ذكر طرف من أخبار الحجاج وخطبه وما كان منه في بعض أفعاله

ذكر طرف من أخبار الحجاج وخطبه وما كان منه في بعض أفعاله

سبب ولوع الحجاج بسفك الدماء

كانت أم الحجاج عند الحارث بن كَلَمَة، فدخل عليها في السحر فوجدها تتخلل، فبعث إليها بطلاقها، فقالت: لم بعثت إليَّ بطلاقي. ألشيء رابك مني؟ قال: نعم، دخلت عليك عند السحر وأنت تتخللين، فإن كنت بادرت الغداء فأنت شَرِهَة، وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قفرة، فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شَظَايَا السِّوَاك، فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي أبو الحجاج، فولدت له الحجاج بن يوسف مشوهاً لا دُبُرَ له، فثقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثَدْيَ أمه أو غيرها، فأعياهم أمره، فيقال: إن الشيطان تصوَرَ لهم في صورة الحارث بن كلدة، فقال: ما خبركم؟ فقالوا: ابن ولد ليوسف من الفارعة، وكان اسمها، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها، فقال: اذبحوا جَدْياً أسود وأوْلِغُوه دمه، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك، فإذا كان في اليوم الثالث فاذبحوا له تيساً أسود وأوْلِغُوه دمه، ثم اذبحوا له أسْود سالخاً فأولغوه دمه واطْلًوا به وجهه، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع، قال: ففعلوا به ذلك، فكان بعد لا يصبر عن سفك الدماء لما كان منه في بَدْء أمره، هذا، وكان الحجاج يخبر عن نفسه أن أكثر لَذّاته سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يُقْدم عليها غيره، ولا سبق إليها سواه.

عبد الملك يولي المهلب قتال الخوارج

حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن داود البصري المنقري، قال: حدثني ابن عائشة وغيره قال: سمعت أبي يقول: لَمَّا غلبت الخوارج على البصرة بعث إليهم عبد الملك جيشاً فهزموه ثم بعث إليهم آخر فهزموه فقال: مَنْ للبصرة والخوارج. فقيل له: ليس لهم إلا المهلب بن أبي صُفْرة، فبعث إلى المهلب، فقال: على أن لي خَرَاجَ ما أجْلَيْتُهم عنه، قال: إذن تشركني في ملكي، قال: فثلثاه، قال: لا، قال: فنصفه، واللّه لا أنقص منه شيئاً، على أن تمدني بالرجال، فإذا أخلَلْت فلا حقِّ، لك عليَ، فجعلوا يقولون: وَلّى عبد الملك على العراق رجلاً ضعيافاً، وجعل يقول: بعثت المهلب حتى يحارب الخوارج فركب دجلة، ثم كتب إلى المهلب إلى عبد الملك: إنه ليس عندي رجال أقاتل بهم، فإما بعثت إلي بالرجال وإما خليْتُ بينهم وبين البصرة، فخرج عبد الملك إلى أصحابه فقال: ويلكم! من للعراق؟ فسكت الناس وقام الحجاج وقال: أنا لها، قال: اجلس، ثم قال: ويلكم!! من للعراق.- فصمتوا، وقام الحجاج وقال: أنا لها، قال: اجلس، ثم قال ويلكم للعراق؟ فصمتوا، وقام الحجاج الثالثة فقال: واللّه أنا لها يا أميرالمؤمنين، قال: أنت  زنبورها فكتب إليه عهده، فلما بلِغ القادسية أمر الجيش أن يقبلوا وأن يروحوا وراءه، ودعا بجمل عليه قَتب، فجلس عليه بغير حشية ولا وطاء، وأخذ الكتاب بيده، ولبس ثياب السفر، وتعمَّمَ بعمامته حتى دخل الكوفة وحده، فجعل ينادي: الصلاةَ جامعةً، وما منهم رجل جالس في مجلسه إلا ومعه العشرون والثلاثون وأكثر من ذلك من أهله ومواليه وصعد المنبر متلثماً متنكباً قَوْسَه، فجلس واضعاً إبهامه على فيه فقال بعضهم لبعض: قوموا حتى نحصبه فدخل محمد بن عمير الدارمي في مواليه، فلما رأى الحجاج جالساً على المنبر لا يجيب ولا ينطق قال: لعن اللّه بني أمية حين يولونَ العراق مثل هذا، لقد ضيع اللّه العراق حيث يكون مثل هذا عليها، ثم ضرب بيده إلى حصباء المسجد ليحصبه، وقال: واللّه لو وجدوا أذَمَّ من هذا لبعثوه إلينا، فلما هَمَّ أن يحصبه قال له بعض أهل بيته: أصلحك اللّه اكْفُفْ عن الرجل حتى نسمع ما يقول، فمن قائل يقول: حُصِرَ الرجل فما يقدر على الكلام، ومن قائل يقول: أعرابي ما أبصر حجته.

خطبة الحجاج مقدمه العراق

فلما غَصَّ المسجد بأهله حَسَرَ اللثام عن وجهه ثم قام، ونَحَّى العمامة عن رأسه، فواللهّ ما حمد اللّه ولا أثْنَى عليه، ولا صلّى على نبيه، وكان أول ما بدأهم به أنْ قال: أنا ابن جَلاَ وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني إني والله لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أيْنَعَتْ وحان قِطَافُهَا، وإني أنا صاحبها، كإني أنظر إلى الدماء تَرَقْرَق بين العمائم واللحى:

هذا أوان الحرب فاشتدي زِيَم

 

قد لَفَّها الليل بسوَاقٍ حُطَـم

ليس بِرَاعي إبـل ولاغـنـم

 

ولابجَزّارٍ على ظهر وَضَم

 وقال:

قد لَفّها الليل بعُصْلُـبِـيِّ

 

أرْوَعَ خَرَّاجٍ من الـدَّوِّيّ

مهاجر ليس بأعرابـي

 

 

قد شمَرَتْ عن ساقها فكدوا

 

وجَدَّتِ الحرب بكم فجدوا

والقوس فيها وَتَرٌ عُـرُدُّ

 

مثل ذراع البكـرأوأشـد

إن أمير المؤمنين نَثَرَ كنانته، فوجدني أمَرهَا طعماً، وأحَدَّها سنانَاَ، وأقواها قداحاً، فإن تستقيموا تستقم لكم الأمور، وإن تأخنوا لي بُنَيَّات الطريق تجدوني لكل مرصد مرصداَ، واللّه لا أقيل لكم عَثْرَةً، ولا أقبل منكم عِذرَة.

يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق، واللهّ ما أغمز كتَغْماز التين ولا يُقَعقع لي بالشَنَان ولقد فُرِرْتُ عن ذكاء، وفُتِّشت عن تجربة واللّه لألحوَنَّكُمْ لحوَ العود، ولأعصبنكم عَصْب السَّلَمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل ولأقرعنكم قرع المَرْوَةِ.

يا أهل العراق، طالما سعيتم في الضلالة، وسلكتم سبيل الغواية، وسننتم سنن السوء، وتماديتم في الجهالة، يا عبيد العصا وأولاد الإماء، أنا الحجاج بن يوسف، إني واللهّ لا أعِدُ إلا وفيت، ولا أخْلًقُ إلا وفيَيْتُ، فإياكم وهذه الزَّرَافات والجماعات، وقال وقيل، وما يكون وما هو كائن، وما أنتم وذاك يا بني اللكيعة. لينظر الرجل في أمر نفسه، وليحذر أن يكون من فرائسي.

يا أهل العراق، إنما مثلكمِ كما قال اللّه عز وجل: "كمثل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداَ من كل مكان فكفرت بأنْعُم اللّه فَأذاقَهَا اللّه لباس الجوع والخوف" الآية فأسرعوا واستقيموا، واعتدلوا ولا تميلوا، وشايعوا وبايعوا واخضعوا، واعلموا أنه ليس مني الإكثار والإهذار، ولا منكم الفرار والنفار، إنما هو انتضاء السيف، ثم لا أغمده في شتاء ولا صيف، حتى يقيم اللهّ لأمير المؤمنين أوَدَكم، ويذل له صَعْبكم.

إني نظرت فوجدت الصدق مع البر، ووجدت البر في الجنة، ووجدت الكذب مع الفجور، ووجدت الفجور في النار.

ألا وإن أمير المؤمنين أمرني لإعطائكم أعطياتكم وإشخاصكم إلى محاربة عدوكم معِ المهلّب، وقد أمرتكم بذلك، وأجَّلْتُ لكمِ ثلاثاً، وأعطيت اللّه عهداَ يؤاخذني به ويستوفيه مني أن لا أجد أحداَ من بَعْثِ المهلب بعدها إلا ضربْتُ عنقه، وانتهبت ماله، يا غلام اقرأ عليهم كتاب. أمير المؤمنين.

