الفصل الأول: الإسلام والغرب - الاختلاف في البنيان الاجتماعي

إنّ هذا التوافق يتمّ ، في الواقع ، وفي غالب الأحيان برغم المبادئ النظريّة ، على صعيد الحياة الاجتماعيّة ، وإن بشكل سطحيّ وخجول . هنا تظهر قوّة النظريّة أو الشريعة ، فهي تفرض على الواقع الذي لا مفرّ منه أن يظهر بهذا المظهر أو ذاك القابل للنقاش من مظاهر الشريعة . وهذا يعني أنّ الشريعة غير الواقع التاريخيّ ، وأنّ الواقع لا يخضع في كلّ الأحوال لأوامر شريعة يُزعَم أنّها لازمنيّة ومتعالية على الأحداث المتغيّرة . هذه المعضلة هي معضلة يواجهها الإسلام لا الغرب الحديث ، فالغرب حلّها بإلغاء أحد معطياتها ، أي الشريعة الإلهيّة التي تحكم المجتمعات الإسلاميّة . فيمكن إذّاك عرض هذه الاختلافات في البنيان الاجتماعيّ في أربعة أقسام : البنية النظريّة للمجتمع الإسلامي ّ، بنى المجتمع الإسلاميّ الواقعيّة الناجمة عن أوضاعه الداخليّة ، بنية المجتمع العلمانيّ الغربيّ الحديث ، البنى الاجتماعيّة الإسلاميّة الجديدة وصلتها ببنية المجتمع العلمانيّ الغربيّ الحديث .

1 ـ المدينة الإسلاميّة .

يمكن استخلاص الخصائص المميّزة للمدينة الإسلاميّة من المؤلَّفات التي تعرض التنظيم العامّ للمجتمع الإسلاميّ ، المستقى من القرآن والمتوافق مع التغيّرات التاريخيّة . في هذا الموضوع يمكن ذكر الأسماء التالية من بين أسماء كثيرة غيرها : غارْديه Gardet 1954 ، صبحي الصالح 1968 ، عفيف طبّارة 1976 ، محمّد المبارك 1984-1972-1989 . ونستخلص منها في ما يلي بعض الخصائص .

المدينة الإسلاميّة هي أمّة أي جماعة . وهذا يجعل الرباط الذي يكوّنها رباطًا أكثر حميميّة وأكثر صلابة من الرباط التنظيميّ . إنّه رباط دينيّ يقوم على الإيمان بالله وبرسوله محمّد : هذه الشهادة هي التي تجعل الإنسان مؤمنًا وتكوّن جماعة المؤمنين . والإيمان بالله يتضمّن الخضوع لشريعة الله ، وهذا هو الإسلام . وفرائض الإسلام الأساسيّة ، أو أركانه ، هي فرديّة وجماعيّة في آن ، وهي ، فضلاً عن الشهادة ، الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحجّ إلى الكعبة ، ويضاف إليها الجهاد في سبيل الله . ويضاف إلى هذه الفرائض قواعد أخلاقيّة من شأنها تحويل الفرد المسلم إلى عضو في الجماعة : ففريضة التعاضد الأخلاقيّة ، والتعبير عنها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هي التي تحدّد الفضائل التي يجب على الأفراد أن يمارسوها ، والرذائل التي يجب أن يتجنّبوها . والجماعة الإسلاميّة ، في تنظيمها مجتمعًا عيليًّا ومجتمعًا اقتصاديًّا ومجتمعًا سياسيًّا له بنيته الداخليّة وعلاقاته الخارجيّة ، تبقى في كلّ هذه الأحوال جماعة مؤمنين . وهذا يعني أنّ مجالات الحياة الجماعيّة تحكمها المبادئ الأخلاقيّة والدينيّة القائلة بأنّ الله هو المشترع الأوحد ، وبأنّ كلّ خير أو مال هو مِلك الله . إن مثل هذه المبادئ تُقصي بحدّ ذاتها أيّ سلطان ذي طابع إنسانيّ ولا يمثّل على نحوٍ ما سلطان الله . وهي بذلك تُرسي القواعد العامّة التي تقوم عليها خصائص المدينة الإسلاميّة : أمّة الشورى ، والمساواة ، والعدل ، والتكافل .

