المجلد الثامن - ذكر ملك مسعود بن سبكتكين همذان

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة

في هذه السنة سير مسعود بن يمين الدولة محمود جيشًا إلى همذان فملكوها وأخرجوا نواب علاء الدولة بن كاكويه عنها وسار هو إلى أصبهان فلما قاربها فارقها علاء الدولة فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر فإن علاء الدولة أعجل عن أخذه فلم يأخذ إلا بعضه وسار إلى خوزستان فبلغ إلى تستر ليطلب من أبي كاليجار نجدة ومن الملك جلال الدولة ويعود إلى بلاده يستنقذها فبقي عند أبي كاليجار مدة وهو عقيب انهزامه من جلال الدولة ضعيف ومع هذا فهو يعده النصرة وتسيير العساكر إذا اصطلح هو وجلال الدولة‏.‏

فبينما هو عنده إذ أتاه خبر وفاة يمين الدولة محمود ومسير مسعود إلى خراسان فسار علاء الدولة إلى بلاده على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

في هذه السنة غزا أحمد بن ينالتكين النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند مدينة للهنود هي من أعظم مدنهم يقال لها نرسى ومع أحمد نحو مائة ألف فارس وراجل وشن الغارة على البلاد ونهب وسبى وخرب الأعمال وأكثر القتل والأسر فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها ونهب المسلمون في ذلك الجانب يومًا من بكرة إلى آخر النهار ولم يفرغوا من نهب سوق العطارين والجوهريين حسب وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك لأن طوله منزل من منازل الهنود وعرضه مثله فلما جاء المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره‏.‏وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة كيلًا ولم يصل إلى هذه المدينة عسكر للمسلمين قبله ولا بعده فلما فارقه أراد العود إليه فلم يقدر على ذلك منعه أهله عنه‏.‏

ذكر ملك بدران ابن المقلد نصيبين

قد ذكرنا محاصرة بدران نصيبين وأنه رحل عنها خوفًا من قرواش فلما رحل شرع في إصلاح الحال معه فاصطلحا‏.‏

ثم جرى بين قرواش ونصر الدولة ابن مروان نفرة كان سببها أن نصرالدولة كان قد تزوج ابنة قرواش ونصر فآثر عليها غيرها فأرسلت إلى أبيها تشكو منه فأرسل يطلبها إليه فسيرها فأقامت بالموصل‏.‏

ثم إن ولد مستحفظ جزيرة ابن عمر وهي لابن مروان هرب إلى قرواش وأطمعه في الجزيرة فأرسل إلى نصر الدولة يطلب منه صداق ابنته وهو عشرون ألف دينار ويطلب الجزيرة لنفقتها ويطلب نصيبين لأخيه بدران ويحتج بما أخرج بسببها عام أول وترددت الرسل بينهما في ذلك فلم يستقر حال فسير جيشًا لمحاصرة الجزيرة وجيشًا مع أخيه بدران إلى نصيبين فحصرها بدران وأتاه قرواش فحصرها معه فلم يملك واحد من البلدين وتفرق من كان معه من العرب والأكراد‏.‏

فلما رأى بدران تفرق الناس عن أخيه سار إلى نصر الدولة بن مروان بميافارقين يطلب منه نصيبين فسلمها إليه وأرسل من صداق ابنة قرواش خمسة عشر ألف دينار واصطلحا‏.‏

ذكر ملك أبي الشوك دقوقا

وفيها حصر أبو الشوك دقوقا وبها مالك بن بدران بن المقلد العقيلي فطال حصاره وكان قد أرسل إليه يقول له‏:‏ إن هذه المدينة كانت لأبي ولا بد لي منها والصواب أن تنصرف عنها‏.‏

فامتنع من تسليمها فحصره بها ثم استظهر وملك البلد فطلب منه مالك الأمان على نفسه وماله وأصحابه فأمنه على نفسه حسب فلما خرج إليه مالك قال له أبو الشوك‏:‏ قد كنت سألتك أن تسلم البلد طوعًا وتحقن دماء المسلمين فلم تفعل‏.‏

