ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب كرم الله وجهه

ذكر خلافة أمير المؤمنين علي بن أبى طالب كرم اللّه وجهه

 بويع علي بن أبي طالب في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكانت خلافته إلى أن استشهد أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام وقيلَ: أربع سِنِينَ وتسعة أشهر إلا يوماً، وكانت الفرقة بينه وبين معاوية ابن أبي لسفيان على ما ذكرنا في خلافته، وكان مولده في الكَعبة، وقيل: إن خلافته كانت خمس سنين وثلاثة أشهر وسبع ليال، واستشهد وهو ابن ثلاث وسِتينَ سنة، و!عاش بعد الضربة الجمعة والسبت،؛ وتوفى في ليلة الأحد، وقد قيل في مقدار عمره أقل مما ذكرنا، وقد تنوزع في موضع قبره؛فمنهم من قال: إنه دفن في مسجد الكوفة، ومنهم من قال: به حمل إلى المدينة فدفن عند قبر فاطمة، ومنهم من قال: إنه حمل في تابوت على جَمَلٍ، وإن الجملَ تاه ووقع إلى وادي بطيء، وقد قيل من الوجوه غير ما ذكرنا، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان والكتاب الأوسط.

ذكر نسبه ولمع من أخباره وسيره

نسبه وأخوته وأخواته

هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ويكنى أبا الحسن، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا من خلافة المتقي ممن ولي الخلافة مَنِ اسمه علي غيره، وغير المكتفي باللّه علي بن المعتضد، وكان أولَ من وَلَدَهُ هاشميَّان من الخلفاء، وقد قيل: إنه بويع البيعة العامة بعد قتل عثمان بأربعة أيام، وقد ذكرنا البيعة الأولى فيما سلف من هذا الكتاب، وتنازع الناس في اسم أبي طالب أبيه، ووَلَدُ أبي طالب بن عبد المطلب أربعة ذكور وابنتان فطالب وعقيل وجعفر وعلي وفاختة وجُمَانة لأب وأم، أمه م فاطمة بنت أسد بن هاشم، وبين كل واحد من البنين عشر سنين: فطالب الأكبر وبينه وبين عقيل عشر سنين، وبين عقيل وجعفر سنتان، وبين جعفر وعلي عشر سنين، وأخرجِ مشركو قريش طالبَ بن أبي طالب يوم بدر إلى حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كرهاَ، ومضى ولم يعرف له خبر، وحُفظَ من قوله في هذا اليوم:

يارب إما خرجوا بـطـالـب

 

في مقنب من تلكم المَقَانِـب

فاجعلهم المغلوب غير الغالب

 

والرجل المسلوب غير الساَلب

وكان زوجَ فاختة بنت أبي طالب أبو وَهْب هبيرةُ بن عمرو بن عائد بن عمرو بن مخزوم، وخلف عليها ابناً وبنتاً، وهاجرت، ومات زوجها بنجران مشركاً، وفيها يقول ببلاد نجران من أبيات كثيرة:

أشاقَتْكَ هند أم شَآكَ سؤالهـا؟

 

كذاك النوى أسبابها وانتقالهـا

وأرَقَنِي في رأس حصن ممرَّدٍ

 

بنجران يسري بعد نوم خيالُهَا

فإن تك قد تابعت دين محمـد

 

وقطعت الأرحام منك حبالُها

وهي طويلة، وكانت تكنى أم هانىء، وقد استعمل علي- حين أفضت الخلافة إليه- ابنَهَا جعدة بن هبيرة، وجعدة هو القائل:

أي من بني مخزومٍ ان كنت سائلاً

 

ومن هاشم أمي لخـير قـبـيل

فمن ذا الذي يبأى علي بخـالـه

 

وخالي علي ذو الندى وعـقـيل

وجمانة بنت أبي طالب كان بعلها سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش وأخبارها، وهاجرت وماتت بالمدينة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم.

مسيره إلى البصرة

وكان مسير علي إلى البصرة في سنة ست وثلاثين، وفيها كانت وقعة الجمل، وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الأول منها، وقتل فيها من أصحاب الجمل من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقتل من أصحاب على خمسة آلاف، وقد تنازع الناس في مقدار من قتل من الفريقين: فمن مقلل ومكثر، فالمقلل يقول: قتل منهم سبعة آلاف والمكثر يقول: عشرة آلاف على حسب ميل الناس وأهوائهم إلى كل فريق منهم، وكانت وقعة واحدة في يوم واحد.

وقيل: إنه بين خلافة علي إلى وقعة الجمل خمسة أشهر وأحد وعشرون يوماً، بين وقعة الجمل وأول الهجرة خمس وثلاثون سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، وبين ذلك وبين دخول علي إلى الكوفة شهر، وبين ذلك وبين أول الهجرة خمس وثلاثون سنة وستة أشهر وعشرة أيام، وبين دخول علي والتقائه مع معاوية للقتال بصفِّينَ ستة أشهر وثلاثة عشر يوما، وبين ذلك وأول الهجرة ست وثلاثون سنة وثلاثة عشر يوما.

قتلى صفين وأي أمه

وقتل بصفين سبعون ألفاً: من أهل الشام خمسة وأربعون آلفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، وكان المقام بصفين مائة يوم وعشرة أيام، وقتل بها من الصحابة ممن كان مع علي خمسة وعشرون رجلا: منهم عمار بن ياسر أبو اليقظان المعروف بابن سُمَية وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.

وكانت عدة الوقائع بين أهل العراق والشام سبعون وقعة.

التقاء الحكمين

وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين- وهما عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري- بأرض البلقاء من أرض دمشق، وقيل: بحومة الجندل، وهي على نحو عشرة أميال من دمشق، وكان من أمرهما ما قد شهر، وسنورد في هذا الكتاب جوامع ما ذكرنا، وإن كنا قد أتينا على مبسوط ذلك فيما سلف من كتبنا.

وفي هذه السنة حكمت الخوارج وتحكمت، وهم الشُرَاةُ.

وكان ممن شهد صفين مع علي من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلاً: منهم سبعة عشر من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وشهد معه من الأنصار ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعمائة، وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفينا وثمانمائة.

حربه مع الخوارج

وفي سنة ثمان وثلاثين كان حربه مع أهل النَّهْرَوَانِ من الخوارج، وقعد عن بيعته جماعة عثمانية لم يروا إلا الخروج عن الأمر: منهم سعد بن أبي وقاص، وعبد اللّه بن عمر، وبايع يزيد بعد ذلك والحجاج لعبد الملك بن مروان، ومنهم قُدَامَةُ بن مظعون، وأهبان بن صيفي، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وممن اعتزل من الأنصار كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وكانا شاعرين، وأبو سعيد الخُدْرِي، ومحمد بن مسلمة حليف بني عبد الأشْهَل، ويزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، ونعمإن بن بشير و فصالة بن عبيد، وكعب بن عجرة ومَسْلَمة " بن خالد، في آخرين ممن لم نذكرهم من العثمانية من الأنصار وغيرهم من بني أمية وسواهم.

وانتزع علي أملاكاً كان عثمان أقطعها جماعةً من لمسلمين، وقَسَّم ما في بيت المال على الناس، ولم يُفَضِّلْ أحداً على أحد، وبعثت أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى أخيها معاوية بقميص عثمان مخضَّباً بدمائه مع النعمان بن بشير الأنصاري، واتصلت بيعة علي بالكوفة وغيرها من الأنصار، وكان أهل الكوفة أسرع إجابة إلى بيعته، وأخذ له البيعة علىِ أهلها أبو موسى الأشعري، حتى تكاثر الناس عليه، وكان عليها عاملاَ لعثمان.

بنو أمية عند علي

وأتاه جماعة ممن تخلف عن بيعته من بني أمية: منهم سعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، والوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط، فجرى بينه وبينهم خطب طويل، وقال له الوليد: أنا لم نتخلف عنك رغبة عن بيعتك، ولكنا قوم وَتَرَنَا الناسُ، وخفنا على نفوسنا، فعذرنا فيما نقول واضح، أما أنا فقتلتَ أبي صبراً، وَضربتني حداً، وقال سعيد بن العاص كلاماً كثيراً، وقال له الًوليد: أما سعيد فقتلت أباه، وأهنت مَثْو وأمَّا مروان فإنك شتمت أباه، وعبت عثمان في ضَمِّه إياه.


وقد ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير- قبل نفوذه بالقميص- أتوا عليا ًفي آخرين من العثمانية فقال كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين، ليس مسيئَاَ مَنْ عتب، وخير كفر ما محاهُ عذر، في كلام كثير، ثم بايع وبايع من ذكرنا جميعاً.

عمرو بن العاص

وقد كان عمرو بن العاص انحرف عن عثمان لانحرافه عنه وتوليته مصر غيره، فنزل الشام، فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي، كتب إلى معاوية يهزُّه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان، وكان فيما كتب به إليه: ما كنت صانعاً إذا قشرت من كل شيء تملكه فاصنع ما أنت صانع، فبعث إليه معاوية، فسار إليه، فقال له معاوية: بايعني، قال: لا واللهّ لا أعطيك من ديني حتى أنال من دنياك، قال: سَلْ، قال: مصر طُعْمَة. فأجابه إلى ذلك، وكتب له به كتاباً؛ وقال عمرو بن العاص في ذلك:

مُعَاويَ لا أعطيك ديني ولم أنَـل

 

به منك دنيا؛ فانْظُرَنْ كيف تصنع

فإن تعطني مصر افأرْبِحْ بصفقة

 

أخذتَ بها شيخاً يضر و ينـفـع

المغيرة بن شعبة ينصح عليَاَ ثم يرجع

وأتى المغيرة بن شعبة علياً، فقال له: إن لك حق الطاعة والنصيحة، وإن الرأي اليوم تحوز به ما في غد، وإن المضاع اليوم تضيع به ما في غد، أقْرِر معاوية على عمله، وأقرر ابن عامر على عملِهِ، وأقرر العمال على أعمالهم، حتى إذا أتتك طاعتهم وطاعة الجنود استبدلت أو تركت، قال: حتى أنظر، فخرج من عنده وعاد إليه من الغد، فقال: إني أشرت عليك بالأمس برأي وتعقبته برأي، وإنما الرأي أن تعاجلهم بالنَّزْع فتعرف السامع من غيره وتستقبل أمرك، ثم خرج من عنده فتلقاه ابن عباس خارجاً وهو داخل، فلما انتهى إلى علي قال: رأيت المغيرة خارجاً من عندك ففيم جاءك؟ قال: جاءني أمس بكيت وكيت؛وجاءني اليوم بذيت وذيت؛فقال: أما أمس فقد نصحك؛وأما اليوم فقد غَشَّك،قال: فما الرأي. قال: كان الرأي أن تخرج حين قتل عثمان، أو قبل ذلك، فتأتي مكة فتدخل دارك فتغلق عليك بابَكَ،فإن كانت العرب مائلة مضطرة في أثرك لا تجد غيرك،فأما اليوم فإن بني أمية سيحسنون الطلب بأن يلزموك شُعُبَة من هذا الأمر، ويشبهون فيك على الناس، وقال المغيرة: نصحته فلم يقبل، فغششته، وذكر أنه قال: واللهّ ما نصحته قبلها، ولا أنصحه بعدها.

قال المسعودي: ووجدت في وجه آخر من الروايات أن ابن عباس قال: قدمت من مكة بعد مقتل عثمان بخمس ليال، فجئت علياً أدخل عليه، فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة، فجلست بالباب ساعة، فخرج المغيرة، فسلم علي، وقال: متى قدمت؟ قلت: الساعة، ودخلت على عليّ وسلمت عليه، فقال: أين لقيت الزبير وطلحة؟ قلت: بالنواصب، قال: ومَنْ معهما؟ قلت: أبو سعيد بن الحارث بن هشام في فتية من قريش، فقال علي: أما إنهم لم يكن لهم بعد أن يخرجوا يقولون نطلب بدم عثمان، واللّه يعلم أنهم قَتَلة عثمان، فقلت: أخبرني عن شأن المغيرة، ولم خَلا بك؛ قال: جاءني بعد مقتل عثمان بيومين، فقال: أخْلِنِي، ففعلت، فقال: إن النصح رخيص وأنت بقية الناس، وأنا لك ناصح، وأنا أشير عليك أن لا ترد عمال عثمان عامَكَ هذا، فاكتب إليهم بإثباتهم على أعمالهم، فإذا بايعوا لك واطمأن أمرك عزلت من أحببت وأقررت من أحببت، فقلت له: واللّه لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري، قال: فإن كنت قد أتيت فانزع من شئت واترك معاوية فإن له جراءة وهو في أهل الشام مسموع منه، ولك حجة في إثباته فقد كان عمر ولاه الشام كلها، فقلت له: لا واللهّ لا أستعمل معاوية يومين أبداً، فخرج من عندي على ما أشار به، ثم عاد، فقال: إني أشرت عليك بما أشرت به وأبيت علي، فنظرت في الأمر، وأذا أنت مصيب لا ينبغي أن تأخذ أمرك بخدعة، ولا يكون فيه دلسة، قال ابن عباس: فقلت له: أما أول ما أشار به عليك فقد نصحك، وأما الأخر فقد غَشَّك، وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية فإن بايع لك فعليَّ أن أقلعه من منزله، قال: لا، واللّه لا أعطيه إلا السيف، ثم تمثل:

فما مِيتَةٌ إنْ مُتُّهَا غير عـاجـز

 

بعَار، إذا ما غالت النَّفْسَ غولُهَا

فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، أما سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " الحرب خُدْعَة"؛ فقال علي: بلى، قلت: أما واللّه لئن أطعتني لأصدرن بهم بعد ورود، ولأتركهم ينظرون في أدبار الأمور، ولا يدرون ما كان وجهها، من غير نقص لك، ولا إثم عليك، فقال لي: يا ابن عباس، لست من هنياتك ولا هنيات معاوية في شيء تشير به عليَّ برأي، فإذا عصيتك فأطْعِنِي، فقلت أنا: أفعل، فإنَّ أيْسَرَ مالك عندي الطاعة، واللّه ولي التوفيق.

ذكر الأخبار عن يوم الجمل وبدئه وما كان فيه من الحرب وغير ذلك

تدبير الخروج على علي

ودخل طلحة و الزبير مكة، وقد كانا استأذنا عليّاً في العمرة، فقال لهما، لعلكم تريدان البصرة أو الشام، فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة، وقد كانت عائشة رضي اللهّ عنها بمكة، وقد كان عبد اللهّ بن عامر عامل عثمان على البصرة هرب عنها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس حارثة بن قُدَامة السعدي، ومسير عثمان بن حُنَيْف الأنصاري أليها على خراجها من قبل علي رضي اللّه عنه! وانصرف عن اليمن عامل عثمان وهو يعلى بن منية، فأتى مكة وصادف بها عائشة وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني أمية، فكان ممن حَرضَ على الطلب بدم عثمان، وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربعمائة ألف درهم، ودرعا وسلاحاً، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكراً.، وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار، فأرادا الشام، فصدَهم ابن عامر، وقال: إن به معاوية، ولا ينقاد إليكم ولا يطيعكم، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد؛ فجهزهم بألف ألف درهم ومائة من الإِبك وغير ذلك.

المسير إلى البصرة

وسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف بالحواب، عليه ناس من بني كلاب، فَعَوَتْ كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق أجملها: الحواب، فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: ردُّونِي إلى حرم رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، لا حاجة لي في المسير، فقال الزبير: باللّه ما هذا الحواب، ولقد غِلط فيما أخبرك به، وكان طلحة في سَاقَةِ الناس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلاً ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الإسلام، فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حُنَيْف فَمانَعَهُم، وجرى بينهم قتال، ثم إنهم اصطلحوا بعد ذلك على كفِّ الحرب إلى قدوم علي، فلما كان في بعض الليالي بَيِّتُوا عثمان بن حُنَيْف فأسروه وضربوه ونتفوا لحيته، ثمِ إن القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه سهل بن حُنيف وغيره من الأنصار، فخلَّوْا عنه، وأرادوا بيت المال فمانعهم الخزانُ والموكلون به وهم السبابجة، فقتل منهمِ سبعون رجلا غير من جرح، وخمسون من السبعين ضربت رقابهم صبراَ من بعد الأسر، وهؤلاء أول من قُتِلَ ظلماً في الإِسلام وصبراً، وقتلوا حكيم بن جَبَلَة العبدي، ؤكان من سادات عبد القيس وزُهِّاد ربيعه ونُسَّاكها، وتشاحَّ طلحة والزبير في الصلاة بالناس، ثم اتفقوا على أن يصلي بالناس عبد اللّه بن ألزبير يوماً، ومحمد بن طلحة يوماً، في خطب طويل كان بين طلحة والزبير إلى أن اتفقا على ما وصفنا.

مسير علي إلى العراق

وسار علي من المدينة بعد أربعة أشهر، وقيل غير ذلك، في سبعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهما سبعون بدرِيّاً وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري، فانتهى إلى الربَذَة بين الكوفة ومكة من طريق الجادة، وفاته طلحة وأصحابه، وقد كان عليٌّ أرادهم، فانصرف حين فاتوه إلى العراق في طلبهم، ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزَيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأتاه من طيى ستمائة راكب، وكَاتَبَ علي من الربذة أبا موسى الأشعري ليستنفر الناس، فَثَبَّطَهم أبو موسى، وقال: إنما هي فتنة، فنمي ذلك إلى علي، فولَّى علي الكوفة قَرَظَة بن كعب الأنصاري، وكتب إلى أبي موسى: اعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموماً مدحوراً، فما هذا أول يومنا منك، وإن لك فينا لهنات وهنيات. وسار علي بمن معه حتى نزل بني قار، وبعث بابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها ومعهما من أهل الكوفة نحو من سبعة الاف، وقيل: ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلاً منهم الأشتر فانتهى علي إلى البصرة وراسَلَ القوم وناشدهم اللّه، فأبَوْا إلا قِتَاله.

قدوم علي البصرة

وذكر عن المنزر بن الجارود فيما حدث به أبو خليفة الفَضْلُ بن الْحُبَاب الجمحي عن ابن عائشة عن مَعْن بن عيسى عن المنزر بن الجارود قال: لما قدم علي رضي اللّه عنه البصرة دخل مما يلي الطفَّ، فأتى الزاوية فخرجتُ أنظر إليه، فورد موكب في نحو ألف فارس يتقدّمهم فارس على- فرس أشْهَبَ عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفاً ومعه راية، وإذا تيجان القوم الأغلبُ عليها البياضُ والصفرة مُدَججين في الحديد والسلاح، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأنصار وغيرهم، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفاً متنكب قوساً معه رأية على فرس أشْقَر َفي نحو ألف فارس، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا خُزَيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم مر بنا فارسٌ أخر على فرس كُمَيْتٍ معتمٌّ بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قَبَاء أبيض مصقول متقلد سيفَا متنكب قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية، فقلت: من هذا؟ فقيل لي: أبو قَتَاعة بن ربعي، ثم مر بنا فارس أخر على فرس أشْهَبَ عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلها من بين يديه ومنِ خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفاَ متنكب قوساً معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأنما قد أقفوا للحساب، أثَرُ السجود قد أثر في جباههم، فقلت: من هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوساً متقلد سيفاً تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغلبُ على تيجانهم الصفرةُ والبياضُ معه راية صفراء، قلت: من هذا؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في عدة من الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان، ثم مر بنا فارس على فرس أشْهَلَ ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلَهَا من بين يديه بلواء، قلت: من هذا؟ قيل: هو عبد اللّه بن العباس في وفده وعدة من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه بالناس بالأولين، قلت: من هذا؟ قيل: عبيد اللّه بن العباس، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا قيل؟: قثَم بن العباس، أو معبد بن العباس ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً، واشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفو الريات في أوله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنما كُسِرَ وجُبِرَ قال ابن عائشة: وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق، وكذلك تخبر العرب في وصفها إذا أخبرت عن الرجل أنه كسر وجبر كأنما على رؤوسهم الطير، وعن يمينه شاب حسن الوجه، وعن يساره شاب حسن الوجه وبين يديه شاب مثلهما قلت: من هؤلاء قيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العُظْمى، وهذا الذي خَلْفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عَقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ هم أهل بدر من المهاجرين والأنصار.

فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات، وعفر خديه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثم رفع يديه يدعو: اللهم ربَّ السموات وما أظلت، والأرضين وما أقلت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم إن هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وَبَغَوْا علي ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين.

وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء، وقال: عَلامَ تقاتلونني؟ فأبوا إلا الحرب، فبعث إليهم رجلاً من أصحابه يُقال له مسلم معه مصحف يدعوهم إلى اللّه، فرموه بسهم فقتلوه، فحمل إلى علي وقالت أمه :

ياربِّ إن مسلماً أتـاهـم

 

يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم

فَخضَّبُوا من دمه لحاهـم

 

و أمه قـائمة تـراهـم

مبدأ القتال

وأمر علي رضي اللّه عنه أن يصافُّوهم، ولا يبدءوهم بقتال، ولا يرموهم بسهم ولا يضربوهم بسيف ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد اللهّ بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول، وجاء قوم الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل فقال علي: اللهم أشهد، واعذروا إلى القوم.

ثم قام عمار بن ياسر بين الصفين فقال: أيها الناس، ما أنصفتم نبيكم حين كففتم عقائلكم في الخدور وأبرزتم عقليته للسيوف، وعائشة على جَمَل في هَوْدج من دفوف الخشب قد ألبسوه المسوح وجلود البقر، وجعلوا دونه اللبود، وقد غشي على ذلك بالدروع، فدنا عمار من موضعها، فنادى: إلى ماذا تدعين؟ قالت: إلى الطلب بدم عثمان، فقال: قَاتَلَ اللّه في هذا اليوم الباغي والطالب بغير الحق، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتعلمون أينا الدم إلى في قتل عثمان. ثم أنشأ يقول وقد رَشَقُوه بالنبل:

فمنك البكاء، ومنك العـويل

 

ومنك الرياح، ومنك المَطَر

وأنت أمَرْتَ بقتـل الإمـام

 

وقاتُله عندنـا مَـنْ أمـر

وتواتر عليه الرمي واتصل، فحرك فرسه، وزال عن موضعه وأتى علياً فقال: ماذا تنتظر يا أمير المؤمنين- وليس لك عند القوم إلا الحرب؟!.

خطبة لعلي قبل الإلتحام

فقام علي رضي اللهّ عنه في الناس خطيباً رافعاً صوته فقال: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تُجْهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً، ولا تتبعوا مولِّياً، ولا تطلبوا مدبراً، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، ولا تهتكوا ستراً، ولا تقربوا شيئاً من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أوكراع أو عبد أو أُمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب اللّه.

بين علي والزبير

وخرج علي بنفسه حاسراً على بغلة رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم لا سلاح عليه فنادى: يا زبير، أخرج إلي، فخرج إليه الزيير شاكاً في سلاحه، فقيل ذلك لعائشة، فقالت: واثُكْلَكِ يا أسماء، فقيل لها: إن علياً حاسر، فطمأنت، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال له علي: ويحك يا زبير! ما الذي أخرجك؟ قال: دم عثمان، قال: قَتَلَ اللّه أولانا بدم عثمان، أما تذكر يوم لقيت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم في بني بَيَاضة وهو راكب حماره، فضحك إلي رسول اللهّ، وضحكت إليه، وأنت معه، فقلت أنت: يا رسول اللّه، ما يدع علي زَهْوه، فقال لك ليس به زهو: أتحبه يا زبير فقلت: إني واللّه لأحبه، فقال لك إنك واللّه ستقاتله وأنت له ظالم فقال الزبير: أستغفر اللهّ، واللّه لو ذكرتها ما خرجت، فقال له: يا زبير ارجع، فقال: وكيف أرجع الآن وقد التقت حلقَتَا البِطَان؟؛ هذا واللهّ العار الذي لا يُغْسَل، فقال: يا زبير ارجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار فرجع الزبير وهو يقول:

اخترت عاراً على نأر مؤجَّـجَةٍ

 

ما إن يقوم لها خلق من الطـين

نادى عليٌّ بأمر لست أجـهـلـه

 

عار لعمرك في الدنيا وفي الدين

فقلت: حسبك من عَذْلٍ أبا حسـن

 

فَبَغْضُ هذا الذي قد قلت يكفيني

مقتل الزبير ورثاؤه

فقال ابنه عبد اللّه: أين تذهب وتَدَعُنَا؟ فقال: يا بني أذْكَرَنِي أبو الحسن بأمر كنت قد أنسيته. فقال: لا واللّه، ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب، فإنها طوال حِدَاد، تحملها فتية أنجاد، قال: لا واللّه، ولكني ذكرت ما أنسانيه الدهر، فاخترت العار على النار، أبا لجبن تعيرني. لا أبا لك؟ ثم أمال سنانه وشَدَ في الميمنة فقال علي: افرجوا له فقد هاجوه، ثم رجع فشدَ في الميسرة، ثم رجع فشَدَّ في القلب، ثم عاد إلي ابنه، فقال: أيفعل هذا جَبان؟ ثم مضى منصرفاً، حتى أتى وادي السباع والأحْنَفُ بن قيس معتزل في قومه من بني تميم، فأتاه آت فقال له: هذا الزبير ماراً، فقال: ما أصنع بالزبير وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضاً وهو مار إلى منزله سالما؟! فلحقه نفر من بني تميم فسبقهم إليهَ عمرو بن جُرْموز، وقد نزل الزبير إلى الصلاة فقال: أتؤمُنِي أو أومك؟! فأمه الزبير فقتله عمرو في الصلاة، وقتل الزبير رضي اللّه عنه ول خمس وسبعون سنة، وقد قيل: إن الأحنف بن قيس قتله بإرساله مَنْ أرسل من قومه وقد رثته الشعراء وذكرت غدْرَ عمرو بن جُوْموزبه، وممن رثاه زوجته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْل أخت سعيد بن زيد، فقالت:

غَدَر َابن جرموز بفارس بُهْـمَةٍ

 

يوم اللقاء، وكان غير مـسـدد

يا عمرو، لو نَبَّهته لـوجـدتـه

 

لاطائشاً رعش الحنان ولا الـيد

هَبِلَتْكَ إن قلت لَـمًـسْـلِـمـاً

 

حَلّتْ عليك عقوبة المتـعـمـد

ما إن رأيت ولاسمعت بمثـلـه

 

فيمن مضى ممن يروح ويغتدي

وأتى عمرو علياً بسيف الزبير وخاتمه ورأسه، وقيل: إنه لم يأت برأسه، فقال علي: سيف طالما جلا الكربَ عن وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لكنه الْحَينُ ومصارع السوء، وقاتلُ ابن صفية في النار، ففي ذلك يقول عمرو بن جرموز التميمي في أبيات:

أتيت علياً برأس الـزبـير

 

وقد كنت أرجوبه الزلفـه

فَبَشّرَ بالنار قبل الـعِـيَانِ

 

وبئس بشارة ذي التحـف

لَسيان عنديَ قتلُ الـزبـير

 

وضرطة عنز بذي الجحفهْ

بين علي وطلحة

ثم نادى علي رضي الله عنه طلحَةَ حين رجع الزبير: يا أبا محمد، ما الذي أخرجك؟ قال: الطلب بدم عثمان، قال علي: قتل اللهّ أولانا بدم عثمان، أما سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه " وأنت أولُ من بايعني ثم نكثت، وقد قال اللهّ عز وجل: "ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " فقال: أستغفر اللّه، ثم رجع، فقال مروان بن الحكم: رجع الزبير ويرجع طلحة، ما أبالي رَمَيْتُ ههنا أم ههنا، فرماه في أكْحَلِه فقتله، فمر به عليٌّ بعد الوقعة في موضعه في شنطرة قرة، فوقف عليه، فقال: أنا للّه وأنا إليه راجعون، واللّه لقد كنت كارهاً لهذا أنت واللهّ كما قال القائل:

فتًى. كان يُدْنيه الغنى من صـديقـه

 

إذا ما هو استغنى ويُبعده الـفـقـر

شأن الثريا عُلِّـقـت فـي يمـينـه

 

وفي خده الشعرى، وفي الأخر البدر

وذكر أن طلحة رضي الله عنه لما ولّي سُمِعَ وهو يقول:

ندامة ما ندمت وضل حلمـي

 

ولهفي ثم لهف أبـي وأًمـي

ندمت ندامة الكُسَعِـيِّ لـمـا

 

طلبت رضا بني جَرْم بزعمي

وهو يمسح عن جبينه الغُبَار ويقول: " ووكان أمر اللّه قدَراً مقدورا" قيل: إنه سمع وهو يقول هذا الشعر وقد جَرَحَه في جبهته عبد الملك رماه مروان في أكحله وقد وقع صريعاً يجود بنفسه.

رجمة طلحة

وهو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عبيد اللّه بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مرة، وهو ابن عم أبي بكر الصديق، ويكنى أبا محمد، و أمه الصعبة، وكانت تحتَ أبي سفيان صخر بن حرب، كذلك ذكر الزبير بن بكار في كتابه في أنساب قريش، وقتل وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة، وقبره ومسجده فيها مشهور إلى هذه الغاية، وقبر الزبير بوادي السباع.

مقتل محمد بن طلحة

وقتل محمد بن طلحة مع أبيه في ذلك اليوم، ومَرَ به عليٌ فقال هذا رجل قتله بره بأبيه وطاعته له و!أن يدعى بالسَّجَّاد، وقد تنوزع في كنيته، فقال الواقدي: كان يكنى بأبي سليمان، وقال الهيثم بن عدي كان يكنى بأبي القاسم، وفيه يقولُ قاتلهُ:

وأشعث سَـجَّـاد بـايات ربـه

 

قليل الأذىَ فيما ترى العين مسلم

شككت له بالرمح جيب قميصـه

 

فخر َّصريعا ًلليدين ولـلـفـم

على غير شيء غير أن ليس تابعا

 

عليَّا، ومن لايَتْبَع الـحـق يَنْـدم

يذكرني حاميم والرمـح شـارع

 

فهلا تَلا حاميم قبـل الـتـقـدم

وقد كان أصحاب الجمل حملوا على ميمنة علي وميسرته فكشفوها فأتاه بعض ولد عقيل وعليٌّ يَخْفقِ نعاساً على قَرَبُوس سرجه، فقال له يا عمر، قد بلغت ميمنتك وميسرتك حيث ترى، وأنت تخفق نعاسا؟ً قال: اسكت يا ابن أخي، فإن لعمك يوماً لا يعدوه، واللّه ما يبالي عمك وقع على الموت أو وقع الموت عليه، ثم بعث إلى ولده محمد بن الحنفية، وكان صاحب رايته: أحمل على القوم فأبطأ محمد بحملته وكان بإزائه قوم من الرماة ينتظر نفاد سه أمه م، فأتاه علي فقال: ها حملت، فقال: لا أحد متقدَّماً إلا على سهم أو سنان، وإني منتظر نَفَاد سه أمه م وأحمل، فقال له: احمل بين الأسنة؛ فأن الموت عليك جنة، فحمل محمد، فشك بين الرماح والنشاب فوقف، فأتاه علي فضربه بقائم سيفه وقال: أدركك عِرْق من أمك، وأخذ الراية وحمل، وحمل الناس معه، فما كان القوم إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وأطافت بنو ضبة بالجمل وأقبلوا يرتجزون ويقولون:

نحن بنو ضبة أصحاب الجمـل

 

ننازل الموت إذا الموت نـزل

ردُوا علينا شيخنـا ثـم بَـجَـلْ

 

نَنْعَى ابْنَ عفان بأطراف الأسل

والموت أحلى عندنا من العسل

 

 

وقطع علي خطام الجمل سبعون يداً، من بني ضبة منهم سعد بن مود القاضي متقلداً مصحفاً، كلما قطعت يد واحد منهم فصُرِع قام آخر أخذ الخطام وقال: أنا الغلام الضبي، ورُمي الهودج بالنشَّاب والنبل حتى صار كأنه قنفذ، وعرقب الجمل وهو لا يقع وقد قطعت أعضاؤه وأخذته أسيوف حتى سقط، ويُقال: إن عبد اللّه بن الزبير قبض على خطام أجمل، فصرخت عائشة- وكانت خالته-: واثُكْلَ أسماء، خلِّ الخطام، ناشدته، فخلّى عنه، ولما سقط الجمل ووقع الهودج جاء محمد بن أبي بكر، فأدخل يده فقالت: من أنت؟ قال: أقرب الناس منك قرابة، أبغضهم إليك، أنا محمد أخوك، يقول لك أمير المؤنين هل أصابك شيء؟ قالت: ما أصابني إلا سهم لم يضرني، فجاء علي حتى وقف عيها، فضرب الهودج بقضيب، وقال: يا حُميراء، رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم أمرك بهذا؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك، وأمر أخاها محمداً فأنزلها في دار صفية بنت الحارث بن طلحة العبدي وهي أم طلحة الطلحات ووقع الهودج والناس متفرقون يقتتلون، والتقى الأشتر مالك بن الحارث النخعي وعبد الله بن الزبير فاعتركا وسقطا على الأرض عن فرسيهما وطال اعتراكهما على وجه الأرض، فعلاه الأشتر ولم يجد سبيلاً إلى قتله لشدة اضطرابه من تحته والناس حولهما يجولون، وابن الزبير ينادي:

اقتلوني ومالـكـاً

 

واقتلوا مالكاً معي

فلا يسمعه أحد لشدة الجلاد ووقع الحديد على الحديد ولا يراهما رَاءٍ لظلمة النَقع، وترادف العَجَاج، وجاء ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، لا تنكس اليوم رأس محمد، واردد إليه الرايَةَ، فدعا به، وردَّ عليه الراية، وقال:

اطعنهم طعن أبيك تـحـمـد

 

لاخير في الحرب إذا لم توقد

بالمشرفِيِّ والقنا المـسـرَّدِ

 

 

ثم استسقى، فأتى بعسل وماء، فحسا منه حُسْوَة، وقال: هذا الطائفي، وهو غريب بهذا البلد، فقال له عبد اللهّ بن جعفر: أما شَغَلَكَ ما نحن فيه عن علم هذا؟ قال: إنه واللّه يا بني ما مَلأ صدر عمّك شيء قط من أمر الدنيا.

دخول علي البصرة

ثم دخل البصرة، وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالْخُريْبة وذلك يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأخرة سنة ست وثلاثين، على حسب ما قدمنا آنفاً من التاريخ، وخطب الناس بالبصرة خطبته الطويلة التي يقول فيها: يا أهل السبخة يا أهل، المؤتفكة ائتفكت بأهلك من الدهر ثلاثاً، وعلى اللّه تمام الرابعة، يا جُنْد المرأة، يا أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم، أخلاقكم رقاق، وأعمالكم نفاق، ودينكم زيغ وشقاق، وماؤكم أجاج وزُعَاق، وقد ذم عليّ أهل البصرة بعد هذا الموقف مراراً كثيرة.

بين ابن عباس وعائشة

وبعث بعبد اللّه بن عباس إلى عائشة يأمرها بالخروج إلى المدينة، فدخل عليها بغير إذنها، واجتذب وسادة فجلس عليها، فقالت له: يا ابن عباس أخطأت السنة المأمور بها، دخلت إلينا بغير إذننا، وجلست على رحلنا بغير أمرنا فقال لها: لو كنت في البيت الذي خلفك فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما دخلنا إلا بإذنك، وما جلسنا على رحلك إلا بأمرك، وإن أمير المؤمنين يأمرك بسرعة الأوبة، والتأهب للخروج إلى المدينة، فقالت: أبَيْتُ ما قلت وخالفت ما وصفت، فمضى إلى علي، فخبره بامتناعها، فردَه إليها، وقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليك أن ترجعي، فأنعمت وأجابت إلى الخروج، وجهزها علي وآتاها في اليوم الثاني ودخل عليها ومعه الحسن والحسين وباقي أولاده وأولاد إخوته وفتيان أهله من بني هاشم وغيرهم من شيعته من هَمْدَأن؛ فلما بصرت به النسوان صحن في وجهه وقلن: يا قاتل الأحبة، فقال: لو كنت قاتل الأحِبَّةِ لقتلت مَنْ في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبد اللّه بن الزبير وعبد الله بن عامر وغيرهم، فضرب مَنْ كان معه بأيديهم إلى قوائم سيوفهم لما علموا مَنْ في البيت مخافة أن يخرجوا منه فيغتالوه، فقالت له عائشة بعد خطب طويل كان بينهما: إني أحب أن أقيم معك فأسير إلى، قتال عدوك عند سيرك، فقال: بل ارجعي، الذي، البيت الذي تركك فيه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فسألته أن يؤمِّنَ ابن أختها عبد الله بن الزبير، فأمنه، وتكلم الحسن والحسين في مروان، فأمنه، وأمن الوليد بن عقبة وولد عثمان وغيرهم من بني أمية، وأمَّنَ الناس جميعاً، وقد كان نادى يوم الوقعة: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن.

حزن علي على القتلى

واشتد حزن عليٍّ على من قتل من ربيعه قبل وروده البصرة، وهم الذين قتلهم طلحة والزبير من عبد القيس وغيرهم من ربيعه، وجدَّد حزنه قتل زيد بن صوحان العبدي قتله في ذلك اليوم عمرو بن سبرة، ثم قتل عمار بن ياسر عمرو بن سبرة في ذلك اليوم أيضاً، وكان علي يكثر من قوله:

يالَهْفَ نفسي على ربيعه

 

ربيعه السامعة المطيعه

وخرجت امرأة من عبد القيس تطوف في القتلى، فوجدت ابنين لها قد قتلا، وقد كان قُتِلَ زوجها وأخوان لها فيمن قتل قبل مجيء علي البصرة، فأنشأت تقول:

شهدت الحروب فشيبنني

 

فلم أر يوما ًكيوم الجمل

أضر على مؤمن فتـنةً

 

وأقتله لشجاع بـطـل

فليت الظعينة في بيتهـا

 

وليتك عسكر لم ترتحل

وقد ذكر المدائني أنه رأى بالبصرة رجلاً مصطلم الأذن، فسأله عن قصته، فذكر أنه خرج يوم الجمل ينظر إلى القتلى، فنظر إلى رجل منهم يخفض رأسه ويرفعه وهو يقول:

لقد أوردَتْنَا حومَةَ الموتِ امُنَا

 

فلم تنصرف إلا ونحن رِوَاء

أطعنا بني تَيْمٍ لشقوة جـدنـا

 

وما تيم إلا أعـبـدٌ وإمـاء

فقلت: سبحان اللّه! أتقول هذا عند الموت؟ قل لا إلهَ إلا اللّه، فقال: يا ابن اللَّخْنَاء، إياي تأمر بالجزع عند الموت؟ فولَّيْتُ عنه متعجباً منه، فصاح بي ادْنُ منى ولقني الشهادة، فصرت إليه، فلما قربت منه استدناني، ثم التقم أذني فذهب بها، فجعلت ألعنه وأدعو عليه، فقال: إذا صرت إلى أمك فقالت مَنْ فعل هذا بك؟ فقل عمير بن الأهلب الضبي مخدوع المرأة التي أرادت أن تكون أمير المؤمنين.

خروج عائشة من البصرة

وخرجت عائشة من البصرة، وقد بعث معها علي أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر وثلاثين رجلا وعشرين امرأة من ذوات الدين من عبد القيس وهَمْدَان وغيرهما، ألبسهن العمائم وقلدهن السيوف، وقال لهن: لا تُعْلِمْنَ عائشة أنكن نسوة وتَلَثَّمْنَ كأنكن رجال، وكُنَّ اللاتي تلين خدمتها وحملها، فلما أتت المدينة قيل لها: كيف رأيت مسيرك؟ قالت: كنت بخير واللّه، لقد أعطى علي بن أبي طالب فأكثر، ولكنه بعث معي رجالا أنكرتهم فعرفها النسوة أمرهن، فسجدت وقالت: ما ازدَدْتَ واللّه يا ابن أبي طالب إلا كرماً، وددت أني لم أخرج وإن أصابتني كيت وكيت من أمور ذكرتها شاقة، وإنما قيل لي: تخرجين فتصلحين بين الناس، فكان ما كان، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن الذي قتل من أصحاب علي في ذلك اليوم خمسة الاف نفس ومن أصحاب الجمل وغيرهم من أهل البصرة وغيرهم ثلاثة عشر ألفاً، وقيل غير ذلك.

