الفصل الثاني: الإسلام والعلمانية - دوافع رفض العلمانية

يمكن تصنيف الاعتراضات التي أبداها الإسلاميّون على العلمانيّة في مجموعات ثلاث . تتضمّن الأولى الانتقادات التي تبرز ما تأتي به العلمانيّة من أضرار على المجتمع الغربي الحديث نفسه كما على المجتمعات الإسلاميّة التي سعى الغرب المستعمِر إلى علمنتها ، أي إلى إخراجها من الإسلام . وتبرز المجموعة الثانية تَعارض القيَم التي قام عليها الإسلام وعدم توافقها مع القيَم التي قامت عليها العلمانيّة . وتبيّن المجموعة الثالثة والأخيرة إطار الانتقادات ، أي الدوافع الدفينة ، كالتنازع التاريخيّ والتناقض الثقافيّ واختلاف البنيان الاجتماعيّ ، التي تثير لدى الإسلاميّين رفض الغرب الحديث .

1 ـ أضرار العلمانيّة .

تُفسد العلمانيّة جميع قطاعات الحياة الفرديّة والجماعيّة التي تتسلّل إليها وتوجّهها . وهذه الإساءة تُدخل المجتمعات في حالة من التأزّم . وهذه الأزمة تصيب المجتمع الغربيّ نفسه ، كما تصيب المجتمعات الإسلاميّة التي تسرّبت إليها العلمانيّة .

1) أزمة الحضارة .

لم يغفل الإسلاميّون تبيان هذا الحدث التاريخيّ . فيعدّد محمّد البهي ، في مشكلات الحكم ، ص 496 ، جوانب هذه الأزمة : « فوضى فكرية وعقيدية . - انقسام أيديولوجي وعقيدي . - انقسام إلى غرب وشرق . - تفتيش عن دين جديد » . ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الأسرة ، ص 13 : « ان المجتمع الغربي مكشوف لرؤية فضائحه ، واهتزاز القيم الانسانية فيه ، وطغيان المادية على علاقاته ، وغلبة أعراض الشيخوخة والفناء على حياته التي يحياها » .

ويكتب أنور الجندي ، ص 12 : « الفكر الغربي ... الذي نعرفه ممزقاً مضطرباً يقاسي الصراع والأزمة » . ويكتب ، ص 120 : « إن أزمة الانسان الحديث هي أنه فقد نصف الحقيقة ، ووقف عند شطرها المادي الجاف ، فأحست نفسه بالقلق والتمزق ، أنه اكتفى بالعلم والعقل والمادة » . ويكتب ، ص 136 : « إن تجربة الغرب كله الآن معروضة على الدنيا كلها بعد أن تبلورت في “ أزمة الانسان الحديث ” “ وأزمة الحضارة ” وفي ذلك التمزق والاضطراب والفساد والتدمير النفسي والاجتماعي الذي يعانيه مجتمع الغرب ، بالرغم من كل معطيات العلم » .

ويكتب عماد الدين خليل ، ص 80 : « في المجتمع العلماني ... الانسان “ المدني ” ... لا يلتزم بالدين ولا يصدر عنه ، إنما يصدر عن مجموعة من الأنظمة المدنية في علاقاته الجماعية ، وعن التسيب والارتجال في سلوكه الفردي ... يعيش في “ أزمة ” » .

ويكتب يوسف القرضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 9 : « قد أفلس الغرب في قيادته ... والعالم اليوم في حاجة إلى رسالة جديدة ، تحمل حضارة جديدة ، حضارة عالمية إنسانية ، أخلاقية ربانية ، لا شرقية ولا غربية ، حضارة تجمع بين الايمان والعلم ، وتمزج بين المادة والروح ، وتوفق بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع . وليس في الغرب من يحمل هذه الرسالة ، ويؤدي للعالم هذه الأمانة ، لا في المعسكر الرأسمالي ، ولا في المعسكر الاشتراكي ، وكلاهما فرعان لشجرة واحدة ، هي الشجرة الملعونة في القرآن وفي كل كتب السماء : شجرة “ المادية ” الخبيثة . إنما صاحب هذه الحضارة المنشودة ، وهذه الرسالة الموعودة هو الاسلام » .

2) في المجتمع الغربيّ .

منذ أن قطع المجتمع الغربيّ علاقاته بقيَم الدين ، في الحقبات الثلاث من تاريخه الحديث والمعاصر ، أي في عصر النهضة والثورة الفرنسية وقيام الشيوعية ، راحت الحضارة الغربيّة الحديثة تتخبّط في أزمة لن يخرجها منها ، في نظر الإسلاميّين ، إلاّ الإسلام . هكذا يرى أنور الجندي ، ص 121 ، أن « لا سبيل الى حلّ هذه الأزمة إلا عن طريق الدين ، الدين الحق الذي يعطي الاجابات الصحيحة عن المسائل الحائرة : عن الموت ، عن البعث ، عن مهمة الانسان . لماذا جاء وأين يذهب » . كذلك يرى محمّد مهدي شمس الدين ، ص 59 ، أنّ « الاسلام هو الخلاص ، ليس للمسلم وحده ، وانما للانسان وخاصة إنسان الحضارة الحديثة » .

وأبرز مظاهر الأزمة ، كما تذكرها النصوص الإسلاميّة ، هي : فقدان توازن الشخصيّة ، وتفكّك الأسرة ، وتفتّت المجتمع ، وقلب سلّم القيَم ، وظهور القوميّات . فيرسم محمّد البهي ، في مشكلات الأسرة ، ص 47-50 ، لوحة لأضرار العلمانيّة : « الإدمان على المسكرات ... تعاطي المخدرات ... انتشار السحاق بين النساء واللواط بين الرجال ... الاتجار بعري أجسام النساء ... الزنا ... التجربة الجنسية قبل الزواج ... حمل البنات غير المتزوجات ... تعاطي حبوب منع الحمل ... الإجهاض للأجنة ... الطفولة غير الشرعية ... الأمراض التناسلية ... الاستغلال الاقتصادي والبشري من جانب المجتمع الديمقراطي في صور استعماره المختلفة ... روح التخريب والتآمر ، والغدر والخيانة ، من جانب المجتمع الماركسي اللينيني في صور استيلائه على الحكم العالمي وتحطيم الرأسمالية الغربية ... مذاهب : المصلحة البرجماتية Pragmatism ، والمنفعية ، والمكيافيلية ... المادية ... تحول الاقتصاد ... الى “ وثن” يُعبد » . ويكتب كذلك ، ص 136-154 : « نظرة المادية في القيم الأخلاقية... المفاهيم الأخلاقية تتغير بتغير ظروف المجتمع تحت تأثير العوامل الاقتصادية فيه . وكما أن التفكير الإنساني ظاهرة تتبع المادة ، فكذلك السلوك الاخلاقي ظاهرة أخرى من ظواهر المادة ... الوضع الاقتصادي ... هو وحده الذي يحدد القيم الأخلاقية ... العري للمرأة ... العراة رجالاً ونساء في المصايف ... عرض المرأة لجسدها مكشوفاً على المسرح جزءاً جزءاً حتى سوأتها ... تصوير العلاقات الجنسية ... النزعة الاستقلالية ... المساكن الصغيرة ... الحرية الفردية في شؤون الحياة الخاصة . - نتائج : على مركز الرجال في الأسرة ... على تربية الاطفال ... نسبة الاطفال لغير آبائهم ... مشكلة الطفولة غير الشرعية ... - عمل المرأة خارج المنزل ... دور للحضانة ... “ الحب ” ... انما هو “ نزوة ” تدفع اليها الجاذبية الجنسية ... التبني للاولاد » .

ويكتب أنور الجندي ، من جهته ، ص 15 : « الحضارة الغربية اليوم ... تعاني صراعاً حاداً وأزمة عميقة تتقاسمها وتتمزقها بين العلم والوثنية من ناحية ، وبين مفاهيم الرهبانية والاباحية من ناحية أخرى » . ويكتب ، ص 91 : « القول بنسبية الاخلاق ... يستهدف القضاء على فكرة الإلزام التي هي أساس تطبيق الاخلاق ، ذلك انه إذا انعدم الإلزام ، انعدمت المسؤولية ، وفقدان المسؤولية يؤدي الى ضياع الحق نفسه ، واستحالة إقامة أسس العدالة » . ويكتب ، ص 164: « الحضارة الغربية اليوم ... تعاني أزمة من أشد أزمات الحضارة ، قوامها الحيرة والقلق ، والامراض النفسية والعصبية » . ويكتب ، ص 168 : « نتج عن هذا ]انفصال العلم عن الدين[ : أولاً : ذلك الذعر القاتل الذي تواجهه النفوس الآن نتيجة الخطر الذري ... ثانياً : ذلك التمزق والقلق والاضطراب النفسي الذي فصل الانسان عن الدين » .

