسيراً، فقيل: إن أسلمت لم يقتلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم، فأرسله.

مقتل أبي رافع اليهودي

قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان مقتل أبي رافع اليهودي - فيما قيل - وكان سبب قتله، أنه كان - فيما ذكر عنه - يظاهر كعب بن الأشرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجه إليه - فيما ذكر - رسول الله صلى الله عليه وسلم في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة عبد الله بن عتيك، فحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثني إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي - وكان بأرض الحجاز - رجالاً من الأنصار، وأمر عليهم عبد الله بن عقبة - أو عبد الله بن عتيك - وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغي عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، قال لهم عبد الله بن عقبة - أو عبد الله بن عتيك: اجلسوا مكانكم، فإني أنطلق وأتلطف للبواب، لعلي أدخل ! قال: فأقبل حتى إذا دنا من الباب، تقنع بثوبه؛ كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب. يا عبد الله، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب.

قال: فدخلت فكمنت تحت آري حمار؛ فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأقاليد على ود. قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده في علالى؛ فلما ذهب عنه أهل سمره، فصعدت إليه فجعلت كلما فتحت باباً أغلقته علي من داخل. قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله. قال: فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله؛ لا أدري أين هو من البيت ! قلت: أبا رافع ! قال: من هذا ؟ قال: فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش فما أغنى شيئاً وصاح؛ فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد. ثم دخلت إليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟ قال: لأمك الويل ! إن رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه فأثخنه ولم أقتله. قال: ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه، حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أنى قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب باباً فباباً، حتى انتهيت إلى درجة؛ فوضعت رجلي، وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض؛ فوقعت في ليلة مقمرة؛ فانكسرت ساقي، قال: فعصبتها بعمامتي، ثم إني انطلقت حتى جلست عند الباب، فقلت: والله لا أبرح الليلة حتى أعلم: أقتلته أم لا ؟ قال: فلما صاح الديك، قام الناعي عليه على السور، فقال: أنعي أبا رافع رباح أهل الحجاز ! قال: فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء ! قد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثته فقال: ابسط رجلك، فبسطتها فمسحها فكأنما لم أشتكها قط.

قال أبو جعفر: وأما الواقدي؛ فإنه زعم أن هذه السرية التي وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق إنما وجهها إليه في ذي الحجة من سنة أربع من الهجرة، وأن الذين توجهوا إليه فقتلوه، كانوا أبا قتادة، وعبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، والأسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس .

وأما ابن إسحاق، فإنه قص من قصة هذه السرية ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه، كان سلام بن أي الحقيق - وهو أبو رافع - ممن كان حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق؛ وهو بخيبر، فأذن لهم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عن محمد مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار: الأوس والخزرج؛ كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين؛ لاتصنع الأوس شيئاً فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام؛ فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها. قال: وإذا فعلت الخزرج شيئاً، قالت الأوس مثل ذلك.

فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت الخزرج: لا يذهبون فيها فضلاً علينا أبداً. قال: فتذاكروا: من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف ! فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر؛ فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم؛ فخرج إليه من الخزرج ثم من بنى سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن الأسود؛ حليف لهم من أسلم؛ فخرجوا، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة.

فخرجوا حتى قدموا خيبر؛ فأتوا دار ابن أبي الحقيق ليلاً؛ فلم يدعوا بيتاً في الدار إلا أغلقوه من خلفهم على أهله، وكان في علية له إليها عجلة رومية، فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم ؟ فقالوا: نفرٌ من العرب نلتمس الميرة، قالت: ذاك صاحبكم فادخلوا عليه، فلما دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة، وتخوفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته، ونوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا؛ والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه؛ كأنه قبطية ملقاة. قال: ولما صاحت بنا امرأته، جعل الرجل منا يرفع عليها السيف ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيكف يده؛ ولولا ذاك فرغنا منها بليلٍ، فلما ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني ! قال: ثم خرجنا، وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر؛ فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثئاً شديداً واحتملناه حتى نأتي به منهراً من عيونهم، فندخل فيه. قال: وأوقدوا النيران، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا؛ حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه؛ وهو يقضي بينهم. قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات ! فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس، قال فوجدته ورجال يهود عنده، وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه. ثم قالت تحدثهم وتقول: أما والله لقد عرفت صوت ابن عتيك؛ ثم أكذبت، فقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد ! ثم أقبلت عليه لتنظر في وجهه. ثم قالت: فاظ وإله اليهود !قال: يقول صباحنا؛ فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله؛ وكلنا يدعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاتوا أسيافكم، فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. فقال حسان بن ثابت؛ وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وسلام ابن أبي الحقيق:

 للـه در عـصـابةٍ لاقـيتـهـم               يا بن الحقيق وأنت يابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إلـيكـم        مرحاً كأسدٍ في عرينٍ مغـرف
حتى أتوكم في محـل بـلادكـم         فسقوكم حتفاً بـبـيض ذفـف
مستبصرين لنصر دين نـبـيهـم         مستضعفين لكل أمرٍ مجحـف

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي وعباس بن عبد العظيم العنبري، قالا: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، أن أباه حدثه عن أمه ابنة عبد الله بن أنيس، أنها حدثته عن عبد الله بن أنيس، أن الرهط الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبي الحقيق ليقتلوه: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة، وحليف لهم، ورجل من الأنصار؛ وأنهم قدموا خيبر ليلاً.

قال: فعمدنا إلى أبوابهم نغلقها من خارج، ونأخذ المفاتيح، حتى أغلقنا عليهم أبوابهم، ثم أخذنا المفاتيح فألقيناها في فقير، ثم جئنا إلى المشربة التي فيهخ ابن أبي الحقيق، فظهرت عليها أنا وعبد الله بن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط، فاستأذن عبد الله بن عتيك؛ فقالت امرأة ابن أبي الحقيق: إن هذا لصوت عبد الله بن عتيك. قال ابن أبي الحقيق: ثكلتك أمك !عبد الله بن عتيك بيثرب؛ أين هو عندك هذه الساعة ! افتحي لي؛ إن الكريم لا يرد عن بابه هذه الساعة .فقامت ففتحت. فدخلت أنا وعبد الله على ابن أبي الحقيق ، فقال عبد الله بن عتيك: دونك، قال: فشهرت عليها السيف، فأذهب لأضربها بالسيف فأذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان، فأكف عنها، فدخل عبد الله بن عتيك على ابن أبي الحقيق. قال: فأنظر إليه في مشربة مظلمة إلى شدة بياضه، فلما رآني ورآى السيف، أخذ الوسادة فاتقاني بها، فأذهب لأضربه فلا أستطيع، فوخزته بالسيف وخزاً.

ثم خرج إلى عبد الله بن أنيس ، فقال: أقتله ؟ قال: نعم، فدخل عبد الله بن أنيس فذفف عليه. قال: ثم خرجت إلى عبد الله بن عتيك؛ فانطلقنا، وصاحت المرأة: وابياتاه وابياتاه ! قال: فسقط عبد الله بن عتيك في الدرجة، فقال: وارجلاه وارجلاه ! فاحتمله عبد الله بن أنيس؛ حتى وضعه إلى الأرض. قال :قلت: انطلق ليس برجلك بأس. قال: فانطلقنا، قال عبد الله بن أنيس: جئنا أصحابنا فانطلقنا، ثم ذكرت قوسي أنى تركتها في الدرجة؛ فرجعت إلى قوسي؛ فإذا أهل خيبر يموج بعضهم في بعض؛ ليس لهم كلام إلا من قتل ابن أبي الحقيق ؟ من قتل ابن أبي الحقيق ؟ قال: فجعلت لا أنظر في وجهي إنسان، ولا ينظر في وجه إنسان إلا قلت: من قتل ابن أبي الحقيق ؟ قال: ثم صعدت الدرجة؛ والناس يظهرون فيها؛ وينزلون؛ فأخذت قوسي من مكانها، ثم ذهبت فأدركت أصحابي، فكنا نكمن النهار ونسير الليل؛ فإذا كمنا بالنهار أقعدنا منا ناطوراً ينظر لنا؛ فإن رأى شيئاً أشار إلينا؛ فانطلقنا حتى إذا كنا بالبيضاء كنت - قال موسى : أنا ناطرهم ، وقال عباس : كنت أنا ناطرهم - فأشرت إليهم فذهبوا جمزاً وخرجت في آثارهم ، حتى إذا اقتربنا من المدينة أدركتهم، قالوا: ما شأنك ؟ هل رأيت شيئاً ؟ قلت: لا، إلا أني قد عرفت أن قد بلغكم الإعياء والوصب، فأحببت أن يحملكم الفزع.

قال أبو جعفر: وفي هذه السنة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ينت عمر في شعبان؛ وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي في الجاهلية، فتوفي عنها.

وفيها كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً؛ وكانت في شوال يوم السبت لسبع ليالٍ خلون منه - فيما قيل - من سنة ثلاث من الهجرة.