ووقف عليٌّ على عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية وهو قتيل يوم الجمل فقال: لهفي عليك يَعْسُوبَ قريش، قتلت الغطاريف من بني عبد مناف، شفَيت نفسي وجدعت أنفي، فقال له الأشتر: ما أشد جَزَعَكَ عليهم يا أمير المؤمنين وقد أرادوا بك ما نزل بهم! فقال: إنه قامت عني وعنهم نسوة لم يقمن عنك وقد كان قَتَلَهُ في ذلك اليوم الأشتر النخعي وأصيب كف ابن عتاب بمنًى وقيل باليمامة ألقتها عُقَاب وفيها خاتم نَقْشُه عبد الرحمن بن عتاب وكان اليوم الذي وجد فيه الكف بعد يوم الجمل بثلاثة أيام.

ودخل علي بيت مال البصرة في جماعة من المهاجرين والأنصار، فنظر إلى ما فيه من العين والورق فجعل يقول: يا صفراء، غُري غيري ويا بيضاء، غري غيري وأدام النظر إلى المال مفكراً، ثم قال: أقسموه بين أصحابي ومن معي خمسمائة خمسمائة، ففعلوا فما نقص درهم واحد، وعدد الرجال اثنا عشر ألفاً.

وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح ودابة ومتاع وآلة وغير ذلك فباعه وقسمه بين أصحابه، وأخذ لنفسه كما أخذ لكل واحد ممن معه من أصحابه وأهله وولده خمسمائة درهم، فأتاه رجل من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين إني لم آخذ شيئاً، وخلفني عن الحضور كذا، وأدْلى بعذر، فأعطاه الخمسمائة التي كانت له.

وقيل لأبي لَبيد الجهضمي من الأزد: أتحب عليا؟ قال: وكيف أحب رجلاً قتل من قومي في بعض يوم ألفين وخمسمائة، وقتل من الناس حتى لم يكن أحد يعزي أحداً، واشتغل أهل كل بيت بمن لهم؟

مسيره إلى الكوفة

وولّى علي على البصرة عبد الله بن عباس، وسار إلى الكوفة، فكان دخوله إليها لأثنتي عشرة ليلة مضت من رجب؛ وبعث إلى الأشعث بن قيس يعزله عن أذربيجان وأرمينية، وكان عاملاً لعثمان عليها، وصرف عن همدان جرير بن عبد اللّه البجلي، وكان عاملاً لعثمان، فكان في نفس الأشعث على عليّ ما ذكرنا من العزل، وما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك من الأموال.

علي يبعث إلى معاوية

 ووجَّه بجرير بن عبد اللّه إلى معاوية وقد كان الأشتر حَذره من ذلك، وخوفه من جرير، وقد كان جرير قال لعليّ: ابعثني إليه، فإنه لم يزل لي مستنصحاً وواداً، فاتيه وأدعوه إلى أن يسلم لك هذا الأمر، وأدعوا أهل الشام إلى طاعتك، فقال الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه، فواللهّ إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم، فقال علي: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا، فبعث به وكتب إلى معاوية معه يعلمه مبايعة المهاجرين والأنصار إياه واجتماههم عليه، ونكث الزبير وطلحة، وما أوقع اللهّ بهما، ويأمره بالدخول في طاعته، ويعلمه أنه من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، فلما قدم عليه جرير دافعه وساءله أن ينتظره وكتب إلى عمرو بن العاص على ما قدمنا فقدم عليه فأعطاه مصر طُعْمَة على ما قدمنا في صدر هذا الباب، فأشار إليه عمرو بالبعث إلى وجوه الشام وأن يُلْزِم علياً دم عثمان، ويقاتله بهم؛ فقدم جرير على علي فأخبره خبرهم، واجتماع أهل الشام مع معاوية على قتاله، وأنهم يبكون على عثمان ويقولون: إن علياً قتله، واوى قتلته ومنع منهم، وإنهم لا بُدَّ لهم من قتاله حتى يفنوه أو يفنيهم، فقال الأشتر: قد كنت أخبرتك يا أمير المؤمنين بعداوته وغشه، ولو بعثتني لكنت خيراً من هذا الذي أرخى خناقه وأقام حتى لم يدع باباً نرجو روحه إلا فتحه، ولا باباً يخاف منه إلا أغلقه، فقال جرير: لو كنت ثم لقتلوك، والله لقد ذكروا أنك من قتلة عثمان، قال الأشتر: لو أتيتهم والله يا جرير لم يُعْيِنِي جوابهم، ولا ثقل علي خطابهم، ولحملت معاوية على خطة أعجلْتُه فيها عن الفكر، ولو أطاعني أمير المؤمنين فيك لحبسك وأشباهك في محبس فلا تخرجون منه حيت يستقيم هذا الأمر.

فخرج جرير عند ذلك إلي بلاد قرقيسيا والرحبه من شاطئ الفرات، وكتب إلى معاوية يعلمه بما نزل به، وأنه أحَبًّ مجاورته والمقام في داره، فكتب إليه معاوية يأمره بالمسير إليه.

بين المغيرة ومعاوية

وبعث معاوية إلى المغيرة بن شُعْبة الثقفي- عند منْصَرَف علي من الجمل، وقبل مسيره إلى صِفَينَ- بكتاب يقول فيه: لقد ظهر من رأي ابن أبي طالب ما كان تقدم من وعْده لك في طلحة والزبير، فما الذي بقي من رأيه فينا؟ وذلك أن المغيرة بن شعبة لما قتل عثمان وبايع الناسُ علياً دخل عليه المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحة، فقال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك ما أنت فيه فاستعمل طلحة بن عبيد اللّه على الكوفة، والزبير بن العوام على البصرة، وابعث إلى معاوية بعده عَلَى الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقر قرارها رأيت فيه رأيك، قال: أما طلحة والزبير فسأرى رأي فيهما، وأما معاوية فلا واللّه لا يراني اللّه أستعين به ما دام على حاله أبداً، ولكني أدعوه إلى ما عرفته، فإن أجاب وإلا حاكمته إلى الله، فانصرف المغيرة مغضباً وقال:

نصحت علياً في ابن هند مقـالَة

 

فردت، فلا يسْمَعْ لها الدهر ثانيه

وقلت له: أرسل إليه بـعـهـده

 

عَلَى الشام، حتى يستقر معـاوية

ويعلم أهْلُ الشام أن قد مَلَكْـتـه

 

وأم ابن هند عند ذلـك هـاويه

فلم يقبل النصح الذي جئتـه بـه

 

وكانت له تلك النصيحة كافـيه

قال المسعودي رحمه اللّه: وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب ما كان من المغيرة مع علي، وما أشار به، وهذا أحد الوجوه المروية في ذلك.

فهذه جوامع ما يُحْتَاج إليه من أخبار يوم الجمل وما كان فيه، دون الإكثار والتطويل وتكرار الأسانيد في ذلك والله ولي التوفيق.

ذكر جوامع مما كان بين أهل العراق وأهل الشام بصفين

قال المسعودي رحمه الله: قد ذكرنا جملا وجوامع من أخبار علي رضي الله عنه بالبصرة، وما كان يوم الجمل؛ فلنذكر الآن جوامع من سيره إلى صِفينَ، وما كان فيها من الحروب، ثم نعقب ذلك بشأن الحكمين والنَهْرَوَان، ومقتله عليه السلام.

مسيره إلى صفين

وكان سير علي من الكوفة إلى صِفِّينَ لخمس خَلَوْنَ من شوال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عُقْبَة بن عامر الأنصاري فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثم أتى الأنبار، وسار حتى نزل الرقة، فعُقِدَ له هنالك جسر، فعبر إلى جانب الشام.

عدد جيشه

 وقد تنوزع في مقدأرما كان معه من الجيش، فمكثر و مقلل، والمتفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً، وقال رجل من أصحاب علي لما استقروا مما يلي الشام من أبيات كتب بها إلى معاوية حيث يقول:

اثْبُتْ معاوي قد أتاك الْحَافِلُ

 

تِسْعُونَ ألفاً كلهم مُقَـاتِـلُ

عَمَّا قليل يَضْمَحِل البَاطِلُ

 

 

جيش معاوية

وسار معاوية من الشام، وقد تنوزع في مقدار من كان معه أيضاً فكثر ومقلل، والمتفق عليه من قول الجميع خمس وثمانون ألفَاَ، فسبق عليّاً إلى صِفينَ، وعسكر في موضع سهل أفْيَحَ اختاره قبل قدوم علي، على شريعةٍ لم يكن على الفرات في ذلك الموضع أسهل منها للوارد إلي الماء، وما عداها أخراق عالية، ومواضع إلى الماء وَعْرة، ووكل أبا الأعور السلمي بالشريعة مع أربعين ألفاً، وكان على مقدمته، وبات عليٌّ وجيشه في البر عطاشاً قد حيل بينهم وبين الورود إلى الماء فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إن علياً لا يموت عطشاً هو وتسعون ألفاً من أهل العراق وسيوفهم على عواتقهمِ، ولكن دَعْهُم يشربون ونشرب، فقال معاوية: لا واللّه يموتوا عطشاَ كما مات عثمان، وخرج علي يدور في عسكره بالليل. فسمع قائلاً وهو يقول:

أيمنعنا القوم ماء الفـرات

 

وفينا عليٌّ وفينا الهـدى؟

وفينا الصلاة، وفينا الصيام

 

وفينا المناجون تحت الدجى

ثم مر بآخر عند راية ربيعه، وهو يقول:

أيمنعنا القَوْم ماء الفـرَات

 

وفينا الرِّمَاح وفينا الْحَجَف

وفينا علـي لَـهُ صـولة

 

إذا خَوَّفُوه الدرى لم يخف

ونحن غادة لقِينَا الـزبـير

 

وطلحة خُضْنَا غِمَارَالتلف

فما بالنا أمْس أسْدَ العـرين

 

وما بالنا اليوم شَاءَ النَّجَفْ

 وألقى في فسطاط الأشعث بن قيس رقعة فيها:

لئن لم يُجَلِّ الأشعثُ اليومَ كربة

 

من الموت فيها للنفوس تَفَلُّت

فنشرب من ماءِ الفراتِ بسيفه

 

فَهَبْنَا انَاساً قَبلُ كانوا فموتُـوا

فلما قرأها حَمِيَ وأتى عَلِيّاً رضي اللّه عنه، فقال له: أخرج في أربعة آلاف من الخيل حتى تهجم بهم في وسط عسكر معاوية فتشرب وتستقي أصحابك أو تموتوا عن أخركم، وأنا مُسَيّر الأشترَ في خيل ورَجَّالة وراءَكَ، سار الأشعث في أربعة آلاف من الخيل وهو يقول مرتجزاً:

وْرِدَنَّ خيلـيَ الـفـراتـا

 

شُعْثَ النَّوَاصِي أو يُقال ماتا

ثم دعا عليّ الأشتَرَ فَسَرَّحه في أربعة آلاف من الخيل والرجَّالة، صار يؤم الأشعث وصاحب رايته وهو رجل من النَّخَع وهو يرتجز ويقول:

أشتر الخيرات يا خير النَّخَـع

 

وصاحِبَ النصر إذا عًمّ الفزع

قد جَزِعَ القَوْمُ وَعُمُّوا بالفـزع

 

إن تَسْقِنَا اليوم فما هو بالبـدع

ثم سار عليّ رضي اللّه عنه وراء الأشتر بباقي الجيش، ومضى الأشعث فما رد وَجْهَه أحد حتى هجم علىِ عسكر معاوية، فأزال أبا الأعور عن الشريعة، وَغَرَّقَ منهم بشراً وخيلاَ، وأورد خيله الفرات، وذلك أن الأشعث داخلته الحمية في هذا اليوم، وكان يقدم رمحه ثم يحث أصحابه فقول: ازحموهم مقدار هذا الرمح، فيزيلوهم عن ذلك المكان، فبلغ ذلك من فعل الأشعث عليّاً، فقال: هذا اليوم نصرنا فيه بالحمية، وفي ذلك يقول رجل من أهل العراق:

كَشَفَ الأشعث عنـا

 

كُرْبَةَ الموت عِيَانَا

بعد ما طارت طلاقا

 

طيرةً مست لهَانَـا

فلهُ المَنٌّ عـلـينـا

 

وبه دارت رَحَانَـا

وارتحل معاوية عن الموضع، وورد الأشتر، وقد كشف الأشعث القوم عن الماء، وأزالهم عن مواضعهم، وورد علي فنزل في الموضع الذي كان فيه معاوية فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا أبا عبد اللّه، ما ظنك بالرجل أتراه يمنعنا الماء لمنعنا إياه؟ وقد كان انحاز بأهل الشام إلى، ناحية في البرَنائية عن الماء، فقال له عمرو: لا، إن الرجل جاء لغير هذا، وإنه لا يرضى حتى تدخل في طاعته أو يقطع حبل عاتقك، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في وروده مشرعته واستقاء الناس من طريقه ودخول رسله في عسكره، فأباحه عليٌّ كل مل أسأل وطلب منه. ولما كان أول يوم من ذي الحجة- بعد نزول عليّ على هذا الموضع بيومين- بعث إلى معاوية يدعوه إلى اتحاد الكلمة والدخول في جماعة المسلمين، وطالت المراسلة بينهما، فاتفقوا على الموادعة إلى آخر المحرم من سنة سبع وثلاثين، وامتنع المسلمون عن الغزو في البحر والبر لشغلهم بالحروب، وقد كان معاوية صالح ملك الروم على مالٍ يحمله إليه لشغله بعلي، ولم يتم بين علي ومعاوية صلح على غير ما اتفقا عليه من الموادعة في المحرم، وعَزَم القوم على الحرب بعد انقضاء المحرم ففي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي صاحب راية معاوية:

فما دون المنايا غير ُسبع

 

بقين من المحرم أوثمان

مبدأ الحرب

ولما كان في اليوم الأخر من المحرم قبل غروب الشمس بعث عليٌّ إلى أهل الشام: إني قد احتججت عليكم بكتاب اللّه، ودعوتكم إليه، وإني قد نبذت إليكم على سَوَاء، إن اللّه لا يهدى كيد الخائنين، فلم يردوا عليه جواباً إلاَّ السيف بيننا وبينك أو يهلك الأعجز منا.

وأصبح علي يوم الأربعاء- وكان أول يوم من صفر- فعبأ الجيش، وأخرج الأشتر أمام الناس، وأخرج إليه معاوية- وقد تصافَّ أهل الشام وأهل العراق- حبيبَ بن مسلمة الفهري، وكان بينهم قتال شديد سائر يومهم، وأسفرت عن قتلى من الفريقين جميعاً، وانصرفوا.

فلما كان يوم الخميس- وهو اليوم الثاني- أخرج علي هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المِرْقَال، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص، وإنما سمي المِرْقَالَ لأنه كان يرقل في الحرب، وكان أعور ذهبت عينه يوم اليرموك، وكان من شيعة علي، وقد أتينا على خبره في اليوم الذي ذهبت فيه عينه، وحسن بلائه في ذلك اليوم، في الكتاب الأوسط في فتوح الشام، فأخرج إليه معاوية أبا الأعور السُلَمي وهو سفيان بن عوف وكان من شيعة معاوية والمنحرفين عن علي، فكانت بينهم الحرب سِجَالاً، وانصرفوا في آخر يومهم عن قتلى كثير.

وأخرج علي في اليوم الثالث- وهو يوم الجمعة- أبا اليقظان عمار بن ياسر في عدة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار فيمن تسرع منعهم من الناس، وأخرج إليه معاوية عمرو بن العاص في تَنُوخَ وبَهْرَاء وغيرهما من أهل الشام، فكانت بينهم سجالاً إلى الظهر، ثم حمل عمار بن ياسر فيمن ذكرنا، فأزال عمراً عن موضعه وألحقه بعسكر معاوية، وأسفرت عن قتلى كثيرة من أهل الشام ودونهم من أهل العراق.

وأخرج علي في اليوم الرابع- وهو يوم السبت- ابنه محمد بن الحنفية في هَمْدَان وغيرها ممن خفَّ معه من الناس، فأخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في حمير ولْخَم وجُذَام، وقد كان عبيد الله بن عمر لحق بمعاوية خوفاً من علي أن يقيدة بالهرمزان- وذلك أن أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قاتل عمر، وكان في أرض العجم غلاماً للهرمزان، فلما قُتل عمر شدَ عبيد الله عَلَى الهرمزان فقتله، وقال: لا أترك بالمدينة فارسياً ولا في غيرها إلا قتلته بأبي، وكان الهرمزان عليلاً في الوقت الذي قتل فيه عمر- فلما صارت الخلافة إلى عليّ أراد قتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان لقتله إياه ظلماً من غير سبب استحقه فلجأ إلى معاوية، فاقتتلوا في ذلك اليوم، وكانت عَلَى أهل الشام، ونجا ابن عمر في اخر النهار هرباً.

وأخرج عليّ في اليوم الخامس- وهو يوم الأحد- عبد الله بن العباس فأخرج إليه معاوية الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط، فاقتتلوا، وأكثر الوليد من سب بني عبد المطلب بن هاشم، فقاتله ابن عباس قتالاً شديداً، وناده ابرز إلي يا صفوان، وكان لَقَبَ الوليد، وكانت الغَلَبة لابن عباس، وكان يوما ًصعباً.

وأخرج علي في اليوم السادس- وهو يوم الاثنين- سعيد بن قيس الهمداني، وهو سيد همدان يومئذ، فأخرج إليه معاوية ذا الكَلاَع، وكان بينهما إلى أخر النهار، وأسفرت عن قتلى، وانصرف الفريقان جميعا.

وأخرج عليّ في اليوم السابع- وهو يوم الثلاثاء- الأشتر في النخعَ وغيرهم، فأخرج إليه معاوية حبيب بن مسلمة الفهرى، فكانت الحرب بينهم سجالاً، وصبر كلا الفريقين وتكافئوا وتواقفوا للموت ثم انصر الفريقان وأسفرت عن قتلى منهما، والجراح في أهل الشام أعم.

خروج علي للقتال

وخرج في اليوم الثامن- وهو يوم الأربعاء- علي رضي اللّه تعالى- بنفسه في الصحابة من البدريين وغيرهم من المهاجرين والأنصار وربيعه وهمدان. قال ابن عباس: رأيت في هذا اليوم عليَاَ وعليه عمامة بيضاء، وكانَ عينيه سراجا سَليطٍ، وهو يقف على طوائف الناس في مراتبهم يحثهم و يحرضهم، حتى انتهى إلي وأنا في كثيف من الناس، فقال: يا معشر المسلمين، عموا الأصوات، وأكْمِلوا الأمة، واستشعروا الخشية، أقلقوا السيوف في أجفان قبل السَّلة، والحظوا الشَّزْر، واطعنوا لهبره، ونافخوا بالظباء، وصلوا السيوف بالخط والنبال بالرماح، طيبوا عن أنفسكم أنفساً، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاودوا لكرَّ، واستقبحوا الفرَّ، فإنه عارٌ في الأعقاب، ونارٌ يوم الحساب ودونكم هذا السواد الأعظم، والرواق المُطَنَّب، فاضربوا نَهْجَه، فإن الشيطان راكب صعيده، مفترش ذراعيه، قد قَدَّم للوثبة يداً وأخَّرَ للنكوص رجلأ، فصبراً جميلاً حتى تنجلي عن وجه الحق، وأنتم الأعلون واللّه معم ولن يَتِرَكم أعمالكم.

وتقدم علي للحرب على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشَّهْبَاء، وخرج مُعاوية في عدد أهل الشام، فانصرفوا عند المساء وكلٌّ غير ظافر.