ويكتب عماد الدين خليل ، ص 7 : « كان لا بدّ من عقاب قاس ينزل بحضارة اعتمدت علمانية مارست أخطاء حاسة كهذه . - تبدو الحضارة المعاصرة وكأنها تعاني من أمراض مزمنة وأوبئة كاسحة . - مستشفاها الكبير ... يعج بمرضى العقول والاعصاب والاجساد والارواح » . ويكتب ، ص 108-111 : « فشل في تحقيق الحرية في الداخل والخارج ... فشل في تحقيق العدل الاجتماعي ... فشل الدعوات الاخلاقية : منذ عهد “ افلاطون ” في جمهوريته ، الى القديس “ اوغسطين ” في “ مدينة الله المقدسة ” ، الى “ الفارابي ” - المقلد - في مدينته الفاضلة ، الى “ توماس مور ” في اليوتوبيا ، الى “ كامي ” في عالمه المتمرد ثم الى “ سارتر ” في رفضه المسبقات وتبرعه بمنح الناس حريتهم المطلقة في الاختيار » .

ويكتب يوسف القرضاوي ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 49 : « نرى الذين يعيشون بغير عقيدة راسخة يتعرضون أكثر من غيرهم للقلق النفسي ، والتوتر العصبي ، والاضطراب الذهني » . ويكتب ، ص 54 : « نرى أعظم البلاد في عصرنا تقدماً في العلم ... يشكو أهلها من الفراغ الروحي ، والقلق النفسي ، والاضطراب الفكري ، والشعور الدائم بالتفاهة والاكتئاب والضياع » .

3) في المجتمعات الإسلاميّة .

والمجتمعات الإسلاميّة ، من جهتها ، رأت نفسها عرضةً للمعاناة من أضرار العلمانيّة التي حملها المستعمِر الغربيّ وفرضها المستعمِر نفسه وبخاصّةٍ أصحاب الحكم الوطنيّ الذين نشّأهم المستعمِر وحضنهم ونجح في تسليمهم مقاليد الحكم . وتتفاقم أزمة هذه المجتمعات لكونها نتيجة فعل غريب مباشر أو غير مباشر ، وليست نتيجة تفاعل عناصر بنيتها الخاصّة . وهي تصيب مجمل الجسم الاجتماعيّ ، وعلى جميع الأصعدة : على الصعيد الفرديّ ، والصعيد العائليّ ، وصعيد العلاقات الاجتماعيّة ، والصعيد الاقتصاديّ ، والصعيد السياسيّ .

فيشير محمّد البهي ، في مشكلات الأسرة ، ص 76-79 ، إلى بعض هذه الآثار « في حياة المسلم ، وفي حياة مجتمع المسلمين : المادية - النفعية - الانتهازية - فردية - أنانية - وهذا ما تدعو اليه الأيديولوجية العلمانية ... وتصير اليه الماركسية اللينينية ... نجد تضاداً وتضارباً بين دعوة في الولاء الى قوم ووطن ، وأخرى الى عالمية عمالية ، وثالثة الى مبادئ وقيم انسانية ... الاتجاه اللاإسلامي تحت ما يسمى بتحرير المرأة المسلمة ... شرعية زواج المسلمة بغير المسلم واباحة التجربة الجنسية قبل الزواج ومساواة الطفل غير الشرعي بالطفل الشرعي » . ويعرض المؤلّف نفسه ، في مشكلات الحكم ، ص 473-476 ، أضرار العلمانيّة في المجتمعات الإسلاميّة حيث فرضها المستعمِر : سيطرة في مجال التعليم ، وفي مجال التشريع والقضاء ، وفي مجال التوجيه في الحياة العامّة ، وفي نظام الحكم . ولدى المسلمين : تبعيّة فكريّة ، وسياسيّة ، وتشريعيّة ، وإداريّة ، وتعليميّة ، وتوجيهيّة ، وفنّيّة ، للغرب . ويخلص المؤلّف إلى القول ، ص 483 : « اهتزت القيم الأصيلة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، وغلب الاتجاه العلماني ، بما ينطوي عليه من مطاردة للإسلام ، ولمبادئه ، ومن ميل قوي لتقليد الغرب فيما له من حضارة ، وتأرجحت المجتمعات الإسلامية في مقاييسها ، تبعاً لما تقتبسه من الغرب ، وتتبعه في أي اتجاه تقلده فيه ، وبعُدت الأصالة في المجتمعات الإسلامية ، وبعُد الاستقلال الفكري ، والاقتصادي ، والسياسي ، والتوجيهي ، والثقافي ، والفني فيها . وأصبح الأمر مداً وجزراً بين كتل متناقضة ، وبين اتجاهات مختلفة ، وبين عالمية وقومية » . ويكتب ، ص 502-503 : « تطبيقاً للاتجاه العلماني المستورد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، أصبحت تقاس العلاقة بين الرجل والمرأة ، زوجاً وزوجة ، اباً واولادا ً، أماً وإخوة ، بمقياس العامل الاقتصادي ، سواء : في تكوينها وإنشائها ، أو في الاستمرار فيها . كما أصبحت المرأة المسلمة لا ترى غضاضة من الزواج بغير المسلم ! وتُدفع إلى مجال العمل الخارجي ... قبول العلاقة مع الرجل في أية صورة أخرى ، وراء الصورة التقليدية التي يعرفها المجتمع ، هي صورة الزواج المشروع ... لكنه التقليد الحتمي الذي فرضته العلمانية ... ولكنه كذلك الفراغ الداخلي ، وهو الفراغ النفسي ... ولكنه أيضًا شد الجاذبية إلى الغرب ... إقبال الفتاة المسلمة على الجامعة ... الشهادة الجامعية كوسيلة لفرصة أحسن في الأجر » . ويكتب ، ص 503 : « ان ما يسمى بمشاكل المجتمع الصناعي لم يوجد بعد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، وليس بينها مجتمع صناعي بالمعنى المصطلح عليه » . ويكتب ، ص 505-506 : « ننتظر ، على العكس ، أن تتعمق جذور مشاكل المجتمع الصناعي المعاصرة في المجتمعات الإسلامية الحاضرة ، بدون تقدم صناعي فيها » .

ويبيّن أنور الجندي ، ص 26-33 ، كيف أنّ الاستعمار حاول « إقصاء المنهج الاسلامي في الشريعة والاقتصاد والتعلم ، وإحلال منهج علماني بديلاً منه ... فرض القانون الوضعي ... إنشاء معاهد الإرساليات التبشيرية ... إجراء الحفريات التي تؤكد الرابطة القديمة ، كالفرعونية والفينيقية ، والبابلية والأشورية ... الدعوة الى العامية في اللغة ... إعلاء اللغات الأجنبية ... الدعوة الى تحرير المرأة ... نفوذ ثقافي ... عن طريق الاستشراق ... وعن طريق التبشير ... تعليم اللغة الانجليزية ... بَثّ الأفكار الإلحادية والمادية ... الحرب على اللغة العربية والقرآن ... المصرف ونظام الربا ... الخمارات » .

ويظهر يوسف القرضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 55-73 ، أضرار العلمانيّة في المجتمعات الإسلاميّة : « انقسم النظام التعليمي ... إلى نوعين من التعليم : تعليم ديني ... وتعليم مدني أو علماني ... انقسام آخر بين القوانين الشرعية ... وبين القوانين المدنية ... تسمية بعض الناس “ رجال الدين ” في مقابل تسمية آخرين “ برجال الدولة ” أو “ السياسة ” أو “ العلم ” ... ظهور النزعة الوطنية والقومية ... الرابطة الطينية والعنصرية ... القومية العنصرية ، والوطنية الإقليمية ... إقرار النظام الربوي الرأسمالي ... عطلت فريضة “ الزكاة ” ... واختفى مع فريضة الزكاة التكافل الإسلامي ... الأغنياء يزدادون غنى ... شاع شرب الخمر ، ولعب الميسر ... شاعت الفاحشة ، وانتشر وباء الزنى ... وصار في بلاد الإسلام مراقص وكباريهات ... إغراء المرأة بأن تتمرد على فطرتها الانثوية ، وتتشبه بالجنس الآخر وتنافسه ... “ قوانين وضعية ” تحكم بها “ محاكم مدنية ” » .

