المجلد السابع - ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزاب

ذكر هزيمة مروان بن محمد بموقعة الزّاب

وفي هذه السنة هزم مروان بن محمد بالزّاب.

ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها وكيف كان ذلك

ذكر عليّ بن محمد أن أبا السريّ وجبلة بن فرّوخ والحسن بن رشيد وأبا صالح المروزيّ وغيرهم أخبروه أن أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي وجّهه قحطبة إلى شهرزور من نهاوند، فقتل عثمان بن سفيان، وأقام بناحية الموصل، وبلغ مروان أن عثمان قد قتل، فأقبل من حرّان، فنزل منزلاً في طريقه، فقال: ما اسم هذا المنزل؟ قالوا: بلوى، قال: بل علوى وبشرى. ثم أتى رأس العين، ثم أتى الموصل، فنزل على دجلة، وحفر خندقاً فسار إليه أبو عون، فنزل الزّاب، فوجّه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى والمنهال بن فتّان وإسحاق بن طلحة؛ كلّ واحد في ثلاثة آلاف؛ فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين وعبد الله الطائيّ في ألف وخمسمائة وعبد الحميد بن ربعيّ الطائيّ في ألفين، ووداس بن نضلة في خمسمائة إلى أبي عون. ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ فقال عبد الله بن عليّ: أنا، فقال: سر على بركة الله، فسار عبد الله بن عليّ، فقدم على أبي عون، فتحوّل له أبو عون عن سرادقه وخلاّه وما فيه، وصيّر عبد الله بن عليّ على شرطته حيّاش بن حبيب الطائييّ، وعلى حرسه نصير بن المحتفز، ووجّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلاً على البريد إلى عبد الله بن عليّ، فلما كان لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، سأل عبد الله بن عليّ عن مخاضة، فدلّ عليها بالزّاب، فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان، فقاتلهم حتى أمسوا، ورفعت لهم النيران فتحاجزوا، ورجع عيينة فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله ابن عليّ؛ فأصبح مروان فعقد الجسر، وسرّح ابنه عبد الله يحفر خندقاً أسفل من عسكر عبد الله بن عليّ، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غفار في أربعة آلاف، فأقبل حتى نزل على خمسة أميال من عسكر عبد الله بن عليّ، فسرّح عبد الله بن مروان إليه الوليد بن معاوية، فلقي المخارق، فانهزم أصحابه، وأسروا، وقتل منهم يومئذ عدّة، فبعث بهم إلى عبد الله، وبعث بهم عبد الله إلى مروان مع الرءوس، فقال مروان: أدخلوا عليّ رجلاً من الأسارى، فأتوه بالمخارق - وكان نحيفاً - فقال: أنت المخارق؟ فقال: لا، أنا عبد من عبيد أهل العسكر، قال: فتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر في هذه الرءوس هل تراه؟ فنظر إلى رأس منها، فقال: هو هذا، فخلّى سبيله، فقال رجل مع مروان حين نظر إلى المخارق وهو لا يعرفه: لعن الله أبا مسلم حين جاءنا بهؤلاء يقاتلنا بهم! قال عليّ: حدثنا شيخ من أهل خراسان قال: قال مروان للمخارق: تعرف المخارق إن رأيته؟ فإنهم زعموا أنه في هذه الرءوس التي أتينا بها، قال: نعم، قال: اعرضوا عليه تلك الرءوس، فنظر فقال: ما أرى رأسه في هذه الرءوس، ولا أراه إلاّ وقد ذهب، فخلّى سبيله. وبلغ عبد الله بن علّ انهزام المخارق، فقال له موسى بن كعب: اخرج إلى مروان قبل أن يصل الفلّ إلى العسكر، فيظهر ما لقي المخارق. فدعا عبد الله بن عليّ محمد بن صول، فاستخلفه على العسكر، وسار على ميمنته أبو عون، وعلى ميسرة مروان الوليد بن معاوية، ومع مروان ثلاثة آلاف من المحمرة ومعه الذكوانية والصحصحية والرّاشدية، فقال مروان لما التقى العسكران لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم؛ وإن قاتلونا قبل الزوال؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأرسل مروان إلى عبد الله بن عليّ يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، ولا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله. فقال مروان لأهل الشأم: قفوا لا تبدءوهم بقتال؛ فجعل ينظر إلى الشمس، فحمل الويد بن معاوية بن مروان وهو ختن مروان على ابنته، فغضب وشتمه. وقاتل ابن معاوية أهل الميمنة، فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن عليّ، فقال موسى. ابن كعب لعبد الله: مر الناس فلينزلوا، فنودي: الأرض، فنزل الناس، وأشرعوا الرماح، وجثوا على الكرب، فقاتلوهم، فجعل أهل الشأم يتأخّرون كأنهم يدفعون؛ ومشى عبد الله قدماً وهو يقول: يا ربّ، حتى متى نقتل فيك! ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات إبراهيم! يا محمد، يا منصور! واشتدّ بينهم القتال. وقال مروان لقضاعة: انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا، فأرسل إلى السّكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شرطه: انزل، فقال: لا والله ما كنت لأجعل نفسي غرضاً. قال: أما والله لأسوءنّك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك. ثم انهزم أهل الشأم، وانهزم مروان، وقطع الجسر؛ فكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل؛ فكان فيمن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وأمر عبد الله بن عليّ فعقد الجسر على الزّاب، واستخرجوا الغرقى فأخرجوا ثلثمائة، فكان فيمن أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فقال عبد الله بن عليّ: "وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون".