وخرج في اليوم التاسع- وهو يوم الخميس- عليّ، وخرج معاوية، فتتلوا إلى ضحوة من النهار، وبرز أمام الناس عبيد اللّه بن عمر بن لخطاب في أربعة آلاف من الخضرية معممين بشقاق الحرير الأخضر مقدمين للموت يطلبون بدم عثمان، وابن عمر يقدمهم وهو يقوك:

أنا عُبَيد اللّه يَنْـمِـينـي عُـمَـر

 

خير قريش مَنْ مضى ومن غَبَرْ

غير نبي اللّه والـشـيخ الأغـر

 

قد أبطأت في نصر عثمان مضَر

ْوالربعيون، فلا اسقوا المطـر

 

 

فناداه علي: ويحك يا ابن عمر، علام تقاتلني؟ واللهّ لو كان أبوك حياً ما قاتلني، قال، أطالب بدم عثمان، قال: أنت تطلب بدم عثمان واللهّ يطلبك بدم الهرمزان، وأمر عليّ الأشْتَرَ النخعي بالخروج إليه فخرج الأشتر إليه وهو يقول:

إني أنا الأشتر معروف السـير

 

إني أنا الأفعى العراقيًّ الذكر

لستَ من الحي ربيع أو مضر

 

لكنني من مَذْحِج البيض الغرر

فانصرف عنه عبيد اللهّ ولم يبارزه، وكثرت القتلى يومئذ.

عمار بن ياسر

وقال عمار بن ياسر: إني لأرى وجوه قوم لا يزالون يقاتلون حتى يرتاب المبطلون، واللّه لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سَعَفَات هَجَر لكنا على الحق وكانوا على الباطل.

وتقدم عمار فقاتل ثم رجعٍ إلى موضعه فاستسقى، فأتته امرأة نساء بني شيبان من مصافهم بُعسّ فيه لبن، فدفعته إليه، فقال: الله أكبر اللّه أكبر، اليوم ألقى الأحبة تحت الأسنة، صدق الصادق، وبذلك أخبرني الناطق، وهو اليوم الذي وُعِدْتُ فيه، ثم قال: أيها الناس، ! من رائح إلى اللهّ تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله، وتقدم وهو يقول:

نحن ضربناكم على تنزيله

 

قاليوم نضربْكُم على تأويله

ضرْباً يزيل الهام عن مَقِيلِه

 

ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليلـه

أو يرجعَ الحقُّ إلى سبيله

 

 

فتوسط القوم، واشتبكت عليه الأسنة، فقتله أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي، واختلفا في سَلَبه،فاحتكما إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال لمهما: أخرجا عني، فإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول، أو قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وولعت قريش بعمار "ما لهم ولعمار؟ يدعوهم إلى جنة ويدعونه إلى النار" وكان قتله عند المساء وله ثلاث وتسعون سنة، قبره بصفين وصلى عليه عليّ عليه السلام ولم يغسله، وكان يغير شيبه. قد تنوزع في نسبه فمن الناس من ألحقه ببني مخزوم، ومنهم من رأى أنه من خُلَفَائهم، ومنهم من رأى غير ذلك، وقد أتينا على خبره في كتاب أخر الأخبار وطرائف الآثار عند ذكرنا الاشتراط الخمسين الذين بايعوا عليّاً على الموت، وفي قتله يقول الحجاج ابن عُزَية الأنصاري أبياتاً رَثَاه بها:

يا للَرِّجَال لعين دمْعُهَـا جـاري

 

قَدْ هَاجَ حُزْنِي أبو اليقظان عَمَّار

أهوى إليه أبـوحَـوَّا فـوارسـه

 

يدعو السكون وللجيشين إعصار

فاختلَّ صدر أبي اليقظان معترضا

 

للرمح، قد وجَبَتْ فينا له النـار

الله عن جمعهم لاشك كان عَفَـا

 

أتَـتْ بـذلـك آيات وآثــار

من ينزع اللّه غلا من صدورهم

 

على الأسرة لم تمسسهم النـار

قال النبي له تقتـلـك شـرذمة

 

سيطت لحومهمُ بالبغي، فُجَّـار

فاليوم يعرف أهل الشام أنـهـم

 

أصحاب تلك وفيها النار والعار

ولما صرع عمار تقدم سعيد بن قيس الهمداني في همدان، وتقدم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في الأنصار وربيعه، وعدي بن حاتم في طيى وسعيد بن قيس الهمداني في أول الناس، فخلطوا الجمع بالجمع، واشتدَّ القتال وحطمت همدان أهل الشام حتى قذفتهم إلى معاوية، وقد كان معاوية صَمَدَ فيمن كان معه لسيعيد بن قيس ومن معه من همدان، وأمر عليّ الأشتر أن يتقدم باللواء إلى أهل حمص وغيرهم من أهل قنسرين، فأكثر القتل في أهل حمص وقنسرين بمن معه من القراء، وأبْلى المِرْقَال يومئذ بمن معه فلا يقوم له شيء، وجعل يرقل كما يرقل الفحل في قيده، وعليُّ وراءه يقول له: يا أعور، لا تكن جباناً، تقدم، والمِرْقَال يقول:

قد أكثر القومُ ومـا أقَـلّاَ

 

أعور يبغي أهله محـل

ا قد عالج الحياة حتى مَلّا

 

لا بدَ أنْ يَفُـلَّ أوْ يُفَـلّا

أشُلُّهُمْ بذي الكعوب شَلا

 

 

ثم صمد هاشم بن عتبة المِرْقال لذي الكَلاَع وهو في حمير، فحمل عليه صاحب لواء ذي الكَلاع، وكان رجلا من عُذْرَة وهو يقول:

أثبت فإني لست من فَرعِيْ مضر

 

نحن اليمانيون ما فينا ضـجـر

كيف ترى وقع غلام من عـذر

 

ينعى ابن عفان ويَلْحى من غدر

يا أعور العين رمى فيها العـور

 

سيان عندي من سعى ومن أمر

مصرع هاشم المرقال

فاختلفا طعنتين، فطعنه هاشم المرقال فقتله، وقتل بعده تسعة عشر رجلا، وحمل هاشم المرقال وحمل ذو الكلاع ومع المرقال جماعة من أسلم قد ألوا أن لا يرجعوا أو يفتحوا أو يقتلوا، فاجتلد الناس، فقتل هاشم المرقال، وقتل ذو الكلاع جميعاً، فتناول ابن المرقال اللواء حين قبل أبوه في وسط المعركة وكر في الْعَجَاج وهو يقول:

يا هاشم بن عتبة بن مـالِـك

 

أعْزِز ْبشيخ من قريش هالك

خبطه الخيلاتُ بالسـنـابـك

 

أبْشِرْ بحور العين في الأرائك

والرّوْح والزيحان عند ذلك

 

 

ووقف علي رضي اللّه عنه عند مصرع المِرْقَال ومَنْ صرع حوله من الإسلاميين وغيرهم، فدعا لهم وترحَّمَ عليهم، وقال من أبيات:

جزى اللّه خيراً عصبة أسلـمـية

 

صباح الوجوه صُرِّعُوا حول هاشم

يزيد وعبد اللّه بشر بن مـعـبـد

 

وسفيان وابنا هاشم ذي المـكـأرم

وعروة لا ينـفَـدْ ثـنـاه وذكـره

 

إذا اخْتُرطت يوماً خفاف الصوأرم

حذيفة بن اليمان، وابناه

واستشهد في ذلك اليوم صفوان وسعد ابنا حذيفة بن اليمان، وقد كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي فقال: أخرجوني وادعوا الصلاة جامعةً فوضع على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي وعلى اله، ثم قَال: أيها الناس، إن الناس قد بايعوا عليّاً فعليكم بتقوى اللّه وانصروا عليّاً ووازروه؛ فواللّه إنه لعلى الحق أخرا وأولاً، وإنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال: اللهم أشهد، إني قد بايعت عليّاً، وقال: الحمد للهّ الذي أبقاني إلى هذا اليوم، وقال لا بنيه صفوان وسعد، احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه واللّه عَلَى الحق، ومن خالفه عَلَىِ البَاطل، ومَات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام، وقيل: بأربعين يوماَ واستشهد عبد اللّه بن الحارث النخعي أخو الأشتر واستشهد فيه عبد اللّه وعبد الرحمن ابنا بَدِيل بن ورقاء الخزاعي في خلق من خزاعة، وكان عبد اللّه في ميسرة عَليّ وهو يرتجز و يقول:

م يبق إلى الصبر و التوكـل

 

وأخذك الترس وسيف مصقلْ

ثم التمشيَ في الرعيل الأولْ

 

 

فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده، فيمن ذكرنا من خزاعة. ولما رأى معاوية القتل في أهل الشام وكلَبَ أهل العراق عليهم استدعى بالنعمان ابن جَبَلة التنوخي- وكان صاحب راية قومه في تنوخ وبَهْرَاء- وقال له لقد هممت أو أولي قومك من هو خير منك مقدماً، وأنصح منك ديناً، فقال له النعمان: آنا لو كنا ندعو قومنا إلى جيش مجموع لكان في كسع الرجال بعضُ الأناة فكيف ونحن ندعوهم إلى سيوف قاطعة، ورُدَيْنية شاجرة، وقوم ذوي بصائر نافذة، واللهّ لقد نصحتك على نفسي، وآثَرْتُ ملكك على ديني، وتركت لهواك الرشد وآنا أعرفه، وجِدْتُ عن الحق وأنا أبصره، وما وُفِّقْتُ لرشد حين أقاتل على ملكك ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأول مؤمن به ومهاجر معه، ولو أعطيناه ما أعطيناك لكان أرأف بالرعية، وأجزل في العطية، ولكن قد بذلنا ذلك الأمر ولا بد من أتم أمه كان غياً أو رشداً، وحاشا أن يكون رشداً وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا أثمار الجنة وأنهارها، وخرج إلى قومه، وصمد إلى الحرب.

مقتل عبيد اللّه بن عمر

وكان عبيد الله بن عمر إذا خرج إلى القتال قام إلية نساؤه فشددن عليه سلاحه، ما خلا الشيبانية بنت هانى بن قبيصة، فخرج في هذا اليوم، وأقبل على الشيبانية، وقال لها: إني قد عَبَّأت اليوم لقومك، وأيم اللهّ إني لأرجو أن أربط بكل طُنب من إطناب فُسْطَاطي سيداً منهم، فقالت له: ما أبغض إلا أن تقاتلهم قال: ولم؛ قالت: لأنه لم يتوجه إليهم صنديد في جاهلية ولا إسلام وفي رأسه صعر إلا أبادوه، وأخاف أن يقتلوك، وكأني بك قتيَلاَ وقد أتيتُهم أسألهم أن يهبوا لي جيفتك، فرماها بقوس فشجَّها وقال لها: ستعلمين بمن آتيك من زعماء قومك، ثم توجَّه فحمل عليه حريث بن جابر الجعفي فطعنه فقتله، وقيل: إن الأشتر النخعي هو الذي قتله، وقيل: إن عليّاً ضربه ضَرْبَةً فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حُشْوة جوفه، وإن عليّاً قال حين هرب فطلبه ليقيد منه بالهرمزان: لئن فاتني في هذا اليوم لا يفوتني في غيره، وكلم نساؤه معاوية في جيفته، فأمر أن تأتين ربيعه فتبذلن في جيفته عشرة آلاف، ففعلن ذلك، فاستأمرت ربيعه علياً، فقال لهم: إنما جيفته جيفة كلب لا يحل بيعها، ولكن قد أجبتهم إلى ذلك؛ فاجعلوا جيفته لبنت هانئ بن قبيصة الشيباني زوجته، فقالوا لنسوة عبيد اللّه: إن شئتن شددناه إلى ذَنَبِ بغل ثم ضربناه حتى يدخل إلى عسكر معاوية، فصرخن وقلن: هذا أشد علينا، وأخبرن معاوية بذلك، فقال لهن: ائتوا الشيبانية فَسَلُوها أن تكلمهم في جيفته، ففعلن، وأتت القوم وقالت: أنا بنت هانئ بن قبيصة وهذا زوجي القاطع الظالم وقد حذرته ما صار إليه فَهَبُوا إلي جيفته، ففعلوا، وألقت إليهم بمطرف خز فأدرجوه فيه ودفعوه إليها فمضت به، وكان قد شد في رجله إلى طنب فسطاط من فساطيطهم.

ولما قتل عمار ومن ذكرنا في هذا اليوم حرض علي عليه السلام الناس وقال لربيعه: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى أكثر من ذلك من ربيعه وغيرهم، قد جادوا بأنفسهم الله عز وجل، وعليٌّ أم أمه م على البغلة الشهباء، وهو يقول:

من أي يومَيّ من الموت أفر

 

أيومَ لم يقـدر أم يوم قُـدر

وحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهلي الشام صف إلا انتفض، وأهمدوا كل ما أتوا عليه، حتى أتوا إلى قبة معاوية، وعلي لا يمر بفارس إلا قَدَّه وهو يقول:

أضربهم ولا أرى مـعـاويه

 

الأخْزَر َالعين العظيم الحاويه

تهوي به في النار أم الهويه

 

 

وقيل: إن هذا الشعر لبديل بن ورقاء، قاله في ذلك اليوم.

ثم نادى علي: يا معاوية، علام يقتل الناس بيني وبينك؟ هلم أحاكمك إلى اللّه فآينا قتل صاحبه استقامت له الأُمور، فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل، فقال له معاوية: ما أنصفت، وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجك قط إلا قتله أو أسره، فقال له عمرو: وما يحمل بك إلا مبارزته، فقال له معاوية: طمعت فيها بعدي، وحَقَدَها عليه.

وقد قيل في بعض الروايات: إن معاوية أقسم على عمر ولما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي، فلم يجد عمرو من ذلك بداً، فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به، فكشف عمرو عن عورته، وقال: مُكْرَهٌ أخوك لا بطل فحول عليٌّ وجهه عنه، وقاك: قبحت! ورجع عمرو إلى مصافه. وقد ذكر هشام بن محمد الكلبي عن الشرقي بن القطامي أن معاوية قال لعمرو بعد انقضاء الحرب: هل غششتني منذ نصحتني؟ قال: لا، قال: بلى واللّه يوم أشَرْتَ علي بارزة علي وأنت تعلم ما هو، قال: دعاك إلى المبارزة فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين: إما أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران وتزداد شرفاً إلى شرفك، وإما أن يقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فقال معاوية: يا عمرو، الثانية من الأولى.

وكان في هذا اليوم من القتال ما لم يكن قبل، ووجدت في بعض النسخ من أخبار صفين أن هاشماً المِرْقَال لما وقع إلى الأرض وهو يجود بنفسه رفع رأسه فإذا عبيد اللّه بن عمر مطروحاً إلى قربه جريحاً، فحبا حتى دنا منه، فلم يزل يعض على ثدييه حتى ثبتت فيه أسنانه لعدم السلاح والقوة، لأنه أصيب فوقه ميتاً هو ورجل من بكم بن وائل، قد زَحَفَا إلى عبيد اللّه جميعاً فنهشاه، وانصرف القوم إلى مواضعهم، وخرج كل فريق منهم يحملون ما أمكن قتلاهم.

ومر معاوية في خواص من أصحابه في الموضعِ الذي كانت ميمنته فيه، فنظر إلى عبد اللّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي فعَفّراَ بدمائه، وقد كان على ميسرة علي، فحمل على ميمنة معاوية فأصيب على ما قدمتا آنفاً، فأراد معاوية أن يمثل به، فقال له عبد اللّه بن عامر وكان صديقاً لابن بديل: والله لا تركتك وإياه، فوهبه له، فغطاه بعمامته وحمله فواراه، فقال له معاوية: قد والله واريت كبشاً من كباش القوم وسيداً من سادات خزاعة غير مدافع، واللّه لو ظفرت بنا خزاعة لأكلونا، ولو أنا من جَنْدَل، دون هذا الكبش، وأنشأ يقول متمثلاً:

أخو الحرب إن عضَّت به الحرب عضها

 

وإن شَمَّرت يوماً به الحـرب شـمّـرا

كليث هِزَبْـرٍ كـان يحـمـي ذِمـاره

 

رمته المنايا قصـدهـا فـتـقَـطَّـرَا

ونظر على إلى غسان في مصافهم لا يزولون، فحرض أصحابه عليهم، وقال: إن هولاء لن يزلوا على موقفهم دون طعن يحرج منه النسيم، وضرب يفلق الهام ويصجُّ العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، حتى تشدخ جباههم بُعُمد الحديد، وتنتثر لممهم على الصدور والأذقان، أين أهل الصبر وطلاب الأجر؟ فثاب إليه عصابة من المسلمين من سائر الناس، فدعا ابنه محمداً، فدفع إليه الراية وقال: امْش بها نحو هذه الراية مشياً رويداً، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح، فأمسك حتى يأتيك أمري، ففعك، وأتاه عليٌّ ومعه الحسن والحسين وشيوخ بدر وغيرهم من الصحابة، وقد كَرْدس الخيل، فحملوا على غسان ومن يليها، فقتلوا منها بشراً كثيراً، وعادت الحرب في أخر النهار كحالها في أوله، وحملت ميمنة معاوية وفيها عشرة الاف من مذحج وعشرون ألفاً مقنعون في الحديد على ميسرة علي، فاقتطعوا ألف فارس، فانتدب من أصحاب علي عبد العزيز بن الحارث الجعفي، وقال لعليٍّ: مرني بأمرك، فقال: شَدَّ اللهّ ركنك! سِرْ حتى تنتهي إلى إخواننا المحاط بهم، وقل لهم: يقول لكم علي: كبروا ثم احملوا ونحمل حتى نلتقي، فحمل الجعفي، فطعن في عرضهم حتى انتهى إليهم، فأخبرهم بمقالة علي، فكبروا، ثم شدوا حتى التَقَوْا بعلي، وشَدَخُوا سبعمائة من أهل الشام؛ وقتل حوشب ذو ظليم، وهو كبش من كباش اليمن من أهل الشام، وكان على راية ذُهْل بن شيبان وغيرها من ربيعه الحُضَيْنُ بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي، وفيه يقول علي في هذا اليوم:

لمن راية سَوداء يخفق ظلها

 

إذا قلت قدمْهَا حُضَيْنُ تقدما

ليلة الهرير

فأمره بالتقدم، واختلط الناس، وبطل النبل، واستعملت السيوف، وجَنَهم الليل، وتنادوا بالشعار، وتقصفت الرماح، وتكالم دم القوم، وكان يعتنق الفارسُ الفارسَ ويقعان جميعاً إلى الأرض عن فرسيهما، وكانت ليلة الجمعة- وهي ليلة الهرير- فكان جملة من قَتَلَ عليُّ بكفه في يومه وليلته خمسمائة وثلاثة وعشرين رجلاً أكثرهم في اليوم، وذلك أنه كان إذا قتل رجلاً كبر إذا ضرب، ولم يكن يضرب إلا قتل، ذكر ذلك عنه مَنْ كان يليه في حربه، ولا يفارقه من ولده وغيرهم.

