ذكر بحر الباب والأبواب والخزر وجرجان وجمل من الأخبارعلي ترتيب البحار

ذكر بحر الباب والأبواب والخزر وجرجان وجمل من الأخبارعلي ترتيب البحار

بحر الأعاجم

فأما بحر الأعاجبم الذي عليه دورُهَا ومساكنها فهو معمور بالناس من جميع جهاته، وهو المعروف ببحر الباب والأبواب والخزر والجيل والديلم وجرجان وطبرستان، وعليه أنواع من الترك، وينتهي في إحدى جهاته نحو بلاد خُوَارَزْم، وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميلِ، وهو مدور الشكل إلى الطول، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب جملاَ من ذكرالأمم المحيطة بهذه البحار المعمورة، وهذا البحر الذي هو بحر الأعاجم كثير التّنَانين، وكذلك بحر الروم فالتنان فيهما كثيرة، وكثيراً ما تكون مما يلي بلاد طرابلس واللاذقية والجبل الأقرع من أعمال أنطاكية، وتحت هذا الجبل معظم ماء البحر وأكثره، ويسمى عجز البحر، وغايته إلى ساحل أنطاكية ورشيد والِإسكندرية وحصن المثقب وذلك في سفح جبل اللكام وساحل المصيصة، وفيه مصب نهر جيحان، وساحل أذنة، وفيه مصب سيحان، وساحل طرسوس، وفيه مصب نهر بردان،وهو نهر طرسوس،ثم البلد الخالي من العمارات الخراب بين الروم والمسلمين مما يلي مدينة قلمية إلى قبرص وقريطس وقراسيا، ثم بلاد سلوقية وَنهرها العظيم الذي يصب في هذا البحر، ثم حصون الروم إلى خليج القسطنطينية. وقد أعرضنا عن ذكر أنهار كثيرة بأرض الروم ومما يصب إلى هذاالبحر كنهر البارد ونهر العسل وغيرهما من الأنهار.

وَالعمارةُ على هذا البحر من المضيق الذي قدمنا ذكره، وهو الخليج الذي عليه طنجة، متصلةٌ بساحل المغرب وبلاد إفريقية والسوس وطرابلس المغرب والقيروان وساحل بَرْقَة والرفادة وبلاد الِإسكندرية ورشيد وتنيس ودمياط وساحل الشام وساحل الثغور الشامية ثم ساحل الروم ماراً متصلاً إلى بلاد رومية إلى أن يتصل بساحل الأندلس، إلى أن ينتهي إلى ساحل الخليج الضيق المقابل لطَنْجَة طى ما ذكرنا لا تنقطع من هذا البركله ألعمائر التي وصفناها من الِإسلام والروم إلا الأنهار الجارية إلى البحر وخليج القسطنطينية، وعرضه نحو من ميل، وخلجانات اخر داخلة في البرلا منفذ لها؛ فجميع ما ذكرنا على شاطىء هذا البحر الرومي متصلو الديار غير منفصلين بما يقطعهم أو يمنعهم إلا ما ذكرنا من الأنهار وخليج القسطنطينية، ومثال هذا البحر الرومي، ومثال ما ذكرنا من العمائر عليه إلى أن ينتهي إلى مبدأ الخليج الضيق الآخذ من أوقيانوس الذي عليه المنارة النحاس، ويلي الأعلى من طَنْجَة، وساحل الأندلس: مثل الكرنيب، في قبضة الخليج، والكرنيب على ضفة البحر، إلا أنه ليس بمدور الشكل، لما ذكرنا من طوله.وليس تعرف التنانين في البحرالحبشي، ولا في شيء من خلجانه من حيث وصفنا في نهاياته، وأكثرها يظهر مما يلي بحر أوقيانوس.

التنين وآراء الناس فيه

وقد اختلف الناس في التنين: فمنهم من رأى أنه ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى النسيم، وهو الجو، فتحلق السحب كالزوبعة، فإذا صارت من الأرض واستدارت وأثارت معها الغبارِ ثم استطالت في الهواء ذاهبةً الصُّعَداء تَوَهَّم الناسُ أنها حيات سود قد ظهرت من البحر لسواد السحاب، وذهاب الضوء وترادف الرياح.ومنهم من رأى أنها دوَاب تتكون في قعر البحر، فتعظم وتؤذي دواب البحر، فيبعث اللّه عليها السحاب والملائكة فيخرجونها من بينها، وأنها على صورة الحية السوداء لها بريق وبصيص، لا تمر بمدينة إلا أتت على ما لا يقدر عليه من بناء عظيم أوشجرأوجبل، وربما تتنفس فتحرق الشجرة الكبيرة فيلقيه السحاب في بلد يأجوج ومأجوج، ويمطر السحاب عليهم، فيقتل التنين، فمنه يتغذى يأجوج ومأجوج، وهذا القول يُعْزَى إلى ابن عباس.وقد ذكر قوم في التنين غير ما ذكرنا، وكذلك حكى قوم من أهل السير وأصحاب القصص أمورأ في ما ذكرنا أعرضنا عن ذكرها، منها خبر عمران بن جابر الذي صعد في النيل، فألمحرك غايته، وعبر البحر على ظهردابة تعلق بشعرها وهي دابة ينجر منها على الأرض شبر من قوائمها تُغَادي قرن الشمس من مبدأ طلوعها إلى حال غروبها فاغرة فاها نحوها لتبتلع عند نفسها- الشمسَ فعَبَرَعلى وصفنا من تعلقه بشعرها البحر، ودار بدورانها طلباً لعين الشمس، حتى صار إلى ذلك الجانب، فرأى النيل منحدراً من قصور الذهب من، الجنة، وأعطاه المَلَكُ العنقود العنب، وأنه أتى الرجل الذي رآه في ذهابه، ووصف له كيف يفعل في وصُوله إلى مبدأ النيل، فجم! ميتاً، وخبر إبليس معه والعنقود العنب، وغير ذلك من خرافات حَشْوية عن أصحاب الحديث، ومنها ما روي أن قبة من الذهب وأنواع الجوهر فىِ وسط البحر الأخضر على أربعة أركان من الياقوت الأحمر ينحدر من كل ركن من هذه الأركان ماء عظيم من رشحه فقسم إلى جهات أربع في ذلك البحر الأخضر غير مخالط له، ولا متماسّ به، ثم ينتهي إلى جهات من البر من سواحل ذلك البحر، أحدها النيل، والثاني سيحان، والثالث جيحان، والرابع الفرات، ومنها أن الملك الموكك بالبحار يضع عقبه في أقصى بحر الصين فيفر منه البحر، فيكون منه المد، ثم يرفع عقبه من البحرفيرجع الماء إلى مركزه، ويطلب قعره، فيكون الجزر، ومثلوا ذلك بإناء فيه ماء في مقدار النصف منه، فيضع الإِنسان يده أورجله فيملأ الماء الِإناء، فإذا رفعها رجع الماء إل حده، وانتهى إلى غايته، ومنهم من رأىأن الملك يضع إبهامه من كفه اليمنى في البحر فيكون منه المد، ثم يرفعها فيكون الجزر وما ذكرنا فغير ممتنع كونُه، ولا واجب، وهو داخل فىِ حيز الممكن والجائزلأن طريقه في النقل طريق الأفراد والآحاد، ولم يرد مَورِد التواتر والاستفاضة كالأخبار الموجبة للعم، والعلل القاطعة للعذر في النقل، فإن قارنها دلائل توجب صحتها وجب التسليم لها، والانقياد إلى ما أوجب اللة عزّ وجلّ علينا من أخبار الشريعة والعمل بها؛ لقوله عزّ وجلّ "وما آتاكم الرسول فخنوه، وما نهاكم عنه فانتهوا"، وإن لم يصح ما ذكرنا فقد وصفنا آنفاً ما قال الناس في ذلك، وإنما ذكرنا هذا ليعلم من قرأ هذا الكتاب أنا قد اجتهدنا فيما أوردناه في هذا الكتاب وغيره من كتبنا، ولم يَعْرُبْ عنا فهم ما قاله الناس في سائر ما ذكرنا، وباللّه التوفيق.

جملة البحار

فهذه جمل البحار، وعند أكثر الناس أنها أربعة في المعمور من الأرض، ومنهم من يعدها خمسة، ومنهم من يجعلها ستة، ومنهم من يرى أنها سبعة منفصلة غيرمتصلة، وعلى أنها ستة فأولها البحر الحبشي، ثم الرومي، ثم نيطش، ثم ما نطش، ثم الخزري، ثم أوقيانوس الذي لا يعلم أكثر نهاياته، وهو الأخضر المظلم المحيط، وبحر نيطش متصل ببحر ما نطش، ومنه خليج القسطنطينية الذي يصب إلى بحر الروم ويتصل به، على حسب ما ذكرنا، والرومي بدؤه من بحر أوقيانوس الأخضر؛ فيجب على هذا القياس أن يكون ما وصفنا بحراً واحداً لاتصال مياهها، وليست هذه المياه ولا شيء منها واللّه أعلم متصله بشيء من بحر الحبش، فبحر نيطش وبحر مانطش يجب أن يكونا أيضاً بحراً واحداً، وإن تضايق البحر في بعض المواضع يبنهما، أو صار بين الماءين كالخليج، وليست تسمية ما اتسع منه وكثرماؤه بمانطش، وما ضاق منه وقل ماؤه بنيطش، يمنع من أن تجمعهما في اسم مانطش أو نيطش، فإذا عبرنا بعد هذا الموضع في مبسوط هذا الكتاب فقلنا ما نطش أو نيطش، فإنما نريد به هذا المعنى فيما اتسع من البحر وضاق.قال المسعودي: وقد غلط قوم زعموا أن البحر الخزري يتصل ببحر ما يطس، ولم أر فيمن دخل بلاد الخزر من التجار ومن ركب منهم في بحر مايطس ونيطس إلى بلاد الروس والبلغر أحداً يزعم أن بحر الخزر يتصل ببحر من هذه البحار أو بشيء من مائها أومن خلجانها إلا من نهر الخزر، وسنذكر ذلك عند ذكرنا لجبل القبق ومدينة الباب والأبواب ومملكة الخزر وكيف دخل الروس في المراكب إلى بحر الخزر، وذلك بعد الثلثمائة، ورأيت أكثر من تعرض لوصف البحار ممن تقدم وتأخر يذكرون في كتبهم أن خليج القسطنطينية الآخذ من نيطش يتصل ببحر الخزر، ولست أدري كيف ذلك، ومن أين قالوه. أمن طريق الحدس أم من طريق الاستدلال والقياس. أو توهموا أن الروس ومن جاورهم على هذا البحر هو الخزر وقد ركبت فيه من أبسكون، وهو ساحل جرجان، إلى بلاد طبرستان، وغيرها، ولم أترك ممن شاهدت من التجار ممن له أدب وفهم ومن لا فهم عنده من أرباب المراكب إلا سألته عن ذلك، وكلٌّ يخبرني أن لا طريق له إليها إلا من بحر الخزر حيث دخلت إليه مراكب الروس، ونفَر من أهل أذر بيجان والباب والأبواب وبردعة والديلم والجبل وجرجان وطبرستان إليها لأنهم لم يعهدوا عدواً يطرأ عليهم، ولا عرف ذلك فيما سلف، وما ذكرنا فمشهور فيما سمينا من الأمصار والأمم والبلدان، سالك مسلك الاستفاضة فيهم.ورأيت في بعض الكتب المضافة إلى الكندي وتلميذه وهو أحمدابن الطيب السرخسي، صاحب المعتضد باللّه أن في طرف العمارة من الشمال بحيرة عظيمة بعضها تحت قطب الشمال، وأن بقربها مدينة ليس بعدها عمارة، يقال لها تولية، ولقد رأيت لبني المنجم في بعض رسائلهم ذكر هذه البحيرة، وقد ذكر أحمد بن الطيب في رسالته في البحار والمياه والجبال عن الكندي أن بحر الروم طوله ستة آلاف ميل من بلاد صور وطرابلس وأنطاكية واللاذقية والمثقب وساحل المصيصة وطرسوس وقلمية إلىمنار هرقل، وأنا أعْرَضَ موضع فيه أربعمائة ميل، هذا قول الكندي وابن الطيب.وقد أتينا عيى قول الفريقين جميعاً وما بينهما من الخلاف في ذلك من أصحاب الزيجات وما وجدناه في كتبهم وسمعناه من أتباعهم، ولم نذكر ما ذكروه من البراهين المؤيدة لما وصفا ة لاشتراطنا في هذا الكتاب على أنفسنا الاختصار والِإيجاز.

مبادىء تكوين البحار

وأما ما تنازع فيه المتقدمون من أوائل اليونانيين والحكماء المتقدمين في مبادىء كون البحار وعللها فقد أتينا على مبسوطه في كتابنا أخبار الزمان في الفن الثاني من جملة الثلاثين فناً، وقد ذكرنا قول كل فريق منهم وَعَزَوْنَا كل قول من ذلك إلى قائله، ولم نُخْل هذا الكتاب من إيراد لمع من قولهم.وذهب طائفة منهم إلى أن البحر بقية من الرطوبة الأولى التي جفَّفَ أكثرها جوهر النار، وما بقي منها إستحال لاحتراقه.ومنهم من قال: إن الرطوبة الأولى المجتمعة لما احترقت بدوران الشمس وانعصر الضَف منها إستحال الباقي إلى ملوحة ومرارة.

ومنهم من رأى أن البحار عَرَقٌ تعرقه الأرض لما ينالها من احتراق الشمس لاتصال دورها. ومنهم من رأى أن البحر هو ما بقي مما صفَّتْهُ الأرض من الرطوبة المائية لغلظ جسمها، كما يعرض في الماء العذب إذا مزج بالرماد، فإنه إذا صفا من الرماد وجد مالحاً بعد أن كان عَذْباً.

وذهب آخرون أن الماء عذبه ومالحه كانا ممتزجين، فالشمس ترفع لطيفه وَعَذْبه لخفته.

