المجلد الثالث - ذكر تسيير من سير من أهل البصرة إلى الشام

ولما مضت ثلاث سنين من إمارة عبد الله بن عامر بلغه أن رجلاً نزل على حُكَيْم بن جَبَلَة العبدي وكان عبد الله بن سبا المعروف " بابن السوداء " هو الرجل النازل عليه واجتمع إليه نفرٌ فطرح إليهم ابن السوداء ولم يصرح فقبِلُوا منه ، فأرسل إليه ابن عامر فسأله : من أنت ؟
فقال : رجل من أهل الكتاب رغبتُ في الإسلام وفي جِوَارِك . فقال : ما يبلغني ذلك ، أخرجْ عني .

فخرج حتى أتى الكوفة فأُخرج منها، فقصد مصر فاستقربها وجعل يكاتبهم ويكاتبونه وتختلِف الرجال بينهم .

وكان حُمران بن أبان قد تزوج امرأة في عِدَّتها ففرق عثمان بينهما وضربه وسيّره إِلى البصرة فلزم ابن عامر فتذاكروا يوماً المرور بعامر بن عبد القيس فقال حُمران : ألا أسبقكم فأخبره ؟

فخرج فدخل عليه وهو يقرأ في المصحف فقال : الأمير يريد المرور بك فأحببت أنْ أعلمك . فلم يقطع قراءته ، فقام مِنْ عنده ، فلما انتهى إلى الباب لقيه ابن عامر فقال : إنّه لا يري لأل إبراهيم عليه فضلاً .

ودخل عليه ابن عامر فأطبق المصحف وحدثه فقال له ابن عامر: ألا تغشانا ؟

فقال : سعد بن أبي القرحاء يحب الشرف . فقال : ألا نستعملك ؟ فقال : حصين بن الحريحب العمل . فقال : ألا نزوجك ؟ فقال ربيعة بن عِسْل يعجبه النساء . فقال : إنّ هذا يزعم أنك لا تري لأل إبراهيم عليك فضلاً .

ففتح المصحف فكان أول ما وقع عليه ( إن الله أصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) [ آل عمران : 33 ] .

فسعى حُمران ، وأقام حُمران بالبصرة ما شاء الله ، وأذن له عثمان فقدِم المدينة ومعه قوم فسعَوا بعامر بن عبد القيس أنه لا يري التزويج ، ولا يأكل اللحم ولا يشهد الجمعة .

فألحقه بمعاوية ، فلما قدم عليه رأي عنده ثريداً فأكل أكلاً عربياً فعرف أن الرجل مكذوبٌ عليه ، فعرّفه معاوية سببَ إخراجه فقال : أمّا الجمعة فإني أشهدها في مؤخر المجلس ثم أرجع في أوائل الناس ، وأما التزويج فإنّي خرجت وأنا يخطب عليّ ، وأما اللحم فقد رأيت ولكني لا آكل ذبائح القصابين منذ رأيتُ قصاباً يجر شاة إلى مذبحها ثم وضع السكين على حلقها فما زال يقول : النفَاق النفَاق حتى ذبحها قال : فارجع قال : لا أرجعْ إلى بلدٍ استحل أهلُه مني ما أستحلوا . فكان يكون في السواحل فكان يلقى معاوية فيكثر معاوية أنْ يقول : ما حاجتك ؟ فيقول : لا حاجة لي . فلما أكثر عليه قال :

ترد علي مِنْ حَرّ البصرة شيئاً لعل الصوم أنْ يشتد عليّ فإنه يخف عليّ في بلادكم .

ذكر عدة حوادث

وحج بالناس عثمان

وفيها مات المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأوصى أنْ يصلي عليه الزبير. وفيها توفي الطفيل ، والحصين ابنا الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف شهدا بدراً وأحداً، وقيل : ماتا سنة إحدى وثلاثين ، وقيل : اثنتين وثلاثين .

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين

قيل : فيها كانت غزوة الصواري في قول بعضهم ، وقد تقدم ذكرها وفيها تكاتب المنحرفون عن عثمان للاجتماع لمناظرته فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه .

ذكر الخبر عن ذلك وعن يوم الجَرَعَة

قد ذكرنا خبر المسير من الكوفة ومقامهم عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد .

ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان سنة أحي دى عشرة من خلافة عثمان ، وكان سعيد قد ولىَّ قبل مخرجه إلى عثمان بسنة وبعض أخرى الأشعث بن قيس أذربيجان ، وسعيد بن قيس الري ، والنُّسَيْر العجلي همذان ، والسائب بن الأقرع أصبهان ، ومالك بن حبيب ماه ، وحكيم بن سلام الخزامي الموصل ، وجرير بن عبد الله قرقيسيا، وسلمان بن ربيعة الباب ، وجعل القعقاع بن عمرو على الحرب ، وعلى حُلْوان عُتَيْبة بن النهاس ، وخلت الكوفة من الرؤساء فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان ومعه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم فأخذه القعقاع بن عمرو فقال : إنما نستعفي من سعيد . فقال : أما هذا فنَعَم ، فتركه .