فقال الكاتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى مَنْ بالعراق من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فإني إليكم أحمد اللّه الذي لا إله إلا هو. فقال الحجاج: اسكت يا غلام، ثم قال مغضباً: يا أهل العراق يا أهل النفاق والشقاق ومساوىء الأخلاق، يا أهل الفُرْقة والضلال، يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون عليه السلام؟ أما واللّه لئن بقيت لكم لألحوَنَكُم لحو العود ولأؤدبنكم أدباً سوى هذا الأدب، هذا أدب ابن سمية- وهو صاحب شرطة كان بالعراق- اقرأ يا غلام الكتاب، فلما بلغ السلام قال أهل المسجد: وعلي أمير المؤمنين السلام ورحمة اللّه وبركاته.

ثم نزل، وأمر للناس بأعْطِيَاتهم، والمهلب يومئذ بمهرجان قدق يقاتل الأزارقة.

فلما كان اليوم الثالث جلس الحجاج بنفسه يعرض الناس، فمر به عمير بن ضابىء التميمي البرجُمِيُ ثم أحد بني الحدادية وكان من أشراف أهل الكَوفة، وكان من بَعْثِ المهلب، فقال: أصلح اللّه الأمير، ة إني شيخ كبير زَمِنٌ عليل ضعيف، ولي عدة أولاد، فليختر أيهم شاء مكاني، أشدهم ظهراً، وأكرمهم فرساً، وأتمهم أدَاةً، قال الحجاج: لا بأس بشاب مكان شيخ، فلما ولى قال له عنبسة بن سعيد ومالك بن أسماء: أصلح الله الأمير! أتعرف هذا؟ قال: لا، قالا: هو عمير بن ضابىء التميمي الذي وَثَبَ على أمير المؤمنين عثمان وهو مقتول فكسر ضلعاً من أضلاعه، فقال الحجاج: عليَّ به، فقال له: أيها الشيخ، أنت الواثب على أمير المؤمنين عثمان بعد قتله، والكاسر ضلعاً من أضلاعه. فقال له: إنه كان حَبَس أبي شيخاً كبيراً ضعيفاً فلم يُطْلِقه حتى مات في سجنه، فقال الحجاج: أما أمير المؤمنين عثمان فتغزوه بنفسك، وأما الأزارقة فتبعث إليهم بالبُدَلاَء، أو ليس أبوك الذي يقول:

هَمَمْتُ ولم أفعل وكدت وليتني

 

فعلت وأوليت البكاء حلائلـه

أما والله إن في قتلك أيها الشيخ لصَلاحَ المصرين، ثم أقبل يصعٌد بصره إليه ويصوِّبه ويَعَضُّ على لحيته مرة وويسرحها أخرى، ثم أقبل عليه فقال: يا عمير سمعت مقالتي على المنبر. فقال: نعم، قال: واللّه إنه لقبيح بمثلي أن يكون كذاباً، قم إليه يا غلام فاضرب عنقه، ففعل، فلما قتل ركب الناس كل صَعْب وذَلُول، وخرجوا على وجوههم يريدون المهلب، فازدحموا على الجسر حتى سقط بعضُ الناس في الفُرَات، فأتاه صاحب الجسر فقال: أصلح اللّه الأمير! قد سقط بعض الناس في الفرات، قال: ويحك!! ولم ذلك. قال: أهل هذا البعث ازدحموا على الجسر حتى ضاق بهم، قال: انطلق فاعْقِدْ لهم جسرين.

وخرج عبد اللّه. بن الزَّبير الأسدي مذعوراً، حتى إذا كان عند اللجامين لقيه رجل من قومه يقال له إبراهيم، فقال له: ما الخبر؟ فقال ابن الزبير: الشر، قتل عمير من بعث المهلب، وأنشأ يقول:

أقول لإبراهـيم لـمـا لـقـيتـه

 

أرى الأمرَ أمسى مهلكا متصعبـا

تجهز فإما أن تزور ابن ضابـىء

 

عميراً، وإما أن تزور المهـلـبـا

هما خطّتَا خَسْفٍ نجاؤك منهـمـا

 

ركوبُكَ حوليا من الثلج أشـهـبـا

فأضحى ولو كانت خراسان دونـه

 

رآها مكان السوق أو هو أقـربـا

وإلا فما الحجاج مغْـمِـدُ سـيفِـهِ

 

مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا

وخرج الناس هَرَباً إلى السواد، وأرسلوا إلى أهاليهم أن زَوّدونَا ونحن بمكاننا، وقال الحجاج لصاحب الجسر: افتح ولا تَحُل بين أحد وبين الخروج، ووجه العراض إلى المهلب، فما أتت على المهلب عاشرة حتى ازدحموا عليه، فقال: من هذا الذي استعمل على العراق؟ هذا واللّه الذكر من الرجال. فويل والله للعدو إن شاء اللّه تعالى.

خروج ابن الأشعث

وقد كان الحجاج استعمل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على سجستان وبُسْتَ والرخج، فحارب مَنْ هنالك من أمم الترك، وهم أنواع من الترك يقال لهم الغوز والخلج، وحارب مَنْ يلي تلك البلاد من ملوك الهند، مثل رتبيل وغيره وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب مراتب ملوك الهند وغيرهم من ملوك العالم، وذكرنا مملكة كل واحد منهم، والصقع الذي هو به، وذوي السِّمَات منهم، وبينا أن كل ملك يلي هذا الصقع من بلاد الهند يقال له رتبيل فخلع ابن الأشعث طاعة الحجاج، وصار إلى بلاد كرمان، فثنى بخلع عبد الملك، وانقاد إلى طاعته أهْلُ البصرة والجبال مما يلي الكوفة والبصرة وغيرهما، وسار الحجاج إلى البصرة، وسار ابن الأشعث إليه، فكانت له حروب عظيمة، وفي عبد الرحمن بن الأشعث يقول الشاعر:

خلع الملوك وسار تحت لوائه

 

شجر العرى وعراعر الأقوام

وكتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك يعلمه بخبر ابن الأشعث، فكتب إليه عبد الملك: لعمري لقد خلع طاعة اللهّ بيمينه، وسلطانه بشماله، وخرج من الدين عرياناً، وإني لأرجو أن يكون هلاكه وهلاك أهل بيته واستئصالهم في ذلك على يدي أمير المؤمنين، وما جوابه عندي في خلع الطاعة إلا قول القائل:

أناة وحلماً وانتظاراً بـهـم غـداً

 

فما أنا بالواني ولا الضّرِع الغمر

أظن صروف الدهر والجهل منهم

 

ستحملكم مني على مركب وعرِ

ألم تعلموا إني تخاف عَرَامـتـي

 

وأن قَنَاتي لاتلين على الكـسـر

ودخل ابن الأشعث الكوفة، وكتب الحجاج كتاباً إلى عبد الملك يذكر فيه جيوش ابن الأشعث وكثرتها، ويستنجد عبد الملك ويسأله الأمداد، وقال في كتابه: واغوثاه يا أللّه، واغوثاه يا أللّه، واغوثاه يا أللهّ، فأمده بالجيوس وكتب إليه: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك.

وقائع دير الجماجم وقتل ابن الأشعث

فالتقى الحجاج وابن الأشعث بالموضع المعروف بدير الجماجم، فكانت بينهم وقائع نيف وثمانون وقعة تَفَانى فيها خلق، وذلك في سنة اثنتين وثمانين، وكانت على ابن الأشعث، فمضى حتى أنتهى إلى ملوك الهند، ولم يزل الحجاج يحتال في قتله حتى قتل، وأتى برأسه، فعلا الحجاج منبر الكوفة، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أهل العراق، إن الشيطان اسْتَبْطَنَكُمْ فخالط اللحم منكم والعظم والأطراف والأعضاء، وجرى منكم مجرى الدمٍ، وأفضى إلى الأضلاع والأمخاخ، فحشا ما هناك شقاقاً واختلافاً ونفاقاً، ثم أربع فيه فعشش، وباض فيه ففرخ، واتخذتموه دليلاً تتابعونه، وقائداً تطاوعونه، ومؤمراً تستأمرونه، ألستم أصحابي بالأهواز حين سعيتم بالغدر بي فاستجمعتم عليَّ وحيث ظننتمِ أن اللّه سيخذل دينه وخلافته، وأقسم باللهّ إني لأراكم بطرفي تتسللون لِوَاذاَ منهزمين، سراعاً مفترقين، كل امرىء منكم عَلَى عنقه السيف رعباً وجبناً، ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية؟ بها كان فَشَلُكم وتخاذلكم، وبراءة اللّه منكم، توليكم على أكتافكم السيوف هاربين ونكوص وليكم عنكم، إذ ولّيتم كِالإبل الشَّواردِ إلى أوطانها لا يسأل الرجل عن بنيه، ولا يلوي امرؤ عَلى أخيه، حتى عضتكم السلاح، وقصفتكم الرماح، ويوم دير الجماجم، بها كانت الملاحم، والمعارك العظائم:

ضرباً يزيل الهام عن مقيله

 

ويذهل الخليل عن خليلـه

فما الذي أرجوه منكم يا أهل العراق؟ أم ما الذي أتوقعه؟ ولماذا أستبقيكم. ولأي شيء أدخركم؟ أللفجرات بعد العداوات؟ أم للنزوة بعد النزوِات؟ وما الذي أراقب بكم؟ وما الذي أنتظر فيكم، إن بُعِثتم إلى ثغوركم جبنتم، وإن أمنتم أو خفتم نافقتم، لا تجزون بحسنة، ولا تشكرون نعمة.