وبعضهم قال: ترفعه الشمس لتغتذي به، وقال بعضهم: بل يعود بالاستحالة ماء إذا صار بارتفاعه إلى الموضع الذي يحصره البرد فيه، ويكيفه.ومنهم من ذكر أن الماء الذي هو أسطُقُس: ما كان منه عن الهواء وما يعرض منه من البرد يكون حلواً، وما كان منه في الأرض لما يناله من الاحتراق والحرارة يكون مراً.ومن أهل البحث من قال: إن جمع الماء الذي يفيض إلى البحرمن جميع ظهور الأرض وبطونها إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة فهو مُضَاض من مُضَاض، والأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة، والني في الماء من أجزاء النار التي تخرج إليه من بطون الأرض ومن أجزاء النيران المختلطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما وتبخرهما 4 فإذا رفعا اللطائف صار منها ما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما وعادتهما، ثم يعود ذلك الماء مالحاًلأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، والنيران تخرج منها العفبة واللطافة، كان واجباً أن يعود إلى الملوحة وكذلك يكون ماء البحر على كيل واحد ووزن واحد ة لأن الحرير يرفع اللطيف فيصير طلّاً وماء، ثم تعود تلك الأندية سيولاً، وتطلب الحدور والقَرَار، وتجري في أعماق الأرض حتى يصير إلى ذلك الهور، فليس يضِيع من ذلك الماء شيء، ولا يبطل منه شيء، والأعيان قائمة كمنجنون غرَفَ من نهر وصب إلى حفرة تفيض إلى ذلك النهر، وقد شبه ذلك قوم بأعضاء الحيوان إذا اغتذت وعملت الحرارة في غذائه فاجتذبت منه ماء عذُبَ إلى الأعضاء المغتذية به،وخلفت ما ثقل منه، وهو المالح والمر، فمن ذلك البول والعرق، وهذا فضول الأغذية فيها، ولما كانت عن رطوبات عذبة أحالتها الحرارة إلىِ المرارة والملوحة، وإن الحرارة لو زادت أكثر من مقدارها لصار الفضل مراَ زائداً على ما يوجد من العرق والبول ث لوجودنا كل محترق مراً.هذا قول جماعة ممن تقدم، وأما ما يوجد بالعيان وإيقاع المحنة عند المباشرة فإن كل الرطوبات فات الطعوم إذا صعدت بالقرع والأنابيق بقيت روائحها وطعومها فيما يرتفع منها كالخل والنبيذ والورود والزعفران والقرنفل، إلا المالحة فإنها تختلف طعومها وروائحها، ولا سيما إن صعدت مرتين وأسخنت مرة بعد أخرى.وقد ذكر صاحب المنطق في هذا المعنى كلاماً كثيراً ا: من ذلك أن الماء المالح أثْقَلُ من الماء العذب، وجعل الدلالة على ذلك أن الماء المالح كَدر غليظ والماء العذب صَافٍ رقيق، وأنه إذا أخذ شيء من الشمع فعمل منه إناء ثم سد رأسه وصيرني ماء مالح وجد ذلك الماء الذي وصل إلى داخل الِإناء عذباً في الطعم خفيفاً في الوزن، ووجد الماء المحيط به على خلاف ذلك، وكل ماء يجري فهونهر، وحيث يَنبَع فهوعين، وحيث يكون معظم الماء فهوبحر. قال المسعودي: وقد تكلم الناس في المياه وأسبابها، وأكثروا، وقد ذكرنا في كتابناأخبار الزمان في الفن الثاني من جملة الثلاثين فناً ما أوردوه من البراهين في مساحة البحار ومقاديرها، والمنفعة في ملوحة مائها، واتصال بعضها ببعض وانفصالها، وعدم بيان الزيادة فيهاوالنقصان، ولأية علة كان الجزر والمد في البحر الحبشي أظهر من لمحون سائر البحار، ووجدت نَوَاخذة بحر الصين والهند والسند والزنج واليمن والقلزم والحبشة من السيرافيين والعمانيين يخبرون عن البحر الحبشي في أغلب الأمور على خلاف ما ذكرته الفلاسفة وغيرهم ممن حكينا عنهم المقادير والمساحة، وإن ذلك لا غاية له، وفي مواضع منه شاهدت أربابالمراكب في البحر الرومي من الحربية والعمالة وهم النواتي وأصحاب الرحل والرؤساء ومن يلي تدبير المراكب والحرب فيهم، مثل لاوي المكنى بأبي الحرب غلام زراقة صاحب طرابلس الشام من ساحل دمشق، وذلك بعد الثلثمائة يُعَظِّمون طول البحر الرومي وعرضه، وكثرة خلجانه وتشعبه، وعلى هذا وجدت عبد اللهّ بن وزير صاحب مدينة جبلة من ساحل حمص من أرض الشام، ولم يبق في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أبْصَرُ منه في البحر الرومي، ولا أسنُّ منه، وليس فيمن يركبه من أصحاب المراكب من الحربية والعمالة إلا وهو منقاد إلى قوله، ويُقِر له بالبصر والحِنْق، مع ما هو عليه من الديانة والجهاد القديم فيها، وقد ذكرنا عجائب هذه البحار وما سمعناه ممن ذكرنا من أخبارها وآفاتها، وما شاهدوا فيها فيما سلف من كتبنا، وسنورد بعد هذا الموضمع جملاً من أخبارها.

علامات لمعرفة وجود المياه

وقد ذهب قوم في علامات المياه ومستقرها من الأرض مذهباً، وسيم هوأن يرى في المواضع التي يكون فيها الماء منابتُ القَصَب والحَلفاء واللين من الحشيش؟ فذلك دلالة على قرب الماء لمن أراد الحفر، وأن ما عدا ذلك فعلى البعد.ووجدت في كتاب الفلاحة أن مَنْ أراد أن يعلم قرب الماء وبُعْده فليحفر في الأرض قدر ثلاثة أفرع أو أربعة، ثم يأخذ قِحدراً من نحاس أو إجانَةَ خزف، فيدهنها بالشحم من داخلها مستويَاَ، ولتكن القدر واسعة الفم، فإذا غابت الشمس فخذ صوفة بيضاء منفشة مغسولة، وخذ حجراً قدر بيضة، فلفَّ ذلك الصوف عليه مثل الكرة، ثم أطْل جانب الكرة بموم مذَاب وألصقها في أسفل ذلك القِدْر الذي قد دهنته بدهن أو شحم ثم ألقها في أسفل الحفيرة فإن الصوف يصير معلقاً والموم يمسكه، ويصير إلى مكان الحجر معلقاً، ثم احْثُ على الإِناء التراب قدر ذراعين أو ذراع، ودَعْه ليلتك كلها، فإذا كان الغد قبل طلوع الشمس فاكنس التراب عنه، وارفع الإِناء، فإن رأيت الماء ملزقاً بالإِناء من داخل قطراً كثيراً بعضه قريب من بعض والصوفة ممتلئة فإن في ذلك المكان ماء، وهو قريب، وإن كان القطر متفرقاً لا بالمجتمع ولا بالمتقارب والصوفة ماؤها وسط فإن الماء ليس بالبعيد ولا بالقريب، وإن كان القطر ملتزقاً متباعداً بعضه عن بعض والماء في الصوفة قليل، فإنّ الماءبعيد، وإن لم تَرَعلى الإِناء قطراً قليلًا ولا كثيراً ولا على الصوفة ماء فإنه ليس في ذلك الموضع ماء، فلا تَتَعَنّ في حَفْره.ووجدت في بعض النسخ من كتاب الفلاحة في هذا المعنى أن مَن أراد علم ذلك فلينظر إلى قرى النمل، فإن وجد النمل غلاظاً سي اً ثقيلة المشي فلينظر فعلى قدرثقل مشيهن الماءُ قريب منهن، وإن وجد النمل سريعِ المشي لا يكاد يلحَق فالماء على أربعين ذراعاً، والماء الأول يكون عذباَ طيباً والثاني يكون ثقيَلَا مالحاً.فهذه جملة علامات لمن يريد إستخراج الماء، وقد أتينا على مبسوط ما ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان لأ وإنما نذكر في هذا الكتاب ما تدعو الحاجة إلى ذكره بالإِشارة إليه دون بَسْطه وإيضاحه.وإذ قد ذكرنا جملًا من أخبار البحار وغيرها، فلنقل في أخبار ملوك الصين وغيرها وأهلها، وغيرذلك مما لحق به، إن شاء اللّه تعالى.

دكر ملوك الصين والترك وتفرق ولد عابور وأخبار الصين وغير ذلك مما لحق بهذا الباب

القول في أنساب الصين

قد تنازع الناس في أنساب أهل الصين وبدئهم: فذكر كثير منهم أن ولد عابوربن سوبيل بن ياقث بن نوح لما قَسّمٍ فالغ بن عابربن إرفخشذ بن سام بن نوح الأرضَ بين ولد نوح ساروا يسرة في الشرق، فسار قوم منهم من ولد أرعو على سَمْت الشمال، وانتشروا في الأرض فصاروا عدة ممالك: منهم الدَيْلَم، والجيل، والطيلسان، والتتر، وفرغان فأهل جبل القبق من أنواع اللكز ثم اللان والخزر والأنجاد والسرير وكشك، وسائر تلك الأمم. المنتشرة في ذلك الصقع، إلى بلاد طوابريدة إلى بحر مانطش ونيطش وبحر الخزر إلى البرغو ومن اتصل بهم من الأمم، وعَبَر ولد عابور نهر بلخ، ويمّم بلاد الصين الأكثر منهم، وتفرقوا عدة ممالك في تلك البلاد وانتشروا في تلك الديار، فمنهم الجيل، وهم سكان جيلان، والأشر وسنة والصغد، وهم بين بخارى وسمرقند، ثم الفراغنة والشاش واستيجاب رأهل بلاد الفاراب؛ فبنوا المدن والضياع، وانفرد منهم أناس غير هؤلاء فسكنوا البوادي: فمنهم الترك والخزلج والطغرغر، ومنهم أصحاب مدينة كوشان، وهي مملكة بين خراسان وبلاد الصين، وليس في أجناس الترك وأنواعهم في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة أشد منهم بأساً، ولا أكثر منهم شوكة، ولا أضبط ملكاً، وملكهم أيرخان، ومذهبهم مذهب المانية، وليس في الترك من يعتقد هذا المذهب غيرهم، ومن الترك الكيماكية والبرسخانية والبدية والجعرية، وأشدهم بأسأ الغزية، وأحسنهم صورة، وأطولهم قأمة، وأصبحهم وجوهاً: الخزلجية، وهم أهل بلاد فرغانة والشاش وما يلي ذلك الصقع، وفيهم كان المُلْكُ، ومنهم خاف الخواقين، وكان يجمع ملكه سائر ممالك الترك، وتنقاد إ.ليه ملوكها، ومن هؤلاء الخواقين كان فراسياب التركي الغالب على بلاد فارس، ومنهم سانة، ولخاقان الترك في وقتنا هذا تنقاد ملوك الترك كلهم منذ خربت المدينة المعروفة بعمات، وهي في مفاوز سمرقند، وقد ذكرنا انتقال الملك عن هذه المدينة، والسبب في ذلك في كتابنا المترجم بالكتاب الأوسط، ولحق فريق من ولد عابور بتخوم الهند، فأثرت فيهم تلك البقاع فصارت ألوانهم بخلاف ألوان الترك، ولحقوا بألوان الهند، ولهم حَضرَ وَبَوادٍ، وسكن فريق منهم ببلاد التبت، وملكوا عليهم ملكاً وكان ينقادإلى ملك خاقان، فلما زال ملك خاقان على ما قدمنا، وسَمى أهل التبت ملكهم بخاقان تشبيهأ بمن تقدم من ملوك الترك وخاقان الخواقين.وسار الجمهور من ولد عابور على ساحل البحر حتى انتهواإلى أقاصيه من بلاد الصين، فتفرقوا في تلك البقاع والبلاد، وقطنوا الديار وكًوروا الكُوَرَ، ومصَّروا الأمصار ومًذنوا المدن، واتخفا لمملكتهم مد عظيمة، وسمَّوّها انموا، وبينها وبين ساحل البحر الحبشي وهو بحر الصين مسافة ثلاثة أشهر مدن وعمائر متصلة.

ملك نسطرطاس

وكان أول ملك تملك عليهم في هذه الديار وهي انموا نسطرطاس بن باعوربن مدتج بن عابور بن يافث بن نوح، فكان ملكه ثلثمائة سنة ونيفاً، وفرق أهله في تلك الديار، وشَقًق الأنهار، وقت السباع، وغرس الأشجار وأطعم الثمار، وهلك.

ملك عوون

فملك ولد له يُقال له عوون فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب لأحمر جزعاً عليه، وتعظيماً له، وأجلسه على سرير من الذهب الأحمر مرَصَّع بالجواهر وجعل مجلسه دونه، وأقبل يسجد لأبيه وهو في جوف تلك الصورة، هو وأهل مملكته، في طرفي النهار إجلالاً له، وعاش بعد أبيه،مائتي سنة وخمسين سنة، وهلك.

ملك عيثدون

فملك ولد له يقال له عيثدون فجعل جسد أبيه مخزوناً في تمثال من الذهب الأحمر، وجعله دون مرتبة جده على سرير من الذهب وَرصَّعَهُ بأنواع الجواهر وكان يسجد له، ويبدأ بجده الأول ثم بأبيه، وأهل مملكته يسجدون له وأحْسَنَ السياسة للرعية، وسوَّاهم في جميع أمورهم، وشملهم، بالعدل، فكثر النسل وأخصبت الأرض فكان ملكه إلى أن هلك نحواً من مائتي سنة.

ملك غيثنان

ثم ملك بعدهولده غيثنان فجعل أباه في تمثال من الذهب الأحمر جرى فيه على ما سلف من أفعالهم من السجود والتعظيم، وطال ملكه واتصلت بلاده ببلاد الترك من بني عمه، فعاش أربعمائة سنة، واتخذ في أيامه كثيراً من المهن مما لطف في الدور من الصنائع.

ملك حراتان

وملك بعمه ولده حراتان فأحدث الفلك وحمل فيها الرجال، وحمل لطائف بلاد الصين، وصيرها نحو السند والهند إلى إقليم بابل وإلى سائر الممالك مما قرب منها وَبُعدَ في البحر، وأهدى الهدايا العجيبة والرغائب النفيسة إلى الملوك وأمرهم أن يجلبوا إليه ما في كل بلد من الطرائف والتحف من المآكل والمشارب والملابس وسائر الفُرُش، وأن يعرفا سياسة كل ملك وكل أمة وشريعتها ونَهْجها الذي هي عليه، وأن يرغِّبوا الناس فيما في بلدانهم من الجواهر والطيب واللآلات ة فتفرقت المراكب في البلاد، ووردوا الممالك لما أمروا به، فلم يردوا على أهل مملكة إلا وأعجبوا بهم، واستطرفا ما أوردوه من أرضهم، فبنت الملوك المطيفة بالبحار المراكِبَ، وجهزت نحوهم السفن، وحملوا إليهم ما ليس عندهم، وكاتبوا ملكهم، وكافأوه على ما كان من هداياه إليهم، فعمرت بلاد الصين، واستقامت له الأمور، فكان عمره نحواً من مائتي سنة فهلك، فجزع عليه أهل مملكته وأقاموا النياحة عليه شهراً.