وأصبح القوم على قتالهم، وكسفت الشمس، وارتفع القَتَام، وتقطعت الألوية والرايات ولم يعرفوا مواقيت الصلاة، وغدا الأشتر يرتجز وهو يقول:

نحن قتلنا حَوْشَبا

 

لماغَدا قد أعلما

 

وذا الكَلاَع قبـله

 

ومعبدا إذ أقْدَمَا

إن تقتلوا منا أبا

 

اليقظان شيخا مُسْلمما

فقد قتلنا منكُم

 

سبعين رأسا مجرما

أضْحَوْا بصفين وقد

 

لاقوا نكالا مؤلـمـا

         

خدعة رفع المصاحف

وكان الأشتر في هذا اليوم- وهو يوم الجمعة- على ميمنة علي، وقد أشرف على الفتح، ونادت مشيخة أهل الشام: يا معشر العرب اللّه اللهّ في الحرمات والنساء والبنات، وقال معاوية: هلم مخبآك يا ابن العاص فقد هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو: أيها الناس، مَنْ كان معه مصحف فليرفعه على رُمْحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجة ونادوا: كتاب اللهّ بيننا وبينكم، مَنْ لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومَنْ لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار ورفح في عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف، وفي ذلك يقول النجاشي بن الحارث:-

فأصبح أهل الشام قد رفعوا الْقَنَا

 

عليها كتاب اللّه خـير قُـرَان

نادوا علياً: يا ابن عمّ محـمـد

 

أما تتقي أن يَهْلِكَ الثـقـلان؟

ِفلما رأى كثير من أهل العراق ذلك قالوا: نجيب إلى كتاب اللّه ونُنِيب إليه، وأحَبَّ القوم الموادعة، وقيل لعلي: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب اللهّ فاقبل منه، وكان أشدهم في ذلك اليوم الأشعث بن قيس، فقال علي: أيها الناس، إنه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب، وقد واللّه أخذت منكم وتركت، وإني كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وقد أحببتم البقاء، فقال اللأشتر: إن معاوية لا خَلَفَ له من رجاله، ولك بحمد اللهّ الخلف، ولو كان له مثل رجالك لما كان له مثل صبرك ولا نصرك، فاقرع الحديد بالحديد واستعن باللّه، وتكلَّم رؤساء أصحاب عليّ بنحو من كلام الأشتر، فقال الأشعث بن قيس: أنا ذلك اليوم على ما كنَّا عليه أمس، ولسنا ندرى ما يكون غداً، وقد واللّه فُلَّ الحديد، وكَفَت البصائر، وتكلم معه غيره بكلام كثير، فقال علي: ويحكم إنهم ما رفعوها لأنكم تعلمونها ولا يعلمون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومَكِيدة، فقالوا له: إنه ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب اللّه فانأ بي أن نقبله، فقال: ويحكم إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب، فقد عَصَوُا اللّه فيما أمرهم به، ونبذوا كتابه، فامْضوا على حقكم وقصدكم، وخذوا في قتال عدوكم،فإن معاوية وابن العاص وابن أبي مُعَيْط وحبيِب بن مسلمة وابن النابغة وعدداً غير هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعْرَفُ بهم منكم؛ صحبتهم أطفالا ًو رجالاً، فهم شر أطفال و رجال، وجرى له مع القوم خطب طويل قد أتينا ببعضه، وتهددوه أن يُصْنَع به ما صنع بعثمان، وقال الأشعث: إن شئت أتَيْتُ معاوية فسألته ما يريد، قال: ذلك إليك فآتِهِ إن شئت، فأتاه الأشعث فسأله، فقال له معاوية: نرجعِ نحن وأنتم إلى كتاب الله، وإلى ما أمر به في كتابه: تبعثون منكم رجلاَ ترضونه وتختارونه، ونبعث برجل، ونأخذ عليهما العهد والميثاق أن يعملا بما في كتاب الله ولا يخرجا عنه، وننقاد جميعأ إلى ما اتفقا عليه من حكم الله، فصَؤَبَ الأشعث قوله، وانصرف إلى علي، فأخبره ذلك، فقال أكثر الناس: رضينا وقبلنا وسمعنا وأطعنا، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وقال الأشعث ومن ارتد بعد ذلك إلى رأي الخؤارج: رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال على: قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى الأشعري، فقال الأشعث ومن معه: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، قال: ويحكم! هو ليس بثقة: قد فارقني وخَذَل الناس مني وفعل كذا وكذا، وذكر أشياء فعلها أبو موسى، ثم إنه هرب شهوراً حتى أمنته، لكن هذا عبد الله بن عباس أوَلٌيه ذلك، فقال الأشعث وأصحابه: والله لا يحكم فينا مُضَريان، قال عليّ: فالأشتر، قالوا: وهل هاج هذا الأمر إلا الأشتر، قال: فاصنعوا الآن ما أردتم، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه، فبعثوا إلى أبي موسى وكتبوا له القصة، وقيل لأبي موسى: إن الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد الله، قيل: وقد جعلوك حكماً، قال: أنا لله لانا إليه راجعون.

ذكر الحكمين وبدء التحكيم

كان أبو موسى الأشعر يحدث قبل وقعة صِفِّينَ ويقول: إن الفتن لم تزل في بني إسرائيل ترفعهم وتخفضهم حتى بعثوا الحكمين يحكمان بحكم لا يرضى به من اتبعهما وإن هذه الأمة لا تزال بها الفتن ترفعها وتخفضها حتى يبعثوا حكمين يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما، فقال له سويد بن غَفَلة: إياك- إن أدركت ذلك الزمان أن تكون أحَدَ الحكمين، قال: أنا؟ قال: نعم أنت، قال: فكان يخلع قميصه ويقول: لا جعل الله لي إذاً في السماء مَصْعَداً، ولا في الأرض مقعداً، فلقيه سويد بن غَفَلة بعد ذلك فقال: يا أبا موسى، أتذكر مقالتك؟ قال: سَلْ رَبك العافية.

شروط الحكم وموعد الاجتماع

وكان فيما كتب في الصحيفة أن يحيى الحكمان ما أحيا القران ويمتا ما أمات القرآن، ولا يتبعان الهوى، ولا يُدَاهنان في شيء من ذلك فإن فعلا فلا حكم لهما، والمسلمون من حكمهما بَرَاء، وقال عليُّ للحكمين حين أكره على أمرهما ورد الأشتر وكان قد أشرف في ذلك اليوم على الفتح فأخبره مخبر بما قالوا في علي وأنه إن لم يُرِده سُلم إلى معاوية يفعل بهما فعل بابن عفان، فانصرف الأشتر خوفاً على عليّ فقال لهما علي: على أن تحكما بما في كتاب اللّه، وكتابُ اللّه كلُه لي، فإن لم تحكما بما في كتاب فلا حكم لكما، وصَيَّرُوا الأجل إلى شهر رمضان على اجتماع الحكمين في موضع بين الكوفة والشام، وكان الوقت الذي كتبت فيه الصحيفة لأيام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين، وقيل: بعد أهذا الشهر منها، ومًرّ الأشعث بالصحيفة يقرؤها على الناس فرحاً مسرورا، حتم انتهى إلى مجلس لبني تميم، فيه جماعة من زعمائهم، منهم عروة بن أدية تميم، وهو أخو بلال الخارجي، فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، وإن الأشعث كان بدء هذا الأمر والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلا إلى أمر اللهّ، وقال له عروة بن أدَية: أتحكمون في دين اللهّ وأمرِه ونهيه الرجال؟ لا حكم إلا للهّ، فكان أولَ من قالها وحكم بها، وقد تنوزع في ذلك، وشد بسيفه على الأشعث فضم فرسه عن الضربة فوقعت في عجز الفرس ونجا الأشعث، وكادت العصبية أن تقع بين النزارية واليمانية، لولا اختلاف كلمتهم في الديانة والتحكيم.

وفي فعل عروة بن أدَية بالأشعث يقول رجل من بني تميم في أبيات:

عُرْو يا عرو كلُّ فتـنة قـوم

 

سَلَفَتْ إنما تـكـون فَـتِـيَّهْ

ثم تَنْمِي ويعظم الخطب فيهـا

 

فاحذرنْ غِبَّ ما أتيت عُـرَيَّه

أعلَى الأشعث المعصب بالتـا

 

ج حملْتَ السلاح يا ابن أدَيه؟

إنها فتنة كفتـنة ذي الـعـج

 

ل، أيا عروة العَصَا والعصيَّه

فانظر اليوم ما يقول عـلـيّ

 

واتَّبِعه، فذاك خيرُ الـبـرية

عدة قتلى صفين

وقد تنوزع في مقدار من قتل من أهل الشام والعراق بصفين: فذكر أحمد بن الدورقي عن يحيى بن معين أن عدة من قتل بها من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيام مائة ألف وعشرة آلاف من الناس: من أهل الشام تسعون ألفاً، ومن أهل العراق عشرون ألفاً، ونحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفين أكثر مما قيل في هذا الباب، وهو خمسون ومائة ألف مقاتل، سوى الخدم والأتباع، وعلى هذا يجب أن يكون مقدار القوم جميعاً مَنْ قاتل منهم ومن لم يقاتل من الخدم وغيرهم ثلثمائة ألف، بل أكثر من ذلك، لأن أقل من فيهم معه واحد يخدمه، وفيهم من معه الخمسة والعشرة من الخدم والأتباع وأكثر من ذلك، وأهل العراق كانوا في عشرين ومائة ألف مقاتل دون الأتباع والخدم.

وأما الهيثم بن عدي الَطائي وغيره مثل الشرقي بن القطامي وأبي مخنف لوط بن يحيى فذكروا ما قدمنا، وهو أن جملة من قتل من الفريقين جميعاً سبعون ألفاً: من أهل الشام خمسة وأربعون ألفاً، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفاً، فيهم خمسة وعشرون بَدْرِياً، وأن العدد كان يقع بالتقصّي والإحصاء للقتلى في كل وقعة، وتحصيل هذا يتفاوت، لأن في قتلى الفريقين من يُعْرَف ومن لا يعرف، وفيهم من غرق، وفيهم من قتل في البر؛ فأكلته السباع فلم يدركهم الإحصاء، وغير ذلك مما يعتور ما وصفنا، وسمعت امرأة بصفين من أهل العراق وقد قتل لها ثلاثة أولاد وهي تقول:  

أعينيَّ جُودَا بدمـع سَـرِبْ

 

على فتية من خيار العرب

وما ضرهم غير حنّ النفوس

 

بأي امرئ من قريش غَلَب

بعد التحكيم

ولما وقع التحكيم تباغض القوم جميعاً وأقْبَلَ بعضهم يتبرأ من بعض: يتبرأ الأخ من أخيه، والابن من أبيه، وأمر عليٌّ بالرحيل، لعلمه باختلاف الكلمة، وتفاوت الرأي، وعدم النظام لأمورهم، وما لحقه من الخلاف منهم، وكثر التحكيم في جيش أهل العراق، وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف، وتسابوا، ولام كل فريق منهم الأخر في رأيه، وسار علي يؤم الكوفة، ولحق معاوية بدمشق من أرض الشام، وفَرَّقَ عساكره فلحق كل جند منهم ببلده.

ولما دخل عليّ رضي اللّه عنه الكوفة انحاز عنه اثنا عشر ألفاً من القراء وغيرهم فلحقوا بحَرَوْرَاءَ- قريةِ من قرى الكوفة- وجعلوا عليهم شبيب بن ربعي التميمي، وعلى صَلاَتهم عبد اللّه بن الكَوَّاء اليشكري من بكر بن وائل، فخرج عليّ إليهم وكانت له معهم مناظرات، فدخلوا جميعاً الكوفة، وإنما سموا الحرورية لاجتماعهم في هذه القرية، وانحيازهم إليها.

وقد ذكر يحيى بن معين قال: حدثنا وهب بن جابر بن حازم، عن الصَّلْتِ بن بهرام، قال: لما قدم عليّ الكوفة جعلت الحرورية تناديه وهو على المنبر: جزعت من البلية، ورضيت بالقضية، وقبلت الدنية، لا حكم إلا اللّه، فيقول: حُكْمَ اللّه أنتظر فيكم، فيقولون: " ولقد أوحِيَ إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فيقول علي: "فاصبر إن وعد اللّه حق، ولا يستخلفنك الذين لا يوقنون".

التقاء الحكمين

وفي سنة ثمان وثلاثين كان التقاء الحكمين بدومة الجندل، وقيل: بغيرها، على ما قدمنا من وصف التنازع في ذلك، وبعث عليّ بعبد اللهّ بن العباس وشريح بن هانئ الهمداني في أربعمائة رجل فيهم أبو موسى الأشعري، وبعث معاوية بعمرو بن العاص ومعه شرخبيل بن السمط في أربعمائة، فلما تَدَانى القوم من الموضع الذي كان فيه الاجتماع قال ابن عباس لأبي موسى: إن علياً لم يرض بك حكماً لفضل عندك والمتقدمون عليك كثير، وإن الناس أبَوْا غيرك، وإني لأظن ذلكَ لشر يُرَاد بهم، وقد ضم داهية العرب معك، إن نسيتَ فلا تنس أن علياً بايعه الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وليس فيه خصلة تباعده من الخلافة، وليس في معاوية خصلة تقربه من الخلافة، ووصى معاوية عمراً حين فارقه وهو يريد الاجتماع بأبي موسى، فقال: يا أبا عبد اللّه، إن أهل العراق قد أكرهوا علياً على أبي موسى، وأنا وأهل الشام رَاضُونَ بك، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي، فأخِّر الحز، وطبق المفصل، ولا تَلقهَ برأيك كله، ووافاهم "سَعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن عمر وعبد الرحمن بن عوف الزهري والمغيرة بن شعبة الثقفي وغيرهم، وهؤلاء ممن قَعَدَ عن بيعة علي، في آخرين من الناس، وذلك في شهر رمضان من سنة ثمان وثلاثين، فلما التقى أبو موسى وعمرو قال عمرو لأبي موسى تكلم وقل خيراً، فقال أبو موسى: بك تكلم أنت يا عمرو فقال عمرو: ما كنت لأفعل وأقدم نفسي قبلك، ولك حقوق كلها واجبة لسنك وصحبتك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأنت ضيف، فحمد اللّه أبو موسى وأثنى عليه، وذكر الحديث الذي حَلَّ بالإِسلام، والخلاف الواقع بأهله، ثم قال: يا عمرو هلم إلى أمر يجمع اللهّ به الألفة، ويلم الشَّعَثَ، ويصلح ذات البين. فجزاهَّ عمرو خيراً، وقال: إن للكلام أولاً وأخرا، ومتى تنازعنا الكلام خطباً لم نبلغ آخره حتى ننسى أوله، فاجعل ما كان من كلام بينا في كتاب يصير إليه أمرنا،. قال: فاكتب، فدعا عمرو بصحيفة وكاتب وكان الكاتب غلاماً لعمرو، فتقدم إليه ليبدأ به أولاً دون أبي موسى؛لما أراد من المكر به، ثم قال له بحضرة الجماعة: أكتب فإنك شاهد علينا ولا تكتب شيئاً يأمرك به أحدنا حتى تستأمر الأخر فيه، فإذا أمرك فاكتب وإذا نهاك فانته حتى يجتمع رأينا، اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه فلان وفلان فكتب، وبدأ بعمرو، فقال له عمرو: لا أم لك! أتقدمني قبله كأنك جاهل بحقه؟ فبدأ باسم عبد اللّه بن قيس وكتب: تقاضَيَا على أنهما يشهدان أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم قال عمرو: ونشهد أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بكتاب اللهّ وسنة رسول اللّه حتى قبضه اللّه إليه وقد أدَى الحق الذي عليه، قال أبو موسى: اكتب، ثم قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب ثم قال عمرو: واكتب وأن عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشُورَى من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورضاً منهم، وأنه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا مما قعدنا له، قال عمرو: واللهّ لا بد من أن يكون مؤمناً أو كافراً فقال أبو موسى: كان مؤمناً، قال عمرو: فَمُره يكتب: قال أبو موسى أكتب قال عمرو: فظالما قتِلَ عثمان أو مظلوماً، قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: أفليس قد جعل اللهّ لولي المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم، قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز عنه، قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للكاتب: اكتب، وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنا نقيم البينة أن علياً قتل عثمان، قال أبو موسى: هذا أمر قد حَدَثَ في الإسلام، وإنما اجتمعنا لغيره، !فهلم إلى أمر يصلح اللّه به أمة محمد، قال عمرو: وما هو؟ قال أبو موسى: قد علَمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبداً، وأن أهل الشام لا يحبون علياً أبداً؛ فهلمَّ نخلعهما جميعاً ونستخلف عبد اللّه بن عمر؟ وكان عبد اللهّ بن عمر على بنت أبي موسى، قال عمرو: أيفعل ذلك عبد اللهّ بن عمر؟ قال أبو موسى: نعم إذا حَمَلَه الناس على ذلك فعل، فعمد عمرو إلى كل ما مال إليه أبو  موسى فصَؤَبه، وقال له: هل لك في سعد؟ قال له أبو موسى: لا، فعدد له عمرو جماعة وأبو موسى له ذلك إلا ابن عمر، فأخذ عمرو الصحيفة وطواها وجعلها تحت قدمه بعد أن ختماها جميعاً، وقال عمرو: رأيت إن رضي أهل العراق بعبد اللّه بن عمر وأباه أهل الشام أتقاتل أهل الشام؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: فأن رضي أهل الشام وأبى أهل العراق أتقاتل أهل العراق؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أما إذا رأيت الصلاح في هذا الأمر والخير للمسلمين فقم فاخْطُب الناس، واخلع صاحبينا معاً وتكلم باسم هذا الرجل الذي تستخلفه، فقالَ أبو موسى: بل أنت قم فاخطب فأنت أحق بذلك، قال عمرو: ما أحب أن أتقدمك، وما قولي وقولك للناس إلا قول واحد، فقم راشداً.

تمام الخدعة

فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس، أنا قد نظرنا في أمرنا، فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح ولَم الشَّعَثِ وحَقْن الدماء وجمع الألفة خَلْعَنَا علياً ومعاوية، وقد خلعت علياً كما خلعت عمامتي هذه، ثم أهْوَى إلى عمامته فخلعها، واستخلفنا رجلا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، فبرزَ في سابقته، هو عبد الله بن عمر، وأطْرَاه،ورغَبَ الناس فيه، ثم نزل.- فقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أيها الناس، إن أبا موسى عبدَ الله بن قيس قد خلع علياً وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب، وهو أعلم به، ألا وإني قد خلعت علياً معه، وأثبتُ معاوية علي وعليكم، وإن أبا موسى قد كتب في الصحيفة أن عثمان قد قتل مظلومأ شهيداً وأن لوليه سلطاناً أن يطلب بدمه حيث كان، وقد صحب معاوية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بنفسه، وصحب أبوه النبيَ صلى الله عليه وسلم، وأطراه، ورغَّب الناس فيه، وقال: هو الخليفة علينا، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان، فقال أبو موسى؛ كذب عمرو، لم نستخلف معاوية، ولكنا خلعنا معاوية وعلياً معأ، فقال عمرو: بل كذب عبد الله بن قيس، قد خلع علياً ولم أخلع معاوية.

قال المسعودي رحمه اللهّ: ووجدت في وجه آخر من الروايات أنهما أتفقا على خلع على ومعاوية، وأن يجعلا الأمر بعد ذلك شورى: يختار الناس رجلاً يصلح لهم، فقدمَّ عمرو أبا موسى، فقال أبو موسى: إني خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وتنحَى، وقام عمرو مكانه فقال: إن هذا قد خلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك اللّه غدَرْتَ وفَجَرْتَ؟ إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، فقال له عمرو: بل إياك يلعن اللّه، كذبت وغدرت، إنما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلِهث، ثم وكز أبا موسى فألقاه لجنبه، فلما رأى ذلك شريح بن هانئ قنَع عمراً بالسوط، وانخزل أبو موسى، فاستوى على راحلته ولحق بمكة، ولم يَعُدْ إلى الكوفة، وقد كانت خطته وأهله وولده بها، وألن أن لا ينظر إلى وجه علي ما بقي، ومضى ابن عمرو سعد إلى بيت المقدس فأحرما.

ما قيل من الشعر في التحكيم

وفي فعل الحكمين يقول أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:

لو كَانَ للقوم رأي يعصمـون بـه

 

عند الخطوب رَمَوْكم بابن عبـاس

لكن رموكم بِوَغْـدٍ مـن ذو يمـن

 

ولم يدر ما ضَرْبُ أخماس لأسداس

وفي اختلاف الحكمين والمحكمة يقول بعض من حضر ذلك:

رضينا بحكم اللّه لا حكم غيره

 

وباللّهِ رَبّاً والنبي وبالـذكـر

وبالأصْلَع الهادي علـيّ إمـامـنـا

 

رضينا بذاك الشيخ في العسر واليسر

رَضِينا بـه حَـياً وَمَـيْتـاً؛ فـإنـه

 

إمام الهدى في موقف النهى والأمر

         

ولأبي موسى يقول ابن أعين:

أبا موسى، بليت وأنت شـيخ

 

قريب العفو مخزون اللسـان

وما عمرو صَفَاتُكَ يا ابن قيس

 

فيا لله مـن شـيخ يَمـانِـي

فأمسيت العشيَّةَ ذا اعـتـذار

 

ضعيف الركن منكوب الجنان

تعض الكف من ندم، ومـاذا

 

يرد عليك عضك للبـنـان؟

وقيل: إنه لم يكن بينهما غير ما كتباه في الصحيفة وإقرار أبي موسى بأن عثمان قتل مظلوماً وغير ذلك مما قدمنا، و نهما لم يخطبا، وذلك أن عمراً قال لأبي موسى: سمَ من شئت حتى أنظر معك، فسمى أبو موسى ابن عمر وغيره ثم قال لعمرو: قد سميت أنا فَسمِّ أنت، قال: نعم، أسمي ذلك أقوى هذه الأمة عليها، وأسدَها رأياً، وأعلمها بالسياسة، معاوية بن أبي سفيان، قال: لا والله ما هو لذلك بأهل، قال: فآتيك بآخر ليس هو بدونه، قال: من هو؟ قال: أبو عبد الله عمرو بن العاص، فلما قالها علم أبو موسى أنه يلعب به، فقال: فعلتها لعنك الله، فَتَسَابَّا، فلحقَ أبو موسى بمكة.