يا أهل العراق، هل استنبحكم نابح، أو استشلاكم غاو، أو استخفكم ناكث، أواستنفركم عاص إلا تابعتموه وبايعتموه، وآويتموه وكفيتموه؟!.

يا أهل العراق، هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو دبي كاذب إلا كنتم أنصاره وأشياعه؟!. يا أهل العراق، لم تنفعكم التجارب وتحفظكم المواعظ وتعظكم الوقائع، هل يقع في صدوركم ما أوقع اللّه بكم عند مصادر الأمور ومواردها يا أهل الشام، أنا لكم كالظّليم الرامح عن فراخه، ينفي عنهن القذى، ويكنفهن من المطر، ويحفظهن من الذئاب، ويحميهن من سائر الدواب، لا يخلص إليهن معه قذى، ولا يُفضِي إليهن ردى، ولا يمسهن أذى.

يا أهل الشام، أنتم العدة والعدد، والجُنَّة في الحرب، إن نحارب حاربتم، أو نجانب جانبتم، وما أنتم وأهل العراق إلا كما قال نابغة بني جعدة:

وإن تداعيهم حظـهـم

 

ولم ترزقوه ولم نكذب

كقول اليهود قتلنا المسيح

 

ولم يقتلوه ولم يُصْلَـبِ

في أبيات.

من عبد الملك إلى الحجاج

ولما أسرف الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطائه الأموال بلغ ذلك عبد الملك، فكتب إليه: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين سَرَفُكَ في الدماء، وتبذيرك في الأموال، ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين الخصلتين لأحَدٍ من الناس، وقد حكم عليك أمير المؤمنين في الدماء في الخطأ الدية وفي العمد القود، وفي الأموال ردها إلى مواضعها، ثم العمل فيها برأيه، فإنما أمير المؤمنين أمين اللّه، وسيان عنده منع حق وإعطاء باطل، فإن كنت أردت الناس له فما أغناهم عنك، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك من أمير المؤمنين أمران لين وشدة، فلا يؤنسنك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية، وظنَّ بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على الخطأ، وإذا أعطاك الظفر على قوم فلا تقتلن جانحاً ولا أسيراً، وكتب في أسفل كتابه:

إذا أنت لم تترك أموراً كرهتها

 

وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه

وتخشى الذي يخشاه مِثْلُكَ هارباً

 

إلى الله منه ضَيعَ الدَّرَّحالبـه

فإن تَرَمني غـفـلة قُـرَشـية

 

فياربما قد غص بالماء شاربه

وإن تَرَ مـنـي وَثْـبَة أمَـوِّيَةً

 

فهذا وهذا كلّ ذا أنا صاحبـه

فلا لا تلمني والحـوادث جـمة

 

فإنك مجزيٌّ بما أنت كاسـبـه

ولاتَعْد ُمايأتيك مني، وإن تَعُـد

 

يَقُومُ بها يوما عليك نـوادبـه

ولاتنقصن للناس حقاًعلـمـتـه

 

ولاتعطين ماليس للَّه جانـبـه

وهي أبيات من جيد ما اخترناه من قول عبد الملك.

جواب الحجاج

فلما قرأ الحجاج كتابه كتب: أما بعد، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سَرَفِي في الدماء، وتبذيري في الأموال، ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هُمْ أهْلُه، وما قضيت حقَّ أهل الطاعة بما استحقوه، فإن كان قتلي أولئك العصاة سرفاً وإعطائي أولئك المطيعين تبذيراً فليسوِّغْنِي أمير المؤمنين ما سلف، وليحدِّ لي فيه حداً انتهي إليه إن شاء اللّه تعالى، ولا قوة إلا باللّه، وواللّه ما علي من عَقْل ولا قَوَد: ما أصبت القوم خطأ فأدِيَهُمْ ولا ظلمتهم فأقاد بهم ولا أعطيتهم إلا لك، ولا قتلت إلا فيك، وأما ما أنا منتظره من أمْرَيْكَ فألينهما عدة وأعظمهما محنة، فقد عبأت للعدة الجلاد، وللمحنة الصبر، وكتب في أسفل كتابه:

إذا أنا لم أتْبَعْ رضـاك وأتَّـقِـي

 

أذاك فيومي لاتزول كـواكـبـه

وما لامرىء بعد الخـلـيفة جُـنة

 

تقيه من الأمر الذيِ هوكاسـبـه

أسالم من سالمت مـن ذي قـرابة

 

ومَنْ لم تسالمه فإني مـحـاربـه

إذا قارف الحجاج منك خـطـيئة

 

فقامت عليه في الصباح نوادبـه

إذا أنا لم أدْنِ الشفيق لنـصـحـه

 

وأقْصِي الذي تسري إليَّ عقاربه

فمن ذا الذي يرجو نوالي ويتقـي

 

مُصَاولتي، والدهر جَمٌّ نَـوَائِبـه؟

فقف بي على حد الرضا لا أجوزه

 

مدى الدهر حتى يرجع الدر حالبه

وإلاَ فَدَعنِي والأمـور فـإنـنـي

 

شفيق رفيق أحكمتني تجـاربـه

وهي أبيات من جيد ما اخترناه من شعر الحجاج.

فلما انتهى كتابه إلى عبد الملك قال: خاف أبو محمد صَوْلتي، ولن أعود لشيء يكرهه.

الحجاج يلتمس محدثاً مؤنساً

وحدث حماد الراوية أن الحجاج سهر ليلة بالكوفة، فقال لحرسي: ائتني بمحدِّثٍ من المسجد، فاعترض رجلاً جسيماً عظيماً، فقال له: أجب الأمير، فانطلق به حتى أدخله إليه، فلم يسلم ولا نطق حتى قال له الحجاج: إيه ما عندك. فلم يتكلم، فقال للحرسي، أخرجه اللّه نفسك، أمرتك أن تأتيني بمحدث فأتيتني بمرعوب قد ذهب فؤاده، فخرج الحجاج ومعه صرة دراهم إلى المسجد، فجعل يناول الناس فيأخذونها، حتى انتهى إلى شيخ، فأعطاه فَنَبَذَها، فأعادها الحجاج فردَّها، ففعل ذلك الحجاج ثلاثَاَ، فدنا منه الحجاج وقال: أنا الحجاج فأخذها، ودخل القصر، وقال للحرمي: ألحقني به، فدخل فسلم بلسان ذلق وقلب شديد، فقال له الحجاج: ممن الرجل؟ فقال: من بني شيبان، قال: ما اسمك. قال سميرة بن الجعد، قال: يا سميرة، هل قرأت القرآن؟ قال: جمعته في صدري فإن عملت به فقد حفظته وإن لم أعمل به ضيعته، قال: فهل يفرض؟ قال: إني لأفرض الصُّلْب وأعرف الاختلاف في الجد، قال: فهل تبصر الفقه؟ قال: إني لأبصر ما أقوم به أهلي وأرشد ذا العمى من قومي، قال: فهل تعرف النجوم؟ قال: إني لأعرف منازل القمر، وما أهتدي به في السفر، قال: فهل تروي الشعر؟ قال: إني لأروي المثل والشاهد، قال: المثل قد عرفناه فما الشاهد. قال: اليوم يكون للعرب من أيامها عليه شاهد من الشعر، فإني أروي ذلك الشاهد، فاتخذه الحجاج سميراً، فلم يك يطلب شيئاً من الحديث إلا وجد عنده منه علماً، وكان يرى رأي الخوارج وكان من أصحاب قَطَريَ بن الفُجَاءة التميمي، والفجاءة أمةً، وكانت من بني شيبان، وإنما هو رجل من تميم، وكان قَطَرِي يومئذ يحارب المهلب، فبلغ قطريا مكان سميرة من الحجاج، فكتب إليه بأبيات منها:

لشتَّان ما بين ابن جعد وبـينـنـا

 

إذا نحن رُحْنَا في الحديد المظاهر

نجاهد فُرْسَانَ المهلّـب كـلـنـا

 

صَبُورٌ على وقع السيوف البَواتر

وراح يجر الخَزَّ عـنـد أمـيره

 

أميرٌ بتقـوى ربـه غـيرُآمـر

أبا الجعد، أين العلم والحلم والنهى

 

وميراث آباء كرام العنـاصِـرِ؟

ألم تر أن الموت لا شـك نـازل

 