ملك توتال

ثم فزعوا إلى الأكبر من أولاده فصيروه عليهم ملكاً، فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب، وسلك طريقَ مَنْ كان قبله في فعلهم مقتدياً بمن مضى من آبائه، وكان اسم هذا الملك توتال فاستقامت له الامور وأحدث من السنن المحمودة ما لم يحدثه أحد ممن سلف من ملوكهم وزعم أن الملك لا يثبت إلا بالعدل فإن العدل ميزان الرب، وإن من العدل الزيادة في الإِحسان مع الزيادة في العمل وحصن، وشرف، وتوج ورتب الناس في رتبهم ووقفهمِ على طرائقهم، وخرج يرتاد موضعاً ليبني فيه هيكلاً، فافى موضعاً عامراَ بالنبات حسن الاعتمام بالزهر تخترقه المياه فحط الهيكل، وجلبت له أنواع الأحجار المختلفة الألوان فشيد الهيكل وجعل على علوه قبة، وجعل لها مخارج للهواء متساوية، ونصب فيها بيوتاً لمن أراد التفرد بالعبادة فلما فرغ منها نصب في أعلاها تلك التماثيل التي فيها أجسام من سلف من آبائه، وأمر بتعظيمها، وجمع الخواص من أهل مملكته وأخبرهم أن من رأيه ضم الناس إلى ديانة يرجعون إليها لجمع  الشمل وتساوي النظام، فإنه متى عدم الملك الشريعة لم يؤمن عليه الخلل، ودخول الفساد والزلل، فرتب لهم سياسة شرعية، وفرائض عقلية، وجعلها لهم رِبَاطاً، ورتب لهم قِصَاصاً في الأنفس والأعضاء، ومستحلات مناكح يستباح بها النسوان، وتصح بها الأنساب، وجعلها مراتب فمنها لوازم موجبة يَحْرَجُون من تركها، ومنها نوافل يتنفلون بها، وأوجب عليهم صلواتِ لخالقهم تقرباً لمعبودهم: منها إيماء لا ركوع فيها ولا سجود في أوقات من الليل والنهار معلومة،ومنها بركوع وسجود في أوقات منِ السنة والشهور محدودة، ورسم لهم أعياداً، وجعل على الزنَاة منهم حداَ، وعلى من أراد من نسائهم البغاء جزية مفروضة، وأن لا يسجن النكاح إلا في وقت من الأوقات، وإن أقلعن عما كن عليه تكف الجزية عنهن، وما يكون من أولادهن ذكوراً يكون للملك عبيداً وجُنْداً، وما يكون محن أولادهن إناثاً، ملأمهاتهنّ، ويلحقن بصنعتهن، وأمرهمِ بقرابين للهياكل ودخن، وأبخرة للكواكب، وجعل لكل كوكب منها وقتاَ بتقرب إليه فيه بدخن معلوم من أنواع الطيب والعقاقير، وأحكم لهم جميع الأمور، فاستقامت أيامه، وكثر النسل، فكانت حياته نحواً من مائة وخمسين سنة، وهلك، فجزعوا عليه جزعاً شديداً، فجعلوه في تمثال من الذهب الأحمر ورَصَّعوه بأنواع الجواهر، وبنوا له هيكلاً عظيماً، وجعلوا سقفه سبعة ألوان من الجوهر على أنواع الكواكب السبعة من النيرين والخمسة بألوانها وأشكالها، وجعلوا يوم وفاته صلوات وعيداً يجتمعون فيه كلند ذلك الهيكل، وصوروا صورته على أبواب المدينة وعلى الدنانير الفلوس وعلى الثياب، وأكثر أموالهم الفلوسُ الصفر والنحاس، فاستقرت هذه المدينة بدار ملك الصين، وهي مدينة انموا، وبينها وبين البحر نحومن ثلاثة أشهر وأكثر من ذلك على حسب ما قدمنا آنفاً، ولهم مدينة عظيمة نحو ما يلي من أرضهم مغرب الشمس، يُقال لها مد، وتلي بلاد التبتَ، والحرب بين بلاد التبت وأهل المد سِجَالٌ.فلم تزل الملوك ممن طرأ بعد هذا الملك أمورهم منتظمة وأحوالهم مستقيمة، والخصب والعدل لهم شامل، والجور في بلادهم معدوم، يقتدون بما نصبه لهم من الشرع مَنْ قدمنا ذكرهم، وحروبهم على عدوهم قائمة، وثغورهم مشحونة، والرزق على الجنود دارُّ، والتجار يختلفن إليهم في البر والبحر من كل بلد بأنواع الجهاز، ودينهم دين مَنْ سلف، وهي ملة تدعى السمنية، عباداتهم نحو من عبادات قريش قبل مجيء الإِسلام: يعبدون الصور، ويتوجهون نحوها بالصلوات، واللّبيب منهم يقصد بصلاته الخالق، ويقيم التماثيل من الأصنام والصور مقام قِبْلَة، والجاهل منهم ومَنْ لا علم له يشرك الأصنام بإلهية الخالق، ويعتقدهما جميعاً، وأن عبادتهم الأصنام تقربهم إلى اللّه زُلْفَى، وأن منزلتهم في العبادة تنقص عن عبادة البارىء لجلالته وعظمته وسلطانه، وأن عبادتهم لهذه الأصنام طاعة له ووسيلة إليه، وهذا الدين كان بدء ظهوره في خواصهم من الهند لمجاورتهم إياهم، وهو رأي الهند في العالم والجاهل على حسب ما ذكرنا في أهل الصين، ولهم آراء ونحل حدثت عن مذاهب الثنوية وأهل الدهر، فتغيرت أحوالهم، وبحثوا، وتناظروا، إلا أنهم ينقادون في جميع أحكامهم إلى ما نصب لهم من الشرائع المقدمة، ومن حيث إن مُلْكهم متصل بملك الطغرغر على حسب ما تقدم صاروا على آرائهم من اعتقادهم مذاهب المانية والقول بالنور والظلمة، وقد كانوا جاهلية سبيلُهم في الاعتقاد سبيلُ الترك، إلى أن وقع لهم شيطان من شياطين المانية، فزخرف لهم كلاماً يريهم فيه تضاد ما في هذا العالم وتباينه: من موت وحياة، وصحة وسقم، وضياء وظلام، وغنى وفقر، واجتماع وافتراق، وإتصال وانفصال، وشروق وغروب، ووجود وعدم، وليل ونهار، وغير ذلك من سائر المتضادات، وذكر لهم أنواع الآلام المعترضة لأجناس الحيوان من الناطقين وغيرهم مما ليس بناطق من البهائم، وما يعرض للأطفال والبُلْه والمجانينِ، وأن البارىء جل وعزّ غني عن إيلامهم، وأراهم أن هناك ضداً شديداَ دَخَلَ على الخير الفاضل في فعله، وهو اللّه عزّوجلّ، فاجتذب بما وصفنا وغيره من الشّبَهِ عقولَهم، فدنوا بما وصفنا، فإن كان ملك الصين ينتمي لمذهب ذبح الحيوان كانت الحرب بينه وبين صاحب الترك أيرخان سِجَالاً، وإذا كان ملك الصين متنافي المذهب كان الأمر بينهم في الملك مُشَاعاً، وملوك الصين فو  آراء ونحل، إِلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل والحق، في نَصْب القُضَاة والحكام، وانقياد الخواص والعوام إلى ذلك.

بعض عادات الصين

وأهل الصين شُعُوب وقبائل، كقبائل العرب وأفخاذها وتشعبها في أنسابها، ولهم مراعاة لذلك، وحفظ له، وينسب الرجل منهم إلى خمسين أبَاَ إلى أن يتصل بعابور وأكثر من ذلك وأقل، ولا يتزوج أهل كل فخذ من فخذهبم مثال ذلك أن يكون الرجل من مُضَرَ فيتزوج في ربيعة، أو من ربيعة فيتزوج من مضر، أو من كَهْلاَن فيتزوج في حِمْيَر، أو من حمير فيتزوج من كهلان، ويزعمون أن في ذلك صحة النسل وقوام البنية، وأنه أصح للبقاء، وأتم للعمر، وأسبابَاَ يذكرونها نحو ما ذكرنا.فلم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل على حسب ما جرى به الأمرفيما سلف من ملوكهم إلى سنة أربع وستين ومائتين؛ فإنه حدث في الملك أمر زال به النظام، وانقضت به الأحكام والشرائع ومنِع من الجهاد إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وهوأن نابغاَ نبغ فيهم من غير بيت الملك كان في بعض مدائن الصين يُقال له يانشو، وكان شريراً يطلب الفتنة، ويجتمع إليه أهل الدعارة والشر، فلحق الملِكَ وأربابَ التدبير غفلةٌ عنه، لخمول ذكره، وأنه ممن لا يُالى به، فاشتد أمره، ونما ذكره، وكثر عتوُّه، وقويت شوكته، وقطع أهل الشر المسافات نحوه، وعظم جيشه، فسار من موضعه، وَشَنَّ الغارات على العمائر حتى نزل مدينة خانقوا، وهي مدينة عظيمة على نهر عظيم أكبر من دجلة يصب إلى بحر الصين، وبين هذه المدينة وبين البحر مسيرة ستة أيام أو سبعة، تدخل هذا النهر سفن التجار الواردة من بلاد البصرة وسيراف وعمان ومدن الهند وجزائر الزابج والصنف وغيرها من الممالك بالأمتعة والجهاز، وتقرب إلى مدينة خانقوا، وفيها خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس، وغير ذلك من أهل الصين فقصد هذا العدو إلى هذه المدينة فحاصرها، وأتته جيوش الملك فهزمها، واستباح ما فيها، فكثرت جنوده، وافتتح مدينة خانقوا عَنْوَة، وقتل من أهلها خلقاً لا يُحْصَوْنَ كثرةً، وأحصى من المسلمين والنصارى واليهود والمجوس ممن قتك وغرق خوف السيف فكان مائتي ألف، وإنما أحصى ما ذكرناه من هذا العدد لأن ملوك الصين تحصي مَنْ في مملكتها من رعيتها، وكذا مَنْ جاورها من الأمم ليصير ذمة لها في دواوين لها، بكُتَّابِ قد وكِّلوا بإحصاء ذلك لما يراعون من حياطة مَنْ شمِلد ملكهم، وقَطَع هذَا العدو ما كان حول مدينة خانقوا من غابات شجر التوت إذ كان يحتفظ به لما يكون من ورقه، وما يطعم منه لدود القز الذي ينتج منه الحرير، فكان ذهاب الشجر داعياً إلى انقطاع الحرير الصيني وجهازه إلى ديار الإِسلام.وسار يانشو بجيوشه إلى بلد بلد فافتتحه، وانضاف إليه أمم من الناس ممن يطلب الشر والنهب وغيرهم ممن يخاف على نفسه، وقصد مدينة أنموا، وهي دار الملك، فخرج إليه الملك في نحو مائة ألف ممن بقي معه من خواصه والتقى هو ويانشو وكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من شهر، وصبر الفريقان جميعاً، ثم كانت على الملك فلَّى منهزماً، وأمعن الخارجي في طلبه، فانحاز الملك إلى مدينة في أطراف أرضه، واستولى الخارجي على الحَوْزَة، واحتوى على ديار الملك، وملك خزائن الملوك السالفة، وما أعحوه للنوائب، وشن الغارات في سائر العمارات، وافتتح المدن، وعلم أن لا قوام له بالملك؛ إذ كان ليس من أهله، فأمعن في خراب البلاد واستباحة الأموال، وسَفْك الدماء، وكاتب ملكُ الصين من المدينة التي انحاز إليها المًتَاخمة لبلاد التبت، وهي مدينة مد المتقدم ذكرها، مَلِكَ الترك ابن خاقان فاستنجده، وأعلمه ما نزل به، وأعلمه ما يلزم الملوك من الواجبات إذا استنجدها إخوانها من الملوك، وأن ذلك من فرائض الملك وواجباته، فأنجده ابن خاقان بولد له بنحو من أربعمائة ألف فارس ورجل، وقد استفحل أمر يانشو، فالتقى الفريقان جميعاً، فكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة، وتفانى من الفريقين خلق كثير، ففقد يانشو، فقيل: إنه قتل، وقيل: إنه أحرق، وأسر ولده والخواص من أصحابه، وسار ملك الصين إلى دار المملكة وعاد إلى ملكه والعأمة تسمية يعبور، وتفسير ذلك ابن السماء تعظيماً له، وهو الاسم الأخص لملوك الصين، والذي يخاطبون به جميعاً جحان، ولا يخاطبون بيعبور، وتغلَّبَ كل صاحب ناحية من عمله على ناحيته، كتغلب ملوك الطوائف حين قَتَلَ الإِسكندر بن فيلبوس المقدوني دارا بن دارا ملك فارس، وكنحو ما نحن بسبيله في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة-فرضي ملك الصين منهم بالطاعة له، ومكاتبته بالملك، ولم يتأتّ له المسير إلى سائر أعماله، ولا محاربة من تغلب على بلاده، وقنع بما وصفنا، وامتنع مَنْ ذكرنا من حمل الأموال إليه فتاركهم مسالماً لهم، وعدا كل فريق منهم على ما يليه على حسب قوته وتمكنه فعدم انتظام الملك واستقامته على حسب ما سلف من ملوكهم.وقد كان لمن سلف من ملوكهم سير وسياسات للملك، وانقياد للعدل، على حسب ما توجبه قضية العقل.وحكي أن رجلاً من التجار من أهل مدينة سمر قند من بلاد خراسان خرج من بلاده، ومعه متاع كثير، حتى انتهى  إلى العراق، فحمل من جهازه، وانحدر إلى البصرة، وركب البحر حتى أتى إلى بلاد عمان، وركب إلى بلاد كلة، وهي النصف من طريق الصين أو نحو ذلك، وإليها تنتهي مراكب أهل الإِسلام من السيرافيين والعمانيين في هذا الوقت فيجتمعون مع من يرد من أرض الصين في مراكبهم، وقد كانوا في بدء الزمان بخلاف ذلك، وذلك أن مراكب الصين كانت تأتي بلاد عمان وسيراف وساحل فارس وساحل البحرين والأبلة والبصرة وكذلك كانت المراكب تختلف من المواضع التي ذكرنا إلى ما هناك، ولما عدمٍ العدل وفسدت النيات وكان من أمر الصين ما وصفنا التقى الفريقان جميعا في هذا النصف، ثم ركب هذا التاجر من مدينة كلة في مراكب الصينيين إلى مدينة خانقوا، وَهي مرسى المراكب على حسب ما ذكرنا آنفاً، وبلغ ملك الصين خبر المراكب وما فيها من الجهاز والأمتعة فسرح خصيا من خواص خحمه ممن يثق به في أسبابه، وذلك أن أهل الصين يستعملون الخصيان من الخدم في الخراج وغيره من العمالات والمهمات وفيهم من يخصي ولحه طلباً للرياسة واعتقاد النعمة؛ فسار الخصي حتى أتى مدينة خانقوا، وأحضر التجار ومعهم التاجر الخراساني، فعرضوا عليه ما احتاج إليه من المتاع وما يصلح له، فسأل الخراساني أن يحضر متاعه فأحضره، وجرت بينهم محادثة، ودار الأمر في التثمين للمتاع، فأمر الخصي بسجن الخراساني وإكراهه، وذلك أنه زاده ثقة منه بعدل الملك، فمضىالخراساني من قَوْره حتى أتى إلى مدينة أنموا، وهي دار الملك، فقف موقف المتظلم، وذلك أن المتظلم إذا أتى من البلد الشاسع أو غيره تقمص نوعاً من الحرير الأحمر، ووقف موضعاً قد رسم للظّلأمة، وقدرتب بعض ملوك النواحي للقبض على من يرد من المتظلمين، ويقف ذلك الموقف، فيحمل مسيرة شهر من أرضهم على البريد، ففعل ذلك بالتاجر الخراساني، ووقف بين يدي صاحب تلك الناحية المرتب لما ذكرناه، فأقبل عليه، وقال: أيها الرجل لقد تعرضت لأمر عظيم، وخاطرت بنفسك، أنظر إن كنت صادقاً فيما تخبر به، وإلا فإنا نقيلك ونردُّك من حيث جئت، وكان هذا خطابه لمن يتظلم، فإن رآه قد جزع وضرع في القول ضربه مائة خشبة ورده من حيث جاء، وإن هو صبرعلى ما هو عليه حمل إلى حضرة الملك، وأوقف بين يديه، وسمع كلامه، فصمم الخراساني في المطالبة والظُّلأمة فرآه محقاً غير ضَرِع ولا متلجلج، فحمل إلى الملك، فقف بين يديه وقَصَّ حديثه على الملك، فلما أن أس الترجمان إليه ما قاله وفهم ظلامته أمر به إلى بعض المواضع، وأحسن إليه، وأحضر الوزير وصاحب الميمنة وصاحب القلب وصاحب الميسرة، وهم أناس قد رتبوا لذلك عند الملمات وحين الحروب قد عرف كل واحد منهم مرتبته والمراد منه، فأمرهم أن يكتب كل واحد منهم إلى صاحبه بالناحية، ولكل واحد منهم خليفة في كل ناحية، فكتبوا إلى أصحابهم بخانقوا أن يكتبوا إليهم بما كان من خبر التاجر والخادم، وكتب الملك خليفته بالناحية بمثل ذلك، وقد كان خبر الخادم والتاجر اشتهر واستفاض، فردت الكتب على بغال البريد بتصحيح ما قاله التاجر، وذاك أن ملوك الصين لها في سائر الطرق من أعمالها بغال للبريد مُسْرَجة محفة الألات للأخبار والخرائط، فبعث الملك فاستحضر الخادم، فلما وقف بين يديهسَلَبه ما كان أنعم به عليه، ثم قال له: عمدت إلى رجل تاجر قد خرج من بلد شاسع، وقطع مسالك، واجتاز بملوك في بر وبحر، فلم يتعرض له، يؤمل الوصول إلى مملكتي ثقة منه بعدلي، ففعلت به ما فعلت، وكان ينصرف عن ملكي، ويقبح الأحدوثة عن سيرتي، أما لولا قديم حرمتك بنا لقتلتك، لكن أعاقبك بعقوبة إن عقلت فإنها أكبر من القتل، وهو أن أوليك مقابر الموتى من الملوك السالفة، أن عجزت عن تدبير الأحياء والقيام بما إليه ندبت، وأحسن الملك إلى التاجر، وحمله إلى خانقوا، وقال له: إن سمحت نفسك أن تبيع منا ما اختير لنا من متاعك بالثمن الجزيل، وإلا فأنت المحكَّم في مالك، أقم إذا شئت، وبع كيف شئت، وانصر راشداً حيث شئت، وصَرَف الخادم إلى مقابر الملوك.قال المسعودي: ومن طرائف أخبار ملوك الصين أن رجلاً من قريش من ولد هَبَّاربن الأسود لما كان من أمر صاحب الزنج بالبصرة ما كان واشتهر، خرج هذا الرجل من مدينة سيراف، وكان من أرباب البصيرة وأرباب النعم بها، وفي الأحوال الحسنة، ثم ركب منها في بعض مراكب بلاد الهند، ولم يزل يتحول من مركب إلى مركب، ومن بلد إلى بلد، يخترق ممالك الهند، إلى أن انتهى إلى بلاد الصين فصار إلى مدينة خانقوا، ثم دعته همته إلى أن صار إلى دار ملك الصين، وكان الملك يومئذ بمدينة حمدان، وهي من كبار مدنهم، ومن عظيم أمصارهم، فأقام بباب الملك مدة طويلة يرفع الرقاع ويذكرأنه من أهل بيت نبوة العرب، فأمر الملك بعد هذه المدة الطويلة بإنزاله في بعض المساكن وإزاحة العلة من أموره وجميع ما يحتاج إليه، وكتب إلى الملك المقيم بخانقوا يأمره بالبحث عنه، ومسألة التجار عما يدعيه الرجل من قرابة نبي العرب صلى الله عليه وسلم، فكتب صاحب خانقوا بصحة نسبه، فأذن له في الوصول إليه، ووصله بمال واسع، وأعاده إلى العراق، وكان شيخاً فهماً، أخبر أنه لما وصل إليه، وسأله عن العرب، وكيف أزالوا ملك العجم، فمّال له: باللهّ عز وجل، وما كانت العجم عليه من عبادة النيران والسجود للشمس والقمر من دون الله عز وجل، فقال له: لقد غلبت العرب على أجَلِّ الممالك، وأنفسها، وأوسعها رَيعاً، وأكثرها أموالاً، وأعقلها رجالاً، وأهداها صوتاً، ثم قال له: فما منزلة سائر الملوك عندكم. فقال: ما لي بهمِ علم، فقال للترجمان قل له: إنا نعدُّ الملوك خمسة، فأوسعهم ملكاَ الذي يملك العراق، لأنه في وسط الدنيا، والملوك مُحْدِقَة به، ونجد اسمه ملك الملوك، وبعده ملكنا هذا، ونجده عندنا ملك الناس، لأنه لا أحد من الملوك أسوس منا، ولا أضبط لملكه من ضبطنا لملكنا، ولا رعية من الرعايا أطوع لملكها من رعيتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعده ملك السباع، وهو ملك الترك الذي يلينا، وهم سباعُ الِإنْس، ومن بعده ملك الذيلَةِ، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة أيضاً، لأن أصلها منهم، ومن بعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال، لأنه ليس في الأرض أتم خلقاً من رجاله، ولا أحسن وجوهاً منهم، فهؤلاء أعيان الملوك، والباقون دونهم، ثم قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته. يعني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال القرشي: وكيف لي برؤيته وهو عند اللّه عزّ وجلّ؟ فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت صورته، فقلت: أجل، فأمر بسَفَطٍ فأخرج فضع بين يديه، فتناول منه درجاً، وقال للترجمان: أره صاحبه، فرأيت في الدرج صور الأنبياء، فحركتُ شفتيَّ بالصلاة عليهم، ولم يكن عندهم أني أعرفهم، فقال للترجمان: سَلْه عن تحريكه لشفتيه، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء: ومن أين عرفتهم؟ فقلت: بما صُوِّرَ من أمورهم، هذا نوح عليه السلام في السفينة ينجو بمن معه لما أمر اللّه عزّوجلّ الماء فعمَّ الماء الأرض كلها بمن فيها وسلمه وَمَنْ معه، فقال: أما نوح فصدقت في تسميته، وأما غرق الأرض كلها فلا نعرفه، وإنما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل إلى أرضنا، وإن كان خبركم صحيحاً فعن هذه القطعة، ونحن معاشر أهل الصين والهند والسند وغيرنا من الطوائف والأمم لا نعرف ما ذكرتم، ولا نَقَلَ إلينا أسلافنا ما وصفتم، وما ذكرت من ركوب الماء الأرض كلها فعن الكوائن العظام التي تُفزع النفس إلى حفظة وتتداوله الأمم ناقلة له، قال القرشي: فَهِبْتُ الرد عليه وإقأمة الحجة؛ لعلمي بدَفْعِهِ ذلك، ثم قلت: وهذا موسى صلى الله عليه وسلم وبنوإسرائيل، فقال: نعم على قلة البلد الذي كان به وفساد قومه عليه، ثم قلت: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام على حماره الحواريُّونَ معه، فقال: لقد كان قليل المدة، إنما كان أمَده يزيد على ثلاثين شهراً شيئاً يسيراً، وعلا من سائر الأنبياء وأخبارهم ما اقتصرت على ذكر بعضه، ويزعم هذا القرشي وهو المعروف بابن هبار أنه رأى فق كل صورة كتابة طويلة قد دوِّن فيها ذكر أسمائهم، ومواضع بلدانهم، ومقادير اعمارهم، وأسباب نبواتهم وسيرهم، وقال: ثم رأيت صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جمل وأصحابه مُحْدِقون به في أرجلهم نعال عربية من جلود الِإبل، وفي أوساطهم الحبال، قد علقوا فيها المساويك، فبكيت، فقال للترجمان: سله عن بكائه، فقلت: هذا نبينا وسيدنا وابن عمنا محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، لقد ملك قَومه أجَلّ الممالك، إلا أنه لم يعاين من الملك شيئاً، إنما عاينه من بعده ومن تولى الأمر على أمته من خلفائه، ورأيت صور أنبياء كثيرة منهم من قد أشار بيده جامعاً بين سبَّابته وإبهامه كالحلقة، كأن يصف أن الخليقة في مقداو الحلقة، ومنهم من قد أشار بسبابته نحو السماء كالمُرْهِبِ للخليقة بما فق، وغير ذلك، ثم سألني عن الخلفاء وزيّهم وكثير من الشرالى فأجبته على قدر ما أعلم منها، ثم قال: كم عمر الدنيا عندكم؟ فقلت: فقد تنوزع في ذلك، فبعض يقول: ستة آلاف سنة، وبعض يقول. دونها، وبعض يقول: أكثر منها، فقال:ذلك عن نبيكم. فقلت: نعم، فضحك ضحكاً كثيراً ووزيره أيضاً، وهو واقف !ذَ على إنكار ذلك، وقال: ما حسبت نبيكم قال هذا، فزللت فقلت: بلى هو قال ذلك، فرأيت الِإنكار في وجهه، ثم قال للترجمان: قل له ميز كلامك فإن الملوك لا تكلم إلا عن تحصيل، أما زعمت أنكم تختلفن في ذلك، فإنكم اختلفتم في قول نبيكم، وما قالت الأنبياء لا يجب أن يختلف فيه، بل هو مسلم لها، فاحذر هذا وشبهه أن حكيه، وذكر أشياء كثيرة ذهبت عنيِ لطول المدة، ثم قال لي: لم عدلت عن ملكك وهو أقرب إليك داراَ ونسباً. قلت: بما حدث على البصرة، ووقوعي إلى سيراف، ونزعت بي همتي إلى ملكك أيها الملك، لما بلغني من استقأمة ملكك، وحسن سيرتك، وكثرة جنوثك وشمول سياستك لسائر رعيتك فأحببت الوقوع إلى هذه المملكة ومشاهدتها، وأنا راجع عنها إلى بلادي، وملك ابن عمي، ومخبر بما شاهدت من جلالة هذا الملك، وسعة هذه البلاد وعموم هذا العدل، وحسن شَيَمِك أيها الملك المحمود، وسأقول بكل قول حسن وأثني بكل جميل، فسَرَّهُ ذلك، وأمرلي بجائزة سنية، وخلع شريفة، وأمر بحملي على البريد إلى مدينة خانقوا، وكتب إلى ملكها بإكرامي وتقديمي على من في ناحيته من سائر خواص الناس، وإقأمة النُزُل إلى وقت خروجي عنه، فكنت عنلى في أخصب عيش وأنهمه، إلى أن خرجت من بلاد الصين.