2 ـ عدم توافق القيَم العلمانيّة مع القيَم الإسلاميّة .

لا تُفهم هذه الانتقادات إلاّ من خلال احتكام مطلقيها إلى معيار ، بيّن أو ضمنيّ ، هو الإسلام نفسه باعتباره يعبّر عن فطرة الله التي فطر الناس عليها . إذا كان الإسلاميّون قد رفضوا العلمانيّة ، فذلك لأنّهم حكموا ، على الصعيد القيَميّ للمقارنة ، بعدم توافق قيَم العلمانيّة الأساسيّة ، المذكورة سابقًا ، مع قيَم الإسلام الأساسيّة ، وبمعارضتها للفطرة .

1) فصل الدين عن الدولة .

إنّ الإسلام ، إذ يدرك ذاته دينًا ودنيا ، لا يقبل بالفصل بين الدين والدولة ، حيث يعني ذلك تنحية الدين عن مجال الحياة العامّة ، قبل استئصاله من ضمائر الأفراد . وهذا هو ، في نظر الإسلاميّين ، الهدف الذي يسعى إليه المستعمِر من خلال مشروعه التغريبـيّ ، أي القضاء على الإسلام . أن يُحشَر الدين في قطاع ضيّق من الحياة يعني تبنّي المفهوم العلمانيّ الضيّق للدين ، والتخلّي عن المفهوم الإسلاميّ الشامل له . إنّ تقسيمًا للحياة مثل هذا يفترض نظرة إلى الإنسان معاكسة تمامًا لمفهوم الإنسان في الإسلام : فهي ، بدل الوحدة ، تقيم التجزئة في صميم الكائن البشريّ . أخيرًا ، بتنحية الدين تصبح القيَم الأخلاقيّة نسبيّة ، قبل أن تُلغى في آخر المطاف .

يكتب محمّد البهي ، في الفكر الإسلاميّ ، ص 232 : « جمع القرآن ... بين ثلاثة أنواع من الأسس : - ما يتعلق بعقيدة الفرد ، - ما يتصل بسلوك الفرد الأخلاقي ، - ما يتصل بالمعاملات بين الأفراد » . ويكتب ، ص 238 : « الإسلام لم يكن وقفاً على تبليغ رسالة ، بل كان رعاية أيضاً لاستقرار هذه الرسالة وتمكينها ... أي هو “ دين ” و “ دولة ” معاً » . ويكتب المؤلِّف نفسه ، في مشكلات الحكم ، ص 326 : « سيظل لدين الله اسم “ الاسلام ” ، طالما بقي الدين ... وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها ... الفصل قائم - وسيظل قائمًا - بين خلق الله ، وصنعة الإنسان ... ليس الانسان بصنعته بمنافس لله في خلقه وتدبيره » . ويكتب ، ص 404 : « الإنسانية مفتقرة الى دين » . ويكتب ، ص 405 : « أصبح على أرض الإسلام والمسلمين يشاهد الصراع المرير بين: “ العلمانية ” والإسلام . وربما يُشاهد هذا الصراع غير متكافئ في واقع المعركة . وهو في حقيقة وضعه صراع أيديولوجيات . وربما يبدو الضعف في جانب الإسلام » . ويكتب ، ص 406 : « الإسلام جعل من المؤمن به إنساناً ذا إنسانية : في تفكيره ، وذا إحساس جماعي في سلوكه ، وذا نظام في حياته ، وذا محبة في علاقاته ، وذا تقدم في مجال انسانيته » . ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الأسرة ، ص 11 : « أصبحت تعكر صفو النظام الاسلامي في فطرته وبساطته وفي مساوقته للطبيعة البشرية في المجتمعات الاسلامية رواسب الحضارة الغربية المادية التي حكمت العلاقة بين الرجل والمرأة منذ عهد الرومان الى الوقت الحاضر في صورة فكر انساني » . ويكتب ، ص 73 : « هناك : الاسلام ونظامه في صلة الفرد بالمجتمع والدولة ، وهي صلة الحرية الفردية المشروطة بالإبقاء على الصالح العام ، والمحافظة على الأقل على عدم اضراره وايذائه بسبب مباشرة هذه الحرية الفردية . وكذلك في صلة الفرد بالله ، وهي صلة الايمان به ، والهداية بكتابه ، والسلوك طبق مبادئه ومعاييره ، وهي صلة تعود في نهايتها لصالح العلاقة التي بين الفرد والفرد » . ويكتب ، ص 75 : « الاسلام لا يعرف الإنسان إلا وحدة من : بدن وروح ، ولا يعرف توجيهاً صحيحاً له إلا بالتوازن بين الروح والبدن ، وإلا بصفاء الروح وعدم طغيان البدن » .

ويكتب أنور الجندي ، من جهته ، ص 119 : « إن أكبر تجاوزات العلمانية قولها : إن الانسانية قد أصبحت راشدة ، وهي ليست في حاجة الى وصاية الدين » . ويكتب ، ص 145 : « قد يكون تطبيق العلمانية في البلاد المسيحية أسهل منه في البلاد الاسلامية ، وذلك لما جاء في إنجيل متّى من أن “ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ” وقد يكون الأهم من ذلك ان المسيحية لم تشمل على تشريعات واسعة تؤثر على الحياة الاجتماعية والمعاملات اليومية للفرد والجماعة . أما الدين الاسلامي فبالإضافة الى احتوائه على العقائد والعبادات والأخلاق ، فإنه جاء بنظام شامل يمس حياة الانسان في شتى نواحيها من المهد الى اللحد ، وهو نظام يتفق مع صميم طبيعة الحياة الانسانية ... فعلمانية الدولة في البلاد الاسلامية ، معناه تنصل الدولة من الشريعة الاسلامية التي هي أهم عامل من عوامل توجيه حياة الشعب اليومية » .

ويحلّل عماد الدين خليل ، ص 48-53 ، خصائص الكائن البشريّ : « الانسان يمثل وحدة حيوية متكاملة الجوانب . - في كيانه عناصر وقيم ثابتة ... وإلى جانبها صفات وخطوط أخرى لها القابلية على التغير والتبدل . - العقل البشري ... يجد نفسه يقف عند حدود ... ويجيء دور الدين ليأخذ بيد العقل ويجيب عن كل الاسئلة المحيرة التي أعجزته . - التكوين الانساني ، ... القائم ابتداء على التوازن الأصيل بين الروح والمادة ، قد يصاب أحيانا بانحرافات خطيرة عن خصائصه الاصيلة هذه نتيجة تعاملها مع مبادئ ونظريات لم يدرك أبعاد النفس الانسانية على حقيقتها . - اصطناع الحواجز المزيفة بين عوالم الروح والمادة . - يبدو أن العلمانية ... قد أغفلت معظم خصائص الانسان ، وغدت بذلك انحرافًا خطيرًا شهدت الحضارة الغربية المعاصرة الكثير الكثير من ثماره المرة » . ويكتب ، ص 62-65 : « وحدة الاسلام ... “ التداخل ” هي الصفة الاخرى للمنهج الاسلامي ... “ التوازن ” ، صفة الاسلام الاساسية الثالثة » .