2 ـ نماذج تاريخيّة .

بالإضافة إلى المؤلَّفات المذكورة في الفقرة السابقة ، يمكن الإشارة إلى مؤلَّفَين ، حسن صعب 1974 أ ، وحسن صعب 1974 ب ، يوضحان بشكل خاصّ التطوّر التاريخيّ للحياة السياسيّة الإسلاميّة .

يثبت صعب 1974 أ ، ص 183-199 ، أوّلاً ، أنّ الفكر الإسلاميّ لم يزل منذ ثلاثة عشر قرنًا يتراوح “ بين السياسات الإلهيّة المنسوبة إلى الوحي والشرع وبين السياسات الإنسانيّة المنسوبة إلى العقل والتجربة ”. ثمّ يقوم المؤلِّف بـ “ استقراء تاريخيّ للسياسات الإسلاميّة ” ، ومن معطياتها “ بروز ثنائيّة الفكر السياسيّ منذ نشأته الأولى ، ثمّ تقاسم البحث السياسيّ بين العلوم النقليّة والعقليّة ، ثمّ النزعة المنهجيّة الإنسانيّة في عقلانيّة ابن رشد وطبيعيّات ابن خلدون الاجتماعيّة وتجريبيّة نجم الدين الطوفي الشرعيّة ” .

ويذكر صعب 1974 ب خصائص كلٍّ من نماذج الحكم الإسلاميّ التاريخيّة . - فالأوّل في الترتيب الزمنيّ هو “ النموذج الرسوليّ للحكم ” (ص 25-36) . وحكم محمّد هذا هو “ صلة بين السياسات الإلهيّة والإنسانيّة ” ، فهو حكم يستند إلى الشريعة الإلهيّة . وخصائصه هي : “ الإباحة في كلّ شيء - التشريع لله - إنسانيّة السلطة - الحكم إلهيّ بالوحي إنسانيّ بالتطبيق ” . - ثمّ “ النموذج الخلافيّ للحكم ” (ص 37-47) ، أنشأه أبو بكر ، وقواعده : “ الدعوة فوق الدولة وقبل الدولة - الدولة وفقًا لإرادة الأمّة ” . “ لكنّ الأمويّين حوّلوا الإسلام إلى قيصريّة وكسرويّة إي إلى دولة لا دعوة - استحال الحكم بعد الخلفاء الراشدين إلى حكم القدرة باسم الحقيقة ، أو السلطنة باسم الدين أو الأمراء باسم الشريعة ” . غير أنّ المبدأ ظلّ قائمًا : “ الخلافة أداة إنسانيّة لتنفيذ الشرع الإلهيّ ” . من هذا المبدإ القاعدة : “ لا طاعة لمخلوقات في معصية الله ” . - ثمّ “ التحوّل إلى المدن السلطانيّة ” (ص 48-53) : “ ابن خلدون نبّه إلى ... أنّ الدولة انفصلت بالفعل عن الدين في ظلّ الإسلام منذ قيام الدولة الأمويّة ” . الحكم السلطانيّ (ص 54-58) حكم استبداديّ : “ الاستبداد في الظلم دون الحقّ - ويكثر الظلم تحت ستار القانون الإلهيّ ” . ثمّ (ص 59-67) “ تحوّل الدولة من الخلافة إلى الملك كما وصفه ابن خلدون هو تحوّل فعليّ من حكم الشرع إلى حكم العقل أو حكم السيف ” . ثمّ (ص 68-74) “ إحلال السيف محلّ الشرع والعقل – المدينة السلطانيّة هي نموذج حكم السيف ” .

3 ـ المدينة العلمانيّة .