وأقام عبد الله بن عليّ في عسكره سبعة أيام، فقال رجل من ولد سعيد ابن العاص يعيّر مروان:

لج الفرار بمروان فقلـت لـه             عاد الظلوم ظلماً همّه الهـرب
أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت        عنك الهوينى فلا دين ولا حسب
فراشة الحلم فرعون العقاب وإن        تطلب نداه فكلب دونه كـلـب

وكتب عبد الله بن عليّ إلى أمير المؤمنين أبي العباس بالفتح، وهرب مروان وحوى عسكر مروان بما فيه، فوجد فيه سلاحاً كثيراً وأموالاً؛ ولم يجدوا فيه امرأةً إلا جارية كانت لعبد الله بن مروان؛ فلمّا أتى العباس كتاب عبد الله ابن عليّ صلى ركعتين، ثم قال: "فلمّا فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر" إلى قوله: "وعلّمه مما يشاء". وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين.

حدثنا أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، قال: قال عبد الرحمن بن أميّة: كان مروان لما لقيه أهل خراسان لا يدبّر شيئاً إلا كان فيه الخلل والفساد. قال: بلغني أنّه كان يوم انهزم واقفاً، والناس يقتتلون؛ إذ أمر بأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا، فهذه الأموال لكم، فجعل ناس من الناس يصيبون من ذلك المال، فأرسلوا إليه: إنّ الناس قد مالوا على هذا المالل، ولا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبد الله أن سر في أصحابك إلى مؤخّر عسكرك، فاقتل من أخذ من ذلك المال وامنعهم؛ فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة؛ فانهموا.

حدّثنا أحمد بن عليّ، عن أبي الجارود السلميّ، قال: حدّثني رجل من أهل خراسان، قال: لقينا مروان على الزّاب، فحمل علينا أهل الشأم كأنهم جبال حديد، فجثونا وأشرعنا الرماح، فمالوا عنا كأنهم سحابة، ومنحنا الله أكتافهم، وانقطع الجسر مما يليهم حين عبروا، فبقي عليه رجل من أهل الشأم، فخرج عليه رجل منا، فقتله الشأميّ، ثم خرج آخر فقتله؛ حتى والى بين ثلاثة؛ فقال رجل منا: اطلبوا لي سيفاً قاطعاً، وترساً صلباً، فأعطيناه، فمشى إليه فضربه الشأميّ فاتّقاه بالترس، وضرب رجله فقطعها، وقتله ورجع؛ وحملناه وكبّرنا فإذا هو عبيد الله الكابليّ.