ولا بدمن بعث الألى في المقابر؟

حفاةً عراةً والثـواب لـربـهـم

 

فمن بين ذي ربح وآخر خاسـر

فإن الذي قد نِلْتَ يَفْنَـى، وإنـمـا

 

حياتك في الدنيا كوقـعة طـائر

فَرَاجِع أبا جعد ولاتك مُفْـضِـياً

 

على ظلمة أعشَتْ جميع النواظر

وتُبْ توْبةً تهدي إلـيك شـهـادة

 

فإنك ذوذنب ولسـت بـكـافـر

وسِرْ نحونا تَلْقَ الجهاد غـنـيمة

 

تُفدْكَ ابتياعاً رابحاً غير خـاسـر

هي الغاية القُصوى الرغيب ثوابها

 

إذا نال في الدنيا الغِنَى كل تاجر

فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه وأخذ سلاحه، ولحق بقَطَرِي، وطلبهُ الحجاج فلم يقدر عليه، ولم يشعر الحجاج إلا وكتاب قد بدر منه شعر قطري الذي كان كتب به إليه وفي أسفل الكتاب إلى الحجاج أبيات، منها:

فمن مُبْلغ الحجـاج أن سـمـيرة

 

قلا كلً دين غير دين الخـوارج

رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه

 

ملاعين تَراكين قَصْدَ المخـارج

فأقْبَلْتُ نحو الله بالـلَّـه واثـقـاً

 

وما كُرْبِتِي غير الإِله بـفـارج

إلى عصبة، أما النهار فـإنـهـم

 

هم الأسد أسد الغيل عند التهـايج

وأما إذا ما الليل جَـنَّ فـإنـهـم

 

قيام كأنواع النساء الـنـواشـج

يُنَادون للتحكيم، تـالـلَّـه إنـهـم

 

رَأوْا حكم عَمروٍ كالرياح الهوائج

وَحُكْم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا

 

بحبلٍ شديدِ المتن ليس بـنـاهـج

فطرح الحجاج هذا الكتاب إلى عنبسة بن سعيد، فقال: هذا ا سميرنا الشيباني، وهو من الخوارج، ولا نعلم به.
ولأبي الجعد سميرة بن الجعد سمير الحجاج هذا أشعار كثيرة، منها قوله من أبيات:

عجبت لحالات البـلاء ولـلـدهـر

 

وللْحَيْن يأتي المرء من حَيْث لايدري

وللناس يأتون الضـلالة بـعـدمـا

 

أتاهم من الرحمن نور من الـبـدر

وللَهِ لايخفى عـلـيه صـنـيعـنـا

 

حفيظ علينا في المُقَام وفي السفـر

علا فوق عَرْشٍ فوق سَبْع، ودونـه

 

سماء يرى الأرواح من دونها تجري

       

وقد قيل: إن هذا الشعر لغيره من الخوارج.

بعض ما اتفق عليه الخوارج وما اختلفوا فيه

ولأصناف من الخوارج أخبار حِسَان من الأزارقة والأباضية وغيرها، وقد أتينا على ذكرها في كتابيْنَا أخبار الزمان والأوسط، وذكرنا ما اتفقت عليه الخوارج واجتمعت عليه من الأصول: من إكفارهم عثمان وعلياً، والخروج على الإمام الجائر، وتكفير مرتكب الكبائر، والبراءة من الحكمين أبي موسى عبد اللّه بن قيس الأشعري وعمرو بن العاص السهميَ، وحكمهما، والبراءة ممن صًوّبَ حكمهما أو رضي به، وإكفار معاوية وناصريهِ ومقلديه ومحبيه، فهذا ما اتفقت عليه الخوارج من الشرَاة والْحَرُورِيَّة، ثم اختلفوا بعد ذلك في مواضع من العبارة عن التوحيد، والوعد والوعيد، والإمامة، وغير ذلك من آرائهم، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في باب ذكر الحكمين أن أول من حَكَّم بصفين عُرْوَة بن أدَية التميمي وقيل: إن أول من حَكِّم بصفين يزيد بن عاصم المحاربي وقيل: إن أول من حَكَّم رجل من بني سعد بن زيد مَنَاة بن تميم، وكان أول من شرى بصفين من المحكمة رجل من بني يشكر، وكان من وجوه ربيعة ممن كان مع علي، فإنه في ذلك اليوم قال: لا حكم إلا للّه، ولا طاعة لمن عَصَى اللّه، وخرج عن الصف، فحمل على أصحاب علي فقَتَلَ منهم رجلاً، ثم حمل على أصحاب معاوية فتحاموه ولم يقدر على قتل أَحد منهم، وكًرعلى أصحاب علي فقتله رجل من هَمْدَان.

ذكر بعض أخبار الخوارج

وقد أتى الهيثم بن عدي وأبو الحسن المدائني وأبو البختري القاضي وغيرهم على أخبار الخوارج وأصنافهم فيما أفردوه من كتبهم، وذكر أصحاب المقالات في الآراء والديانات ما تنازعوا فيه من مذاهبهم عند تباينهم في فروعهم، وما اجتمعوا عليه من أصولهم، وقد أتينا على أكثر ما تنازعوا فيه من مذاهبهم في كتابنا في المقالات في أصول الديانات وذكر من خرج منهم من وقت التحكيم في عصر عصر إلى آخر من خرج منهم بديار ربيعة على بني حَمْدَان، وذلك في سنة ثمان عشرة وثلثمائة، وهو المعروف بعرون، وخرج ببلاد كفرتوثي، وورد إلى نصيبين، فكانت له مع أهلها حرب أسر فيها وقتل منهم خلق عظيم، والمعروف بأبي شعيب خرج في بني مالك وغيرهم من ربيعة، وقد كان أدخل على المقتدر باللّه وقد كان بعد العشرين والثلثمائة للأباضية ببلاد عمان مما يلي بلاد بروى وغيرها حروب وتحكيم وخروج وإمام نصبوه فقتل وقتل من كان معه.

الحجاج وشبيب الخارجي

وفي سنة سبع وسبعين كانت للحجاج حروب مع شبيب الخارجي وولّى عنه الحجاج بعد قتل ذريع كان في أصحابه حتى أحصى عددهم بالقضيب، فدخل الكوفة وتحصن في دار الإمارة ودخل شبيب وأمه وزوجته غَزَالة الكوفَةَ عند الصباح، وقد كانت غزالة نذرت أن تدخل مسجد الكوفة فتصلي فيه ركعتين تقرأ فيهما سورة البقرة وآل عمران، فأتوا الجامع في سبعين رجلاً، فصلوا به الغَدَاةَ، وخرجت غزالة مما كانت أوجبته على نفسها.

فقال الناس بالكوفة في تلك السنة:

وفت الغزالة نَنْرَها

 

يارَبِّ لاتغفرلهـا

وكانت الغزالة من الشجاعة والفروسية بالموضع العظيم، وكذلك أم شبيب، وقد كان عبد الملك حين بلغه خبر هرب الحجاج، وتحصنه في دار الإمارة بالكوفة من شبيب بعث من الشام بعساكر كثيرة عليها سفيان بن الأبرد الكلبي لقتال شبيب، فقدم على الحجاج بالكوفة، فخرجوا إلى شبيب، فحاربوه، فانهزم شبيب وقتلت الغزالة وأمه، ومضى شبيب في فوارس من أصحابه، وأتبعه سفيان في أهل الشام، فلحقه بالأهواز، فولّى شبيب، فلما وصل إلى جسر دجيل نَفَر به فرسه وعليه الحديد الثقيل من درع ومِغْفَر، فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه: أغَرَقاً يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك تقدير العزيز العليم، فألقاه دجيل ميتاً بشطه، فحمل على البريد إلى الحجاج، فأمر الحجاج بشق بطنه واستخراج قلبه، فاستخرج فإذا هو كالحجر إذا ضربت به الأرض نَبَا عنها، فشق فإذا في داخله قلب صغير كالكرة، فشق فأصيب علقة الدم في داخله.

ابن القرية

وفي سنة اثنتين وثمانين قَتَلَ الحجاج ابن القَرِّيّة لخروجه مع ابن الأشعث وإنشائه الكتُبَ له، ووضعه الصدور والخطب، وكان ابن القِّرَّية من البلاغة والعلم والفصاحة بالموضع الموصوف، وقد أتينا على خبر مقتله، وما كان من كلامه مع الحجاج، وقد كان قتله صبراً، في الكتاب الأوسط، وأن قتله إياه كان بالسيف، وقيل: بل قدم إليه فضربه الحجاج بحربة في نحره فأتى عليه.

وابن القَرِّئة القائل: الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر فأما العاقل فإن الدين شريعته، والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته، إن نطق أصاب، وإن كلم أجاب، وإن سمع العلم وَعَى، وإن سمع الفقه روى، وأما الأحمق فإن تكلم عجل، وإن حُدِّث ذهل، وإن حمل على القبيح حمل، وأما الفاجر فإن استأمنته خانك، وإن صاحبته شانك، وإن استكتم لم يكتم، وإن علم لم يعلم، وإن حدَث لم يصدق، وإن فقه لم يفقه.