مؤلَّفات عديدة تناولت موضوع الحداثة والعلمانيّة ، أكتفي بالإشارة إلى البعض منها : أرونAron 1967 ، أرون Aron 1969 ، إيسْتون Easton 1974 ، بلّ Bell 1973، رولْز Rawls 1987 ، ريكور Ricœur 1969 ، ريكور Ricœur 1986، شابيرت Schabert 1978 ، غارين Garin 1957 ، غارين Garin 1967، غوغارْتِن 1970 Gogarten ، فوكو Foucault 1969 ، فوكو Foucault 1971، فاتّيمو Vattimo 1987، كوكْس Cox 1968، لوبّه Lübbe 1965، ليبْهارت Lijphart 1984 ، مارتين Martin 1965 ، هابرماس Habermas 1987 ، هابرماس Habermas 1988 ، هازار Hazard 1979، هوبْنر Hübner 1978 ، ويلْسون Wilson 1969 .

أستعمل لفظة الحداثة ، في هذه الفقرة ، كرديف للفظة العَلمانيّة ، وأقتصر على وضع الخطوط العريضة لمراحل نشوئها ولخصائصها الجوهريّة المتعلّقة بالمجتمع أو المدينة .

تُعتبَر النهضة الأوروبيّة في القرن السادس عشر ، عادة ً، بداية العصر الحديث ، حيث صار الإنسان القيمة المركزيّة . والمرحلة الثانية هي مرحلة التنوير الأوروبّيّ ، حيث تأكّد ما يجعل الإنسان إنسانًا ، وهو العقل . وتتوالى الأحداث من ثَمّ بسرعة . فهناك الثورات السياسيّة : الثورة الفرنسيّة البورجوازيّة الرأسماليّة وموضوعها الرئيس الحرّيّة ، ثمّ الثورة الروسيّة العمّاليّة الشيوعيّة وموضوعها الرئيس هو بالحريّ المساواة . ثمّ هناك الثورة العلميّة والتقنيّة والتركيز على التجربة كصورة للعقل ، ونشوء التقنية الصناعيّة . ثمّ هناك الثورة الثقافيّة بمختلف وجوهها : الوضعيّة والعلمويّة ، والإنسان الاقتصاديّ والمادّيّة التاريخيّة ، وتحوّل القيَم ، واكتشاف اللاوعي . وقد أفضى تقدّم الصناعة بشكل طبيعيّ إلى مرحلة ما بعد الصناعة ، أي مرحلة المجتمع الاستهلاكيّ . ثمّ ارتدّ انتصار العقل على العقل نفسه ، فكانت أزمة اللاإنسانويّة والعدميّة في ما بعد الحداثة

لمّا كان للإنسان أن ينظّم مجتمعه ، باتت الشرائع ، في المدينة العلمانيّة ، أشياء إنسانيّة . وهذه الشرائع هي نسبيّة ومتغيّرة ، لكونها ثمرة العقل ، وأيضًا ثمرة التجربة والصيرورة التاريخيّة . والعلاقات الاجتماعيّة والقوميّة والدوليّة ، يحكمها التوازن غير الثابت للقيَم والمصالح ، وللخير العامّ والمصالح الخاصّة والفرديّة ، وغالبًا ما يكون توازن قوى . وقد أشاعت المدينة العلمانيّة الحديثة مفاهيم الأمّة والقوميّة ، والدولة ، والسلطات المجتمعة أو المنفصلة . وهي تتميّز ، في شكلها المعاصر ، بأربع خصائص ، هي الاقتصاديّة ، والبيروقراطيّة ، والتشابه كشكل من أشكال العموميّة ، وأخيرًا « أدْلجة » الرأي العامّ بفعل سلطة الإعلام .

4 ـ الإسلام والعَلمانيّة .