فلما أنصرف أبو موسى انصرف عمرو بن العاص إلى منزله، ولم يأت إلى معاوية، فأرسل إليه معاوية يدعوه، فقال: إنما كنت أجيئك إذ كانت لي إليك حاجة، فأما إذا كانت الحاجة إلينا فأنت أحق أن تأتينا، فعلم معاوية ما قد دُفع إليه، فخمر الرأي وأعمل الحيلة، وأمر معاوية بطعام كثير فصنع، ثم دعا بخاصته ومواليه وأهله، فقال: إني سأغدو إلى عمرو، فإذا دعوت بالطعام فَدَعُوا مواليه وأهله فليجلسوا قبلكم، فإذا شبع رجل منهم وقام فليجلس رجل منكم مكانه، إذا خرجوا ولم يبق في البيت أحد منهم فأغلقوا باب البيت، واحذروا أن يدخل أحد منهم إلا أن آمركم.

خدعة معاوية لعمرو بن العاص

وغدا إليه معاوية وعمرو جالس على فراشه، فلم يقم له عنها، ولا دعاه فجاء مُعاوية وجلس على الأرض، واتكأ على ناحية الفراش، وذلك أن عمراً كان يحدث نفسه أنه قد ملك الأمر وإليه العقد، يضعها فيمن يرى، ويندب للخلافة من يشاء، فجرى بينهما كلام كثير، وكان مما قال له عمرو: هذا الكَتاب الذي بيني وبينه عليه خاتمي وخاتمه، وقد أقرَّ بأن عثمان قتلِ مظلوماً، وأخرج علياً من هذا الأمر، وعَرَض عليَّ رجالا لم أرهم أهلا لها، وهذا الأمر إلي أن استخلف من شئته، وقد أعطاني أهل الشام عهودهم ومواثيقهم، فحادثه معاوية ساعة وأخرجه عما كانوا عليه، وضاحكه وداعبه، ثم قال: يا أبا عبد اللّه، هل من غداء؟ قال: أمَا شيء يشبع مَنْ ترى فلا واللّه، فقال معاوية: هلم يا غلامي غداءك، فجيء بالطعام المستعد، فوضع، فقال: يا أبا عبد اللّه، أدع مواليك وأهلك، فدعاهم، ثمِ قال له عمرو: وادع أنت أصحابك، قال: نعم يأكل أصحابك أولاَ ثم يجلس هؤلاء بعدُ، فجعلوا كلما قام رجل من حاشية عمرو قعد موضعه رجل من حاشية معاوية، حتى خرج أصحاب عمرو وبقي أصحاب معاوية، فقام الذي وكله بغلق الباب، فأغلق الباب، فقال له عمرو: فعلتها، فقال: إي واللّه بيني وبينك أمران فاختر أيهما شئت: البيعة لي، أو أقتلك، ليس واللّه غيرهما، قال عمرو: فأذَنْ لغلامي وردان حتى أشاوره وأنظر رأيه، لا تراه واللّه ولا يراك إلا قتيلاً أو على ما قلت لك، فالوفاء إذن بطعمة مصر، قال: هي لك ما عشت، فاستوثق كل واحد منهما من صاحبه، وأحضر معاوية الخواصَّ من أهل الشام، ومنع أن يدخل معهم أحد من حاشية عمرو، فقال لهم عمرو: قد رأيت أن أبايع معاوية، فلم أر أحداً أقوى على هذا الأمر منه، فبايعه أهل الشام، وانصرف معاوية إلى منزله خليفة.

بين علي وأصحابه

ولما بلغ علياً ما كان منَ أمر أبي موسى وعمرو قال: إني كنت تقدمت إليكم في هذه الحكومة ونهيتكم عنها، فأبيتم إلا عصياني، فكيف رأيتم عاقبة أمركم إذ أبيتم علي؟ والله إني لأعرف مَنْ حملكم على خلافي والترك لأمري، ولو أشاء أخذه لفعلت، ولكن الله من ورائه، يريد بذلك الأشعث بن قيس والله أعلم، وكنت فيما أمرت به كما قال أخو بني خثعم:

أمَرْتُهُمُ أمري بمنعرج الـلـوَى

 

فلم يستبينوا الرشد إلا ضُحَى الغد

مَنْ دعا إلى هذه الحكومة فاقتلوه قتله الله ولو كان تحت عمامتي هذه، إلا إن هذين الرجلين الخاطئين اللذين اخترتموهما حكمين قد تركا حكم الله، وحكما بهوى أنفسهما بغير حجة ولا حق معروف، فأماتا ما أحيا القران، وَأحْيَيَا ما أماته، واختلف في حكمهما كل أمه ما، ولم يرشدمها الله ولم يوفقهما، فبريء الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، فتأهبوا للجهاد واستعدو السير، وأصبحوا في عساكركم أن شاء الله تعالى.

قال المسعوسِ: وقد اختلفت الفرق من أهل ملتنا في الحكمين، وقالوا في ذلك أقاويل كثيرة، وقد أتينا على ما ذهبوا إليه في ذلك وما قاله كل فريق منهم، ومن أيد قوله من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم من فرق هذه الأمة في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وذكرنا في كتاب أخبار الزمان قول علي في مواقفه وخطبه، وما قاله في ذلك، وما أكره عليه، وتأنيبه لهم بعد الحكومة، وما تقدم الحكومة من تحذيره إياهم منها حين ألحوا في تحكيم أبو موسى الأشعري وعمرو، حيث قال: ألا إن القوم قد اختاروا لأنفسهم أقرب عهدكم بعبد اللّه بن قيس بالأمس وهو يقول ألا إنها فتنة، فقطعوا فيها أو تاركم وكسروا قسيكم، فإن يك صادقاً فقد أخطأ في مسيره غير مستكره عليه، وإن يك كاذباً فقد لزمته التهمة،. وهذا كلام أبي موسى في تخذيله الناس، وتحريضهم على الجلوس وتثبيطهم عن أمير المؤمنين عليّ في حروبه ومسيره إلى الجمل وغيره، ثم ما قاله في بعض مقاماته في معاتبته لقريش، وقد بلغه عن أناس منهم ممن قعد عن بيعته ونَافَقَ في خلافته كلام كثير، فقال: وقد زعمت قريش أن ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحروب، تَرِبتْ أيديهم! وهل فيهم أشد مرَاساً لها مني؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد أربيت على نيف وستين، ولكن لا رأي لمن لا يُطَاع.

قال المسعودي: وإذ قد تقدّم ذكرنا لجُمَلٍ من أخبار الجمل وصِفِّينَ والحكمين؛ فلنذكر الآن جوامع من أخبار يوم النهروان، ونعقب ذلك بذكر مقتله عليه السلام، وإن كان قد أتينا على مبسوط سائر ما تقدم لنا في هذا الكتاب وما تأخر، فيما سلف من كتبنا، واللّه أعلم.

ذكر حروبه رضى الله عنه مع أهل النهروان

وما لحق بهذا الباب من مقتل محمد بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه والأشتر النخعي وغير ذلك

اجتماع الخوارج ومسير علي إليهم

واجتمعت الخوارج في أربعة آلاف، فبايعوا عبد اللّه بن وَهْب الراسبي، ولحقوا بالمدائن، وقتلوا عبد الله بن حباب عامل علي عليها: ذبحوه ذبحاً، وبقروا بطن امرأته وكانت حاملا، وقتلوا غيرها من النساء، وقد كان علي انفصل عن الكوفة في خمسة وثلاثين ألفاً، وأتاه من البصرة، من قبل ابن عباس- وكان عامله عليها- عشرة آلاف فيهم الأحْنَفُ بن قيس وحارثة بن قدامة السعدي، وذلك في سنة ثمان وثلاثين، فنزل على الأنبار، والتأمت إليه العساكر، فخطب الناس وحرضهم على الجهاد، وقال: سيروا إلى قتلة الله المهاجرين والأنصار قُدُماً، فإنهم طالما سَعَوْا في إطفاء نور الله، وحرضوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ألا إن رسول الله أمرني بقتال القاسطين وهم هؤلاء الذين سرنا إليهم، والناكثين وهم هؤلاء الذين فرغنا منهم، والمارقين ولم نلقهم بعد، فسيروا إلى القاسطين، فهم أهم علينا من الخوارج، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جَبارين يتخذهم الناس أرباباً، ويتخذون عباد اللّه خَوَلاً ومالهم دُوَلاً، فأبوا إلا أن يبدوا بالخوارج، فسار علي إليهم، حتى أتى النهروان، فبعث إليهم بالحارث بن مرة العبدى رسولا يدعوهم إلى الرجوع، فقتلوه، وبعثوا إلى علي: إن تُبْتَ من حكومتك وشهدت على نفسك بالكفر بايعناك، وإن أبيت فاعتزلْنَا حتى نختار لأنفسنا إماما فإنا منك بَرَاء، فبعث إليهم علي: أن ابعثوا إلي بقتلة إخواني فأقتلهم ثم أتارككم إلى أن أفرغ من قتال أهل المغرب، ولعل اللّه يُقَلِّبُ قلوبكم، فبعثوا إليه، كلنا قتلة أصحابك، وكلنا مستحلّ لدمائهم، مشتركون في قتلهم، وأخبره الرسول- وكان من يهود السواد- أن القوم قد عبروا نهر طبرستان، وهذا النهر عليه قنطرة، تعرف بقنطرة طبرستان، بين حلوان وبغداد، من بلاد خراسان، فقال علي: واللّه ما عبروه ولا يقطعونه، حتى نقتلهم بالرميلة دونه، ثم تواترت عليه الأخبار بقطعهم لهذا النهر، وعبورهم هذا الجسر، وهو يأبى ذلك، ويحلف أنهم لم يعبروه، وأن مصارعهم دونه. ثم قال: سيروا إلى القوم، فوالله لا يفلت منهم إلا عشرة، ولا يقتل منكم إلا عشرة، فسار علي، فأشْرَفَ عليهم، وقد عسكروا بالموضع المعروف بالرميلة على حسب ما قال لأصحابه. فلما أشْرَفَ عليهم قال: اللّه أكبر، صدق اللهّ ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فتصافَّ القوم، ووقف عليهم بنفسه، فدعاهم إلى الرجوع والتوبة، فأبوا ورموا أصحابه، فقيل له: قد رمونا، فقال: كفوا، فكروا القول عليه ثلاثاً وهو يأمرهم بالكف، حتى أتي برجل قتيل متشَحِّطٍ بدمه، فقال علي: اللهّ أكبر، الآن حَل قتالهم، احملوا على القوم، فحمل رجل من الخوارج على أصحاب علي، فجرح فيهم، وجعل يغشى كل ناحية، ويقول:

أضربهم ولو أرى علياً

 

ألبسته أبْيَضَ مَشْرَفيا

فخرج إليه علي رضي الله عنه، وهو يقول:

يا أئهَذَا المبتغي علـيَّا

 

إني أراك جاهلا شَقِيا

قد كنت عن كفاحه غنيا

 

هَلَم فابرز هاهنا إلـيَّا

وحمل عليه عليٌّ فقتله ثم خرج منهم أخر، فحمل على الناس، ففتك فيهم، وجعل يكر عليهم، وهو يقول:

أضربهم ولو أرى أبا حَسَنْ

 

ألبسته بِصَأرمي ثوب غَبَن

ْ فخرج إليه علي وهو يقول:

يا أيهذا المبتغى أبا حَسَـن

 

إليك فانظر أينا يلقى الغَبَنْ

وحمل عليه علي وشكه بالرمح، وترك الرمح فيه، فانصرف علي وهو يقول:

لقد رأيتَ أبا حسن فرأيتَ ما تكره.

المخدج ذو الثدية

وحمل أبو أيوب الأنصَاري على زيد بن حصن فقتله، وقتل عبد اللهّ بن وهب الراسبي، قتله هانئ بن حاطب الأزْدِي، وزياد بن حفصة، وقتل حرقوص بن زهير السعدي، وكان جملة من قتل من أصحاب علي تسعة، ولم يفلت من الخوارج إلا عشرة، وأتى علي على القوم، وهم أربعة آلاف، فيهم المخدج ذو الثدَيَّة إلا من ذكرنا من هؤلاء العشرة، وأمر علي بطلب المخدج، فطلبوه، فلم يقدروا عليه، فقام علي وعليه أثر الحزن لفقد المخدجِ، فانتهى إلى قتلى بعضهم فوق بعض، فقال: افرجوا، ففرجوا يميناَ وشمالاً واستخرجوه، فقال علي رضي اللّه عنه،: اللهّ أكبر، ما كَذَبْتُ على محمد، إنه لناقص اليد ليس فيها عظم، طرفها حلمة مثل ثَدْي المرأة، عليها خمس شعرات أو سبع، رؤوسها معقفة، ثم قال: ائتوني به، فنظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة عليه شعرات سود إذا مدت اللحمة امتدت حتى تحافي بطن يده الأخرى، ثم تُتْرك فتعود إلى منكبه، فَثَنَى رجله ونزل، وخر للّه ساجداً.

ثم ركب ومر بهم وهم صَرْعَى، فقال: لقد صرعكم مَنْ غركم، قيل: ومَنْ غرهم؟ قال: الشيطان وأنْفُسُ السوء، فقال أصحابه: قد قطع الله دابر هم إلى آخر الدهر، فقال: كلا والذي نفسي بيده، وإنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، لا تخرج خارجة إلا خرجت بعدها مثلُها حتى تخرج خارجة بين الفرات ودجلة مع رجل يقال له الأشمط يخرج إليه رجل منا أهل البيت فيقتله، ولا تخرج بعدها خارجة إلي يوم القيامة.

وجمع علي ما كان في عسكر الخوارج، فقسم السلاح والدواب بين المسلمين، ورَدَّ المتاع والعبيد والإماء إلى أهليهم، ثم خطب الناس، إن اللّه قد أحسن إليكم وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم، فقالوا: يا أمير المؤمنين قد كًلّت سيوفنا، ونفدَتْ نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، فدعنا نستعد بأحسن عدَتنا، وكان الذي كلمه بهذا الأشعث بن قيس، فعسكر علي بالنخيلة.

تفرق أصحاب علي وردتهم

فجعل أصحابه يتسللون ويلحقون بأوطانهم، فلم يبق معه إلا نفر يسير، ومضى الحارث بن راشد الناجي في ثلاثمائة من الناس فارتدوا إلى دين النصرانية، وهم من ولد سامة بن لؤي بن غالب، من ولد إسماعيل عند أنفسهم، وقد أبى ذلك كثير من الناس، وذكروا أن سامة بن لؤي ما أعْقَبَ، وقد حكى عن علي فيهم ما قد ذكرناه في كتابنا في أخبار الزمان.

ولد سامة بن لؤي وعلي

ولست تكاد ترى ساميّأ إلا منحرفاً عن علي: من ذلك ما ظهر من علي بن الْجَهْم الشاعر السامي من النصب والانحراف، وقد أتينا على لمع من شعره وأخباره في الكتاب الأوسط، ولقد بلغ من انحرافه العداوة لعلي عليه السلام أنه كان يلعن أباه، فسئل عن ذلك، وبم استحق اللعن منه؛ فقال: بتسميتهِ إياي علياً.

فَسًرّح إليهم علي معقلَ بن قيس الرياحي، فقتل الحارث ومن معه من المرتدين بِسيفِ البحر، وسبى عيالهم وذر أريهم، وذلك بساحل البحرين. فنزل معقل بن قيس بعض كُوَرِ الأهواز بسبي القوم، وكان هنالك مصقلة بن هبيرة الشيباني عاملا لعلي، فصاح به النسوة: امنن علينا، فاشتراهم بثلثمائة ألف درهم واعتقهم، وأدَى من المال مائتي ألف وهَرَب إلى معاوية، فقال علي: قبح اللّه مصقلة، فعل فعل السيد وفر فرار العبد، لو أقام أخَذْنَا ما قدرنَا على أخذه، فإن أعسر أنظر ناه، وإن عجز لم نأخذه بشيء، وأنفذ العتق وفي ذلك يقول مصقلة بن هبيرة، من أبيات:

تركت نساء الحي بكر بن وائل

 

وأعتقت سَبْياً من لؤي بن غالب

وفارقت خير الناس بعد محمـد

 

لمالٍ قليلٍ لا محـالة ذاهـب

وفي ذلك يقول الأخر:

ومصقلة الذي قد باع بيعـا

 

ربيحا ًيوم ناجية بن س أمه

ولمصقلة أفعال أتاها، وحيل عملها قد ذكرناها وما قال في ذلك من الشعر في الكتاب الأوسط.

وقال علي بن محمد بن جعفر العلوي فيمن انتمى إلى سامة بن لؤي ابن غالب.

وسامة منَّا، فأمـا بـنـوه

 

فأمرهُمُ عندنا مُـظْـلـم

أناس أتونا بأنـسـابـهـم

 

خرافة مضطجع يحلُـم

وقلنا لهم مثل قول الوصِيّ

 

وكل أقاويله مُـحْـكـم

إذا ما سئلت فلم تَـدْرِمـا

 

تقول، فقل: ربنا أعـلـم

عمرو بن العاص ومحمد بن أبي بكر في مصر

وفي سنة ثمان وثلاثين وجه معاوية عمرو بن العاص إلى مصر في أربعة آلاف، ومعه معاوية بن خديج، وأبو الأعور السلمي، واستعمل عمراً عليها حياته، ووَفَى له بما تقدم من ضمانه، فالتقواهم ومحمد بن أبي بكر- وكان عامل علي عليها- بالموضع المعروف بالمسناة، فاقتتلوا، فانهزم محمد لإِسلام أصحابه إياه وتركهم له، وصار إلى موضع بمصر، فاختفى فيه، فاحيط بالدار، فخرج إليهم محمد ومن معه من أصحابه، فقاتلهم حتى قتل، فأخذه معاوية بن خديج وعمرو بن العاص وغيرهما، فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار، وذلك بموضع في مصر، يقال له: كوم شريك، وقيل: إنه فعل به ذلك، وبه شيء من الحياة، وبلغ معاوية قتل محمد وأصحابه، فأظهر الفرح والسرور. وبلغ عليّاً قتل محمد وسرور معاوية، فقال: جزعنا عليهِ على قدر سرورهم، فما جزعْتُ على هالك منذ دخلت هذه الحروبَ جَزَعِي عليه، كان لي ربيباً، وكنت أعده ولداً، وكان بي براً، وكان ابن أخي، فعلى مثل هذا نحزن، وعند اللّه نحتسبه.

ولاية الأشتر ومقتله بالعريش مسموماً: وولّى علي الأشتر مصر وأنفذه إليها فيجيش، فلما بلغ ذلك معاوية دسَ إلى دهقان كان بالعريش، فأرغبه، وقال: أترك خراجك عشرين سنة، واحتل للأشتر بالسم في طع أمه ، فلما نزل الأشتر العريش سأل الدهقانُ: أي الطعام والشراب أحبُّ إليه؟ فقيل له: العسل، فأهدى له عسلاً، وقال: إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للأشتر، وكان الأشتر صائمأ، فتناول منه شربة، فما استقرت في جوفه حتى تلف، وأتى مَنْ كان معه على الدهقان ومن كان معه، وقيل: كان ذلك بالقلزم، والأول أثبت، فبلِغ ذلك علياً، فقال: لليدين والفم، وبلغ ذلك معاوية، فقال: إن الله جنداَ من العسل.

وقبض أصحابه عن عليّ في هذه السنة ثلاثة أرزاق على حسب ما كان يحمل إليه من المال من أعماله، ثم ورد عليه مال من أصبهان، فخطب الناس، وقال: اغدوا إلى عطاء رابع، فوالله ما أنا لكم بخازن، وكان في عطائه أسوة للناس يأخذ كما يأخذ الواحد منهم.

ولم يكن بين علي ومعاوية من الحرب إلا ما وصفنا بصفين، وكان معاوية في بقية أيام علي يبعث سرايا تُغِيرُ، وكذلك علي كان يبعث من يمنع سرايا معاوية من أذيّة الناس، وقد أتينا على ذكر السرايا والغارات فيما سلف من كتبنا.