ويكتب يوسف القرضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 19 : « كان كل مسلم يعتقد ان “ الحل الاسلامي ” لمشكلات الحياة هو الحل الفذ ، والحل الناجع ، لأنه حل وضعه الله لعباده ...كان هذا الاعتقاد هو السائد في العالم الاسلامي ، حتى كان هذا القرن الاخير والذي قبله ، حيث واجه الشرق الاسلامي زحف كثيف من العالم الغربي المسيحي . ولم يكن هذا الزحف عسكرياً فحسب ، كزحف الحروب الصليبية من قبل ، بل كان زحفاً عسكرياً سياسياً اجتماعياً ثقافياً » . ويكتب ، ص 54-55 : « على أن “ العلمانية ” الدخيلة لم تستطع في أكثر البلدان العربية والإسلامية أن تكتسب لنفسها ... حق الشرعية ، على الصعيد الرسمي ، لأن حس الجماهير المسلمة الذي آمن إجمالا بأن الإسلام دين الحياة ... كان يرفض إبعاد الاسلام عن الدولة ، ويرى في ذلك مروقا وخيانة لله ولرسوله ولجماعة المسلمين » . ويكتب ، ص 56-57 : « لقد أصيب المجتمع الإسلامي بهذا “ الفصام النكد ” الوافد من الغرب المسيحي ، فانقسم النظام التعليمي ... إلى نوعين من التعليم : تعليم ديني ... وتعليم مدني أو علماني ... انقسام آخر بين القوانين الشرعية ... وبين القوانين المدنية ... تسمية بعض الناس “ رجال الدين ” في مقابل تسمية آخرين “ برجال الدولة ” أو “ السياسة ” أو “ العلم ” » . ويكتب ، ص 58-59 : « كان من نتائج الفكر العلماني ... ظهور النزعة الوطنية والقومية ... لقد كان وطن المسلم من قبل يعني “ دار الإسلام ” على اتساعها ... وكان العالم ينقسم عند المسلم على هذا الأساس العقائدي : فهو إما دار إسلام ، وإما دار كفر ... فالتفكير الإسلامي ، والحس الإسلامي ، لا يعرفان الإقليمية ولا العنصرية بحال من الأحوال » . وينقل الكاتب عن حسن البنّا ، ص 86 : « يفترض الاسلام الحنيف الحكومة قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس ... فلا تقوم “ الدولة ” الاسلامية إلا على أساس “ الدعوة ” حتى تكون “ دولة رسالة ” لا تشكيل إدارة ... وأول خطئنا أننا نسينا هذا الأصل ، ففصلنا الدين عن السياسة عملياً » . و يعرض المؤلّف ، ص 94-99 ، « قواعد النظام الاقتصادي في الإسلام ... حلول ومقترحات لاصلاح الوضع الاقتصادي ... مستوحاة من هدى الاسلام » . ويكتب ، ص 121-122: « الاسلام عقيدة وشريعة ، ونظام كامل للحياة ... العلمانية تنسجم مع التفكير الغربي الذي ينظر إلى الله أنه خلق العالم ثم تركه ... بخلاف نظرتنا - نحن المسلمين - إلى الله . فهو خالق الخلق ، ومالك الملك ، ومدبر الأمر ... لهذا أنزل الشرائع » .

ويكتب المؤلّف نفسه ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 73 : « كلما نادى دعاة “ الحل الإسلامي ” أُمتهم المسلمة ، بوجوب تطبيق شريعة ربها ، وأحكام دينها ، والعودة إلى الإسلام - عقيدة وعبادة ومنهج حياة - ارتفعت في وجوههم أصوات العلمانيين ، تخوف من هذه العودة الواجبة ، وذلك التطبيق المفروض في مجتمع يدين بالإسلام . ولهؤلاء المخوفين والمثبطين شبهات يسردونها كأنها حجج لا تدحض ... وفي مقدمة هذه الشبهات ... أن الشريعة الإسلامية شريعة جامدة لا تقبل التطور » . ويكتب ، ص 169 : « فرق كبير بين الدولة الإسلامية ، أي الدولة التي تقوم على أساس الإسلام ، والدولة الدينية التي عرفها الغرب النصراني في العصور الوسطى . وعلة ذلك أن هناك خلطاً كبيراً بين ما هو إسلامي وما هو ديني ، فكثيرون يحسبون أن كل ما هو إسلامي يكون دينياً . والواقع أن الإسلام أوسع وأكبر من كلمة دين . حتى أن علماء الأصول المسلمين جعلوا الدين إحدى الضروريات الخمس أو الست التي جاءت الشريعة لحفظها . وهي الدين والنفس والعقل والنسب والمال ، وزاد بعضهم : العرض ... إنما الدولة الإسلامية “ دولة مدنية ” تقوم على أساس الاختيار والبيعة والشورى ، ومسؤولية الحاكم أمام الأمة ، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح لهذا الحاكم ، ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر » .

ويكتب محمّد مهدي شمس الدين ، ص 85 : « أدخلوا في أسس الثقافة الجديدة للمسلمين مفهوم “ دين ودنيا ” ... وهذا المفهوم مضاد للمفهوم الثقافي الإسلامي في هذه المسألة ، فالدنيا ، حسب المفهوم الإسلامي ، لا تقابل الدين ، وإنما تقابل “ الآخرة ” ، فيقال “ دنيا وآخرة ” والدين ينظم حركة الإنسان في الدنيا ، ومصيره في الآخرة » . ويكتب ، ص 86 : « أن الإسلام في عقيدة المسلم وفي ضميره ، وفي واقع حياته ليس شيئاً معزولاً عن الدنيا ... الإسلام هو الذي يصوغ شكل الدنيا ... إن الإسلام يوجد فيه نظام حياتي كامل لا يترك مجالاً لأي نظام آخر ... لأن الشريعة الإسلامية ... شاملة مستوعبة لكل ما تقضي به سنة الحياة من نظم وأحكام » . ويكتب ، ص 98 : « ساعدت على ترسيخ هذا الوهم هجمة التغريب وهذا الوهم هو الفصل بين الدين والدنيا وبين الدنيا والآخرة ، وبين القبر والبيت وبين رجل الدين ورجل الدنيا وبين علم الدين وعلم الدنيا وبين ادب الدين وأدب الدنيا » .

2) العلم .

الإسلام يقبل بالعلم ويشجّع على ممارسته وتطويره ، وفي ظروف معيّنة على اقتباسه من الغرب وتمثّله . يكتب محمّد البهي ، في مشكلات الأسرة ، ص 13 : « ان تقليد الغرب في علمه وفي تكنولوجيته واجب على المسلمين ان يسايروه ويتخذوا منه معلماً وخبيراً ولكن علة العلل القاتلة هي في تقليد سلوكه الانساني ونظمه الاجتماعية » . ويكتب يوسف القرضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 45 : « لا حرج ولا بأس إذن من اقتباس العلم الطبيعي والرياضي ونحوه ، وإنما الحرج والبأس في اقتباس الثقافة والتقاليد ، والأفكار والمفاهيم ، والقيم والموازين ، التي تتميز بها كل أمة عن غيرها » . ويكتب ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 25 : « الإسلام يوحِّد بين الدين والعلم ... الدين في الإسلام علم ، والعلم فيه دين » . ويكتب محمّد مهدي شمس الدين ، ص 44 : « إن هذه الحضارة ]الغربية[ ... تتكوّن من عنصرين : 1 - العنصر المادي الذي يتمثل في إنجازات العلم التجريبـي في مجالات الطبيعة ، وإنجازات التنظيم في حقل المجتمع من حيث هو منتج مستهلك . 2 - والعنصر المعنوي الذي يتمثل في “ الفكر والروح ” الذي تستبطنه هذه الحضارة وهو ماديتها » . ويستطرد ، ص 44-45 : « العنصر المادي من هذه الحضارة - بالنسبة إلى الإسلام - عنصر محايد . فهو لا يتنافى مع الإسلام بوجه من الوجوه ، بل إن الأمر على العكس من ذلك ، خاصة فيما يعود إلى مسألة إنجازات العلم التجريبي في مجالات الطبيعة ... وعلى خلاف ذلك الجانب المعنوي من هذه الحضارة ، فهذا الجانب يخالف الإسلام وينفيه ، لأنه إما أن يتمثل ، في بعض الحالات والمظاهر ، بالديانة المسيحية ، أو يتمثل في أكثر الحالات والمظاهر بالفلسفة المادية » . ويكتب ، ص 53 : « العنصر المحايد في هذه الحضارة ، وهو الجانب المادي منها ، لا جناح على المسلمين في الأخذ منه ، بل يجب عليهم الأخذ منه بأكبر نصيب ليكونوا أقوياء قادرين على مواجهة التحديات » .