نعلم الأثر الحاسم الذي تركته الحداثة الغربيّة في العالم العربيّ الإسلاميّ منذ الحملة الفرنسيّة على مصر سنة 1798 بقيادة بونابرت . إنّ القوّة العسكريّة الغربيّة ، الناتجة من العلم والتقنية ، بما كان لها من جاذبيّة ، دفعت مصر أوّلاً ، ومن ثَمّ سائر بلدان المشرق ، إلى السعي للارتفاع إلى مستوى أوروبّا باستيعاب علوم هذا العالم الجديد وتقنياته . أمّا بالنسبة إلى أوجه المجتمع التنظيميّة ، فقد كان الحدّ غامضًا بين ما يمكن الإسلامَ تقبّلُه وما لا بدّ له من رفضه لكونه متناقضًا مع مبادئه . ولدى تبنّي أحد عناصر النموذج المجتمعيّ الأوروبيّ ، نظرًا إلى ما يوفّره من رغد العيش ، ومن أجل تجنّب انتقادات محتملة من قِبَل أناس متمسّكين بحرفيّة التراث ، غالبًا ما كان يُباشَر بالبحث عن جذور لهذا العنصر في التراث الإسلاميّ الصرف . في هذا المنحى ، صارت الديمقراطيّة شكلاً من أشكال الشورى ، وصارت الاشتراكيّة شكلاً من أشكال التكافل الاجتماعيّ الذي تحقّقه الزكاة .

غير أنّه يصحّ ، بشكل عامّ ، تمييز ثلاثة مواقف للعالم العربيّ الإسلاميّ من الحداثة الغربيّة . أوّل هذه المواقف هو الرفض ، كردّة فعل تنبذ جسمًا غريبًا قد يأتي على التوازن الاجتماعيّ القائم باسم الإسلام . الموقف الثاني هو نقيض الأوّل ، أي القبول المطلق ، طلبًا للتقدّم ولو اقتضى ذلك التخلّي عن التراث بحجّة أنّه عامل انحطاط ورجعيّة . ويقبل أنصار الحداثة بتعريض أنفسهم للتغريب . أمّا الموقف الثالث فهو موقف الاعتدال ، يحافظ بأمانة ، في آن واحد ، على ما هو جوهريّ في التراث العربيّ الإسلاميّ ، ويستوعب من الحداثة الغربيّة ما قد يُسهم في تقدّم المجتمع العربيّ الإسلاميّ من دون أن يأتي هذا الاستيعاب على توازن المجتمع أو أن يظهر في مظهر الجسم الغريب .
في الواقع ، كان من المستحيل أن يَسلم العالم العربيّ الإسلاميّ من التأثّر والتغيّر لدى احتكاكه بالحداثة الغربيّة . فهو ، طوعًا أو كرهًا ، قد تبنّى أدوات ، واكتسب معارف ، وتمثّل سلوكًا ، وقلّد عادات ، وتقبّل أفكارًا . وإذ كان هذا التغريب يتمّ وفق تدرّج يكاد يكون طبيعيًّا ، حدث أن راحت تتّضح ظاهرتان متوازيتان : فقد أخذ المجتمع الغربيّ الحديث ، من جهة ، وذلك في خطّ مسيرته الذاتيّة ، يتأزّم ويُعيد النظر في أسسه الخاصّة ، وأخذ التمسّك بالإسلام ، من جهة ثانية ، يشتدّ في النفوس وفي معظم الطبقات الاجتماعيّة . ويفسِّر اجتماعُ هاتين الظاهرتين عودةَ النزعة الإسلاميّة المتشدّدة إلى الظهور . فبعد أن بدا التمسّك بالإسلام متجمّدًا في موقف الدفاع عن النفس ، انتقل إلى نقد الحداثة الغربيّة ، بل إلى مشروع أسلمة العالم . ويمكن تبيّن أولى خطوات هذا المشروع في إنشاء مراكز إسلاميّة في قلب العواصم الأوروبّيّة ، حيث يرى الغربيّون كيف يُمارَس الإسلام ، ويتعرّفون إلى نمط الحياة هذا الذي يقدّمه لهم الإسلاميّون حلاًّ لمشكلات العالم الحديث المتأزّم .

وهكذا فالنزاع التاريخيّ ، والتناقض الثقافيّ ، والاختلاف المجتمعيّ ، ذلك كلّه ينعقد ويجتمع في تعارض الإسلام والعَلمانيّة .