فرق المعاملة بين الجمل وصفين وسره

قال المسعودي رحمه اللّه: وقد تكلم طوائف من الناس ممن سلف وخلف من أهل الآراء من الخوارج وغيرهم في فعل عليّ يوم الجمل، وصفين، وتباين حكمه فيهما، من قتله من أهل صفين، مقبلين ومدبرين، وإجهازه على جَرْحَاهم، ويوم الجمل لم يتبعٍ مُوَلِّياً، ولا أجهز على جريح، ومن ألقى سلاحه أو دخل داره كان آمنا، وما أجابهم به شيعة علي في تبان حكم علي في هذين اليومين لاختلاف حكمهما، وهو أن أصحاب الجمل لما انكشفوا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، وإنما رجع القوم إلى منازلهم، غير محاربين ولا منابذين، ولا لأمره مخالفين، فرضوا الكف عنهم، وكان الحكم فيما رفع السيف إذ لم يطلبوا عليه أعواناً، وأهل صفين كانوا يرجعون إلى فئة مستعدة، وإمام منتصب، يجمع لهم السلاح، ويسنِي لهم الأعْطِيَةَ، وقسم لهم الأموال، ويجبر كسيرهم، ويحمل راجلهم، ويردهم، فيرجعون إلى الحرب، وهم إلى إمامته منقادون، ولرأيه متبعون، ولغيره مخالفون، ولإمامته تاركون، ولحقه جاحدون، وبأنه يطلب ما ليس له قائلون، فاختلف الحكم لما وصفنا، وتباين حكماهما لما ذكرنا، ولكل فريق من السائل والمجيب كلام يطول ذكره ويتسع شرحه، وقد أتينا على استيعابه، وما ذكره كل فريق منهم فيما سلف من كتبنا، فأغنى ذلك عن إعادته، واللّه أعلم.

ذكر مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه

المؤامرة

وفي سنة أربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا الناسَ، وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل عليّ، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتواعدوا، واتفقوا على أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي يتوجَّه إليه، حتى يقتله أو يُقْتَلَ دونه، وهم: عبد الرحمن بن مُلْجَم، لعنه اللهّ! وكان من تُجِيب، وكان عدادهم في مُرَاد، فنسب إليهم، وحجاج بن عبد اللهّ الصريمي، ولقبه: البُرَكَ، وزدويه: مولى بني العنبر، فقال ابن مُلْجَم- لعنة اللهّ!: أنا أقتل عليّاً، وقال البرك: أنا أقتل معاوية، وقال زادويه: أنا أقتل عمرو بن العاص، واتَّعدُوا أن يكون ذلك ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، وقيل: ليلة إحدى وعشرين.

ابن ملجم وقطام

فخرجِ عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادى إلى عليّ، فلما قدم الكوفة أتى قطَام بنت عمه، وكان علي قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت أجمل أهل زمانها، فخطبها، فقالت: لا أتزوج حتى تسمي لي: قال: لا تسأليني شيئاً إلا أعطيته، فقالت: ثلاث الاف وعبداً وقينة، وقتل عليّ، فقال: ما سألت هو لك مهر إلا قتل علي، فلا أراك تدركينه، قالت: فالتمس غرَّته، فإن أصبته شفيت نفسي وَنَفَعَك العيشُ معي، وإن هلكْتَ فما عند اللّه خير لك من الدنيا، فقال: واللّه ما جاء بي إلى هذا المصر، وقد كنت هارباً منه إلا ذلك، وقد أعطيتك ما سألت، وخرج من عندها وهو يقول:

ثلاثة الافٍ وعـبـدٌ وقـــينَةٌ

 

وقتلُ علي بالحسام المصـمـم

فلا مهر أغلى من علي وإن غلا

 

ولا فتك إلا دون فتك ابن مُلْجَم

فلقيه رجل من أشْجَعَ يُقال له شبيب بن نجمة من الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والأخرة؛ فقال: وما ذاك؟ قال: تساعدني على قتل علي، قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً آدا، قد عرفت غَنَاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم ِ، فقال ابن مُلْجَم: ويحك؛أما تعلم أنه قد حَكم الرجال في كتاب الله، وقتل إخواننا المصلينَ؛ فنقتله ببعض إخواننا، فأقبل معه حتى دخل على قَطَام، وهي في المسجد الأعظم، وقد ضربت كِلَّةً لها وهي معتكفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، فأعلمتهما أن مجاشع بن وردان بن علقمة قد انتدب لقتله معهما، فدعت لهما بحرير فعصبتهما وأخذوا أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي للمسجد، وكان علي يخرج كل غداة أول الآذان يوقظ الناس للصلاة، وقد كان ابن مُلْجَم مر بالأشعث وهو في المسجد، فقال له: فَضَحَك الصبح، فسمعها حجر بن عدي، فقال: قتلته يا أعور قتلك الله، وخرج علي رضي الله عنه ينادي: أيها الناس، الصلاة، فشد عليه ابن مُلْجَم وأصحابه وهم يقولون: الحكم لله، لا لك، وضربه ابن مُلْجَم على رأسه بالسيف في قَرْنه، وأما شبيب فوقعت صربته بعضادة الباب، وأما مجاشع بن وردان فهرب، وقال علي: لا يفوتنكم الرجل، وَشد الناس على ابن مُلْجَم يرمونه بالحصباء، ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، وأقبل به إلى الحسن، ودخل ابن وردان بين الناس، فنجا بنفسه، وهرب شبيب حتى أتى رحله، فدخل إليه عبد الله بن نجدة- وهو أحد بني أبيه- فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن في ذلك، فخبره خبره فانصرف عبد اللّه إلى رحله، وأقبل إليه بسيفه فضربه حتى قتله.

وقيل: إن علياً لم يَنَمْ تلك الليلة، وإنه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة، وهو يقول: واللّه ما كذبت ولا كذبت، وإنها لليلة التي وعدلت فيها فلما خرج صاح بط كان للصبيان، فصاح بهنَّ بعض من في الدار، فقال علي: ويحك! دعهن فإنهن نوائح.

وقد ذكرت طائفة من الناس أن علياً رضي اللّه عنه أوصى إلى ابنه الحسن والحسين،لأنهما شريكان في آية التطهير، وهذا قول كثير ممن ذهب إلى القول بالنصّ.

وصية علي لأولده

ودخل عليه الناس يسألونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، رأيت إن فقدناك، ولا نفقدك، أنبايع الحسن؟ قال: لا آمركم ولا أنهاكم، وأنتم أبْصَرُ، ثم دعا الحسن والحسين، فقال لهما: أوصيكما بتقوى اللّه وحده ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكماء، ولا تأسفا على شيء منها، قولا الحق وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، وكونا للظالم خَصما وللمظلوم عَوْناً، ولا تأخذكما في اللّه لومه لائم؛ثم نظر إلى ابن الحنفية فقال: هل سمعت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقر أخويك، وتزيين أمرهما، ولا تقطعَنَ أمرا ًدونهما، ثم قال لهما: أوصيكما به، فإنه سيفكما وابن أبيكما، فأكْرِمَاه واعْرِفَا حقه.

فقال له رجل من القوم: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكني أتركهم كما تركهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللّهمَّ إنك أبقيتني فيهم ما شئت أن تبقيني، وقبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أفسدتهم،، وإن شئت أصلحتهم،ثم قال: أما واللّه إنها الليلة التي ضرب فيها يُوشع بن نون ليلة سبع عشرة وقبض ليلة إحدى وعشرين.

وبقي علي الجمعة والسبت، وقبض ليلة الأحد، ودفن بالرحبة عند مسجد الكوفة.

وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخباره تنازع الناس في موضع قبره، وما قيل في ذلك.

سنه وفضله

وقبض وقد أتى عليه اثنتان وسبعون سنة، وقيل: اثنتان وستون، وقد قدمنا تنازع الناس في مقدار سنة، وكان كما قال الحسن: واللّه لقد قبض فيكم الليلة رجل ما سبقه الأولون إلا بفضل النبوة، ولا يدركه الأخرون، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعثه فيكتنفه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه.

وكان الذي صلى عليه الحسن ابنه، وكبر عليه سبعاً، وقيل غير ذلك.

تركته

ولم يترك صفراء ولا بيضاء، إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادماً لأهله، وقال بعضهم: ترك لأهله مائتين وخمسين درهمأ ومصحفه وسيفه.

فعلهم بابن ملجم

ولما أرادوا قتل ابن مُلْجَم لعنه الله قال عبد اللّه بن جعفر: دعوني حتى أشفي نفسي منه، فقطع يديه ورجليه وأحمى له مسماراً حتى إذا صار جمرة كحله به، فقال: سبحان الذي خلق الإنسان، إنك لتكحل عمك بملمول الرصاص، ثم إن الناس أخذوه وأدرجوه في بَوَاري ثم طلوها بالنفط وأشعلوا فيها النار فاحترق، وفيه يقول عمران بن حِطان الرقاشي يمدحه في ضربته من شعر له طؤيل:

يا ضَرْبةً من تَقِيٍّ ما أراد بـهـا

 

إلا لِيَبْلَغَ من في العرش رضوانا

إني لأذكره يوماً فـأحـسـبـه

 

أوفى البرية عند اللـه مـيزانـا

فأجابه القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الشافعي:

إني لأبرأ مما أنـت قـائلـه

 

عن ابن ملجم المعلونِ بهتانَا

يا ضربة من شقي ما أراد بها

 

إلا ليهدم للإسـلام أركـانَـا

إني لأذكره يوماً فألـعـنـه

 

دنيا، وألعن عمراناً وحِطَّانَـا

عليه ثم عليه الدَّهَرَ متصـلا

 

لعائن اللّه إسراراً وإعلانَـا

فأنتما من كلاب النار جاء به

 

نص الشريعة برهاناً وتبيانَـا

وزاد بعضهم على هذه الأبيات بيتاً آخر، وهو:

عليكما لعنة الجبار ما طـلـعـت

 

شمس، وما أوقدوا في الكون نيرانَا

معارضة لبيتي اللعين ابن حطان لعنه اللّه في ابن ملجم أخزاه اللّه:

قل لابن ملجـم، والأقـدار غـالـبة

 

هَدَمْتَ ويلك لـلإسـلام أركـانَـا

قتلت أفضل مَنْ يمشي علـى قـدم

 

وأول النـاس إسـلامـاً وإيمـانَـا

وأعلم الناس بالـقـرآن، ثـم بـمـا

 

سَنَّ الرسول لنا شرعـاً وتـبـيانَـا

ضهر النبي، ومولانـا، ونـاصـره

 

أضحت مناقبه نـوراً وبـرهـانَـا

وكان منه على رغم الحـسـود لـه

 

مكان هارون من موسى بني عمرانَا

وكان في الحرب سيفاً صأرماً ذكرا

 

ليثَاَ إذا ما لقَـى الأقـرانُ أقـرانَـا

ذكَرْتُ قاتله والـدمـع مـنـحـدر

 

فقلت: سبحان رب الناس سبحـانَـا

إني لأحسبه ما كان من بـشـر

 

يخشى المَعَادَ ولكن كان شيطانَـا

أشقى مراد إذا عُدت قبـائلـهـا

 

وأخْسَرُ الناس عند الله مـيزانَـا

كعاقر الناقة الأول التي جَلَـبَـتْ

 

على ثمود بأرض الحجر خسرانا

قد كان يخبرهم أنْ سوف يخضبهَا

 

قبل المنية أزمانـا فـأزمـانَـا

فلاعَفَا الله عنه مـاتـحـمـلـه

 

ولا سقى قبر عمران بن حطانَا

لقوله في شقي ظل مجـتـرمـاً

 

ونال ماناله ظلـمـا ًوعـدوانَـا

يا ضربة من تقيّ ما أراد بـهـا

 

إلا ليبلغ من في العرش رضوانا

بل ضربة من غوي أورثته لظى

 

مخلدا قد أتى الرحمن غضبانَـا

كأنه لم يرد قصداً بضـربـتـه

 

إلا ليَصْلَى عذاب الخلد نـيرانَـا

       

ولعمران بن حطان ولأبيه حطان أخبار كثيرة قد أتينا على ذكرها في كتابنا أخبار الزمان في باب أخبار الخوارج من الأزارقة والأباضية والحمرية والصفرية والنجدية وغيرهم من فرق الخوارج إلى سنة ثمان عشرة وثلثمائة. وكان آخر من خرج منهم ربيعه المعروف بغيرون، فأدخل على المقتدر بالله، بعث به ابن حمدان من كفرتوتا، وقد كان خرج في أي أمه أيضاً المعروف بأبي شعيب.

وقد رثى الناس أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه في ذلك الوقت وإلى هذه الغاية، وذكروا مقتله، وممن رثاه في ذلك الوقت أبو الأسود الدؤلي من أبيات:

ألا أبلغ معاوية بن حَـرْب

 

فلا قَرت عيونُ الشامتينـا

أفي شهر الصيام فجعتمونـأ

 

بخير الناس طرا أجمعينـا

قتلتم خير من ركب المطايا

 

ودَللها و من ركب السفينـا

ومن لبس النعال ومن حَذَأها

 

ومن قرأ المثاني والمبينـا

إذا اسقبلت وجه أبي حسين

 

رأيت النور فوق الناظرينا

لقد علمت قريش حيث كانت

 

بأنك خيرهم حَسبـأ ودينـا

البرك ومعاوية

وانطلق البركُ الصريمي إلى معاوية فطعنه بخنجر في آليته وهو يصلي فأخذ وأوقف بين يديه، فقال له: ويلك! وما أنت؟ وما خبرك؛ قال: لا تقتلني وأخبره، قال: آنا تبايعنا في هذه الليلة عليك وعلى عليّ وعلى عمرو؛ فإن أردت فأحسبني عندك، فإن كانا قتلا وإلا خليت سبيلي فطلبت قتل عليّ، ولك علي أن أقتله وأن أتيك حتى أضع يدي في يدك، فقال بعض الناس: قتله يومئذ، وقال بعضهم: حسبه حتى جاءه خبر قتل علي فأطلقه.

زادويه وعمرو بن العاص

وانطلق زادويه- وقيل: إنه عمرو بن بكر التميمي- إلى عمرو بن العاص، فوجد خارجة قاضي مصر جالساً على السرير يطعم الناس في مجلس عمرو، وقيل: بل صلى خارجة بالناس الغداة ذلك اليوم، وتخلف عمرو عن الصلاة لعارض، فضربه بالسيف، فدخل عليه عمرو وبه رَمَقٌ، فقال له خارجة: والله ما أراد غيرك، فقال عمرو: ولكن الله أراد خارجة، وأوقف الرجل بين يدي عمرو، فسأله عن خبره؛ فقص عليه القصة وأخبره أن عليا ومعاوية قد قتلا في هذه الليلة، فقال: إن قتلا أو لم يقتلا فلا بد من قتلك، فبكى، فقيل له: أجزعاً من الموت مع هذا الإقدام؟! قال: لا واللّه، ولكن غماً أن يفوز صاحباي بقتل علي ومعاوية ولا أفوز أنا بقتل عمرو، فضربت عنقه وصلب.
وكان علي رضي الله عنه كثيراً ما يتمثل:

تِلكم قريش تَمَنانى لتقتـلـنـي

 

فلا وربك ما بَروا وما ظفروا

فإن هلكت فَرَهْنٌ ذمتي لهـم

 

بذات وَدْقَيْنِ لا يعفو لها أثـر

وكان يكثر من ذكر هذين البيتين:

أشدد حيازيمك للموت

 

فإن الموت لاقيكـا

ولا تجزع من الموت

 

إذا حًـلّ بـواديكـا

وسمعا منه في الوقت الذي قتل فيه، فإنه قد خرج إلى المسجد، وقد عسر عليه فتح باب داره، وكان من جذوع النخل، فاقتلعه وجعله ناحية، وانحل إزاره، فشدَّه وجعل ينشد هذين البيتين المتقدمين. وقد كان معاوية دسَ أناسا من أصحابه إلى الكوفة يشيعون موته، وأكْثَرَ الناسُ القول في ذلك حتى بلغ علياً، فقال في مجلسه: قد أكثرتم من نعي معاوية، واللّه ما مات ولا يموت حتى يملك ما تحت قدمي، وإنما أراد ابن أكلة الأكباد أن يعلم ذلك مني، فبعث مَنْ يشيع ذلك فيكم ليعلم ويتيقن ما عندي فيه، وما يكون من أمره في المستقبل من الزمان، ومَر في كلام كثير يذكر فيه أيام معاوية ومن تلاه من يزيد ومروان وبنيه وذكر الحجاج وما يسومهم من العذاب، فارتفع الضجيج، وكثر البكاء والشهيق، فقام قائم من الناس فقال: يا أمير المؤمنين، ولقد وصفت أمورا عظيمة، الله إن ذلك كائن؛ قال علي: والله إن ذلك لكائن، ما كذبت ولا كذبت، فقال آخرون: متى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خُضِبَتْ هذه من هذه، ووضع إحدى يديه على لحيته والأخرى على رأسه، فأكثر الناسُ من البكاء، فقال: لا تبكوا في وقتكم هذأ فستبكون بعدي طويلا، مكاتب أكثر أهل الكوفة معاوية سِرّاً في أمورهم، واتخذوا عنده الأيادي، فواللّه ما مضت إلا أيام قلائل حتى كان- ذلك، وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب- بعد ذكرنا لزهده ولمع من كل أمه - جملاً من أخباره أيضاً في أيام معاوية بن أبي سفيان، والله ولي التوفيق.

ذكر لمع من كلامه وأخباره وزهده رضوان اللّه عليه

خيار العباد

لم يلبس عليه السلام في أي أمه ثوباً جديدأ، ولا أقتنى ضيعة ولا رَبْعأ، إلا شيئاً كان له بينبع مما تصدق به وحبسه.

والذي حفظ الناس عنه من خطبه في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة؛ وتداول الناس ذلك عنه قولأ وعملا.

وقيل له: مَنْ خيار العباد؟ قال: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا وإذا أعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أغضبوا غفروا. 

وصف الدنيا

وكان يقول: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، الدنيا مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحيه، ومَتْجَر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، ورِبحوا فيها الجنة، ومن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعَتْ نفسها وأهلها، ومثلت لهم ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، وراحت بفجيعة، وابتكرت بعافية؛تحذيراً وترغيباً وتخويفأ، فذمها رجال غبَّ الندامة، وحمدها آخرون غب المكافأة، ذكرتهم فذكروا تصاريفها، وصدقتهم فصدقوا حديثها، فيا أيها الذامُ للدنيا المغتر بغرورها، متى استدامت لك الدنيا؟ بل متى غرتك من نفسها؛ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمه آتك من الثرى؟ كم قد عللت بكفك ومَرضْتَ بيدك من تبغي له الشفاء وتستوصف له الدواء من الأطباء! لم تنفعه بشفائك، ولم تسعف له بطلبتك، وقد مثلت ذلك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك: غداً لا ينفعك بكاؤك، ولا يغنى عنك أحِبِّاؤك- ولا تسمع في مدح الدنيا أحسن فن هذا.

ومما حفظ من كل أمه في بعض مقاماته في صفة الدنيا أنه قال: ألا إن الدنيا قد ارتحلت مُدْبرة، وإن الآخرة قد دنت مُقْبلة، ولهذه أبناء، ولهذه أبناء، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطأ والتراب فراشاً والماء طيباً، وقَوَّضُوا الدنيا تقويضاً، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سَلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الآخرة سارع في المخيرات، ألا وإن للّه عباداً كأنهم يرون أهل الجنة في الجنة منعدين مخلدين، ويرون أهل النار في النار معذبين قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، أنفسهم عفيفة، وحاجتهم خفيفة صبروا أياماً قليلة فصارت لهم العقبى، راحة طويلة، أما الليل فصافُّو أقد أمه م، تجري دموعهم على خدوهم، يَجْأرون إلى ربهم، ويسعون في فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء حكماء بَرَرَة أتقياء، كأنهم القِدَاح بَرَاهم الخوف والعبادة ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض، إن خولطوا فقد خالطهم أمر عظيم من ذكر النار ومن فيها.