إلاّ أنّ الإسلام يأخذ على العلم الغربيّ الحديث طابعه الأحاديّ الجانب ، ممّا يجعل هذا العلم نوعًا من المعرفة المبتورة ، حيث تقتصر ، إذّاك ، في نظر الإسلاميّين ، على الجانب الوضعيّ الحسّيّ للواقع ، وترفض أن تنفتح على الحقائق الروحيّة غير المنظورة . يؤكّد محمّد البهي ، في مشكلات الحكم ، ص 462 : « العلم لا يكون الضمير » . ويكتب ، ص 464-465 : « لم يستطع العلم الحديث أن يوجد حتى الآن القوة الذاتية في نفس الإنسان ، وهي ما نسميها بالضمير ... الأمور المعنوية ليست موضوعاً للعلم الحديث ، ولا يؤمن هو بها كذلك . ومن ثم : فالعلم لا يحدث ضميراً » . ويكتب ، ص 468 : « لأن العلم أبى إلا أن يكون الانسان مادة » . ويكتب أنور الجندي ، ص 39-40 : « لقد ذهب دعاة العلمانية الى القول بأن العلمانية هي : “ الدعوة الى الاعتماد على الواقع الذي تدركه الحواس ، ونبذ كل ما لا تؤيده التجربة (دكتور محمد محمد حسين : اتجاهات هدامة في الفكر المعاصر) ” ... إن نظرة العلمانية الى العلم على هذا النحو ، هي نظرة قاصرة ، لأنها تقف عند المحسوس وحده ، وهو جانب قليل من العلم الذي أتيح للبشرية أن تفهمه » . ويكتب ، ص 41 : « المنهج التجريبي الذي سارت عليه العلمانية ناقص غير كامل » . ويكتب ، ص 44-45: « العلم ليس هو كل مناهج المعرفة ، ولكنه واحد منها ، فهناك مناهج عقلية ومناهج روحية ، ومناهج تقوم على التجربة الباطنة ، ومناهج تقوم على الحدس . ويستطيع العلم أن يضع منهجاً في التعامل مع الطبيعة والأشياء ، ولكن ليس في استطاعته أن يجعل منهجه شاملاً للتعامل مع الناس والغيب » .

ويكتب عماد الدين خليل ، ص 21 : « إن حضارة لا تعتمد سوى العلم في حركتها ، إنما هي حضارة عرجاء تسير على ساق واحدة ، ولا بدّ للأعرج أن يسقط في يوم من الأيام . إن حضارة لا تلتزم إلا بالعلم في تقدمها ، إنما هي حضارة لا تملك سوى عين واحدة ، بعد أن اختارت بنفسها أن تفقأ عينها الأخرى . ولا بدّ لإنسان لا يبصر إلا بعين واحدة أن يفقد الرؤية الواضحة ، ويسقط في يوم من الأيام ... إن أمة لا تمشي إلا على ساق واحدة ، ولا تبصر إلا بعين واحدة ، من السهل أن تقاد كما تقاد الأغنام وراء جزاريها حتى ولو انتهى بها الأمر إلى الذبح » . ويكتب يوسف القرضاوي ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 28 : إن العلوم « كلها تبحث عن الكائنات ، وليس شيء منها يبحث عن مبدئها الأول وغايتها القصوى » . ويكتب ، ص 36 : « إن المعرفة العلمية الواقعية القائمة على تتبع الجزئيات وتسجيل الظواهر والعلاقات بينها ، ليست هي قمة المعرفة الإنسانية ، ولا غاية النضج البشري . فإن المعرفة العلمية التجريبية نقسها تحتاج إلى أساس فلسفي » . ويكتب ، ص 53-54 : « إن مجال العلم غير مجال الدين . وأريد بـ “ العلم ” هنا العلم بمفهومه الغربي المحدود ، لا بمفهومه الإسلامي الشامل ... العلم يعين الإنسان على حل مشكلة العيش ، ولكن لا يعينه على حل مشكلة الوجود وقضاياه الكبرى » . ويكتب ، ص 55 : « أعطى العلم إنسان القرن العشرين سلاحاً انتصر به على بعض قوى الطبيعة ، ولم يعطه ما ينتصر به على نفسه » .

3) الفلسفة الماديّة واللادين والإلحاد .

بيد أنّ الإسلاميّين ، وهم معجبون بالعلم والتقنية والتنظيم الاجتماعيّ في الحضارة الغربيّة ، يحاولون إنقاذ العلم بفصله عن الفلسفة . فالعلم ، لكونه اختباريًّا ، يقتصر على المحسوس ، وليس له أن يتعدّاه . لكن عندما تتحوّل التجربة والاختبار إلى ما يسمّى بالمذهب التجريبـيّ ، عندئذ لا نحصل على العلم ، بل على الفلسفة المادّيّة . هذه المادّيّة ، التي تترجَم لادينًا وإلحادًا ، والتي هي في أساس الرأسماليّة والشيوعيّة على السواء ، لا يستطيع الإسلاميّون إلاّ نبذها بمنتهى الشدّة ، وذلك باسم القيَم الروحيّة التي يستند إليها الإسلام ويفتخر بها . على هذا الصعيد القيَميّ قام الجدل . فالمادّيّة ، وهي تستبطن وضعيّة كونت ، وتطوّريّة داروين ، وجنسانيّة فرويد ، واجتماعيّة دركايم ، واقتصاديّة الرأسماليّة والشيوعيّة ، تعني نسبيّة القيَم واللاّدين والإلحاد .

يكتب محمّد البهي ، في الفكر الإسلاميّ ، ص 269 : « إن الفكر الوضعي أو المادي يؤدي إلى تفكير الشيوعية ... فهو يتصارع مع الديمقراطية الغربية من جانب ، و “ الأديان ” جميعًا من جانب آخر . - “ خرافة الميتافيزيقا ” : وتتضمن خرافة الدين ... وهي وليدة الفكر المادي السابق على ظهور الشيوعية . - يرجع إلى مذهبين من مذاهب القرن التاسع عشر في أوربا ... فيرجع إلى ما يسمى “ بالمذهب الإسمي ” nominalism ، وإلى مذهب آخر يعرف “ بالمذهب التجريبي ” empiri- cism » . ويذكر المؤلّف ، ص 271-274 ، من أصحاب المذهب الإسميّ ، أنتيستينس Antisthenes وروسلاّن Roscellin وأوكّام Occam وكانت Kant ، ومن أصحاب المذهب التجريبيّ ، هيوم Hume وبروتاجوراس Protagoras وبيل Bayle وكونت Comte (ومذهبه الوضعيّ) وفويرباخ Feuerbach وهوكسلي Huxley وميلّ Mill وسبنسر Spencer ورسّل Russell . ويكتب ، ص 299 : « كانت في عصر التنوير إذن خصومة فكرية بين “ الدين ” و“ العقل ” ، واتجه التفكير فيه إلى إخضاع الدين للعقل » . ويكتب ، ص 359-360 : « هل الإسلام - من تعاليمه - يعطي فرصة لقبول الماركسية ، كعلاج لأزمة فكرية أو أزمة ثقافية ، أو أزمة علمية ؟ ... الماركسية في الشرق الإسلامي ... ليس لها موضوع فيه » .

ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الحكم ، ص 42 : « إن المادية “ حسية سطحية ” في نظرتها ، لم تر العمق في نفس الإنسان ، واعتقدت أنها “ بالمحسوس ” وحده يمكن لها أن تسوس ، وأن تنظم ، ولكنها تسوس وتنظم الناس كما يسوس الإنسان قطعان الحيوان وينظمها : أكل وشرب ، ومعدة وفرج ، هو أساس السياسة والتنظيم! » ويكتب ، ص 297 : « الإسلام ، كدين ، يربط الأرض بالسماء ، ويصل الإنسان بالله . والفلسفة هنا ، كاتجاه فكري انساني ، تستقل عن السماء ، وتجعل من الإنسان أصلاً للوجود . وبينما الإسلام يجعل الله محور كل أمر ونهي ، وغاية كل شيء ، إذا بالفلسفة هنا تجعل الإنسان هدفاً ، أو سبيلا إلى هدف آخر ، أدنى منه ، وأعز منه » . ويكتب ، ص 504 : « الإسلام يواجه اليوم طغيان الاتجاه المادي ، على نحو ما كان في المجتمع السابق عليه وهو مجتمع ما يعرف بمجتمع الجاهلية » .

ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الأسرة ، ص 235 : « ان المجتمع الصناعي المعاصر لا يعرف إلا الإنتاج المادي في كمه ونوعه . ولا يقر إلا بالقيم المادية في التقدير والتعامل . ولا يرى في الانسان إلا معدته: يخضعه بسببها ... وقلما يرى انسانيته في تفكيره ، أو في ايمانه ، وإذا رأى في الإنسان شيئًا آخر فليس إلا الفرج . وأصبحت المعدة والفرج كلاهما ... مصدر التوجيه لأي نظام من نظم الحكم ، العلمانية أو الإلحادية الماركسية » . ويكتب ، ص 346 : « ما جاء به الإسلام في نظام الأسرة يعتبر اذن ثورة على المادية النفعية » .

ويكتب أنور الجندي ، ص 50 : « كان خطأ المادية في أنها تدرس الانسان وتحلله كما تدرس الاشياء . وكان خطأ الماديين حين يقولون : ... إن الانسان كائن مادي كيماوي . ومن حيث إنه جزء من النظام المادي للطبيعة ، فهو يجب أن يخضع للقوانين الطبيعية والكيماوية » . ويكتب ، ص 52 : « أما التضاعف فقد جاء من الفلسفة التي أخذت مقررات العلم ، فتصرفت فيها تصرفاً خطيراً حيث أعلت من شأن المادية ، ونقلتها من ميدان العلم الطبيعي الى مجال الفكر كله ، وإلى مجال الاجتماع والنفس والأخلاق . وكان هذا هو أخطر التطورات التي تحركت باسم العلمانية » . ويكتب ، ص 53 : « ان علاقة المادية بالفلسفة قامت في مواجهة المثالية والروحية ، وأن هناك رباطاً وثيقاً بين الفلسفة والمادية ، وليس كذلك بين العلم والمادية » . ويكتب ، ص 73 : « إذا اعتبرنا الانسان مادياً صرفاً كما تعتبره الفلسفة المادية ، سقط امتيازه على الكائنات . وسقطت في نفس الوقت مسؤوليته المرتبطة بالبعث والجزاء . وهذا هو أخطر خلاف جذري بين مفهوم منهج المعرفة الاسلامي ومفهوم العلمانية » . ويكتب ، ص 82 : « من أخطر ما تهدف إليه الفلسفة المادية وربيبتها العلمانية القول بالتطور المطلق الذي لا ثبات معه على نحو يعرض للدين والقيم الروحية والخلقية بالتشكيك والاضطراب » . ويكتب ، ص 138 : « هذه الحضارة الغربية التي قامت على أساس المادية ، والتي جاءت العلمانية لتمثل حلقة خطيرة من حلقاتها ، لا يمكن أن تكون المثل الأعلى الذي تتقبله الذات العربية الاسلامية ، وترضى به ، لأنها تعرف أنه يقوم على أساس امتهان الدين والأخلاق » .

ويكتب يوسف القرضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 174 : « الاتجاه الاشتراكي الثوري لا يختلف كثيرا عن الاتجاه الليبرالي الديمقراطي ... إنهما ... يمثلان تيارا واحدا ، له منبع واحد ، وان اختلفت قنواته ومجاريه . إنه تيار “ التغريب ” للأمة الإسلامية ، وهو تيار ينبع من أصل مشترك هو “ الحضارة الغربية ” بفلسفتها “ المادية ” للحياة ، ونظرتها “ النفعية” للأخلاق » .

ويكتب محمّد مهدي شمس الدين ، ص 14 : « الحقيقة أنه ما أصيب في هذه الفتنة الا الاسلام والمسيحية ، فقد طردا من الميدان ... وترك المجال حراً أمام المادية تعمل عملها المدمِّر في تشويه الانسان والانسانية ، هذه المادية التي هي السمة المميزة للحضارة الحديثة التي طبعت بميسمها مجتمعاتنا وجماعاتنا . والعَلْمانية ليست إلا وليدة لهذه الحضارة » . ويكتب ، ص 45 : « الجانب المعنوي من هذه الحضارة ... يخالف الإسلام وينفيه ، لأنه إما أن يتمثل ، في بعض الحالات والمظاهر ، بالديانة المسيحية ، أو يتمثل في أكثر الحالات والمظاهر بالفلسفة المادية ، وكلاهما مناقض للإسلام من وجوه كثيرة » . ويكتب ، ص 53: « العنصر المعنوي في هذه الحضارة : فلسفتها المادية ، ونظرتها إلى الإنسان ، والمجتمع ، والحياة والكون من خلال هذه الفلسفة ، فهذا ما يجب على المسلمين رفضه واجتنابه ، بل التحصن دون أي تأثير من تأثيراته بالإسلام الصحيح » . ويكتب ، ص 71 : « إن مادية الحضارة الحديثة ... تطمح إلى إلغاء الاسلام من جميع مواقعه الباقية في الحياة العامة وإحلال العلمانية المطلقة محله على كل صعيد ، وبذلك تحقق مادية الحضارة انتصارها الكامل على الاسلام » . ويكتب ، ص 78 : « لقد عاملت ]الفلسفة المادية[ الإنسان والمجتمع بمنطق المادة الموات ، وفي أحسن الحالات بالمنطق الذي يعامل به الحيوان الأعجم ... غدا ]الإنسان[ كتلة من المادة الحية المتطورة الغامضة ، ذات عمليات بيولوجية شديدة التعقيد » . ويكتب ، ص 94 : « إن حضارة أوروبا الحديثة تقوم على الفلسفة المادية والعلم التجريبـي . وقد أنشأت هذه الحضارة كائناً عظيم القوة والسلطان ، ولكنه مفرغ من المعنى الإنساني . أما حضارة الإنسان فينبغي أن تقوم على الإسلام والعلم التجريبـي ، فيكون بها خلاص الإنسان وازدهار الإنسان » .

تقودنا دوافع الرفض هذه إلى إطار نشأتها ، أي إلى طبقة من الدوافع أعمق وأشمل ، كوّنها عاملان ، هما تاريخ العلاقات بين الإسلام والغرب ، وبنيةُ كلّ من هذين العالمين .

3 ـ إطار دوافع الرفض .

لم تكن علاقات العالم العربيّ الإسلاميّ والعالم الغربيّ دومًا علاقات تفاهم ودّيّ ، ولا حتّى علاقات تعايش سلميّ . بل كانت ، في الإجمال ، علاقات قوى متعادية ، تترجَم بالمواجهات المسلّحة أو بالضغوطات والتنازلات والتسويات الدبلوماسيّة ، كما بمحاولة كلّ من الطرفين هَدْي الآخر ، أو إظهار دونيّة دينه وثقافته .

فالمواجهات المسلّحة ، والمجادلات الهجوميّة أو الدفاعيّة ، والإرساليّات التبشيريّة ، والمؤسّسات الاستشراقيّة ، كانت كلّها مواقف تنبع من الميزات المتناقضة لثقافة كلّ من هذين العالمين ، وتتأسّس علىالفرق في التصوّر والبنيان بين النظامين الاجتماعيّين المتنافسين .
لذا تحدّدت علاقات الإسلام بالغرب بتنازع تاريخيّ ، وتناقض ثقافيّ ، واختلاف في البنيان الاجتماعيّ .

3 ـ 1 ـ التنازع التاريخيّ .

كلّ ظواهر العداء والتنافس وإرادة السيطرة تندرج تحت عنوانين : الصراع المسلّح ، والصراع الإيديولوجيّ .

1) الصراع المسلّح .

هذا الصراع له وجهان . فهو صراع مسلّح بمعنى اصطدام الأسلحة ، وما يتبعه من انتصار وهزيمة . وهو صراع دبلوماسيّ ، بديل عن اصطدام الأسلحة، يؤدّي هو أيضًا إلى انتصار وهزيمة ، أو ضغط وتنازل .

لتوضيح هذا الوضع الصراعيّ المسلّح والدبلوماسيّ ، أكتفي هنا بذكر المفاصل الرئيسة لحركة الكرّ والفرّ التي تربط مصير العالم العربيّ الإسلاميّ بمصير العالم الأوروبيّ والغربيّ .