وصف مدينة حمدان

قال المسعودي: وأخبرني أبو زيد الحسن بن يزيد السيرافي بالبصرةوكان قد قطنها وانتقل عن سيراف، وذلك في سنة ثلاث وثلثمائة، وأبو زيد هذا هو ابن عمر بن زيد بن محمد بن مزد بن ساسياد السيرافي، وكان الحسن بن يزيد من أهل التحصيل والتمييزأنه سأل ابن هبار هذا القرشي عن مدينة حمدان التي بها الملك وصفتها، فذكر سعتها، وكثرة أهلها، وأنها مقسومة على قسمين يفصل بينهما شارع عظيم طويل عريض، فالملك ووزيره وقاضي القضاة وجنوده وخصيانه، وجميع أسبابه في الشق الأيمن منه مما يلي المشرق لا يخالطهم أحد من العأمة، وليس فيه شيء من الأسواق، بل أنهار في سككهم مطردة، وأشجار عليها منتظمة، ومنازل فسيحة، وفي الشق الأيسر مما يلي المغرب الرعية والتجار والميرة والأسواق فإذا وضح النهار رأيت فيها قَهَارمة الملك وغلمانه وغلمان وزرائه ووكلائهم ما بين راكب وراجل قد دخلوا إلى الشق الذي فيه العأمة والتجار، فأخفا بضائعهم وحوائجهم، ثم انصرفا فلا يعود واحد منهم إلى هذا الشق إلا في اليوم الثاني، وأن هذه البلدان فيها كل نزهة وغَيْضَة حسنة، وأنها مُطَّردة إلا النخل فإنه معدوم عندهم.

مهارة أهل الصين

وأما أهل الصين فمن أحْنَقِ خلق اللهّ كفَاَ بنقش وصنعة وكل عمل لا يتقدمهم فيه أحد من سائر الأمم، والرجل منهم يصنع بيده ما يقدرأن غيره يعجز عنه؛ فيقصد به باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع، فيأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة، فإن لم يخرج أحد فيه غيبَاَ أجاز صانعه وأدخله في جملة صناعه، وإن أخرج أحد فيه عيباً طرحه ولم يجزْه، وأن رجلَاَ منهم صورسنبلة سقط عليها عصفرفي ثوب حرير، لا يشك الناظر إليها أنها سنبلة سقط عليها عصفر، فبقي الثوب مدة، وأنه اجتاز به رجل أحْدَبُ، فعاب العمل، فأدخل إلى الملك وأحضر صاحب العمل، فسأل الأحدب عن العيب، فقال: المتعارف عند الناس جميعاً أنه لا يقع عصفر على سنبلة إلا أمالها، وصَوَر هذا المصورالسنبلة فنصبها قائمة لامَيْلَ فيها، وأثبت العصفر فقها منتصباً، فأخطأ، فصدق الأحدب، ولم يثب صاحبها بشيء، وقَصْدُهم بهذاوشبهه الرياضة لمن يعمل هذه الأشياء؟ ليضطرهم ذلك إلى شدة الاحتراز والحذر وإعمال الفكرفيما يصنعه كل واحد منهم بيده.ولأهل الصين أخبار عظيمة عجيبة، ولبلادهم أخبار ظريفة سنورد فيمايرد من هذا الكتاب جملاً منها وإن كنا قد أتينا على سائر الأخبار من ذلك في كتابنا أخبار الزمان في الأمم الماضية والممالك الدائرة وذكرنا في الكتاب الأوسط جملاً لم نتعرض لذكرها في كتاب أخبار الزمان وربما ذكرنا في هذا الكتاب ما لم يتقدم ذكره في ذينك الكتابين، واللهّ أعلم.

ذكر جمل من الأخبار عن البحار

وما فيها وما حولها من العجائب والأمم، ومراتب الملوك وأخبار الأندلس ومعادن الطيب وأصوله وعدد أنواعه وغير ذلك

قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب جملآَ من ترتيب البحار المتصلة والمنفصلة، فلنذكر الان في هذا الباب جملاً من أخبار ما اتصل بنا من البحر الحبشي والممالك والملوك، وجملاً من ترتيبها، وغير ذلك من أنواع العجائب.

اضطراب بحر فارس وبحر الهند وهدوئهما

فنقول: إن بحر الصين والهند وفارس واليمن متصلة مياهُهَاغير منفصلة، على ما ذكرنا، الا أن هيجانها وركودها مختلف لاختلاف مهاب رياحها وآثار ثورانها وغير ذلك، فبحر فارس تكثر أمواجه، ويصعب ركوبه، عند لين بحر الهند واستقامه ركوبه وقلة أمواجه، ويلين بحر فارس، وتقلُّ أمواجه، ويسهل ركوبه، عند ارتجاج بحر الهند، واضطراب أمواجه وظلمته، وصعوبة مركبه، فأول ما تبتدىء صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السنبلة وقرب الاستواء الخريفي، ولا يزال في كل يوم تكثر أمواجه إلى أن تصير الشمس إلى برج الحوت، فأشدًّ ما يكون ذلك في آخر الخريف عند كون الشمس في القوس، ثم يلين إلى أن تعود الشمس إلى السنبلة، وآخر ما يكون ذلك في آخر ما يكون ذلك في آخر الربيع عند كون الشمس في الجوزاء، وبحر الهند لا يزال كذلك إلى أن تصير الشمس إلى السنبلة فيركَبُ حينئذ، وأهدأ ما يكون عند كون الشمس في القوس، وبحر فارس يركَبُ في سائر السنة من عُمَان إلى سيراف، وهو ستون ومائة فرسخ، ومن سيراف إلى البصرة وهو أربعون ومائة فرسخ، ولا يتجاوز في ركوبه غير ما ذكرنا من هذين الموضعين ونحوهما، وقد حكى أبو معشر المنجم في كتابه المترجم بالمدخل الكبير إلى علوم النجوم ما ذكرنا من اضطراب هذه البحار وهدوئها عند كون الشمس فيما ذكرنا من البروج، وليس يكاد يقطع من عُمَان نحو الهند في انتهائه إلا مركب معزز، وحمولته يسيرة، وتسمى هذه المراكب بعمان إذا قَطَعَتْ أرض الهند في هذا الوقت التيرماهية، وذلك أن بلاد الهند وبحر الهند يكون فيه اليسارة وهو الشتاء ودوام الأمطار في كانون، وكانون وشباط عندنا صيف، وعندهم الشتاء، كما يكون عندنا الحر في حزيران وتموز وآب، فشتاؤنا صيفهم، وصيفهم شتاؤنا، وكذلك سائر مدن السند والهند وما اتصل بذلك إلى أقاصي هذا البحر، ومن شَتَّى في صيفنا بأرض الهند قيل: فلان يسَّرَ بأرض الهند، أي شتى هناك، وذلك لقرب الشمس وبعدها.