ليلى الأخيلية والحجاج

وذكر المدائني أن الحجاج لم يكن يظهر لندمائه منه بشاشة ولاسماحة في الخلق إلا في يوم دخلت عليه ليلى الأخيلية، فقال لها: لقد بلغني أنك مررت بقبر توبة بن الحمير وعدلت عنه، فواللهّ ما وفيت له ولو كان هو بمكانك وأنت بمكانه ما عَدَلَ عنك، قالت: أصلح اللّه الأمير!! لي عذر، قال: وما هو؟ قالت: إني سمعته وهو يقول:

ولو أن ليلى الأخيلية سـلّـمـت

 

عليَ وقوقي جنـدل وصـفـائح

لسلّمت تسليم البـشـاشة أوزقـا

 

إليها صدى من جانب القبر صافح

وكان معي نسوة قد سمعن قوله، فكرهت أن أكَذّبه، فاستحسن الحجاج قولها وقضى حوائجها، وانبسط في محادثتها، فلم تُرَ منه بشاشة وأريحية داخلته مثل ذلك اليوم.

وذكر حماد الراوية غير هذا الوجه، وهو أن زوج ليلى حلف عليها وقد اجتازوا بقبر تَوْبَة ليلاً أن تنزل وتأتي قبره وتسلم عليه وتكذبه حيث يقول، وذكر البيتين المتقدمين قال: وأبَتْ أن تفعل، فأقسم عليها زوجُهَا، فنزلت حتى جاءت إلى القبر ودموعها على صدرها كغر السحاب فقالت: السلام عليك يا تَوْبَة، فلم تستتم النداء حتى انفرج القبر عن طائر كالحمامة البيضاء، فضربت صدرها فوقعت ميتة، فأخذوا في جهازها وكفنها، ودفنت إلى جانب قبره.

يعض عادات العرب

وللعرب فيما ذكرنا كلام كثير على حسب ما قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في آرائهم ومذاهبهم في الهام والصدَمَى والصَّفَر وقد كانت العرب تعقل إلى جانب قبر الميت إذا دفن ناقَةً، وتجعل عليه برذعة أو حَشية يسمونها البلية، وقد ضربوا بذلك أمثالهم، وذكره خطباؤهم في خطبهم، فقالوا: البلايا على الوَلاَيَا، وقد كان بعضهم يتطير بالسانح، ويتيامن بالبارح، وبعضهم يضاد هذا، فيتطيّر بالبارح، ويتيامن بالسانح فأهل نجد يتيامنون بالسانح، وأهل التهائم بالضد من ذلك، على حسب ما قدمنا من قول عُبَيْد الراعي فيما سلف من هذا الكتاب.

خطبة لعلي بن أبي طالب يعاتب أصحابه

حدثنا المنقري، قال: حدثنا عبد العزيز بن الخطاب الكوفي، قال: حدثنا فضيل بن مرزوق، قال: لما غلب بُسْر بن أرطاة على اليمن، وكان من قبله لابني عبيد اللّه بن عباس وكان لأهل مكة والمدينة واليمن ما كان، قام علي بن أبي طالب رضي اللهّ عنه خطيباً فحمد اللهّ وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن بسر بن أرطاة قد غلب على اليمن، واللّه ما أرى هؤلاء القوم إلا سيغلبون على ما في أيديكم، وما ذلك يحق في أيديهم، ولكن بطاعتهم واستقامتهم لصاحبهم، ومعصيتكم لي، وتناصرهم وتخاذلكم، وإصلاح بلادهم وإفساد بلادكم، وتالله يا أهل الكوفة لوعدت إني صرفتكم صَرْفَ الدنانير العشرة بواحد، ثم رفع يديه، فقال: اللهم إني قد مللتهم ومَلُّوني، وسئمتهم وسئموني، فأبْدِلْنِي بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً مني اللهم عجل عليهم بالغلام الثَّقَفي الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها ويحكم فيها بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنها، ولا يتّجاوز عن مسيئها، قال: وما كان الحجاج ولد يومئذ.

الحجاج يسأل عن النعمة

حدثنا الجوهري، عن سليمان بن أبي شيخ الواسطي، عن محمد بن يزيد عن سفيان بن حسين، قال: سأل الحجاج الجوهريَّ: ما النعمة؟ قال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا ينتفع بعيش، قال: زدني، قال: الصحة، فإني رأيت السقيم لا ينتفع بعيش، قال: زدني قال: الشباب، فإني رأيت الشيخ لا ينتفع بعيش، قال: زدني قال: الغِنَى، فإني رأيت الفقير لا ينتفع بعيش، قال: زدني، قال: لا أجد مزيداً.

خطبة للحجاج وقد أرجف الناس بموته

حدثنا الجوهري، عن مسلم بن إبراهيم أبي عمرو الفراهيدي، عن الصلت بن دينار، قال: مرض الحجاج فأرجف به أهل الكوفة، فلما تماثل من عِلّته صعد المنبر وهو يتثنى على أعواده فقال: إن أهل الشقاق والنفاق نفخ الشيطان في مناخرهم فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فَمَه؟ واللهّ ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، وما رضي اللّه الخلود لأحد من خلقه في الدنيا إلا لأهونهم عليه وهو إبليس، واللّه لقد قال العبد الصالح سليمان بن داود: ربِّ اغفر وهَبْ لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، فكان ذلك، ثم اضمحلّ فكأنْ لم يكن، يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كإني بكل حي ميتاً، وبكل رطب يابساً، وقد نقل كل امرىء بثياب ظهره إلى حفرته، فخدَّله في الأرض ثلاث أفرع طولاً في ذراعين عرضاً، فأكلت الأرض لحمه، ومَضَت من صديده ودمه، وانقلب الحبيبان يقتسم أحدهما صاحبه: حبيبه من ولده يقتسم حبيبه من ماله، أما الذين يعلمون فسيعلمون ما أقول والسلام.

خطبة للحجاج يهدد ويتوعد

حدثنا المنقري، عن مسلم بن إبراهيم أبي عمرو الفراهيدي عن الصلت بن دينار، قال: سمعت الحجاج يقول: قال اللّه تعالى: "فاتقوا اللّه ما استطعتم" فهذه للّه، وفيها مَثْوِية، وقال: "واسمعوا وأطيعوا" وهذه لعبد اللّه وخليفة اللّه ونجيب اللّه عبد الملك، أما واللّه لو أمر الناس أن يدخلوا في هذا الشعب فدخلوا في غيره لكانت دماؤهم لي حلالاً، عذيري من أهل هذه الحمراء، يُلْقِي أحدهم الحجر إلى الأرض ويقول: إلى أن يبلغها يكون فرج اللّه، لأجعلنهم كالرسم الداثر وكالأمس الغابر، عذيري من عبد هُذَيل يقرأ القرآن كأنه رَجَزُ الأعراب، أما واللّه لو أدركته لضربت عنقه، يعني عبد اللّه بن مسعود، عذيرى من سليمان بن داود، يقول لربه رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، كان واللّه فيما علمت عبداً حسوداً بخيلاً

الحجاج وعبد اللّه بن هانىء

وحدثنا المنقري، عن عبيد بن أبي السري، عن محمد بن هشام بن السائب عن أبيه عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قال الحجاج يوماً لعبد الله بن هانىء وهو رجل من أود حي من اليمن، وكان شريفاً في قومه، "قد شهد مع الحجاج مشاهِدهُ كلها، وشهد معه تحريق البيت، وكان من أنصاره وشيعته: واللهّ ما كافأناك بعد، ثم أرسل إلى أسماء بن خارجة وكان من فَزَارة أن زوج عبد اللّه بن هانىء ابنتك، فقال: لا واللّه ولا كرامة، فدعا له بالسياط، فقال: أنا أزوجه، فزوجه، ثم بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمانية أن زَوِّج عبد اللّه بن هانىء ابنتك، قال: ومن أود؟ واللّه لا أزوجه ولا كرامة، قال: هاتوا السيف، قال: دعني حتى أشاور أهلي، فشاورهم، فقالوا: زوجه لا يقتلك هذا الفاسق، فزوجه، فقال له الحجاج: يا عبد اللّه، قد زوجتك بنت سيد بني فزارة وابنة سيد همدان وعظيم كهلان، وما أود هنالك، فقال: لا تَقل أصلح اللّه الأمير ذلك، فإن لنا مناقب ما هي لأحد من العرب، قال: وما هي هذه المناقب؟ قال: ما سب أمير المؤمنين عثمان في نادٍ لنا قط، قال: هذه واللّه منقبة، قال وشهد منا صِفّين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلاً، وما شهدها مع أبي تراب منا إلا رجل واحد، وكان واللّه ما علمته امرأ سوء قال: وهذه واللّه منقبة، قال: وما منا أحد تزوج امرآة تحب أبا تراب ولا تتولاه، قال: وهذه واللّه منقبة، قال: وما منا امرأة إلا نذرت إن قتل الحسين أن تنحر عشر جزائر لها ففعلت، قال: وهذه واللّه منقبة، قال: وما منا رجل عرض عليه شَتْم أبي تراب ولَعْنه إلا فعل، وقال وأزيدكم ابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة، قال: وهذه واللّه منقبة، قال: وما أحد من العرب له من الملاحة والصباحة مالنا، وضحك، وكان دميماً شديد الأدمة مجدراً في رأسه أعجر مائل الشدْقِ أحْوَل قبيح الوجه وحش المنظر.