إذا نظرنا إلى هذه الحركة بجملتها ، رأينا اثني عشر مفصلاً ، هي كناية عن الفعل وردّ الفعل اللذين تتألّف منهما علاقات هذين العالمين ، الإسلام والغرب ، في شكل نسيج واحد ما زال يُنسج . أكتفي هنا بسرد هذه المفاصل . وهي : - الفتوحات العربيّة الإسلاميّة . - استعادة الأرض من قبَل الأوروبيّين ، والحروب الصليبيّة . - طرد الصليبيّين ونهاية مغامرتهم . - الإمبراطوريّة العثمانيّة . - القضْم الأوروبيّ ، عسكريًّا ودبلوماسيًّا ، لهذه الإمبراطوريّة . - تفكّك الإمبراطوريّة العثمانيّة بفعل التطويق الأوروبيّ والتدخّل العسكريّ والدبلوماسيّ واقتطاع بعض الأقاليم العثمانيّة من قبَل بريطانيا العظمى وفرنسا خصوصًا . - تدمير الإمبراطورية العثمانيّة في أثناء الحرب العالميّة الأولى ، واقتسام أشلائها بين الإمبراطوريّة البريطانيّة والإمبراطوريّة الفرنسيّة . - النضال العربيّ في سبيل التحرير القوميّ من سيطرة البلدان المستعمِرة أو المنتدَبة ، المؤدّي إلى استقلال البلدان العربيّة بعد الحرب العالميّة الثانية ، تلك البلدان التي سعت ، بتوحّدها ، إلى إعادة تكوين الإمبراطوريّة العربيّة الإسلاميّة . - تجاذب العالم العربيّ الإسلاميّ بين الكتلة الشرقيّة والكتلة الغربيّة . - محاولات التحرير غير المجدية من خلال تأميم البترول العربيّ . - السيطرة الغربيّة على الشرق العربيّ من خلال تأسيس دولة إسرائيل الصهيونيّة .

2) الصراع الإيديولوجيّ .

كان الهدف من الصراع الإيديولوجيّ بين الإسلام والغرب ، إمّا الأسلمة ، وإمّا التغريب . ويُظهر تحليل هاتين العبارتين أربعة جوانب للصراع الإيديولوجيّ بين الإسلام والغرب . وهي : - الرسالة الدينيّة ، المسيحيّة والإسلاميّة ، الهادفة إلى هَدْي الآخر وإنشاء جماعات مؤمنين . - في المقابل ، استشراق علميّ ، ليس له ما يوازيه في الجانب الإسلاميّ . - بين الطرفين ، موقف أوّل ، تقليديّ ، هو موقف العداء يجسّده نشاط كثيف في المجادلة العقائديّة بين المتكلّمين المسلمين من جهة ، واللاهوتيّين اللاتين والبيزنظيّين ، وخصوصًا اللاهوتيّين العرب المسيحيّين ، من جهة ثانية . - موقف ثانٍ ، حديث ، هو موقف القبول بالآخر ، يجسّده ما يسمّى بالحوار الإسلاميّ المسيحيّ .
تحليل هذا الجانب الإيديولوجيّ من الصراع بين الإسلام والغرب يقود إلى اكتشاف أساسه في التناقض بين ثقافة العالم العربيّ الإسلاميّ وثقافة العالم الغربيّ .

3 ـ 2 ـ التناقض الثقافيّ .

يمكن توزيع الميزات المقارَنة للتراث العربيّ الإسلاميّ وللحداثة الغربيّة في مجموعات ثلاث ، انطلاقًا من العموميّ وانتهاءً إلى الخصوصيّ .

1) من حيث عناصر الثقافة .

إذا نظرنا إلى الثقافتين من زاوية العناصر المكوّنة للثقافة عمومًا ، رأينا التراث العربيّ الإسلاميّ يتميّز باللغة العربيّة ، والإسلام ، والنظرة الدينيّة إلى العالم . - اللغة العربيّة هي قالب البنية الذهنيّة العربيّة . وهي تختزن الثقافة العربيّة الإسلاميّة بكاملها . وهي لغة مقدّسة ، لكونها لغة القرآن . وأخيرًا ، كانت اللغة العربيّة ، في القرون الوسطى ، اللغة الأساسيّة للثقافة . - أمّا الإسلام فإنّه كوّن الشخصيّة العربيّة للمسلمين وغير المسلمين على السواء ، وذلك لكونه حضارة تبنّاها كلّ مَن عاش في دار الإسلام . والإسلام ، بما هو دين ، تَكوّن في شكل أنظومة لها البنية نفسها التي للأنظومة المسيحيّة ، وذلك لكون كلّ من الأنظومتين تضمّنت الوظائف الدينيّة الأساسيّة نفسها . والإسلام ، بما هو ، كأيّ دين آخر ، تعبير عن طلب المطلق الكامن في أيّ إنسان وأيّة مجموعة إنسانيّة ، فإنّ المسيحيّ يقرّ بأنّه أحد عناصر تراثه الثقافيّ ، كما أنّ المسلم يقرّ بأنّ المسيحيّة هي أحد عناصر تراثه الثقافيّ العربيّ . - والنظرة الدينيّة إلى العالم هي الميزة الشاملة للثقافة العربيّة الإسلاميّة . مبدأها أنّ الله هو الكائن المطلق الأوحد ، والفاعل المطلق الأوحد . ولذا فهي تجعل كيان العالم والإنسان كيان الإشارة إلى الله الواحد المتعالي .

في المقابل ، تتميّز الحداثة الغربيّة بتجذّرها في المحيط اللغويّ اليونانيّ والرومانيّ ، وبما تبقّى من المسيحيّة ، بالرغم من نظرة إلى العالم تتّصف كلّيًّا بالعلمانيّة . - تتجذّر الحداثة الأوروبيّة في الموروث اللغويّ اليونانيّ واللاتينيّ ، وتنتشر في اللغات الرومانيّة romanes أو بالأحرى في اللغات الهنديّة الأوروبيّة . - أمّا المسيحيّة ، بما هي حضارة مجموعة بشريّة ، فإنّها طبعت بطابعها جميع المجتمعات والشعوب الأوروبيّة أو الغربيّة على مدى عصور . وعندما اندثر هذا الوجه الحضاريّ السوسيولوجيّ ، بقيت المسيحيّة الروح الذي تستوحيه الثقافة الغربيّة ، حتّى في شكلها الحديث . - أمّا ما يلفت في الحداثة الغربيّة فهو مشروعها ، أي النظرة العلمانيّة إلى العالم ، وهي نظرة مستقلّة عن الأديان ومحايدة .

2) من حيث خصائص الثقافة .

تتوضّح مجموعة الميزات هذه من خلال مجموعة الميزات التي تحتوي على الفروقات بين التراث العربيّ الإسلاميّ والحداثة الغربيّة . هذا إذا نظرنا إلى الفروقات من زاوية خصائص الثقافة .

يتميّز التراث العربيّ الإسلاميّ بثلاث خصائص ، هي القداسة ، والساميّة ، والوسيطيّة . - القداسة مرتبطة بالتصوّر الأسطوريّ أو الميتافيزيقيّ الذي يفترض وجود عالمين ، واحد تحتيّ ، وواحد فوقيّ . ممّا يؤدّي إلى نوع من الطقوسيّة ذات الطابع السحريّ في التصرّفات جميعًا . - مع الساميّة يظهر مفهوم التعالي المطلق لله المتفرّد الواحد . وهذا التوحيد يقتضي في الإنسان موقف الإيمان والخضوع . وهو يقرّر وجود آخرة تتّجه نحوها الحياة الدنيا . هذا التطلّع إلى الآخرة يصحبه طلب الخلاص . فالإنسان يستطيع أن يعصى ، لكنّ الرحمة الإلهيّة تستطيع أن تخلّصه من وضعه كخاطئ . هنا تظهر ميزتا النظرة الساميّة إلى العالم ، وهما الوجوديّة والتاريخيّة . - أمّا الوسيطيّة فإنّها تدلّ على الزمن الذي فيه تكوّنت الأنظومة الدينيّة بما هي تعبير ثقافيّ عن الإيمان . وفي الحقيقة تكوّن كلّ من الإسلام والمسيحيّة في شكل أنظومة دينيّة في العصر الوسيط ، وذلك ابتغاءً للسيطرة المطلقة على مختلف جوانب الحياة الفرديّة والجماعيّة .