الغوص على اللؤلؤ

والغَوْص على اللؤلؤ في بحر فارس، وإنما يكون في أول نيسان إلى آخر أيلول، وما عدا ذلك من شهور السنة فلا غَوْص فَيها، وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على سائر مواضع الغَوْص في هذا البحر؛ إذ كان ما عداه من البحار لا لؤلؤ فيه، وهو خاص بالبحر الحبشي من بلاد خارك وقطر وعمان يسرنديب وغير ذلك من هذا البحر، وقد ذكرنا كيفية تكون اللؤلؤ، وتنازع لناس في تكونه، ومن ذهب منهم إلى أن ذلك من المطر، ومن ذهب مهم إلى أن ذلك من غير المطر، وصفة صدف اللؤلؤ العتيق منه والحديث لفي يسمى بالمحار، والمعروف بالبلبل، واللحم الذي في الصدف الشحم، وهو حيوان يفزع على ما فيه من اللؤلؤوالدر خوفاً من الغَاصَةِ، كخوف المرأة على ولدها، وقد أتينا على ذكر كيفية الغوص، إن الغَاصَةَ لا يكادون يتناولون شيئاً من اللحمان إلا السمك والتمر، وغيرهما من الأقوات، وما يلحقهم، وذكر شق أصول آذانهم لخروج النفس من هناك بدلاً عن المنخرين، لأن المنخرين يجعل عليهما شيء من الدبل هو ظهور السلاحف البحرية التي تتخذ منها الأمشاط أو من القرن يضمهما كالمشقاص لامن الخشب، وما يجعل في آذانهم من القطن فيه شيء من الدهن، فيعصرمن ذلك الدهن اليسيرفي الماء في قعره، فيضيء لهم ذلك في البحر ضياء بينا، وما يطلون به أقدامهم وَأسوَاقهم من السواد حوفاً من بَلع دواب البحر إياهم ولنفرها من السواد، وصياح الغاصة في قعر البحركالكلاب، وخرق الصوت الماء فيسمع بعضهم صياح بعض، للغَوَاص واللؤلؤ وحيوانه أخبار عجيبة وقد أتينا على جميع أوصاف ذلك وصفات اللؤلؤ وعلاماته وأثمانه ومقادير أوزانه فيما سلف من كتبنا.فأول هذا البحر مما يلي البصرة والأبلة والبحرين من خشبات البصرة، ثم بحر لا روى وعليه بلاد صيمور وسوبارة وتابة وسندان وكنبايةوغيرها من السند والهند، ثم بحرهركند، ثم بحركلاه، وهوبحركلة والجزائر، ثم بحر كردنج، ثم بحر الصنف، وإليه يضاف العود الصنفي وإلى بلاده، ثم بحر الصين وهو بحر صنجي ليس بعده بحر، فأول بحار فارس على ما ذكرنا خشبات البصرة والموضع المعروف بالكفلاء وهي علامات منصوبة من خشب في البحر مغروسة علامات للمراكب إلى عمان مسافة ثلاثمائة فرسخ، وعلى ذلك ساحل فارس وبلاد البحرين، ومن عمان وقصبتها تسمى سنجار، والفرس يسمونها مزون إلى المسقط، وهي قرية منها يستقي أرباب المراكب الماء من آبار هناك عذبة خمسون فرسخاً، ومن المسقط إلى رأس الجمجمة خمسون فرسخاً، وهذا آخر بحر فارس، وطوله أربعمائة فرسخ، هذا تحديد النواتية وأرباب المراكب، ورأس الجمجمة جبل متصل ببلاد اليمن من أرض الشَحْر والأحقاف، والرمل منه تحت البحر، لا يدري أين تنتهي غايته في الماء أعني الجبل المعروف برأس الجمجمة، وإذا كان ما وصفنا من الجبل في البر ومنه تحت البحر سمي في البحر الرومي سفالة، من تلك السفالة في الموضع المعروف بساحل سلوقيا من أرض الروم، واتصالها تحت البحر بنحو من جزيرة قبرص، وعليها عطَبُ أكثر مراكب الروم وهلاكها، وإنما نعبر بلغة أهل كل بحروما يستعملونه في خطابهم فيما يتعارفنه بينهم، فمن هناك تنطلق المراكب إلى البحر الثاني وهو المعروف بلا روي ولا يُدْرى عمقه ولا يحصر طوله وعرضه عند البحريين، وربما يقطع في الشهرين والثلاثة وفي الشهر، على قدر مهاب الريح والسلأمة، وليس في هذه البحار أعني مااحتوى عليه البحر الحبشي أكبر من هذا البحر بحر لاروى، ولا أشد، وفي عرضه بحر الزنج وبلادهم، وعنبر هذا البحر قليل، وذلك أن العنبرأكثره يقع إلى بلاد الزنج وساحل الشَحْر من أرض العرب، وأهل الشحر أناس من قضاعة وغيرهم من العرب، وهم مَهْرة، ولغتهم بخلاف لغة العرب، وذلك أنهم يجعلون الشين بدلاً من الكاف، مثال ذلك أن يقولوا: هل لَش فيما قُلْت لَش، وقلت لي: أن تجعلي الذي معي في الذي مَعَش، يريد هل لك فيما قلت لك، وقلت لي أن تجعلي الذي معي في الذي معك، وغير ذلك من خطابهم ونوادر كلامهم، وهم فو فقر وفاقة، ولهم نُجُب يركبونها بالليل تعرف بالنجب المَهْرِيَّة تشبه في السرعة بالنجب البجاوية، بل عند جماعة أنها أسرع منها، يسيرون عليها على ساحل بحرهم، فإذا أحسَّتْ هذه النجب بالعنبر قد قذفه البحر بركت عليه، قد رِيضَتْ لذلك واعتادته، فيتناوله الراكب، وأجود العنبر ما وقع في هذه الناحية وإلى جزائر الزنج، وساحله، وهو المدور الأزرق النادر كبيض النعام أو دون ذلك، ومنه ما يبلعه الحوت المعروف بالأوال المقدم ذكره، وذلك أن البحر إذا أشتد قذف من قعره العنبر كقطع الجبال وأصغر، على ما وصفنا، فإذا ابتلع هذا الحوت العنبر قتله فيطف فق الماء، ولذلك اناس يرصدونه في القوارب من الزنج وغيرهم، فيطرحون فيه الكلاليب والحبال، فيشقون عن بطنه ويستخرجون العنبر منه، فما يخرج من بطنه يكون سَهِكاً، ويعرفه العطارون بالعراق وفارس بالند، وما بقي على ظهر الحوت منه كان نقياً جيداً، على حسب لبثه في بطن الحوت، وبين البحر الثالث وهو هركند والبحر الثاني وهو لاروى على ما ذكرنا جزائر كثيرة، وهي فرز بين هذين البحرين، ويُقال: إنها نحو من ألفي جزيرة، وفي قول المحق ألف وتسعمائة جزيرة كلها عامر بالناس، وملكة هذه الجزائر كلها امرأة، وبذلك جرت عادتهم من قديم الزمان لا يملكهم رجل، والعنبر يوجد في هذه الجزائر أيضاً، يقذفه البحر، ويوجد في بحرها، كأكبر ما يكون من قطع الصخر، وأخبرني غير واحد من نَوَاخذة السيرافيين والعمانيين بعمان وسيراف وغيرها من التجار ممن كان يختلف إلى هذه الجزائر أن العنبرينبت في قعر هذا البحر، ويتكون كتكون أنواع الفطر: من الأبيض، والأسي، والكمأة والمغاريد، وبنات أوْبَرَ ونحوها، فإذا هاج البحر وأشتد قذف من قعره الصخور والأحجار وقطع العنبر، وأهل هذه الجزائر متفقون، وكلمتهم واحدة، ولا يحصرهم العد لكثرتهم، ولا تحصى جيوش هذه الملكة عليهم، وبين الجزيرة والجزيرة نحو الميل والفرسخ والفرسخين والثلاثه، ونخلهم شجر النارجيل، لا يفقد من النخلة إلا التمر، وقد زعم أناس ممن عنى بتوالدات الحيوان وتطعيم الأشجار أن النارجيل هو نخل المقل، وإنما أثرت فيه تربة الهند حين غرس فيها فصارنارجيلاً، وإنما هو نخل المقل، وقد ذكرنا في كتابنا المترجم بالقضايا والتجارب ما تؤثَره كل بقعة من بقاع الأرض وهوائها في حيوانها من الناطقين وغيرهم، وما يؤثر البقاع في النامي من النبات، وفيما ليس بنام، كتأثير أرض الترك في وجوههم وصغر أعينهم، حتى أثر ذلك في جِمَالهم، فقصرت قوائمها، وغلظت رقابها، وأبيض وَبَرها؛ وأرض يأجوج ومأجوج في صورهم، وغير ذلك، مما إذا تبينه فو المعرفة في سكان الأرض من المشرق والمغرب وجدوه على ما ذكرناه،وليس يوجد في جزائر البحر ألطف صنعة من أهل هذه الجزائر في سائر المهن والصنائع، في الثياب والآلات وغير ذلك، وبيوت أموال هذه الملكة الودع، وذلك أن هذا الودع فيه نوع من الحيوان، وإذا قل مالها أمرت أهل هذه الجزائر أنيقطعوا من سعف نخل النارجيل بخوصه، ويطرحونه على وجه الماء، فيتراكب عليه ذلك الحيوان، فيجمع ويطرح على رمل الساحل، فتحرق الشمس ما فيه من الحيوان، ويبقى الودع خالياً مما كان فيه، فتملأ من ذلك بيوت الأموال، وهذه الجزائر تعرف جميعها بالدبيحات ومنها يحمل أكثر الزانج، وهو النارجيل، وآخر هذه الجزائر جزيرة سرنديب، ويلي جزيرة سرنديب جزائر أخر نحو من ألف فرسخ تعرف بالرامين معمورة وفيها ملوك وفيها معادن من ذهب كقيرة، ويليها بلاد قنصور وإليها يضاف الكافر القنصوري، والسنة التي تكون كثيرة الصواعق والبروق والرَّجْف والقذف والزلازل يكثر فيها الكافر، وإذا قل ذلك كان نقصاناً في وجوده، وأكثر ما ذكرنا من الجزائر غذاؤهم النارجيل، ويحمل من هذه الجزائر خشب البَقَم والخيزران والذهب، وفيلتها كثيرة، ومنها ما يأكل لحوم الناس، وتتصل هذه الجزائر بجزائر النجمالوس، وهي أمم عجيبة الصور عراة يخرجون في القوارب عند اجتياز المراكب بهم، معهم العنبر والنارجيل، فيتعاوضون بالحرير وشيء من الثياب، ولا يبيعون ذلك بالدراهم ولا بالدنانير، وتليهم جزائر يُقال لها أندامان، فيها اناس سود عجيبو الصورة والمنظر مفلفلو الشعور قَدَمُ الواحد منهم أكبر من الذراع، لأمراكب لهم، فإذا وقع الغريق إليهم مما قد انكسر في البحر أكلوه، وكذلك فعلهم بالمراكب إذا وقعت إليهم، وذكر لي جماعة من النواخذة أنهم ربما رأوا في هذا البحر سحاباً أبيض قطعاً صغاراً يخرج منه لسان أبيض طويل حتى يتصل بماء البحر، فإذا اتصل به غَلَا البحر لذلك، وارتفعت منه زوابع عظيمة، لا تمر زوبعة منها بشيء إلا أتلفته، ويُمْطَرون عقيب ذلك مطراً سهِكاً فيه أنواع من قذى البحر.

بحر كلة

وأما البحر الرابع فهو كلاهبار، على حسب ما ذكرنا، وتفسير ذلك بحر كلة، وهو بحر قليل الماء، وإذا قل ماء البحر كان أكثر آفات وأشد خبثَاَ، وهو كثير الجزائر والصراوي، واحدها صرو، وذلك أن أهل المراكب يسمون ما بين الخليجين إذا كان طريقهم فيه الصرو، وبهذا البحر أنواع من الجزائر والجبال عجيبة، وإنما غرضنا التلويح بلمع من الأخبار عنها، لا البسط،.

بحر كردبح

وكذلك البحر الخامس المعروف بكردبح، فإنه كثير الجبال والجزائر، وفيه الكافر، وهو قليل الماء كثير المطر، لا يكاد يخلو منه، وفيه أجناس من الأمم منهم جنس يُقال له الفنجب: شعورهم مفلفلة وصورهم ومناظرهم عجيبة، يتعرضون في قوارب لهم لطاف للمراكب إذا اجتازت بهم، ويرمون بنوع من السهام عجيبة قد سُقِيت السم، وبين هذه الأمة وبين بلاد كلة جبال معادن الرصاص الأبيض وجبال من الفضة، وفيها أيضاً معادن من الذهب، ورَصَاص لا يكاد يتميز منه.

بحرالصنف

ثم يليه بحر الصنف على ما رتبناه آنفاً، وفيه مملكة المهراج ملك الجزائر، وملكه لا يضبط كثرة، ولا تحصى جنوده، ولا يستطيع أحد من الناس في أسرع ما يكون من المراكب أن يمر بجزائره في سنين، وقد حاز هذا الملك أنواع الطيب والأفاوية، وليس لأحد من الملوك ماله، ومما يحمل من بلاده ويجهز من أرضه الكافر والعود والقرنفل والصَنْدَل والجوز والبسباسة والقاقلة والكبابه وغير ذلك مما لم نذكره، وجزائره تتصل ببحر لا تدرك غايته، ولا يعرف منتهاه مما يلي بحر الصين، وفي أطراف جزائره جبال فيها أمم كثيرة بيض، آذانهم مخرمة ووجوههم كقطع التراس مُطْرَقة، يجزُّون شعورهم كما يجز الشعر من الزق مدرجاً، تظهر من جبالهم النار بالليل والنهار، فنهارها حمراء وبالليل تسود، وتلحق بعنان السماء لعلوها وذهابها في الجو، تقذف بأشد ما يكون من صوت الرعد والصواعق، وربما يظهر منها صوت عجيب مفزع ينذر بموت ملكهم، وربما يكون أخفض من ذلك فينذر بموت بعض رؤسائهم، قد عرف ما ينذر من ذلك يطول العادات والتجارب على طول السنين، وأن ذلك غير مختلف، وهذه أحد آطام الأرض الكبار 4 وتليها الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأوقات أصوات الطبول والسرنايات والعيدان وسائر أنواع الملاهي المطربة المستلذة، ويسمع إيقاع الرقص والتصفيق، ومن يسمع ذلك يميز بين كل نوع من أصوات الملاهي وغيره، والبحريون ممن اجتاز بتلك الديار يزعمون أن الدجال بتلك الجزيرة.وفي مملكة المهراج جزيرة سريرة، ومسافتها في البحر نحومن أربعمائة فرسخ، عمائر متصلة، وبه جزيرة الزانج والرامني وغير ذلك مما لا يؤتى على ذكره من جزائره وملكه، وهو صاحب البحر السادس، وهو بحرالصنف.