وكانت هزيمة مروان بالزّاب - فيما ذكر - صبيحة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة.

ذكر خبر قتل إبراهيم بن محمد بن عليّ الإمام

وفي هذه السنة قتل إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس.

ذكر الخبر عن سبب مقتله اختلف أهل السير في أمر إبراهيم بن محمد، فقال بعضهم: لم يقتل ولكنه مات في سجن مروان بن محمد بالطاعون.

ذكر من قال ذلك

حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن إبراهيم بن خالد ابن يزيد بن هريم. قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح، قال: قدم مروان بن محمد الرّقة حين قدمها متوجهاً إلى الضّحاك بسعيد بن هشام ابن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان؛ وهم في وثاقهم معه؛ فسرّح بهم إلى خليفته بحرّان، فحبسهم في حبسها، ومعهم إبراهيم بن عليّ بن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز والعباس بن الوليد وأبو محمد السفيانيّ - وكان يقال له البيطار - ، فهلك في سجن حرّان منهم في وباء وقع بحرّان العباس ابن الوليد وإبراهيم بن محمد وعبد الله بن عمر. قال: فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب يوم هزمه عبد الله بن عليّ بجمعة، خرج سعيد بن هشام ومن معه من المحبسين، فقتلوا صاحب السجن، وخرج فيمن معه، وتخلف أبو محمد السفيانيّ في الحبس، فلم يخرج فيمن خرج، ومعه غيره لم يستحلّوا الخروج من الحبس، فقتل أهل حرّان ومن كان فيها من الغوغاء سعيد ابن هشام وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك وعبد الملك بن بشر التغلبيّ، وبطريق أرمينية الرابعة - وكان اسمه كوشان - بالحجارة، ولم يلبث مروان بعد قتلهم إلا نحواً من خمس عشرة ليلة؛ حتى قدم حرّان منهزماً من الزّاب، فخلّى عن أبي محمد ومن كان في حبسه من المحبّسين.

وذكر عمر أن عبد الله بن كثير العبديّ حدّثه عن عليّ بن موسى، عن أبيه، قال: هدم مروان على إبراهيم بن محمد بيتاً فقتله.

قال عمرو: وحدثني محمد بن معروف بن سويد، قال: حدّثني أبي عن المهلهل بن صفوان - قال عمر: ثم حدّثني المفضّل بن جعفر بن سليمان بعده؛ قال: حدّثني المهلهل بن صفوان - قال: كنت أخدم إبراهيم بن محمد في الحبس؛ وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وشراحيل بن مسلمة بن عبد الملك فكانوا يتزاورون، وخصّ الذي بين إبراهيم وشراحيل فأتاه رسوله يوماً بلبن، فقال: يقول لك أخوك: إنّي شربت من هذا اللبن فاستطبته فأحببت أن تشرب منه، فتناوله فشرب فتوصّب من ساعته وتكسر جسده، وكان يوماً يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه، فأرسل إليه: جعلت فداك! قد أبطأت فما حبسك؟ فأرسل إليه: إني لما شربت اللبن الذي أرسلته إليّ أخلفني، فأتاه شراحيل مذعوراً وقال: لا والله الذي لا إله إلا هو؛ ما شربت اليوم لبناً، ولا أرسلت به إليك، فإنا لله وإنا إليه راجعون! احتيل لك والله. قال: فوالله ما بات إلاّ ليلته وأصح من غد ميتاً؛ فقال إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن عامر ابن هرمة بن هذيل بن الربيع بن عامر بن صبيح بن عديّ بن قيس - وقيس هو ابن الحارث بن فهر - يرثيه:

قد كنت أحسبني جلداً فضعضعني             قبر بحرّان فيه عصـمة الـدين
فيه الإمام وخير الناس كـلـهـم                  بين الصفائح والأحجار والطـين
فيه الإمام الذي عمّت مصيبـتـه                وعيّلت كل ذي مال ومسـكـين
فلا عفا الله عن مروان مظلـمة                  لكن عفا الله عمّن قـال آمـين