وكاتب يزيد المسيرين في القدوم عليه فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن بن خالد فسبقهم الأشتر فلم يفجأ الناس يوم الجمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول : " جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان وتركتُ سعيداً يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم ، ورد أولي البلاء منكم إلى ألفين ، ويزعم أنّ فيئكم بستان قريش .

فاستخف الناسَ ، وجعل أهلُ الرأي ينهونهم فلا يُسمع منهم ، فخرج يزيد وأمر منادياً ينادي : من شاء أنْ يلحق بيزيد لردّ سعيد فليفعل . فبقي أشراف الناس وحلماؤهم في المسجد وعمرو بن حريث يومئذ خليفة سعيد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بالاجتماع والطاعة فقال له القعقاع : " أترد السيل عن أدراجه ! هيهات ، لا والله لا يُسَكن الغوغاء إلا المشرفية ويوشك أن تُنْتَضى وَيعِخون عجيجَ العتدان ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا يرده الله عليهم أبداً فاصبر.

قال : أصْبِر. وتحول إلى منزله ، وخرج يزيد بن قيس فنزل الجَرَعَة وهي قريب من القادسية ومعه الأشتر، فوصل إليهم سعيد بن العاص فقالوا : لا حاجة لنا لك . قال : إنما كان يكفيكم أنْ تبعثوا إلي أمير المؤمنين رجلاً وإليّ رجلاً، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجلٍ واحد .
ثم أنصرف عنهم ، وأحسوا بمولى له على بعير قد حُسِر فقال: والله ما كان ينبغي لسعيد أنْ يرجع . فقتله الأشتر ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره بما فعلوا وأنهم يريدون البَدَل ، وأنهم يختارون أبا موسى ، فجعل أبا موسى الأشعريّ أميراً ، وكتب إليهم : أما بعد فقد أمرْت عليكم مَنْ أخترتم ، وأعفيتكم من سعيد، ووالله لأقرضنكم عِرْضي ، ولابذُلَنّ لكم صبري ، ولاستصلحنكم بجهدي ، فلا تَدَعُوا شيئاً أحببتموه لا يعص الله فيه إلا سألتموه ، ولا شيئاً كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا ما استعفيتم منه انزلفيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم على الله حجة، ولنصبرن كما أمرنا حتي تبلغوا ما تريد ون " .

ورجع من الأمراء مَنْ قرب من الكوفة فرجع جرير من قرقيسيا وعتيبة بن النهاس من حُلوان ، وخطبهم أبو موسى وأمرهم بلزوم الجماعة، وطاعة شان  ، فأجابوا إِلى ذلك وقالوا : صَلّ بنا .

فقال : لا إلا على السمع والطاعة لعثمان . قالوا : نعم . فصلي بهم ، وأتاه ولاته فولّاهم . وقيل  : سبب يوم الجَرَعَة أنه كان قد أجتمع ناسٌ من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان فأجمع رأيهم فأرسلوا إليه عامر بن عبد [لله التميمي ثم العنبري وهو الذي يدعى عامر بن عبد القيس فأتاه فدخل عليه فقال له : إن ناساً من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبتَ أموراً عِظَاماً فاتقِ الله [ عز وجل ] وُتبْ إليه . فقال عثمان : أنظروا إلى هذا فانّ الناس يزعمون أنه قارئ ثم هو يجيء يكلمني في المُحَقرَات ! ووالله ما يدري أين الله . فقال عامر: [ إني لأدري أين الله . قال : نعم والله ما تدري أين الله . قال عامر : ] بلى والله إني لأدري إنّ الله لبالمرصاد [ لك ] .
فأرسل عثمان إلي معاوية، وعبد الله بن سعد، وإلي سعيد بن العاص ،وعَمْرو بن العاص ، وعبد الله بن عامر فجمعهم فشاورهم وقال لهم :
إنّ لكل امرءٍ وزراء ونصحاء وإنّكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي وقد صنع الناسً ما قد رأيتم وطلبوا إلى أن أعزل عُمالي وأنْ أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون فاجتَهِدُوا رأيكم ، [ وأشيروا عليّ ] .