بحر الصين

ثم البحر السابع وهو بحر الصين على ما رتبناه آنفاً، ويعرف ببحر صنجى وهو بحر خبيث كثير الموج والخب، وتفسير الخب الشدة العظيمة في البحر، وإنما نخبر عن عبارة أهل كل بحر وما يستعملونه في خطابهم، وفيه جبال كثيرة لا بد للمراكب من النفذ بينها، وذلك أن البحر إذا عظم خبه وكثر موجه ظهرت أشخاص سود طول الواحد منهم نحو الخمسة أشبار أو الأربعة كأنهم أولاد الأحابيش الصغار، شكلاً واحداً، وقداً واحداً، فيصعدون على المراكب، ويكثر منهم الصعود من غير ضرر ة فإذا شاهد الناس ذلك تيقنوا الشدة فإن ظهورهم علأمة للخب، فيستعدون لذلك: فمعافى، ومبتلى، فإذا كان كذلك. ربما شاهد المعاقى منهم في أعلى الدقل ويسميه أرباب المراكب في بحر الصين وغيره من البحر الحبشي الدولي، ويسميه الرجال في البحر الرومي الصاري شيئاً على صورة الطائر يتوقد نوراً لا يستطيع الناظرمنهم على ملء بصره منه، ولا إداركه كيف هو، فإذا أستقل على أعلى الدقل يرون البحر يهدأ، والأمواج تصغر، والخب يسكن، ثم إن ذلك النور يفقد؛ فلا يدرى كيف أقبل، ولا كيف ذهب، فذلك علأمة الخلاص، ودليل النجاة، وما ذكرنا فلا تناكر فيه عند أهل المراكب والتجار من أهل البصرة وسيراف وعمان وغيرهم ممن قطع هذا البحر، وما ذكرناه عنهم فممكن غير ممتنع ولا واجب؛ إذا كان جائزاً في مقدور الباري جَلّ وعز خلاص عباده من الهلاك واستنقاذهم من البلاد.وفي هذا البحر نوع من السراطين يخرج من البحر كالذراع والشبر وأصغر من ذلك وأكبر، فإذا بان عن الماء بسرعة حركة وصار على البر صار حجارة وزالت عنه الحيوانية، وتدخل تلك الحجارة في أكحال العين وأدويتها، وأمره مستفيض أيضاً.

ولبحر الصين أيضَاَ وهو السابع المعروف بصنجى أخبار عجيبة،وقد أتينا على جمل من أخباره وأخبار ما اتصل به من البحار فيما سمينا من كتبنا وأسلفنا من تصنيفنا في هذا المعنى، ونحن ذاكروان فيما يرد من هذا الكتاب من أخبار الملوك جوامع وجملاً من ذلك.وليس بعد بلاد الصين مما يلي البحر ممالك تعرف ولا توصف، إلابلاد السيلى وجزائرها، ولم يصل إليها من الغرباء أحد من العراق ولا غيره، فخرج منها ة لصحة هوائها، ورقة مائها، وجودة ترتبها، وكثرة خيرها وصفاء جواهرها إلا النادر من الناس، وأهلها مهادنون لأهل الصين وملوكها، والهدايا بينهم لا تكاد تنقطع، وقد قيل: إنهم تشعبوا من ولد عامو، وسكنوا هناك، على حسب ما ذكرنا من سكنى أهل الصين في بلادهم، وللصين أنهار كبار مثل الدجلة والفرات، تجري من بلاد الترك والتبت والصغد، وهي بين بخارى وسمر قند.

جبال النوشادر

وهناك جبال النوشادر، فإذا كان في الصيف رؤيت في الليل نيران قد ارتفعت من تلك الجبال من نحو مائة فرسخ بالنهار يظهر منها الدخان لغلبة شعاع الشمس وضوء النهار، ومن هناك يحمل النوشادر، فإذا كان في أول الشتاء فمن أراد من بلاد خراسان أن يسلك إلى بلاد الصين صار إلى ما هنالك وهنالك واد بين تلك الجبال طوله أربعون ميلاً أو خمسون فيأتي إلى أناس هنالك على فم الوادي فيرغبهم في الأجرة النفيسة فيحملون ما معه على أكتافهم، وبأيديهم العصي يضربون جنبيه خوفاً أن يبلح أو يقف فيموت من كَرْب الواعي وَهَوْله، حتى يخرجوا إلى ذلك الرأس من الوادي، وهنالك غابات ومستنقعات للماء، فيطرحون أنفسهم في ذلك الماء، لما قد نالهم من شدة الكرب وحر النوشادر، ولا يسلك ذلك الطريق شيء من البهائم، لأن النوشادريلتهب ناراً في الصيف، فلا يسلك ذلك الوادي داع ولا مجيب، فإذا كان الشتاء وكثرت الثلوج والأنداء وقع في ذلك الموضع فأطفأ حر النوشادر ولهيبه، فسلك الناس حينئذ ذلك الوادي، والبهائم لا صبر لها على ما ذكرناه من حره، وكذلك مَنْ ورد من بلاد الصين فُعِل به من الضرب ما فعل بالمار، والمسافة من بلاد خراسان على الموضع الذي ذكرناه إلى بلاد الصين نحو من أربعين يوماً بين عامروغير عامر ودماس ورمل، وفي غير هذه الطريق مما يسلكه البهائم نحو من أربعة أشهر، إلا أن ذلك في خفارات أنواع من الترك.

وصف بلاد التبت

وقد رأيت بمدينة بلخ شيخاً جميلاً ذا رأي وفهم وقد دخل الصين مراراً كثيرة ولم يركب البحر قط، ورأيت عدة من الناس ممن سلك من بلاد الصغد على جبال النوشادر إلى ارض التبت والصين ببلاد خراسان وبلاد الهند متصل ببلاد خراسان والسند مما يلي بلاد المنصورة والمولتان، والقوافل متصلة من السند إلى خراسان، وكذلك إلى الهند، إلى أن تتصل هذه الديار ببلاد زابلستان، وهي بلاد واسعة تعرف بمملكة فيروز بن كبك، وفيها قلاع عجيبة ممتنعة، ولغات مختلفة، وامم كثيرة، وقد تنازع الناس في أنسابهم: فمنهم من ألحقهم بولد يافث بن نوح، ومنهم من ألحقهم بالفرس الأولى في نسب طويل، وبلاد التبت مملكة متميزة من بلاد الصين، والغالب عليهم حِمْيَر، وفيهم بعض التبابعة على حسب ما ذكرنا من أخبار ملوك اليمنِ فيما يرد من هذا الكتاب، وذلك موجود في أخبار التبابعة، ولهم حَضرٌ وَبَحْو، وبواديهم ترك لا تدرك كثرة، ولا يقاومهم أحد من بوادي الأتراك، وهم معظمون في سائر أجناس الترك ة لأن الملك كان منهم في قديم الزمان، وعند سائر أجناس الترك أن الملك سيعود إليهم ويرجع فيهم ولبلاد التبت خواص عجيبة في هوائها وسهلها ومائها وجبلها، ولا يزال الِإنسان أبداً ضاحكاً بها فرحاً مسروراً، لا تعرض له الأحزان ولا الغموم ولا الأفكار، ولا تحصى عجائب ثمارها وزهرها . ومروجها وهوائها وأنهارها، وهي بلاد تقوى فيها طبيعة الدم على الحيوان الناطق وغيره، ولا يكاد يُرَى في هذا البلد شيخ حزين ولا عجوز، بل الطرب في الشيوخ والكهول والشباب والأحداث عام، وفي أهلها رقة طبع وبشاشة وأريحية تبعث على كثرة استعمال الملاهي والمعاقرة وأنواع إيقاع الرقص، حتى إن الميت إذا مات لا يكاد يداخل أهله عليه كثير من الحزن مما يلحق غيرهم من سائر الناس عند فقد محبوب أو فت مطلوب، ولهم تحنن كثيرمن بعضهم على بعض، والتتيم فيهم عام، وكذلك يظهر في سائر بلادهم، وهذه البلاد تسمى بمن ثبت فيها ورتب من رجالى حمير فقيل تبت لثبوتهم فيها، وقيل: لمعاني غير ذلك، والأشهر ما وصفنا، وقد افتخر دعبل بن علي الخزاعي بذلك في قصيدته التي يناقض فيها الكميت ويفخر بقحطان على نزار، فقال:

وهم كَتَبُوا الكتاب بباب مَرْوٍ

 

وباب الصين كانوا الكاتبينا

وهم سموا السهام بسمرقند

 

وهم غرسواهناك التبتينـا

وسنذكر في باب أخبار ملوك اليمن طرفاً من أخبار ملوكهم، ومن طاف منهم البلاد، وبلاد التبتَ متاخمة لبلاد الصين وأرضها من إحدى جهاته، ولأرض الهند وخراسان ولمفاوز الترك، ولهم مدن وعمائر كثيرة فات مَنَعَة وقوة، وقد كانوا في قديم الزمان يسمون ملوكهم تُبعاً اتِّباعاً لاسم تبع ملك اليمن، ثم إن الدهر ضرب ضرباته، فتغيرت لغاتهم عن الحميرية، وجالت إلى لغة تلك البلاد ممن جاورهم من الأمم فسموا ملوكهم بخاقان.

ظباء المسك

وفي بلادهم الأرض التي بها ظباء المسك التبتي الذي يفضل على الصينين بجهتين: إحداهما أن ظباء التبت ترعى سنبل الطيب وأنواع الأفاويه وظباء الصين ترعى الحشيش دون ما ذكرنا من أنواع حشائش الطيب التي ترعاه التبتية، والجهة الأخرى أن أهل التبت لا يتعرضون لإِخراج المسك من نَوَافجه ويتركونه على ما هو به وأهل الصين يخرجونه من النوافج ويلحقونه الغش بالدم وغيره من أنواع الغش، وأن الصيني أيضاً يقطع به ما وصفنا من مسافة البحار وكثرة الأنداء واختلاف الأهوية، وإنْ عُدِم من أهل الصين الغش في مسكهم وأودع براني الزجاج وأحكم عِفاصها ووكاؤها، وأورد إلى بلاد الاسلام من عمان وفارس والعراق وغيرها من الأمصار، كان كالتبتي، وأجود المسك وأطيبه ما خرج من الظباء بعد بلوغه النهاية في النضج، وذلك أنه لا فرق بين غزلاننا هذه وبين غزلان المسك في الصورة والشكل واللون والقرن، وإنما تتبين تلك بأنياب لها كأنياب الفيلَة، لكل ظبي نابان خارجان من الفكين قائمان منتصبان أبيضان نحو الشبر وأقل وأكثر، فتنصب لها في بلاد التبت والصين الحبائل والأشراك وَالشِّبَاك فيصطادونها، وربما رموها بالسهام فيصرعونها فيقطعون عنها نوافجها والدم في سررها حار لم ينضج وطَري لم يدرك، فيكون لريحته سهوكة، فيبقى زماناً حتى تزول منه تلك الرائحة السهكة الكريهة، ويستحيل بمواد من الهواء فيصير مسكاً، وسبيل ذلك سبيل الثمار إذا أبينت عن الأشجار وقطعت قبل استحكام نضجها في شجرها واستحكمام موادها فيه، وخير المسك ما نضج في وعائه، وأدرك في سرته، واستحكم في حيوانه، وتمام مواده، وذلك أن الطبيعة تدفع مواد الدم إلى السرة، فإذا استحكم كون الدم فيها ونضج آذاه ذلك وَحًكهُ فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور والأحجار الحارة من حر الشمس فيحتك بها مستلذاً بذلك فينفجر حينئذ ويسيل على تلك الأحجار كانفجار الْخرَّاج والدمَل إذا نضج ما فيه عند ترادف المواد عليه فيجد لخروجه لدة، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذ، ثم اندفعت إليه مواد من الدم، ويجتمع ثانية ككونها بَدءاً، فتخرج رجال التبت يقصمون مراعيها بين تلك الأحجار والجبال، فيجحون المم قد جف على تلك الصخور والأحجار، وقد أحكمته المواد، وأنضجته الطبيعة في حيوانه،. وَجَفَّفَته الشمس، وأثر فيه الهواء، فيأخنونه، فذلك أفضل المسك، فيودعونه نوافج معهم قد أخفها من غزلان قد أصطادوها مستعحة معهم؟ فذلك الذي تستعمله ملوكهم ويتهادونه بينهم، ويحمله التجار في النادر من بلادهم، والتبت ف مدن كثيرة، فيضاف مسك كل ناحية إليها.قال المسعودي: وقد أقرت ملوك الصين والترك والهند والزنج وسائرملوك العالم لملك بابل بالتعظيم، وأنه أول ملوك العالم، وأن منزلته فيهم كمنزلته فيهم كمنزلة القمر في الكواكب؛ لأن إقليمه أشرف الأقاليم، ولأنه أكثر الملوك مالاً، وأحسنهم طبعاً، وأكثرهم سياسة، وأثبتهم قحمأ، وهذا وصف ملوك هذا الِإقليم فيما مضى، لا في هذا الوقت، وهو سنة اثنتيز وثلاثين وثلثمائة، وكانوا يلقبون هذا الملك شاهنشاه، وتفسيره ملك الملوك، ومنزلته في العالم منزلة القلب من جسد الِإنسان والواسطة من القلادة، ثم يتلوه ملك الهند، وهوملك الحكمة، وملك الفيلَة؟ لأن عند الملوك الأكاسرة أن الحكمة من الهند بدؤها، ثم يتلوه في المرتبة ملك الصين، وهو ملك الرعاية والسياسة وإتقان الصنعة، وليس في ملوك العالم أكئررعاية وتفقداً من ملك الصين لرعيته من جنده وعوامه، وهو ف بأس شذيد، وقوة وَمَنَعَة، له من الجنود المستعمة، والكراع والسلاح،ويرزق جنمه كفعل ملوك بابل، ثم يتلو ملك الصين ملك من ملوك الترك صاحب مدينة كوشان، وهو ملك الطغزغز من الترك، ويدعى ملك السباع وملك الخيل؛ إذ ليس في ملوك العالم أشد بأساً من رجاله، ولا أشد استئساداً منه على سفك الدماء، ولا أكثر خيلاً منه، ومملكته فرز بين بلاد الصين ومفاصز خراسان، ويدعى بالاسم الأعم أيرخان، وللترك ملوكٌ كثيرة، وأجناص، مختلفة، ولا تنقاد إلى ملكه، إلا أنه ليس منهم من يُدَانِي ملكه، ثم يتلوه ملك الروم، ويدعى ملك الرجال، وليس في ملوك العالم أصبح وجوهاً من رجاله، ثم إن ملوك العالم تتفاوت مراتبها ولا تتساوى، وقد قال ف عناية بأخبار العالم وملركهم في شعر له يصف جملاً من مراتب العالم وممالكهم وأسمائهم:

الد ار داران: أيوان، وغـمـد ان،

 

وا لملك مُلْكَان: ساسان، وقحطان

والأرض فارس والإقلـيم بـابـل،

 

والإسلام مكة، والدنيا خـراسـان

والجانبان العليان اللـذا حـسـنـا

 

منها بخارى وبلخ الشـاهـدا ران

والبيلقان وطبرسـتـان فـارزهـا

 

والري شروانها، والجيل جـيلان

قد رتب الناس فيها في مراتبـهـم

 

فمرزبان، وبطريق، وطـرخـان

للفرس كسرى وللروم القياصر وال

 

حبش النجاشيئُ، والأتراك خاقـان

وصاحب صقلية وإفريقية من بلاد المغرب قبل ظهور الإِسلام كان يدعى جرجير وصاحب الأندلس كان يدعى لذريق، وهذا كان اسم سائر ملوك الأندلس، وقد قيل: إنهم كانوا من الأشبان، وهم أمة من ولد يافث بن نوح، دثرت هنالك، والأشهر عند من سكن الأندلس من المسلمين أن لذريق كان من ملوك الأندلس الجلالقة، وهم نوع من الإفرنجة، وآخر لذريق الذي كان بالأندلس قتله طارق مولى موسى بن نصير حين افتتح بلاد الأندلس ودخل إلى مدينة طليطلة وكانت قصبة الأندلس، ودار مملكتهم، ويشقها نهر عظيم يدعى تاجة يخرج من بلاد الجلالقة والوشكند، وهي أمة عظيمة لهم ملوك، وهم حَرْب لأهل الأندلس كالجلالقة والإِفرنجة، وبصب هذا النهر في البحر الرومي، وهو موصوف بأنه من أنهار العالم، وعليه على بعد من طليطلة مدينة طلبيرة، ثم قنطرة عظيمة تدعى قنطرة السيف بنتها الملوك السالفة، وهي من البنيان المذكور الموصوف وإنها أعجب عقوداً من قنطرة سنجة من الثغر الخزري مما يلي سميساط من بلاد سرجة، ومدينة طليطلة ذات منعة عليها أسوار منيعة، وأهلها بعد أن فتحت وصارت لبني أمية قد كانوا عصَوْا على الأمويين، فأقامت مدة سنين ممتنعة، لاسبيل للأمويين إليها، فلما كان بعد الخمس عشرة وثلثمائة فتحها عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم الأموي وعبد الرحمن هذا هو صاحب الأندلس في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وقد كان غَيرَ كثيراً من بنيان هذه المدينة حين افتتحها، وصارت دار مملكة الأندلس قرطبة إلى هذا الوقت، ومن قرطبة إلى مدينة طليطلة نحو من سبع مراحل، ومن قرطبة إلى البحر مسيرة نحو من ثلاثة أيام، ولهم على يوم ساحل البحر مدينة يُقال لها إشبيلية، وبلاد الأندلس يكون مسيرة عمائرها ومدنها نحواً من شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحو من أربعين مدينة، وتدعى بنوأمية بها ببني الخلائف، ولا يخاطبون بالخلفاء؛لأن الخلافة لا يستحقها عندهم إلا من كان مالكأ للحرمين، غير أنه يخاطب بأمير المؤمنين.