الحجاج والشعبي

حدثنا المنقري، عن جعفر بن عمرو الحرضي، عن مجدي بن رجاء قال: سمعت عمران بن مسلمِ بن أبي بكر الهذلي يقول: سمعت الشعبي يقول: أتى بي الحجاج مُوثَقاَ، فلما دخلت عليه استقبلني يزيد بن مسلم فقال: إنا للّه يا شعبي على ما بين دفتيك من العلم، وليس بيوم شفاعة، بُؤْ للأمير بالشرك وبالنفاق على نفسك فبالْحَرَي أن تنجو منه فلما دخلت عليه استقبلني محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد، فلما مثلت بين يدي الحجاج قال: وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر؟ قلت: نعم، أصلح اللّه الأمير، أحْزَنَ بنا المبرك، وأجدب بنا الجناب وضاق المسلك، واكتحلنا السهاد، واستحلسنا الخوف، ووقعنا في فتنة لم نكن فيها بَرَرَة أتقياء ولا فَجَرة أقوياء، قال: صدق، والله ما بروا بخروجهم علينا، ولا قووا إذ فجروا، أطلقوا عنه، قال الشعبيُّ: ثم احتاج إلى فريضة، فقال: ما تقول في أخت وأم وجد؟ قلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: عبد اللّه، وزيد، وعلي وعثمان، وابن عباس، قال: فماذا قال فيها ابن عباس فقد كان متقياً؟ قلت: جعل الجد أباً، وأعطى الأم الثلث، ولم يعط الأخت شيئاً، قال: فماذا قال فيها عبد اللّه؟ قلت: جعلها من ستة، فأعطى الأخت النصف، وأعطى الأم السدس، وأعطى الجد الثلث، قال: فما قال فيها زيد؟ قلت: جعلها من تسعة، فأعطى الأم ثلاثة، وأعطى الأخت سهمين، وأعطى الجد أربعة قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ قلت: جعلها أثلاثاً، قال: فما قال فيها أبو تراب؟ قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت النصف، وأعطى الأم الثلث، وأعطى الجد السدس، قال: فضرب بيده على أنفه، وقال: إنه المرء لا يرغب عن قوله ثم قال للقاضي: أمِرَّها على مذهب أمير المؤمنين عثمان.

الحجاج يريد الحج

حدثنا المنقري، عن أبي عبد الرحمن العتبي عن أبيه قال: أراد الحجاج الحجِ فخطب الناس وقال: يا أهل العراق، إني قد استعملت عليكم محمداَ، وبه الرغبة عنكم، أما إنكم لا تستأهلونه، وقد أوصيته فيكم بخلاف وصية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالأنصار، فإنه أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أوصيته أن لا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، أما إني إذا ولَّيْتُ عنكم أعلم أنكم تقولون: لا أحسن اللّه له في الصحابة، وما منعكم من تعجيله إلا الفراق، وأنا أعجل لكم الجواب، لا أحْسَنَ اللّه عليكم الخلافة، ثم نزل.

عبيد بن أبي المخارق يتولى عملاً ويطلب المشورة

حدثنا العتبي، عن عبد الغني بن محمد بن جعفر، عن الهيثم بن عدي، عن أبي عبد الرحمن الكناني، عن ابن عباس الهمداني، عن عبيد بن أبي المخارق، قال: استعملني الحجاج على الفلوجة فقلت: أههنا دِهْقَان يستعان برأيه؟ فقالوا: جميل بن صهيب، فأرسلت إليه، فجاءني شيخ كبير قد سقطت حاجباه على عينيه، فقال: أزعجتني وأنا شيخ كبير، فقلت: أردت يُمْنَك، وبركتك، ومشورتك فأمر بحاجبيه فرفعا بخرقة حرير، وقال: ما حاجتك. قلت: استعملني الحجاج على الفلوجة وهو ممن لا يؤمن شره، فأشِرْ عَلَيَ، قال: أيما أحب إليك: رضا الحجاج، أو رضا بيت المال، أو رضا نفسك؟ قلت أحب أن أرضي كل هؤلاء وأخاف الحجاج فإنه جبار عنيد، قال: فاحفظ عني أربع خلال، افتح بابك، ولا يكن لك حاجب، فيأتيك الرجل وهو ثقة من لقائك، وهو أجدر أن يخافك عمَالك، وأطل الجلوس لأهل عملك، فإنه قلما أطال عامل الجلوس إلا هِيبَ مكانه، ولا يختلف حكمك بين الناس، وليكن حكمك على الشريف والوضيع سواء، ولا يطمع فيك أحد من أهل عملك، ولا تقبل من أهل عملك هدية، فإن مهديها لا يرضى من ثوابها إلا بأضعافها، مع ما في ذلك من المقالة القبيحة، ثم اسلخ ما بين أقفيتهم إلى عجوب أذنابهم، فيرضوا عنك، ولا يكون للحجاج عليك سبيل.

حدث المنقري، عن يوسف بن موسى القطان، عن جرير، عن المغيرة، عن الربيع بن خالد، قال.: سمعت الحجاج يخطب على المنبر وهو يقول: أخليفة أحدكم في أهله أكْرَمُ عليه أم رسوله في حاجته؟ فقلت: للّه على أن لا أصلي خلفك صلاة أبداً، ولئن رأيت قوماً يجاهدونك لأقاتلنك معهم، فقاتل في دير الجماجم حتى قتل.

الغضبان بن القبعثري

حدث المنقري، عن العتبي، عن أبيه، أن الحجاج وجهَ الغضبان بن القَبَعْثَرَي إلى بلاد كرمان ليأتيه بخبر ابن الأشعث عند خَلْعه، فَفَضَلَ من عنده، فلما صار ببلاد كرمان ضرب خباءه ونزل، فإذا هو بأعرابي قد أقبل عليه فقال: السلام عليك، فقال الغضبان: كلمة مَقُولَة، فقال له الأعرابي: من أين جئت؟ قال: من ورائي، قال: وأين تريد؟ قال: أمامي، قال: وعلامَ جئت؟ قال: على فرسي، قال: وفيم جئت؟ قال: في ثيابي، قال: أتأذن لي أن أدنوا إليك قال: وراءك أوْسَعً لك، قال: والله ما أريد طعامك ولا شرابك، قال: لا تُعَرض بهما فواللّه لا تفوقهما، قال: أو ليس عندك إلا ما أرى؟ قال: بل هراوة من أرزن أضرب بها رأسك، قال: إن الرمضاء قد أحرقت قَدَمي، بُلْ عليهما يبردان، قال: فكيف ترى فرسي هذا؟ قال: أراه خيراً من آخر شر منه وأرى آخر أفْرَه، قال: قد علمت هذا؟ قال: لو علمته ما سألتني عنه، فتركه الأعرابي، وولّى، ثم دخل على عبد الرحمن بن الأشعث فقال: ما وراءك يا غضبان؟ قال: الشر، تَغَذَ بالحجاج قبل أن يتعشى بك، ثم صعد المنبر فخطب بمعايب الحجاج والبراءة منه، ودخل مع ابن الأشعث في أمره، فلم يلبث إلا قليلاً ثم أسِرَ ابن الأشعث، فأخذ الغضبان فيمن أسِرَ، فلما أدخل على الحجاج قال: يا غضبان، كيف رأيت بلاد كرمان؟ قال: أصلح اللّه الأمير، بلاد ماؤها وَشَل، وثمرها دقل، ولصها بطل، والخيل بها ضعاف، وإن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا، قال: ألست صاحب الكلمة الخبيثة تَغَذَ بالحجاج قبل أن يتعشّى بك قال: أصلح اللّه الأمير! ما نفعت من قِيلَتْ له، ولا ضرت من قيلت فيه، قال: لأقطعًنّ يديك ورجليك من خلاف ثم لأصلبنك، قال: لا أرى الأمير أصلحه اللّه يفعل ذلك، فأمر به فَقُيِّدَ وألقي في السجن، فأقام به حتى بنى الحجاج خضراء واسط، فلما استتم بناءها جلس في صحنها، وقال: كيف ترون قبتي هذه؟ قالوا: ما بني لخلق قبلك مثلها، قال: فإن فيها مع ذلك عيباً قهل فيكم مخبري به؟ قال: واللّه لا نَرَى بها عيباً، فأمر بإحضار الغضبان، فأتى به يَرْسُف في قيوده، فلما دخل عليه قال له الحجاج: أراك يا غضبان سمينَاَ، قال: أيها الأمير القيد والرتعة، ومن يكن ضَيْفَ الأمير يسمن، قال: فكيف ترى قبتي هذه؟ قال: أرى قبة ما بني لأحد مثلها إلا أنَّ بها عيباً، فإن أمنني الأمير أخبرته به، قال: قُلْ أمناً قال: بنيت في غير بلدك لغير ولدك لاتتمتع به ولاتنعم، فما لما لايتمتع فيه من طيب ولا لذة، قال: ردُّوه فإنه صاحب الكلمة الخبيثة، قال: أصلح الله الأمير! إن الحديدِ قد أكل لحمي وبَرَى عظمي، فقال: احملوه، فلما استقَلّ به الرجال قال: "سُبْحَانَ الذِي سَخّر لنا هذا وما كُنَّا له مُقْرِنِين" قال: أنْزِلوه، فلما استوى على الأرض قال: "اللهم أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين" قال: جُرُّوه، فلما جَروه قال: "بسم اللّه مجريها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم" قال: أطلقوا عنه.