وقال لابنه الحسن: يا بني، اسْتَغْنِ عمن شئت تكن نظيرهُ، وسل من شئت تكن حقيره، وأعط من شئت تكن أميره. ودخل عليه رجل من أصحابه فقال: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: أصبحت ضعيفاً مُذنباً، أكل رزقي، وأنتظر أجلي، قال: وما تقول في الدنيا؟ قال: وما أقول في دار أولها فم، وآخرها موت، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، حَلالُها حساب، ومراحها عقاب، قال: فأي الخلق أنعم؟ قال: أجساد تحت التراب، قد أمنت من العقاب، وهي تنتظر الثواب.

وصف علي عند معاوية

ودخل ضرار بن ضمرة- وكان من خواصِّ علي- على معاوية وافداً، فقال له: صف لي علياً، قال: أعْفِيِنِي يا أمير المؤمنين، قال معاوية: لا بد من ذلك، فقال: أما إذا كان لا بد من ذلك فإنه كان واللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فَصْلا، ويحكم عدلاً، يتفجرً العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يعجبه من الطعام ما خشن، ومن اللباس ما قصر.

وكان والله يجيبنا إذا دعوناه، ويعطينا إذا سألناه، وكنا واللّه- على تقريبه لنا وقربه منا- لا نكلمه هيبة له، ولا نبتدئه لعظمه في نفوسنا، يَبْسِم عن ثغر كاللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويرحم المساكين، ويطعم في المَسْغَبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، يكسو العُرَيَان، وينصر اللهفَان، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، وكأني به وقد أرْخَى الليل سُدُولَه، وغارت نجومه، وهو في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُري غيري، إلى تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهات هيهات!! لا حان حينك، قد أبنتك ثلاثاً لارَجْعة لي فيك، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلَّة الزاد وبعد السفر ووَحْشَة الطريق.

من كل أمه

فقال له معاوية: زدني شيئاً من كل أمه ، فقال ضرار: كان يقول: أعجب ما في الإِنسان قلبه، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سَنَحَ له الرجاء أمَا لَهُ الطمع، وإن مال به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه القنوط قتله الأسف، وإن عَرَضَ له الغضب أشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف فضحه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة فضحه الفقر، وإن أجهده الجوع أقعده الضعف، وإن أفرط به الشبع كَظَّته البِطْنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.

فقال له معاوية: زدني كلما وعيته من كل أمه ، قال: هيهات أن أتى على جميع ما سمعته منه، ثم قال: سمعته يوصي كميل بن زياد ذات يوم فقال له: يا كميل ذُب عن المؤمن فإن ظهره حِمى الله، ونفسه كريمة على اللّه، وظالمه خصم اللّه، وأحذركم من ليس له ناصر إلا الله.

قال: وسمعته يقول ذات يوم: إن هذه الدنيا إذا أقبلت على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سَلَبتهم محاسن أنفسهم.

قال: وسمعته يقول: بَطَر الغنى يمنع من عز الصبر.

قال: وسمعته يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكل أمه حكمة.

وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - بعد أن قتل جعفر بن أي طالب الطيار بُمؤتة من أرضىِ الشام- لا يبعث بعلي في وجه من الوجوه إلا يقول: " رب لاَ تذَرْنِي فرداَ، وأنت خير الوارثين ".

وحمل علي يوم أحد على كردوس من المشركين خشن فكشفهم، فقال جبريل: يا محمد، إن هذه لهي المواساة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل إن عليّاً مني "، قال جبريل: وأنا منكم، كذلك ذكره إسحاق عن ابن إسرائيل وغيره.

ووقف عَلَى عَلِيٍّ سائل، فقال للحسن: قل أمك تدفع إليه درهماً، فقال: إنما عندنا ستة دراهم للدقيق، فقال علي: لا يكون المؤمن مؤمنَاَ حتى يكون بما في يد الله أوْثَقَ منه بما في يده، ثم أمر للسائل بالستة الدراهم كلها، فما برح علي رضي اللّه عنه حتى مر به رجل يقود بعيراً؛ فاشتراه منه بمائة وأربعين درهماً، وأنسأ أجَلَة ثمانية أيام، فلم يحلَّ أجله حتى مر به رجل والبعير معقول فقال: بكم هذا؟ فقال: بمائتي درهم، فقال: قد أخذته، فوزَنَ له الثمن، فدفع علي منه مائة وأربعين درهما للذي ابتاعه منه، ودخل بالستين الباقية على فاطمة عليها السلام، فسألته: من أين هي؟ فقال: هذه تصديقٌ لما جاء به أبوك صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها". وَمَرَّ ابن عباس بقوم ينالون من علي وشبونه، فقال لقائده: أدْنِنِي منهم، فأدناه، فقال: أيكم الساب اللّه؟ قالوا: نعوذ باللّه أن نسب اللّه، فقال: أيكم الساب صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: نعوذ باللّه أن نسب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: أيكم الساب علي بن أبي طالب؟ قالوا: أما هذه فنعم، قال: أشهد لقد سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "من سبني فقد سب الله، ومن سب عليا فقد سبني " فأطْرَقُوا، فلَمَّا ولى قال لقائدة: كيف رأيتهم؟ فقال:

نظروا إليك بأعـين مُـزوَزَة

 

نظر التيوس إلى شفار الجازر

فقال: زدني فداك أبي وامي، فقال:

خُزْرَ العيون مُنَكِّسِي أذقانهـم

 

نظر الذليل إلى العزير القاهر

قال: زدني فداك أبي وامي، قال: ما عندي مزيد، قال: ولكن عندى:

أحياؤهم تجني على أمواتهم

 

والميتون فضيحة للغابـر

وصيته يوم موته

وقد ذكر جماعة من أهل النقل عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي أن علياً قال في صبيحة الليلة التي ضربه فيها عبد الرحمن بن مُلْجم، بعد حمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم: كل امرئ ملاقيه ما يفر منه، والأجل تُسَاق النفس إليه، والهرت منه موافاته، كم اطردت الأيام أتحينها عن مكنون هذا الأمر فأبى اللّه عز وجلّ إلا إخفاءه، هيهات علم مكنون، أما وصيتي فاللّه لا تشركوا به شيئاً، ومحمداً لا تضيعوا سنته، أقيموا هذين العمودين، حمل كل امرئ منكم مجهوده، وخفف عن الحَمَلةِ رب رحيم، ودين قويم، وإمام عليم، كنا في إعصار ذي رياح تحت ظل غمامة اضمحل راكدها فمحطها من الأرض حيا، وبقي من بعدي جُنَّة جأواء، ساكنة بعد حركة، كاظمة بعد نُطْق، ليعظكم هدوئي وخُفُوتُ أطرافي، إنه أوعظ لكم من نطق البليغ، ودعتكم وداع امرئ مرصد لتلاق، وغدا ترون ويكشف عن ساق، عليكم السلام إلى يوم المرام، كنت بالأمس صاحبكم واليم عِظَةٌ لكم وغداً أفارقكم، إن أفق فأنا ولي دمي، وإن أمت فالقيامة ميعادي، والعفو أقرب للتقوى، ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم والله غفور رحيم.

تزهده في الدنيا

ومن خطبة قبل هذا وتزهده في هذه الدنيا قوله في بعض مقامات وخطبه: إن الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، وإن الآخرة قد أشرفت وأقبلت باطلاع، وإن المضمار اليوم والسباق غداً، ألا إنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد حسن عمله وما قَصُرَ أجله، ومن قَصَّر في أيام أجله خسر أجله، ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، و كالنار نام هاربها، ألا إنه مَنْ لم ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم له الهدى يخزيه الضلال وقد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد وإن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول الأمل.

وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب، أو يبلغه إسهاب مسهب، أو إطناب مُطْنب، وقد أتينا على جمل من أخباره وزهده وسيره، وأنواع من كل أمه وخطبه في كتابنا المترجم بكتاب حدائق الأذهان، في أخبار آل محمد عليه السلام وفي كتاب مزاهر الأخبار، وطرائف الآثار، للصفوة النورية والذرية الزكية أبواب الرحمة وينابيع الحكمة.

فضائله رضي اللّه عنه

قال المسعودى: و الأشياء التي استحقبها بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفضلَ هي: السبق إلى الإيمان، والهجرة، والنصرة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والقربى منه والقناعة وبذل النفس له، والعلم بالكتاب والتنزيل، والجهاد في سبيل الله، والورع، والزهد، والقضاء، والحكم، والفقه والعلم وكل ذلك لعلي عليه السلام منه النصيبُ الأوفر، والحظ الأكبر، إلى ما ينفرد به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آخى بين أصحابه أنت أخي وهو صلى الله عليه وسلم لا ضد له، ولا ند، وقوله صلوات الله عليه: " أنت مني بمنزلة هرون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " وقوله عليه الصلاة والسلام: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعَادِ من عاداه " ثم دعاؤه عليه السلام وقد قدم إليه أنس الطائر: اللّهم أدخل إلي أحَبَّ خلقك إليك لأكل معي من هذا الطائر، فدخل عليه علي، إلى آخر الحديث، فهذا وغيره من فضائله وما اجتمع فيه من الخصال مما تفرق في غيره، ولكل فضائل ممن تقدم وتأخر، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم، مخبر عن بواطنهم بموافقتها لظواهرهم بالإِيمان، وبذلك نزل اَلتنزيل، وتولى بعضهم بعضاً، فلما قبض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي حدثت أمور تنازع الناس في صحتها منهم، وذلك غير يقين، ولا يقْطَع عليهم بها، واليقين من أمورهم ما تقدم، وما روى مما كان في أحداثهم بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم فغير متيقن، بل هو ممكن، ونحن نعتقد فيهم ما تقدم، واللهّ أعلم بما حدث، واللّه ولي التوفيق.

ذكر خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما

ثم بويع الحسنُ بن علي بن أبي طالب بالكوفة بعد وفاة علي أبيه بيومين، في شهر رمضان من سنة أربعين، ووَجه عُمّاله إلي السَّوَاد والجبل.

وَقَتَلَ الحسنُ عبدَ الرحمن بن مُلْجَم، على حسب ما ذكرنا، ودخل معاوية الكوفة بعد صلح الحسن بن علي، لخمس بقين من شهر ربيع الأول في سنة إحدى وأربعين.

وكانت وفاة الحسن- وهو يومئذ ابنُ خمسٍ وخمسين سنة-بالسم.ودُفن بالبقيع مع أمه فاطِمَةَ بنت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم، والله ولي التوفيق.

ذكر لمع من أخباره وسيره رضي الله عنه

سم الحسن رضي اللّه عنه

حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدِّه عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم، قال: دخل الحسين عَلَى عمي الحسن بن علي لما سقي السم، فقام لحاجة الإنسان ثم رَجَع، فقال: لقد سقيت السم على مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين: يا أخي، مَنْ سَقَاك. قال: وما تريد بذلك. فإن كان الذي أظنه فاللهّ حسيبه وإن كان غيره فما أحِبُّ أن يؤخذ بي بريء، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى توفي، رضي اللّه عنه.

ذكر الذي سمّه

وذكر أن امرأته جَعْدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دسَّ إليها: إنك إن احتلْتِ في قتل الحسن وَجَّهت إليك بمائة ألف درهم، وزوَّجتك من يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سَمّه، فلما مات وَفَى لها معاوية بالمال، وأرسل إليها: إنا- نحب حياة يزيد، ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه.

وذكر أن الحسن قال عند موته: لقد حَاقَتْ شربته، وبلغ أمنيته والله لا وَفَى لها بما وَعَدَ، ولا صدق فيما قال. وفي فعل جعد يقول النَّجَاشِيُّ الشاعر، وكان من شِيعَةِ عليّ، في شعر له طويل:

جعـدُ بَـكِّـيهِ ولاتـسـامــي

 

بَعْدُ بُكاء المُـعْـوِل الـثـاكـل

لم يُسْبَل الستر علـى مـثـلـه

 

في الأرض من حَافٍ وَمِنْ ناعل

كان إذا شـبـتْ لَـهُ نـــاره

 

يرفعها بالـسـنـد الـغـاتـل

كيمـا يراهـا بـائس مُـرْمِـل

 

وفـرد قـوم لـيس بـالآهـل

يغلي بنيء اللـحـم، حـتـى إذا

 

أنضجه لـم يغـل مـن آكـل

أعني الذي أسْلَمَـنَـا هُـلْـكـه

 

للزمن المستحرج الـمـاحـل

وفي ذلك يقول اخرمن شِيعَةِ علي رضي اللهّ عنه:

تأَسَّ فكم لك مـن سَـلْـوَة

 

تُفَرِّجُ عنك غليل ا لْحَـزَنْ

بموت النَّبيّ، وقتل ا لْوَصِيِّ،

 

وقتل ا لْحُسَيْن، وسم الْحَسَنْ

قال المسعودي رحمه اللهّ: ووجدت في كتاب الأخبار لأبي الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن صالح بن علي بن عطية الأصم قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس الهاشمي، عن أبي عون صاحب الدولة، عن محمد بن علي بن عبد اللهّ بن العباس، عن أبيه، عن جده، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذ أقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه أَسْفَرَ في وجهه، فقلت: يا رسول اللهّ، إنك لتُسْفِر في وجه هذا الغلام، فقال: ياعَمَّ رسول اللّه، واللهِّ اللّهُ أشد حباً له مِنِّي، إنه لم يكن نبيُّ إلا وذريته الباقية بعدي من صُلْبه، وإن ذريتي بعدي من صُلْب هذا، إنه إذا كان يوم القيامة دُعِيَ الناس بأسمائهم واسماء أمهاتهم ستراً من اللّه عليهم، إلا هذا وشيعته فإنهم يُدْعَوْنَ بأسمائهم السماء آبائهم لصحة ولادتهم.

رثاء ابن الحنفية للحسن:

ولما دُفن الحسن رضي اللهّ عنه وقَفَ محمد ابن الحنفيَّةِ أخوه على قبره، فقال: لئن عزت حياتُكَ، لقد هَدَّتْ وَفَاتك، ولنعم الروح روح تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمن بدنك، وكيف لا تكون هكذا وأنت عقبة الهدى، وَخَلَفَ أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء، غَدَتْكَ بالتقوى أكفُّ الحق، وأرضعتك ثُدِيُّ الإيمان، وَرُبِّيتَ في حِجْرِ الِإسلام، فطِبْتَ حيّاً وميتاً، وإن كانت أنفسنا غير سخية بفراقك، رحمك اللهّ أبا محمد!.

ومن رثاء ابن الحنفية للحسن

ووجدت في وجه آخر من الروايات في أخبار أهل البيت أن محمداً وقف على قبره فقال: أبا محمد، لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وأنت خامس أهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طُوبَى. ثم أنشأ يقول رضي اللّه عنه:

أأدْهن رأسي أم تطيب مجـالـسـي

 

وَخدُّكَ معفـور وأنـت سـلـيب.

أأشْرَب ماء المزن من غـيرمَـائِة

 

وقد ضمن الأحشاء منـك لـهـيب

سأبكيك ما نـاحـت حـمـامة أيْكَةٍ

 

وما اخضر في دَوْح الحجاز قضيب

غريب وَأكْنَاف الحجاز تَـحُـوطـه

 

ألا كل من تحت التـراب غـريب

ووجدت في بعض كتب التواريخ في أخبار الحسن ومعاوية أن بخلافة الحسن صَحَّ الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، "الخلافة بعدي ثلاثين سنة" لأن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه تَقَلَّدَهَا سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام، وعمر رضي اللّه عنه عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وعثمان رضي اللّه عنه إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً، وعلي رضي اللهّ عنه أربع سنين وسبعة أشهر إلا يوماً، والحسن رضي الله عنه ثمانية أشهر وعشرة أيام، فذلك ثلاثون.

سرور معاوية بموت الحسن

وحدث محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حُمَيد الرَّازي، عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الفضل بن عباس بن ربيعة، قال: وفد عبد اللّه بن العباس على معاوية، قال: فواللّه إني لفي المسجد إذ كبرَ معاوية في الخضراء فكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجَتْ فاختة بنت قرظ بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخِة لها، فقالت: سَرَّكَ اللّه يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ قال: موت الحسن بن علي، فقالت: إنا للّه وإنا إليه راجعون، ثم بكَتْ وقالت: مات سيّد المسلمين، وابن بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال معاوية: نعما واللّه ما فعلت، إنه كان كذلك أهلاً أن تبكي عليه، ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي اللّه عنهما، فراح فدخل على معاوية، قال: علمتُ يا ابن عباس أن الحسن توفي، قال: ألذلك كبرت؟ قال: نعم، قال: أما واللّه ما مَوْتُه بالذي يؤخِّر أجلك، ولا حُفْرَتُه بسَادَةٍ حُفْرَتَكَ، ولئن أصبنا به قبله بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بعده بسيد الأوصياء، فجبر اللّه تلك المصيبة، ورفع تلك العَثْرَة، فقال: وَيْحَكَ يا ابن عباس! ما كلمتك قط إلا وجدتك معداً. وفي نسخة أنه لما صالح الحسن معاوية كبر معاوية في الخضراء، وكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء، فخرجت فاختة بنت قرضة من خوخة لها، فقالت: سَركَ اللّه يا أمير المؤمنين! ما هذا الذي بلغك. قال: أتاني البشيرُ بصلح الحسن وانقياده، فَذَكَرَتْ قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إن إبني هذا سيد أهل الجنة، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين فالحمد للّه الذي جعل فِئَتِي إحدى الفئتين.

ولما صالح الحسن معاوية لما ناله من أهل الكوفة وما نزل به أشار عمرو بن العاص على معاوية- وذلك بالكوفة- أن يأمر الحسن فيقوم فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية، وقال: ما أريد أن يخطب بالناس، قال عمرو: لكني أريد أن يبدو عيه في الناس بأنه يتكلم في أمور لا يدْرِي ما هي، ولم يزل به حتى أطاعه؟ فخرج معاوية فخطب الناس، وأمر رجلاً أن ينادي بالحسن بن علي، فقام إليه، فقال: قم يا حسن فكلم الناسَ، فقام فتشهد في بديهته، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا، وَحَقَنَ دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دُوَلٌ، قال اللّه عزّ وجل لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم : "قل إن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون، إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين" ثم قال في كلامه ذلك: يا أهل الكوفة، لو لم تُذْهَلْ نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذُهِلت: مَقْتَلكم لأبي، وسلبكم ثقلي، وطعنكم في بطني، وإني قد بايعت معاوية، فاسمعوا له وأطيعوا.

وقد كان أهل الكوفة انتهبوا سُرَادق الحسن وَرَحْله، وطعنوا بالخنجر في جوفه، فلما تيقن ما نزل به انقاد إلى الصلح.

خطبة للحسن

وقد كان عليّ رضي اللّه عنه وكرم اللّه وجهه اعتلَّ، فأمر ابنه الحسن رضي اللّه عنه أن يصلى بالناس يوم الجمعة، فصعد المنبر فحمد اللهّ وأثنى عليه، ثم قال: إن اللّه لم يبعث نبيّاً إلا اختار له نقيباً وَرَهْطاً وبيتاً، فو الذي بعث محمداً بالحق نبيّاً لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد إلا نقصه الله من عَمَله مثله، ولا تكون علينا دولة إلا وتكون لنا العاقبة، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين.

خطبة أخرى

ومن خطب الحسن رضي اللهّ عنه في أيامه في بعض مقاماته أنه قال: نحن حزب اللهّ المفلحون، وَعِتْرَة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الأقربون، وأهل بيته الطاهرون الطيبون، وأحد الثقلين اللذين خَلَّفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني كتاب اللّه، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خَلْفِه، والمعول عليه في كل شيء، لا يخطئنا تأويله، بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا، فإنَّ طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة اللهّ والرسول وأولي الأمر مقرونة فإن تنازعتم في شيء فَردُّوه إلى اللّه والرسول... ولو رَعُّوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم وأحذركم الِإصغاء لهتاف الشيطان إنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: "لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نَكَصَ على عقيبه وقال: إني بريء منكم إني أرى مالا ترون" فتلقون للرماِح أزرا، وللسيوف جزرا، وللعمد خطأ، وللسهام غَرَضاً، ثم لا ينفع. نفساَ إيمانها لم تكن آمنت من قبل أوكسبت في إيمانها خيراً، واللهّ أعلم.