بنو أمية بالأندلس

وقد كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان سارإلى الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة فملكها ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعةأشهر، ثم هلك، فملكها ابنه هشام بن عبد الرحمن سبع سنين، ثم ملكها ابنه الحكم بن هشام نحواً من عشرين سنة، وولَده وُلاتُهَا إلى اليوم على ما ذكرنا أن صاحبها عبد الرحن بن محمد، ووليُّ عهد عبد الرحمن في هذا الوقت فتاه الحكم أحسن الناس سيرة، وأجملهم عدلًا، وقد كان عبد الرحمن صاحب الأندلس في هذا الوقت المقدم ذكره غزا سنة سبع وعشرين وثلثمائة في أزيد من مائة ألف فارس من الناس، فنزل على دار مملكة الجلالقة، وهي مدينة يُقال لها سمورة، عليها سبعة أسوار من عجيب البنيان قد أحكمتها الملوك السالفة، بين الأسوار فصلان وخنادق ومياه واسعة، فافتتح منهما سورين، ثم إن أهلهما ثاروا على المسلمين فقتلوا منهم ممن أدرك الإِحصاء وممن عُرِفَ أربعين ألفاً، وقيل: خمسين ألفاً، وكانت للجلالقة والوشكند على المسلمين، وآخر ما كان بأيدي المسلمين من مدن الأندلس وثغورها مما يلي الإِفرانجة مدينة أربونة، خرجت من أيدي المسلمين سنة ثلاثين وثلاثمائة مع غيرها مما كان في إيديهم من المدن والحصون، وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة من شرقي الأندلس طَرْطوشة، وعلى ساحل بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذاً في الشمال أفراغة على نهر عظيم، ثم لاردة، ثم بلغني عن هذه الثغور أنها تلاقي الِإفرانجة، وهي أضيق مواضع الأندلس، وقد كان قبل الثلثمائة ورد إلى الأندلس مراكب في البحر فيها ألوف من الناس أغْارت على سواحلهم، زعم أهل الأندلس أنهم ناس من المجوس تطرأ إليهم في هذا البحر في كل مائتين من السنين، وأن وصولهم إلى بلادهم من خليج يعترض من بحر أوقيانوس، وليس بالخليج الذي عليه المنارة النحاس، وأرىوالله أعلم أن هذا الخليج متصل ببحر مايطس ونيطس وأن هذه أمة هم الروس الذين قدمنا ذكرهم فيما سلف من هذا الكتاب إذ كان لا يقطع هذه البحار المتصلة ببحر أوقيانوس غيرهم، وقد أصيب في البحر الرومي فيما بين جزيرة أقريطش ألواح المراكب الساج المثقبة المخيطة بليف النارجيل من مراكب قد عطبت تقاذفت بها الأمواج في مياه البحار، وهذا لا يكون إلا في البحر الحبشي لأن مراكب البحر لرومي والعرب كلها فات مسامير، ومراكب البحر الحبشي لا يثبت فيها الحديد لأن ماء البحريذيب الحديد فترق المسامير في البحر وتضعف، فاتخذ أهلها الخياطة بالليف بدلاً منها، وطُلِيَتْ بالشحوم والنورة، فهذا يدل واللّه أعلم على إتصال البحار، وأن البحر مما يلي الصين وبلادالسيلى يحور على بلاد الترك، ويُفْضِي إلى بحار المغرب من بعض خلجان أوقيانوس المحيط.وقد كان وجد بساحل بلاد الشام عنبر قذف به البحر، وهذا من المستئكر فيَ البحر الرومي الذي لم يعهد فيه من قديم الزمان مثل ذلك، يمكن أن يكون سبيل وقوع العنبر إلى هذا البحر سبيل ما ذكرناه من ألواح مراكب البحر الصيني، والله أعلم بكيفية ذلك وعلمه.ولبحر المغرب وما قرب منه من عمائر السودان وأقاصي أرض المغرب أخبار عجيبة.

بلاد الحبشة والسودان

وقد ذكر فو العناية بأخبار العالم أن أرض الحبشة وسائر السودان كلها مسيرة سبع سنين، وأن أرض مصرجزء واحد من ستين جزءاً من ض السودان، وأن أرض السودان جزء وأحد من الأرض كلها، وأن الأرض كلها مسيرة خمسمائة سنة: ثلث عمران مسكون مأهول، وثلثٌ براري غير مسكون، وثلثٌ بحار، وتتصل أقاصي السودان العراة بآخر بلاد ولدإدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام من أرض المغرب، وهي بلاد تلمسان وتاهرت وبلاد فاس ثم السوس الأدنى، وبينه وبين بلاد القيروان نحو ألفي ميل وثلثمائة ميل، وبين السوس الأدنى والسوس الأقصى من المسافة نحو من عشرين يوماًعمائر متصلة إلى أن تتصل بوادي الرمل والقصر الأسود، ثم يتصل ذلك بمفاوز الرمل التي فيها المدينة المعروفة بمدين النحاس وقباب الرصاص التي سار إليها موسى بن نصير في أيام عبد الملك بن مروان ورأى فيها ما رأى من العجائب، وقد ذكر ذلك في كتاب يتداوله الناس، وقد قيل: إن ذلك في مفاوز تتصل ببلاد الأندلس، وهي الأرض الكبيرة، وقد كان ميمون بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي وهو إِباضِيُّ المذهب، وهو الذي أنشأ في ذلك البلد مذهب الخوارج، وقد قيل: إنهم من بقايا الأشبان عمَّرَ تلك الديار، وكانت له حروب مع الطالبيين، وقد ذكرنا فيما يرد من هذا الكتاب تنازع الناس في الأشبان، ومن قال: إنهم من الفرس ناقلة من بلاد أصبهان.

بلاد المغرب

وفي هذا الصقع من بلاد المغرب خلق من الصُّفْرِية الخوارج،لهم مدن ممدودة مثل مدينة ثرغية، وفيها معدن كبيرمن الفضة، وهو مما يلي الجنوب ويتصل ببلاد الحبشة، والحرب بينهم سِجَالٌ، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان خبر المغرب ومدنها، ومن سكنها من الخوارج الِإباضية والضُفْرِية، ومن سكن المغرب من المعتزلة، وما بينهم وبين الخوارج من الحروب، وذكرنا خبر ابن الأغلب التميي وتوليه المنصور له على المغرب، ومقامه ببلاد إفريقية وغيرها من أرض المغرب وما كان من أمره في أيام الرشيد، وتداول ولده ببلاد إفريقية وغيرها إلى أن انتهى الأمر إلى أبي نصر زيادة اللّه بن عبد اللّه بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن سالم بن سوادة، فأخرجه عنها أبو عبد اللّه المحتسب الصوفي الداعية لصاحب المهدية حين ظهر في كتأمة وغيرها من أجيال البربر، وذلك في سنة سبع وتسعين ومائتين في أيام المقتدر، ومسيره إلى الرافقة، وكان هذا المخسب من مدينة رامهرمز من كور الأهواز.

ملوك العالم

ونعود إلى ذكر مراتب الملوك وَنَسَق ما بقي من الممالك على البحر الحبشي الذي شرعنا في وصفه وَمَنْ عليه، فنقول:  ملك الزنج وفليمي، ملك اللان كركنداج، ملك الحيرة من بني نصر النعمانية والمناذرة، ملك جبال طبرستان كان يدعىقارن والجبل معروف به وبولده في هذا الوقت، ملك الهند البلهرا، ملك القنوج من ملوك السند بؤورة وهذا اسم كل سك يلي القنوج، وهنا مدينة يُقال لها بؤورة باسم ملوكهم، وقد صارت اليوم في حيز الإِسلام، وهي من أعمال المولتان، ومن هذه المدينة يخرج أحد الأنهار التي إذا اجتمعت كانت نهرمهران السند الذي زعم الجاحظ أنه من النيل، وزعم غيره أنه من جيحون خراسان، وبؤورة هذا الذي هو ملك القنوج هو ضد البلهرا ملك الهند، وملك القندهار من ملوك السند وجبالها، يدعى ححج، وهو اسم الأعم، ومن بلاده يخرج النهر المعروف برائد وهو أحد الأنهار الخمسة التي منها مهران السند والقندهار يعرف ببلاد الرهبوط، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد السند وجبالها يعرف ببهاطل ويجتاز بلاد الرهبوط وهي بلاد القندهار، والنهر الرابع يخرج من بلاد كابل وجبالها وهي تخوم السند مما يلي بسط وغزنين وزرعون والرخج وبلاد الدوار مما يلي بلاد سجستان، ونهر من الخمسة يخرج من بلاد قشمير، وملك قشميريعرف بالراني، هذا الاسم الأعم لسائر ملوكهم، وقشمير هذه من ممالك السند وجبالها هملكة عظيمة حصينة يحتوي ملكها على مدن وضياع على نحومن ستين ألفاً إلى سبعين ألفاً، لا سبيل لأحد من الناسَِ على بلده إلا من وجه واحد، ويُغلَق على جميع ما ذكره من ملكه باب واحَدََ،ِ لِأن ذلك في جبال شوامخ منيعة لا سبيل للرجال أن يتسلَقوا عليهَا، ولا للوحش أن يلحق بعلوها، ولا يلحقها إلا الطير، وما لا جبل فيه فأودية وَعْرَة وأشجار وغياض وأنهار ذات مَنَعَة من شدة الأنصباب والجريان، وما ذكرنا من منعة ذلك البلد فمشهور في أرض خراسان وغيرها من البلاد، وذلك أحد عجائب الدنيا.

القنوج

فأما ملك بؤورة وهو ملك القنوج فإن مسافة مملكته تكون نحواً من عشرين ومائة فرسخ في مثلها فراسخ سندية الفرسخ ثمانية أميال بهذا الميل، وهو الملك الذي قدمنا ذكره فيما سلف أن له من الجيوش أربعة على مهابِّ الرياح الأربع، كل جيش منها سبعمائة ألف، وقيل: تسعمائة ألف وقيل: تسعة آلاف ألف فيحارب بجيش الشمال صاحب المولتان ومن معه في تلك الثغور من المسلمين، ويحارب بجيش الجنوب البلهرا ملك المانكير، وبالجيوش الباقية من يلقاه في كل وجه من الملوك، ويقال: إن ملكه يحيط في مقدار ما ذكرناه من المسافة من المدن والقرى والضياع مما يدركه الإِحصاء والعَددُ بألف ألف وثمانمائة ألف قرية بين أنهار وشجر وجبال ومروج، وهو قليل الفيلة من بين الملوك، ورسمه لحربه ألفاً فيلٍ حربية تقاتل، وذلك أن الفيل إذا كان فارهاً ممارساً شجاعاً وكان راكبه فارساً وفي خرطومه القرطل وهو نوع من السيوف وخرطومه مغشَّى بالزرَدِ والحديد، وعليه تجافيف قد أحاطت سائر جسده من القرن والحديد، وكان حوله خمسمائة راجل يمنعونه ويحرزونه من ورائه، حارب ستة آلاف فارس، وقام بها، وأدناها إذا كان معه خمسمائة راجل، كر على خمسة آلاف فارس، ودخل وخرج وصال عليها كالرجال علىالفَرَس، وهذا رسم فيلتها في سائر حروبها.

المولتان

فأما صاحب المولتان فقد قلنا: إن الملك في ولد سَأمة بن لؤي بن غالب، وهوف جيوش ومَنَعَة، وهو ثغر من ثغور المسلمين الكبار، وحول ثغر المولتان من ضياعه وقراه عشرون ومائة ألف قرية مما يقع عليه الِإحصاء والعد، وفيه على ما ذكرنا الصنم المعروف بالمولتان، يقصده السند والهند من أقاصي بلادهم بالنفر والأموال والجواهر والعود وأنواع الطيب، ويحج إليه الألوف من الناس، وأكثر أموال صاحب المولتان مما يحمل إلى هذا الصنم من العود القمَارِيِّ الخالص الذي يبلغ ثمن الأوقية منه مائة دينار، وإذا ختم بالخاتم أثر فيه كما يؤثر في الشمع، وغير ذلك من العجائب التي تحمل إليه، وإذا نزلت الملوك من الكفار على المولتان وعجز المسلمون عن حربهم هددوهم بكسرهذا الصنم وتعويره، فترحل الجيوش عنهم عند ذلك، وكان دخولي إلى بلاد المولتان بعد الثلاثمائة، والملك بها أبو اللهاب المنبه بن أسد القرشي.

المنصورة

وكذلك كان دخولي إلى بلاد المنصورة في هذا الوقت، والملك عليها أبو المنذر عمر بن عبد الله، ورأيت بها وزيره رباحا وابنيه محمداً وعلياً، ورأيت بها رجلاً سيداً من العرب وملكاً من ملوكهم وهو المعروف بحمزة، وبها خلق من ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم من ولد عمربن علي وولد محمد بن علي، وبين ملوك المنصورة وآل أبي الشوارب القاضي قرابة وصلة ونسب، وذلك أن ملوك المنصورة الذين فيهم الملك في وقتنا هذا من ولدهًبّار بن لأسود، ويعرفن ببني عمر بن عبد العزيز القرشي، وليس هوعمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي.

فإذا اجتاز جميع ما ذكرنا من الأنهار ببلاد مرج بيت الذهب وهو المولتان اجتمعت بعد المولتان بثلاثة أيام فيما بين المولتان والمنصورة في الموضع المعروف بدوسات، فإذا انتهى جميع ذلك إلى مدينة الروذ من غربيها، وهي من أعمال المنصورة، سُمِّي.هنالك مهران، ثم ينقسم قسمين، ويصب كل من القسمين من هذا الماء العظيم المعروف بمهران السند في مدينة شاكرة من أعمال المنصورة في البحر الهندي، وذلك على مقدار يومين من مدينة الديبل.