فقال له ابن عامر: أري لك يا أمير المؤمنين أنْ تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذبّوا لك ، ولا يكون همة أحدهم إلا في نفسه وما هو فيه مِنْ دبر د"بته وقَمْل فروته . وقال سعيد : احسم عنك الداء فاقطع عنك الذي تخاف ، إنّ لكل قوم قادة متي تهلك يتفرقوا

ولا يجتمع لهم أمر. فقال عثمان : إنّ هذا هو الرأي لولا ما فيه . وقال معاوية : أشير عليك أنْ تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قِبَله وأكفيك أنا أهلَ الشام . وقال عبد الله بن سعد : إنّ الناس أهلُ طَمَع فاعطهم مِنْ هذا المال تعطف عليك قلوبُهم  .

ثم قام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين : إنك قد ركبتَ الناس بمثل بني أميةٍ فقلت وقالوا ، وزِغْتَ وزاغوا ، فاعتدلْ أو اعتزلْ ، فإنْ أبيت فاعتزم عزماً واقدم قدما .

فقال له عثمان : مالك قَمِلَ فَرْوُك؟ هذا الجد منك !

فسكت عمرو حتى تفرقوا فقال : " والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم عليّ من ذلك ، ولكنٌي علمتُ أنّ بالباب مَنْ يبلّغ الناس قول كل رجل منا فأردْتُ أنْ يَبْلُغَهم قولي فيثقوا بي فأقود إليك خيراً وأدفع عنك شراً.

فرد عثمان عُمّاله إلى أعمالهم ، وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث ، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ، ورد سعيداً إلي الكوفة، فلَقِيَه الناسُ مِنْ الجَرَعَة وردًوه كما سبق ذِكره .

قال أبو ثور الحدائي : جلستُ إلى حذيفة، وأبي مسعود الأنصاريّ بمسجد الكوفة يوم الجَرَعَة فقال أبو مسعود: ما أري أنْ تُرَدَّ على عقبيها حتى يكون فيها دماء . فقال حذيفة : والله لَتُرَذَنَّ على عَقِبَيْهَا ولا يكون فيها محجمة دم ، وما أري اليوم شيئاً إلا وقد عَلِمتُه والنبي صلى الله عليه وسلم حَيّ. فرجع سعيد إلى عثمان ولم يُسْفَك دم ، وجاء أبو موسي أميراً .

وأمر عثمان حذيفة بن اليَمَان أنْ يغزُوَ الباب فسار نحوَه .

ذكر ابتداء قتل عثمان

في هذه السنة تكاتب نفرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم بعضهم إلي بعض أنْ اقدموا فإنّ الجهاد عندناوعظم الناس على عثمان ، ونالوا منه [ أقبح ما نيل! مِنْ أحد ]، وليس أحدٌ من الصحابة ينهى ولا يذبّ إلا نفرٌ منهم زيد بن ثابت ، وأبو أسَيْد السًاعِدِي ، وكعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ، فاجتمع الناس فكلموا علي بن أبي طالب فدخل على عثمان فقال له : " الناس ورائي ، وقد كلموني فيك ، واللهّ ما أدري ما أقول لك ، ولا أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلك على أمرٍ لا تعرفه ، إنك لتعلم ما أعلم ما سبقناك إلى شيءٍ فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلغكه ، وما خُصِصنا بأمر دونك ، وقد رأيتَ ، وصحبتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وسمعتَ منه ، ونلْتَ صهره ، وما ابن أبي قحافة بأولي بالعمل منك بالحق ، ولا ابن الخطاب بأولى بشيءٍ من الخير منك ، وأنت أقرب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم رَحِماً، ولقد نلتَ مِنْ صهر رٍ سول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينالاه ، وما سبقاك إلى شيءٍ ، فالله الله في نفسِك ، فإنّك والله ما تبَصر مِنْ عمًى، ولا تُعَلَم من جهالة، وإن الطريق لواضح بين ، وإنّ أعلامَ الدينٍ لقائمة ، اعلمْ يا عثمان أنّ أفضل عباد الله [ عند الله ] إمامٌ عادل هُدِيَ وهَدَي فأقام سُنة معلومة ، وأماتَ بدعةً متروكة فوالله إنَّ كُلاً لَبَيِّن ، وإن السنن لقائمة لها أعلامٍ ، وإنَّ البدع لقائمة لها أعلام ، وإنَ شَر الناس عند الله إمام جائر ضَل وأضَلً فأمات سُنة معلومة ، وأحيا بدعةً متروكة ، [ وإنَي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يؤتى يؤم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحى ثم يرتطم في غَمْرة جهنم ] م . وإني أحذرك الله وسطواته ونقماته فإنّ عذابه شديدٌ أليم ، وأحذّرك أنْ تكون إمام هذه الأمة الذي يُقْتل فيفتح عليها القتل والقتال إلي يوم القيامة ويلبِّس أمورها عليها، ويتركها شِيَعاً لا يبصرون الحق لعلوَ الباطل ، يموجون فيها مَوْجاً، ويموجون فيها مَرجاً .