حدث المنقري، عن عبد اللّه بن محمد بن حفص التميمي، عن الحسين بن عيسى الحنفي، قال: لما هلك بشر بن مروان وولي الحجاج العراق بلغ ذلك أهل العراق، فقام الغضبان بن القَبَعْثَرَي الشيباني بالمسجد الجامع بالكوفة خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الكوفة، إن عبد الملك قد ولّى عليكم مَنْ لا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم، الظلوم الغشوم، الحجاج، ألا وإن لكم من عبد الملك منزلة بما كان منكم من خذلان مُصْعب وقتله، فاعترضوا هذا الخبيث في الطريق قاقتلوه، فإن ذلك لا يعدُّ منكم خلعاً، فإنه متى يعلوكم على متن منبركم وصدر سريركم وقاعة قصركم، ثم قتلتموه عُذ خَلْعاً، فأطيعوني وتغدوا به قبل أن يتعشى بكمِ، فقال له أهل الكوفة: جبنت يا غضبان، بل ننتظر سيرته، فإن رأينا منكَراً غيرناه، قال: ستعلمون. فلما قدم الحجاج الكوفة بلغته مقالته، فأمر به فحبس، فأقام في حبسه ثلاث سنين، حتى ورد على الحجاج كتاب من عبد الملك يأمره أن يبعث إليه بثلاثين جارية: عشراً من النجائب، وعشراً من قعد النكاح، وعشراً من ذوات الأحلام؟ فلما نظر إلى الكتاب لم يدرِ ما وصفه له من الجواري، فعرضه على أصحابه فلم يعرفوه، فقال له بعضهم: أصلح الله الأمير! ينبغي أن يعرف هذا مَنْ كان في أوليته بدوياً فله معرفة أهل البدو، ثم غزا فله معرفة أهل الغزو، ثم شرب الشراب فله بَذَاء أهل الشراب، قال: وأين هذا؟ قيل: في حبسك، قال: ومن هو؟ قيل: الغضبان الشيباني، فأحضر، فلما مثل بين يديه قال: أنت القائل لأهل الكوفة يتغدون بي قبل أن أتعشى بهم، قال: أصلح اللّه الأمير! ما نفعت من قالها، ولا ضرت من قيلت فيه، قال: إن أمير المؤمنين كتب إليَ كتابَاَ لم أدر مافيه، فهل عندك شيء منه؟ قال: يقرأعليَّ، فقرىء عليه، فقال: هذا بَيِّن، قال، وما هو؟ قال، أما النجيبة من النساء فالتي عظمت هامتها، وطال عنقها، وبعد ما بين منكبيها وثدييها، واتسعت راحتها، وثخنت ركبتها، فهذه إذا جاءت بالولد جاءت به كالليث العادي وأما قعد النكاح فهنَ ذوات الأعجاز، منكسرات الثدِي كثيرات اللحم، يقرب بعضهنَ من بعض، فأولئك يشفين القَرِم ويروين الظمآن، وأما ذوالت الأحلام فبنات خمس وثلاثين إلى الأربعين، فتلك التي تبسه كما يبس الحالب الناقة فتستخرجه من كل شعر وظفر وعرق؟ قال الحجاج: أخبرني بشر النساء، قال: أصلح اللّه الأمير! شرهن الصغيرة الرقبة، الحديدة الركبة، السريعة الوَثْبة، الواسطة في نساء الحي، التي إذا غضبت غضب لها مائة، وإذا سمعت كلمة قالت: لا والله لا انتهي حتى أقرها قَرَارَهَا، التي في بطنها جارية، وتتبعها جارية، وفي حجرها جارية، قال الحجاج: على هذه لعنة الله ثم قال: ويحك! فأخبرني بخير النساء، قال: خيرهن القريبة القامة من السماء، الكثيرة الأخذ من الأرض، الودود الولود، التي في بطنها غلام، وفي حجرها غلام، ويتبعها غلام، قال: ويحك! فأخبرني بشر الرجال، قال: شرهم السبوط الربوط، المحمود في حرم الحي، الذي إذا سقط لإِحداهن دلو في بئر انحطّ عليه حتى يخرجه فهن يجزينه الخير أو يقلن: عافى اللّه فلاناً، قال: على هذا لعنة اللّه فأخبرني بخير الرجال، قال: خيرهم الذي يقول فيه الشماخ التغلبي:

فتِى ليس بالرًاضِي بأدنى معـيشة

 

ولا في بيوت الحي بالمـتـوَلِّـج

فتَى يملأ الشَيزَى ويروي سنانَـه

 

ويضرب في رأس الكمي المدَجَّج

فقال له: حسبك، كما حسبنا عطاءك؟ قال: ثلاث سنين، فأمر له بها وخَلّى سبيله.

وصف البصرة والكوفة

حدث المنقري، عن محمد بن أبي السري، عن هشام بن محمد بن السائب عن أبي عبد اللّه النخعي، قال: لما فرغ الحجاج من دير الجماجم وفد على عبد الملك ومعه أشراف أهل المصريْنِ فأدخلهم عليه، فبينما هم عنده يوماً إذ تذاكروا البلدان، فقال محمد بن عمير بن عطارد: أصلح اللّه الأمير! إن الكوفة أرض ارتفعت عن البصرة وحرها وعمقها، وسفلت عن الشام ووبائها وبردها، وجاورها الفرات فعذب ماؤها وطاب ثمرها وقال خالد بن صفوان الأهتمي: أصلح اللّه الأمير! نحن أوسعِ منهم برية، وأسرع منهم في السرية، وأكثر منهم قنداً وعاجاً وساجا، ماؤنا صفو وخيرنا عفو لا يخرج من عندنا إلا قائد وسائق وناعق، فقال الحجاج: أصلح اللّه أمير المؤمنين! إني بالبلديْنِ خبير، وقد وطئتهما جميعاً، فقال له: قل فأنت عندنا مصدق، قال: أما البصرة فعجوز شمطاء ذفراء بخراء أوتيت من كل حلى وزينة، وأما الكوفة فشابة حسناء جميلة، لا حلى لها ولا زينة؟ فقال عبد الملك: فضلت الكوفة على البصرة.

الحجاج يصف الدنيا

حدث المنقري عن عمرو بن الحباب الباهلي، عن إسماعيل بن خالد، قال: سمعت الشعبي يقول: سمعت الحجاج يتكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، سمعته يقول: أما بعد فإن اللّه عز وجلّ كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء فلا يغرنكم شاهد الدنيا من غائب الآخرة، فطول الأمل يقصر الأجل.

رسول المهلب إلى الحجاج

حدث المنقري عن سهل بن تمام بن بزيع عن عباد بن حبيب بن المهلب عن أبيه قال: لما قتل المهلّبُ عبد ربه الصغير بكرمان قال: ائتوني برجل له بيان وعقل ومعرفة أوجهه إلى الحجاج برؤوس من قتلنا فدلوه على بشربن مالك الجرشي، فلما دخل على الحجاج قال: ما اسمك؟ قال: بشر بن مالك الجرشي، قال: كيف تركت المهلب؟ قال: تركته صالحاً نال مار رجا وأمن ما خاف، قال: فكيف فاتكم قَطَري؟ قال: كادنا من حيث كدناه، قال: أفلا طلبتموه؟ قال: كان فلا، وكان الجد أهم علينا من الفل، قال: أصبتم، فكيف كان بنو المهلب؟ قال: كانوا أعداء البَيَات حتى يأمنوا، وأصحاب السرُج حتى يردوا، قال: أجل، فأيهم أفضل؟ قال: ذاك إلى أبيهم أيهم شاء أن يستكفيه أمراً كفاه، قال: إني أرى لك عقلاً فقل، هم كالحلقة المستوية لا يدرى أين طرفها، قال: أين هم من أبيهم؟ قال: فَضْلُه عليهم كفضلهم على سائر الناس، قال: كيف كان الجند؟ قال: أرضاهم الحق، وأشبعهم الفضل وكانوا مع وال يقاتل بهم مقاتلة الصعلوك ويسوسهم سياسة الملوك، فله منهم بر الأولاد، ولهم منه شفقة الوالد، قال: هل كنت هَيَّأْت ما أرى؟ قال: لا يعلم الغيب إلا اللّه، قال: فالتفت الحجاج إلى عنبسة فقال: هذا الكلام المطبوع لا الكرم المصنوع.