والمسافة من المولتان إلى المنصورة خمسة وسبعون فرسخاً سنديةعلى ما ذكرنا، والفرسخ ثمانية أميال، وجميع ما للمنصورة من الضياع والقرى مما يضاف إليها ثلثمائة ألف قرية ذات زروع وأشجار وعمائر متصلة، وفيهاحروب كثيرة من جنس يقال لهم الميد، وهم نوع من السند وغيرهم من الأجناس، وهم ثغر السند، وكذلك المولتان من ثغور السند ومما أضيف إليها من العمائر والمدن.وسميت المنصورة باسم منصور بن جمهور عامل بني أمية، ولملك المنصورة فيلة حربية، وهي ثمانون فيلاً رسمُ كل فيل أن يكون حوله على ما ذكرنا خمسمائة راجل وأنه يحارب ألوفاً من الخيك على ما ذكرنا، ورأيت له فيلين عظيمين كانا موصوفين عند ملوك السند والهند لما كانا عليه من البأس والنجدة والإِقدام على فلّ الجيوش، وكان اسم أحدهما منفرقلس والآخرحيدرة ولمنفرقلس هذا أخبار عجيبة، وأفعال حسنة، وهي مشهورة في تلك البلاد وغيرها: منها أنه مات بعضُ سُوَّاسه، فمكث أياماً لا يطعم ولا يشرب، يُبْدي الحنين، ويظهر الأنين، كالرجل الحزين، ودموعه تجري من عينيه لا تنقطع، ومنها أنه خرج ذات يوم من حائرهِ، وهي دار الفيلة، وحيدرة وراءه، وباقي الثمانين تبع لهما، فانتهى منفرقلس في سيره إلى شارع قليل العرض من شوارع المنصورة، ففاجأ في مسيره امرأة على حين غفلة منها، فلما بصرت به دهشت واستلقت على قفاها من الجزع، وانكشفت عنها أطمارها في وسط الطريق، فلما رأى ذلك منفرقلس وقف بعرض الشارع مستقبلاً بجنبه الأيمن ما وراءه من الفيلة مانعاً لهم من النفذ من أجل المرأة، وأقبل يشير إليها بخرطومه بالقيام،ويجمع عليها أثوابها، وششر منها ما بدا، إلى أن انتقلت المرأة وتزحزحت عن الطريق بعد أن عاد إليها روحها، فاستقام افيل في طريقه، واتبعه الفيلة.وللفيلة أخبار عجيبة الحربية منها والعَمالة لأن منها ما لا يحارب فيجر العَجَلَ وتحمل عليه الأثقال وششعمل في دِيَاس الأرز وغيره من الأقوات كدَوْس البقرفي الْبَيْدَر، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب أخبار الزنج والفيلة، وكونها في بلادها، وليس في سائر الممالك أكثر منها في بلاد الزنج، وهي وحشية هنالك كلها. فهذه جمل من أخبار ملوك السند والهند، ولغة السند خلاف لغة الهند، والسند مما يلي الإِسلام، ثم الهند، ولغة أهل المانكير وهي دار مملكة البلهرا كيرية مضافة إلى الصقع، وهي كيرة، ولغة ساحله مثل صيمور وسويارة وتانة وغير ذلك من مدن الساحل لا رية، وبلدهم مضافة إلى البحر الذي هم عليه، وهو لا روى، وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ولهذا السالح أنهار عظيمة تجري من الجنوب، بالضد من أنهار العالم، وليس في أنهار العالم ما يجري من الجنوب إلى الشمال إلا نيل مصر ومهران السند ويسير من الأنهار، وما عدا ذلك من أنهار العالم يجري من الشمال إلى الجنوب، وقد ذكرنا وجه العلة في ذلك وما قاله الناس في هذا المعنى في كتابنا أخبار الزمان وقد ذكرنا ما انخفض من الأرض وما ارتفع.وليس في ملوك السند والهند من يعز المسلمين في ملكه إلا البلهرا، فالإِسلام في ملكه عزير مَصُون، ولهم مساجد مبنية، وجوامع معمورة بالصلوات للمسلمين، ويملك الملك منهم الأربعين سنة والخمسين سنة فصاعداً، وأهل مملكته يزعمون أنه إنما طالت أعمار ملوكهم لسنة العدل وإكرام المسلمين، وهو ملك يرزق الجنود من بيت ماله كفعل المسلمين بجنودهم، وله دراهم طاهرية وزن الدرهم منها وزن درهم ونصف،سكَتُه بدء تاريخ ملكهم، وفيلته الحربية لا تحصى كثرة، وتدعى بلاده أيضاً بلاد الكمكر، ويحاربهم ملك الخزر من إحدى جهات مملكته، وهو ملك كثير الخيول والإِبل والجنود ة ويزعم أنه ليس في ملوك العالم أجل منه إلا صاحب إقليم بابل، وهو الإِقليم الرابع، وذلك أن هذا الملك ف نخوة وصولة على سائر الملوك، وهو مع ذلك مبغض للمسلمين، وهو كثير الفيلة، وملكه على لسان من الأرض، وفي أرضه معادن الذهب والفضة، ومبايعتهم بهما.ثم يلي هذا الملك ملك الطافن مُوَادع لمن حوله من الملوك، وهو مكرم للمسلمين، وليست جيوشه كجيوش مَنْ ذكرنا من ملوك، وليس في نساء الهند أحسن من نسائهم، ولاَ أكثر منهن جمالاً وبياضاً، وهن موصوفات الخلوات، مذكورات في كتب الباه، وأهل البحر يتنافسون في شرائهن يعرفن بالطافنيات.

رهمى

ثم يلي هذا الملك مملكة رهمى، وهذه سمة لملوكهم، وهو الأعم من أسمائهمِ، ويقاتله الجُزر، وملكه متاخم لملكهم، ورهمى يحارب البلهرا أيضاَ من إحدى جهات مملكته، وهو أكثر جيوشاً وفيلة وخيولاً من البلهرا ومن ملك الجزر ومن ملك الطافن، وإذا خرج في حروبه فرسمه أن يكون في خمسين ألف فيل، ولا يكون حربه إلا في الشتاء لقلة صبر الفيلة على العطش وقلة لبثها، والمكثر من الناس يغلو في القول في كثرة جنوده، فيزعمون أن عدد القصارين والغسالين في عسكره من عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفاً، وحربُ مَنْ ذكرنا من الملوك كراديس، كلُّ كردوس عشرون ألفاً، أربعة أوجه كل وجه من الكردوس خمسة الاف، ومملكة رهمى تعاملهم بالودع، وهو مال البلد، وفي بلده العود والذهب والفضةوالثياب التي ليست لغيره رقة ودقة، ومن بلده يحمل الشعر المعروف بالضمر الذي تتخذ منه الْمَذَاب بنُصُبِ العاج والفضة يقوم بها الخدم على رؤوس الملوك في مجالسها.

وصف الكركدن

وفي بلده الحيوان المعروف بالنشان المعلم، وهو الذي تسميه العوام الكركدن، وله في مقدم جبهته قرن واحد، وهو دون الفيل في الخلقة وأكبر من الجاموس، إلى السواد ما هو، وهو يجترُّ كما تجتر البقر وغيرها مما يجتر من الحيوان، والفيلة تهرب منه، وليس في أنواع الحيوان واللّه أعلم أشد منه، وذلك أن أكثر عظامه أصم، ولا مفصل في قوائمه ولا يبرك في نيام، وإنما يكون بين الشجر والآجام يستند إليها عند نومه، والهند تأكل لحمه، وكذلك مَنْ في بلادهم من المسلمين؟ لأنه نوع من البقر، والجواميس بأرض السند والهند كثيرة، وهذا النوع من الحيوان وهو النشان يكون في أكثر غابات الهند، إلا أنه في مملكة رهمى أكثر، وقرونه أصفى وأحسن، وذلك أن قرنه أبيض، وفي وسطه صورة سوداء في ذلك البياض أما صورة إنسان أو صورة طاووس بتخطيطه وشكله أو صورة سمكة أو صورته في نفسه أو صورة نوع من الحيوان مما يوجد في تلك الديار، فينشر هذا القرن وتتخذ منه المناطق والسيور على صورة الحلية من الذهب والفضة فتلبسها ملوك الصين، وخواصها تتنافس في لبسها وتبالغ في أثمانها فتبلغ المنطقة ألفي دينار إلى أربعة آلاف، فيها معاليق الذهب، وذلك في نهاية الحسن والإتقان، وربما تقمع بأنواع من الجواهر على قضبان الذهب، ووجوه تلك الصور مُكَتَبة بسواد في بياض، وربما يوجد في قرونه بياض في سواد، وليس في كل بلد يوجد في قرون النشان ما ذكرنا من الصور.وقد زعم عمرو بن بحر الجاحظ أن الكركدن يحمل في بطن أمه سبع سنين، وأنه يخرج رأسه من بطن أمه فيرعى ثم يدخل رأسه في بطنها، وهذا القول أورده في كتاب الحيوان على طويق الحكاية والتعجب، فبعثني هذا الوصف على مسألة مَن سلك تلك الديار من أ.هل سيراف وعمان ومن رأيت بأرض الهند من التجار، فكل يتعجب من قوله إذا أخبرته بما عندي من هذا وسألته عنه، ويخبرونني أن حمله وفصاله كالبقر والجواميس، ولست أدري كيف وقعت هذه الحكياة للجاحظ: أمن كتاب نقلها أو مخبر أخبره بها..

الكامن

ولرهمى في ملكه بروبحر، ويلي ملكه ملك لا بحرله يقال له ملك الكامن، وأهل مملكته بيض مخرمما الآذان، لهم فيلة وإبل وخيول، وحسن وجمال للرجال والنساء، ثم بعد هؤلاء ملك الِإفرنج، وله بر وبحر، وهو على لسان من البر في البحر، يقع إلى بلده عنبر كثير، وفي بلده فلفل يسير، وهو ف فيلة كثيرة، وهو ذو بأس بين الملوك وزهو وفخر، وزَهْوُة أكثر من قوته، وفخره أكثر من بأسه، ثم يلي هذا الملك ملك الموجه أهله بيض فو حسن وجمال غيرخرومي الآذان، لهم خيل كثيرة، وعدد منيعة، والمسك في بلادهم كثير على ما قدمنا من غزلانهم ووصف ظبائهم فيما سلف من هذا الكتاب، وهذه الأمة تشبه بأهل الصين في لباسهم، وجبالهم منيعة شواهق بيض، لا يُعْلَم بأرض السند والهند ولا فيما ذكرنا من هذه الممالك جبال أطول منها ولا أمنع،، ومسكهم موصوف مضاف إلى بلدهم يتعارفه البحريون، ممن عني بحمل ذلك وتجهيزه، رهو المسك المعروف بالموجهي.

الماند

ثم يلى الموجه مملكة الماند، ولهم مدن كثيرة وعمائر واسعة وجنودعظيمة، وملوكهم تستعمل الخدم والخصيان في عمالات بلدانهم من المعادن وجبايات الأموال والولايات وغيرها كفعل ملوك الصين على حسب ما وصفنا من أخبارهم، والماند مجاورون لمملكة الصين، والرسل تختلف بينهم بالهدايا، وبينهم جبال منيعة وعقبات صعبة، وللماند البأس العظيم والبطش الشديد والقوة، وإذا دخل رسل ملك الماند مملكة الصين وكِّلَ ملك الصين بهم، ولم يتركهم ينتشرون في بلادهم خوفاً أن يقفا على طرقهم وعورات بلادهم، لكبرة الماند في نفسهم.

بعض عوائد الهند والصين

ولمن ذكرنا من الهند والصين في بلادهم ولغيرهم من الأمم أخلاق وشيم في الماكل والمشارب والمناكح والملابس والعلافي والأدوية والكي بالنار وغيره، وقد ذكر عن جماعة من ملوكهم أنهم لا يرون حبس الريح في أجوافهم لأنه داءٌ يؤذي، ولا يحتشمون في إظهارها في سائر أحوالهم، وكذلك فعل حكمائهم، ورأيهم أن حبسها داء يؤذي، وأن إرسالها شفاء ينجي، وأن في ذلك العلافي الأكبر، وأن فيه راحة لصاحب القولنج والمحصور، وأن فيه داء للسقيم المطحول، ولا يحتشمون من الضرطة، ولا يحصرون الفسوة، ولا يرون ذلك عيباً، وللهند التقدم في صناعة الطب، ولهم فيه اللطافة والحذق، وذكر هذا المخبر عن الهند أن السعَال عندهم أقبح من الضراط، وأن الْجُشَاء في وزن الفُسَاء، وأن صوت الضرطة دباغها والمذهب عنها ريحها، واستشهد هذا المخبر على صحة ما حكاه عن الهند باستفاضة القول في ذلك في كثير من الناس عنهم، حتى ذكر ذلك عنهم في السير والأخبار والنوادر والأشعار؛ فمن ذلك ما ذكر أبان بن عبد الحميد في الأرجوزة المعروفة بذات الحلل.

وأن الريح واححة فيِ الجوف، وإنما تختلف أسمائها باختلاف مخارجها، فما يذهب صُعُداَ يسمى جُشَاء، وما يذهب سفلاً يسمى فساء، ولا فرق بين الريحين إلا باختلاف المخرجين، كما يُقال الصفعة واللطمة، إلا أن اللطمة في الوجه والصفعة مؤخر الرأس والقفا، والجنس واحد، وإنما اختلفت اسماؤها لاختلاف الموضعين وتباين المكانين، وأن الحيوان الناطق إنما كثرت علله، وترادفت أد وَاؤه، واتصلت أمراضه كالقولنج وأوجاع المعدة وغيرها من العوارض بحبس الداء في جوفه وترك إظهاره في حال هيجانه وتفرغ الطبيعه لدفعه وإخراجه، وأن سائر الحيوان غير الناطق إنما بَعُد عما ذكرنا من الآفات والمعترضات من العاهات لسرعة خروج ما يعرض ويثور من الأدواء في أجوافها وعدم احتباسها في وعائها، وأن الفلاسفة والمتقدمين من الحكماء اليونانيين كديموقرطيس وفيثاغورس وسقراط وديوجانس وغيرهم من حكماء الأمم لم يكونوا يرون حبس شيء من ذلك لعلمهم بما يتولد من آفاته، ويؤول إليه من متعقباته، وأن ذلك يجده في نفسه كل في حس، وأن ذلك يعلم بالطبيعة، ويدرك بضرورة العقل، وإنما استقبح ذلك اناس من أ صحاب الشرائع والكتب لما ورد ت به الشرائع ومنعت منه الملل، ولم يجر ذلك في عاداتهم.قال االمسعودي: وقد أتينا على أخبارهم وما أحكمنا من ذكر شِيَمِهم وعجائب سيرهم ومتصرفاتهم في كتابنا أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، وكذلك أتينا على ذكر أخبار المهراج ملك الجزائر والطيب والأفاوية مع سائرملوك الهند ومع القنجب وغيره من ملوك الجبال مما قابل هذه الجزائر كالزابج وغيرها من بلاد الصين، وأخبار ملوك الصين وملك سرنديب مع ملك مندورفين، وهي بلاد مقابلة لجزيرة سرنديب كمقابلة بلاد قمار لجزائر المهراج من الزانج وغيرها، وكل ملك تملك بلاد مندورفين يسمى المقايدي، وسنأتي بجمل من أخبار ملوك الشرق والغرب واليمن والحيرة فيما يرد من هذا الكتاب ومن أخبار ملوك اليمن والفرس والروم واليونانيين والمغرب وأنواع الأحابيش والسودان وملوك الصين ولد يافث، وغير ذلك من أخبار العالم وعجائب الأمم.