في المقابل فإنّ للحداثة الغربيّة ميزات ثلاثًا، هي : الدنيويّة، والهلّينيّة ، والحداثة بمعنى العلمانيّة . - الدنيويّة تعني الإقرار بوجود عالم واحد مستقلّ ، هو عالم الناس في حياتهم اليوميّة وتعاقب الأزمنة . فالإنسان لا علاقة له إلاّ بعالمه ، هذا العالم الذي يسعى إلى أن يعرفه ويسيطر عليه ، بالعلم والتقنية . - أمّا الهلّينيّة فإنّها تنطوي على معنى الداخليّة أو الحلوليّة immanence والتعدّديّة والاحتكام إلى العقل . والعقل سيّد نفسه ، وهو ملَكة الكلّيّات يمتلكها الناس كلّهم ، ولكنّه يتّفق مع الاختلافات الفرديّة والجماعيّة . - أمّا حداثة الأزمنة الحديثة فهي نقيض الوسيطيّة بما هي تفكيك للأنظومة الدينيّة ، أي علمنة بمعنى نقد الأنظومة الدينيّة ورفض طموحها إلى السيطرة على جوانب الحياة جميعًا .

3) من حيث الموقف الأساسيّ .

هذه الميزات المتناقضة تتلخّص في التناقض بين اللاهوتانيّة théologisme والإنسانويّة humanisme، علمًا أنّ المذهبين هما الموقفان الأساسيّان اللذان تتميّز بهما الثقافات .

اللاهوتانيّة هي ميزة التراث العربيّ الإسلاميّ . ومبادئها الجوهريّة هي التالية : يوجد إله متعالٍ ، هو القيمة المطلقة والمرجع الذي تتحدّد كلّ الكائنات بالنسبة إليه . والإيمان هو تجربة العلاقة بالله ، يعيشه الإنسان ولكنّه في الأساس عطيّة من الله . والتعالي الإلهيّ يضطرّنا إلى أن نتصوّره كائنًا موضوعيًّا وكائنًا شخصيًّا أي متفرّدًا . والله خالق ، ومصدر الوحي ، ومخلِّص ، وديّان . وهو يشمل الحياة الإنسانية بجملتها في أنظومة العقائد والعبادات والنظم الدينيّة ، وذلك لكونه هو أصل الدين ومصدره . فالإنسان لا قيمة له إلاّ من خلال علاقته بالله ، والعالم لا قيمة له إلاّ بكونه إعدادًا للعالم الآتي .

أمّا الحداثة الغربيّة فإنّها تتميّز بالإنسانويّة . ومبادئ هذا المذهب هي التالية : الإنسان هو القيمة المركزيّة ، وإن لم يكن القيمة المطلقة . ولا شيء يكون غريبًا عن التجربة الإنسانيّة . فإله الأديان مات أو ينبغي أن يموت، إذ إنّه ليس سوى وهْم وخداع ، بل هو لفظة ليس لها أيّ معنى . والإيمان أو الدين ليس سوى تجربة إنسانيّة ، قامت على تصوّرات أسطوريّة ، وباتت أقرب إلى أن تكون موقفًا مرَضيًّا .

4) من حيث البنية الذهنيّة .

هذه الإشارات تمكّننا من إدراك الاختلافات العميقة التي تفصل بين البنية الذهنيّة التراثيّة العربيّة الإسلاميّة والبنية الذهنيّة الغربيّة الحديثة . الأولى ذات طابع أسطوريّ أو ميتافيزيقيّ ، والثانية ذات طابع وضعيّ واختباريّ . الأولى تجعل القيمة في الكلام ، به يغيب الإنسان عن العالم لحاجته إلى الهروب والانخداع ، والثانية تجعل القيمة في العمل ، به يعود الإنسان إلى صميم العالم الواقعيّ ويتحمّل مسؤوليّاته . الأولى موقف عقائديّ ، مرتبط بممارسة السلطة وبقبول النظام القائم ، على أساس الإقرار بالمطلق ، والثانية موقف نقديّ ، مرتبط بالتشكيك بأيّ نظام قائم ، ومرتكز على إدراك الطابع النسبيّ لكلّ شيء ، وعلى اقتضاء الحرّيّة . فالأولى تبدو إذن كأنّها يسودها البحث الطفوليّ عن الأمان ، والثانية تبدو كأنّها تتمّيز بالقبول الراشد بالمجازفة والمخاطرة . الأولى استسلام ، والثانية اتّكال على النفس ونضال .

3 ـ 3 ـ الاختلاف في البنيان الاجتماعيّ .

العنصر الثالث والأخير للدوافع العميقة لرفض العلمانيّة هو الاختلاف في البنيان الاجتماعيّ .

1) المدينة الإسلاميّة .

تتميّز المدينة الإسلاميّة بكونها مدينة مقدَّسة ، تنزع إلى الآخرة . وتحكمها الشريعة المنزلة ، ينفّذ أحكامها ويفسّرها أناس ، هم الخليفة ومعاونوه ، والعلماء ، والقضاة . ويقرّ الإسلاميّون ، كغيرهم من المسلمين ، بأنّ القرآن وضع المبادئ العامّة لتنظيم المجتمع اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا ، وأفسح في المجال للتوافق مع الأوضاع المتغيّرة في ما خصّ تطبيق المبادئ العامّة على الحالات الطارئة . إلاّ أنّ الإسلاميّين قلّما يحسبون حسابًا للتغيّرات في شكل التنظيم المجتمعيّ في مختلف عصور التاريخ العربيّ الإسلاميّ . فمن المستغرَب أن يأخذ محمّد البهي ، مثلاً ، على النظام الشيوعيّ أو الاشتراكيّ كونه يحول دون أداء المؤمنين فريضة الزكاة ، إذ ليس في مثل هذا النظام من أغنياء ولا فقراء ! على خلاف هذا الموقف ، يتنبّه حسن صعب ، في كتابه إسلام الحرّيّة لا إسلام العبوديّة ، إلى الاختلافات التي تحدثها التحوّلات التاريخيّة ، والتي يتميّز بها كلٌّ من الحكم الإلهيّ ، وحكم الرسول محمّد ، وحكم الخلفاء الراشدين ، وحكم الأمويّين والعبّاسيّين شبه العلمانيّ . ويشير كذلك إلى الفرق بين حكم العقل وحكم السيف . يُضاف إلى ذلك التغيّرات التي طرأت على بنيان المجتمعات العربيّة الإسلاميّة بفعل الاستعمار الغربيّ .

2) المدينة الغربيّة الحديثة .

هذا المجتمع الغربيّ يرى الإسلاميّون أنّه شأن إنسانيّ محض . فهو لا يستمدّ شرائعه من أيّ وحي إلهيّ . ومصدر السلطات الوحيد فيه هو الشعب . وأشكال الدولة والأنظمة الاقتصاديّة فيه تتغيّر بتغيّر الأوضاع : فالتطوّر المستمرّ يوازيه التكيّف . كلّ ذلك في داخل محيط المصالح الفرديّة والجماعيّة ذات الطابع المادّيّ الصرف . الإنسان الغربيّ لا ينظر إلاّ إلى الأرض . من هنا كانت الماكيافيليّة ، والجشع ، والبراغماتيّة ، واحتقار القيَم الروحيّة .

وهكذا فالتنازع التاريخيّ والتناقض الثقافيّ والاختلاف في البنيان الاجتماعيّ ، وكذلك الأضرار التي تجرّها معها العلمانيّة ، وعدم توافق القيَم العلمانيّة مع القيَم الإسلاميّة ، كلّ ذلك يبدو كأنّه يُحدث شقًّا مستعصيًا بين الإسلام والغرب . إلاّ أنّه ، إذا أنعمنا النظر ، كان لنا أن نجد ، في الإسلام وفي العلمانيّة ، عناصر توحي بإمكان التقارب ، بل التطابق ، بينهما ، بفضل موقف توضيحيّ أو ترفّع عمّا هو عرَضيّ وارتقاء إلى ما فوق صعيد الاختلاف Aufhebung.