فقال عثمان : قد علمتُ والله ليقولُنَّ الذي قلتَ أما والله لو كنت مكاني ما عنَفتك ،ولا أسلمتك ، ولا عِبْتُ عليك ، ولا جئتُ مُنْكِراً أنْ وصلتُ رَحِماً، وسَدَدتُ خَلَة، وآويتُ ضائعاً، وولَيْتُ شبيهاً بمن كان عمر يولي ، أنشدك الله يا علىِّ : هل تعلم أنّ المنيرة بن شعبة ليس هناك ؟ قال : نعم . قال : فتعلم أنّ عمر ولاه ؟ قال : نعم . قال : فَلِمَ تلومني أنْ وَنَيْتُ ابن عامر في رحمه وقرابته ؟ قال علي : إنّ عمر كان يطأ على صماخِ  مَنْ وَلى إنْ بلغه عنه حرفٌ جلبه ثم بلغ به أقصى العقوبة، وأنت لا تفعل ضعفت ورققتَ على أقربائك .

قال عثمان : وهم أقرباؤك أيضاً . قال : أجل ، إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم ، قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولى معاوية؟ فقد وليْتُه فقال علي : أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من " يرفأ " غلام عمر له ؟ قال : نعم . قال علي : فإنّ معاوية يقتطع الأمور دونك ، ويقول للناس هذا أمرُ عثمان ، وأنت تعلم ذلك فلا تغيّر عليه .

ثم خرج عليّ من عنده وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر ثم قال : " أما بعد فإنّ لكل شيء آفة، ولكل أمرٍ عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عَيَّابون طعانون يُرونكم ما تحبون ، ويسترون عنكم ما تكرهون ، يقولون لكم ويقولون أمثال النعام ، يتبعون أول ناعق ، أحب مواردهم إليهم البعيد ، لا يشربون إلآ نَغَصاً ، ولا يَرِدون !لا عَكَراً [لا](2) ، يقوم لهم زائد وقد أعيتهم الأمور. ألا فقد والله عِبْتُم عليَّ ما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وَطِئكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم ، ولنتُ لكم وأوطأتكم كَتِفِي ، وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم عليَّ ، أما والله لأنا أعزّ نفراً ، وأقرب ناصراً ، وأكثر عدداً ، واحري إنْ قلتُ هَلُم أتَى إلي، ولقد عددتُ لكم أقراناً وأفضلتُ عليكم فضولاً، وكشرتُ لكم عن نابي ، وأخرجتم مني خُلُقاً لم أكن أحسنه ، ومَنْطِقاً لم أنطق به ، فكُفُّوا عني ألسنتكم وعيبكم وطعنكم ولاتكم فإني كففتُ عنكم مَنْ لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا . ألا فما تفقدون من حَقَكُم ؟ والله ما قصَّرْتُ عن بلوغ ما بلغ مَنْ كان قبلي ، ولم تكونوا تختلفون عليه . فقام مروان بن الحكم فقال : إنْ شئتم حَكَّمنا والله ما بيننا وبينكم السيف نحن وأنتم والله كما قال الشاعر:

فَرَشْنَا لَكُمْ أعْرَاضَنَا فَنَبَتْ بِكُمْ مَغَارِسُكُم           تَبْنُونَ فِي دِمَنِ الثرَي

فقال عثمان : اسكتْ لا سكتَّ دعني وأصحابي . ما منطقك في هذا؟ألم أتقدم إِليك أنْ لا تنطق ؟ فسكت مَرْوان ، ونزل عثمان عن المنبر. فاشتد قوله على الناس ، وعَظُم ، وزاد تألُّبهم عليه.

ذكر عدة حوادث

وحج هذه السنة بالناس عثمان . وفي هذه السنة تُوفي كعب الأحبار(2) وهو كعب بن ماتع وأسلم أيام عمر. وفيها مات أبو عَبْس عبد الرحمن بن جَبْر الأنصاري شهد بدراً . وفيها مات مِسْطَح بن أثاثة المطلبِيّ وهو ابن ست وخمسين سنة، وقيل : بل عاش وشهد صفين مع علي وهو الأكثر وكان بدرياً . وفيها توفي عُبَادة بن الصامت الأنصاري وهو ممن شهد العقبة وكان نقيباً بدرياً، وعاقل بن البُكَير وهو بدري أيضاً .

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
‏ ‏ ‏ ‏ ‏ ‏  ‏ ‏