الحجاج وجرير بن الخطفي

وأخذ الحجاج جرير بن الخَطَفَي، فأراد قتله، فمشي إليه قومه من مضر فقالوا: أصلح اللّه الأمير! لسان مضر وشاعرها، هَبْهُ لنا، فوهَبَه وكانت هند بنت أسماء زوج الحجاج ممن طالب به، فقالت للحجاج: أتأْذن لجرير عليَّ يوماً أستنشده من وراء حجاب؟ فقال لها: نعم، فأمرت بمجلس لها فهيء فجلست فيه والحجاج معها، ثم بعثت إلى جرير، فدخل عليها يسمع كلامها ولا يراها، فقالت: يا ابن الخطفي، أنشدني ما شببت به في النساء، فقال لها: ما شببت بامرأة قط، ولا خلق اللّه شيئاً هو أبغض إلي من النساء، قالت: يا عدو اللّه، وأين قولك:

طرقَتْكَ صائدة القلوب وليس ذا

 

وقت الزيارة فارْجِعِي بسلام

تُجْرِي السواك على أغَر َكأنه

 

برد تحدرَمن مُتـون غـمـام

لو كنت صادقة بما حدثـتـنـا

 

لوصلت ذاك فكان غيرلمـام

سرت الهموم فبتن غـير نـيام

 

وأخو الهموم يَرُوم كل مـرام

قال: ما قلت هذا، ولكني أنا الذي أقول:

لقدجرّدَ الحجاج للحـق سـيفـه

 

ألافاستقيموا، لايمـيلَـنَّ مـائل

وما يستوي داعي الضلالة والهدى

 

ولا حجةَّ، الخصمين حق وباطل

قالت: دع عنك هذا، فأين قولك:

خليليَ لا تستغزرا الدمعَ في هنـد

 

أعيذكما باللّه أن تَـجِـدَا وَجْـدي

ظَمئْتُ إلى شرب الشراب وحسنه

 

كذي قربة يرجو هداها وما يجدي

قال لها: ما قلت هذا: ولكني أنا الذي أقول:

ومَنْ يَأْمَنُ الحجاج؟ أما عِقَابه

 

فمرٌّ، وأما عَقْـدُهُ فَـوَثـيق

يُسِرُّلك البغضاء كلُّ مُنَافـق

 

كما كلُّ في بِرٍّ عليك شفيق

قالت: دع عنك هذا، فأين قولك:

يا عَاذِلِيً دَعَا الملام وَأقْـصِـرَا

 

طَالَ الهَوَى وأطلتما التفـنـيدا

إني وَجَـدْتُ، ولَـوْ أرَدْتُ زيادة

 

في الحُبِّ عندي ما وَجَدت مزيداً

فقال: باطل أصلحك اللّه، ولكني أنا الذي أقول:

من سَدّ َمُطَلع النفاق علـيهـم

 

أم من يَصُول كصولة الحجاج؟

أم مَنْ يَغَارعلى النساء حفـيظة

 

إذلا يثقـن بـغـيرة الأزواج؟

هذا ابن يوسف فافهموا وتفهموا

 

بَرِحَ الخفاء وليس حيث يفاجي

فلربَّ ناكث بيعتين تـركـتـه

 

وخضابُ لحـيتـه دَمُ الأوْدَاج

فقال الحجاج: يا عدو اللّه، تحرض عليَّ النساء؟ فقال: لا والذي أكرمك أيها الأمير، ما فطنت لهذا البيت قبل ساعتي هذه، وما علمت بمكانك، فأقلني جعلني اللّه فداك، قال: قد فعلت، فأمرت له هند بجارية وكسوة، وأوفده الحجاج على عبد الملك.

بين الحجاج وأعشى همدان

ولما انهزم ابن الأشعث بدير الجماجم حلف الحجاج أن لا يُؤتَى بأسيرٍ إلا ضرب عنقه، فأتى با"سْرَى كثيرة، وكان أول من أتي به أعشى همدان الشاعر وهو أول من خلع عبد الملك والحجاج بين يدي ابن الأشعث بسجستان، فقال له الحجاج: إيه أنت القائل!

مَنْ مُبْلغ الحجاج إنـي

 

قد جنيت عليه حَرْبَـا

وصفقت في كفِّ امرئ

 

جَلْدٍ إذا ما الأمرعُبَّـى

أنت الرئيس ابن الرئيس

 

وأنت أعلى الناس كعبا

فابعث عطية بالـخـيو

 

ل يكبُّهُنَّ عليه كَـبَّـا

وانهض هُديت لعـلـه

 

يجلوبك الرحمن كَرْبَـا

نُبَـئْتُ أن بُـنــيَّ يُو

 

سفَ خرمن زَلَقٍ فَتَبـا

وهي أبيات، وأنت القائل:

شطـت نـوى مَـنْ دَارُهُ الإِيوان

 

إيوان كِسْرَى ذي القرى وَالرَّيحَانْ

من عاشق أمْسَى بزابـلـسـتـان

 

إن ثقيفاً مـنـهـم الـكَـذَّابَـانْ

كَذَّابُهَا المـاضـي وكَـذّاب ثَـان

 

أمكن ربي من ثقـيف هَـمْـدَانْ

يَوْماً من الليل يسلي مـا كَـان

 

 

وأنت القائل:

وسألتماني المجد أيْنَ محلُّه

 

فالمجد بين محمد وسعيد

بين الأشَجِّ وبين قيس باذخ

 

بخ بخ لوالده وللمولـود

قال: لا، ولكني الذي أقول:

أتى الـلـه إلا أن يتـمـم نَـوره

 

وَيُطْفِىء َنَورالفقعتين فـيخـمـدا

وينزل ذُلأ بـالـعـراق وأهـلـه

 

بما نَقَضوا العهد الوثيق المؤكـدا

وما أحْدَثُوا مـن بـدعة وضَـلاَلَة

 

من القول لم يصعد إلى الله مصعدا

قال: لسنا نحمدك على هذا القول، إنما قلته تأسفاً على أن تكون ظفرت وظهرت، وتحريضاً لأصحابك علينا، وليس عن هذا سألتك أخبرني عن قولك:

أمكن ربي من ثقيف هَمْدَان

 

يَوْماً من الليل يسلي ماكان

فكيف ترى الله أمكن ثفيفاً من هَمْدان، ولم يمكن همدان من ثقيف؟ وعن قولك:

بين الأشَـجِّ وبـين قـيس بــاذخ

 

بخ بخ لوالـده ولـلـمـولُـود

والله لا تبخبخ لأحد بعدها، وأمَرَ به فضربت عُنقه.

ولم يزل يؤتى برجل رجل حتى أتى برجل من ابني عامر، وكان من فرسان دير الجماجم مع ابن الأشعث، فقال له: واللّه لأقتلنك شر قتله قال: والله ما ذلك لك، قال: ولمَ؟ قال: لأن اللّه يقول في كتابه العزيز: "فإذا لقيتم الذين كَفَرُوا فَضَرْبَ الرقَاب، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما مناً بعد وإما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها"، وأنت قد قتلت فأثخنت، وأسرت فأوثقت فإما أن تمن علينا أو تفدينا عشائرنا، فقال له الحجاج: أكَفَرْتَ؟ قال: نعم، وغيرْتُ وبَدَّلْتُ، قال خلوا سبيله.

ثم أتي برجل من ثقيف فقال له الحجاج: أكفرت. قال: نعم، قال له الحجاج: لكن هذا الذي خَلْفك لم يكفر، وخَلْفه رجل من السَّكُون فقال السكُوني: أعن نفسي تخادعني؟ بل والله ولو كان شيء أشد من الكفر لبؤت به، فخلّى سبيلهما.

فهذه جمل من أخبار عبد الملك والحجاج، وقد أتينا على مبسوط هذه الأخبار ممّا لم نورده في هذا الكتاب في كتابينا أخبار الزمان والأوسط التالي له الذي كتابُنَا هذا تاليه، وسنورد فيما يرد من هذا الكتاب من أخبار الحجاج لمعاً، على حسب ما قدمنا من الشرط فيما سَلَفَ من هذا الكتاب، وبالله العون والقوة.