فقال‏:‏ لو فعلت لعيرتني العرب وأما الآن فلا عار علي‏.‏

فقال أبو الشوك‏:‏ إن من إتمام الصنيعة تسليم مالك وأصحابك إليك فأعطاه ما كان له أجمع فأخذه وعاد سالمًا‏.‏

ذكر وفاة محمود بن سبكتكين وملك ولده محمد

في هذه السنة في ربيع الآخر توفي يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين ومولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلاثمائة وقيل إنه توفي أحد عشر صفر وكان مرضه سوء مزاج وإسهالًا وبقي كذلك نحو سنتين وكان قوي النفس لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته فأشار عليه الأطباء بالراحة وكان يجلس للناس بكرة وعشية فقال‏:‏ أتريدون أن أعتزل الإمارة فلم يزل كذلك حتى توفي قاعدًا‏.‏فلما حضره الموت أوصى بالملك لابنه محمد وهو ببلخ وكان أصغر من مسعود إلا أنه كان معرضًا عن مسعود لأن أمره لم يكن عنده نافذًا وسعى بينهما أصحاب الأغراض فزادوا أباه

نفورًا عنه فلما وصى بالملك لولده محمد توفي فخطب لمحمد من أقاصي الهند إلى نيسابور وكان لقبه جلال الدولة وأرسل إليه أعيان دولة أبيه يخبرونه بموت أبيه ووصيته له بالملك ويستدعونه ويحثونه على السرعة ويخوفونه من أخيه مسعود فحين بلغه الخبر سار إلى غزنة فوصلها بعد موت أبيه بأربعين يومًا فاجتمعت العساكر على طاعته وفرق فيهم الأموال والخلع النفيسة فأسرف في ذلك‏.‏

ذكر ملك مسعود وخلع محمد

لما توفي يمين الدولة كان ابنه مسعود بأصبهان فلما بلغه الخبر سار إلى خراسان واستخلف بأصبهان بعض أصحابه في طائفة من العسكر فحين فارقها ثار أهلها بالوالي عليهم فقتلوه وقتلوا من معه من الجند‏.‏

وأتى مسعودًا الخبر فعاد إليها وحصرها وفتحها عنوة وقتل فيها فأكثر ونهب الأموال واستخلف فيها رجلًا كافيًا وكتب إلى أخيه محمد يعلمه بذلك وأنه لا يريد من البلاد التي وصى له أبوه بها شيئًا وأنه يكتفي بما فتحه من بلاد طبرستان وبلد الجبل وأصبهان وغيرها ويطلب منه الموافقة وأن يقدمه في الخطبة على نفسه فأجابه محمد جواب مغالط‏.‏

وكان مسعود قد وصل إلى الري فأحسن إلى أهلها وسار منها إلى نيسابور ففعل مثل ذلك وأما محمد فإنه أخذ على عسكره العهود والمواثيق على المناصحة له والشد منه وسار في عساكره إلى أخيه مسعود محاربًا له وكان بعض عساكره يميل إلى أخيه مسعود لكبره وشجاعته ولأنه قد اعتاد التقدم على الجيوش وفتح البلاد وبعضها يخافه لقوة نفسه‏.‏

وكان محمد قد جعل مقدم جيشه عمه يوسف بن سبكتكين فلما هم بالركوب في داره بغزنة ليسير سقطت قلنسونه من رأسه فتطير الناس من ذلك وأرسل إليه التونتاش صاحب خوارزم وكان من أعيان أصحاب أبيه محمود يشير عليه بموافقة أخيه وترك مخالفته فلم يصغ إلى قوله وسار فوصل إلى تكناباذ أول يوم رمضان وأقام إلى العيد فعيد هناك فلما كان ليلة الثلاثاء ثالث شوال ثار به جنده فأخذوه وقيدوه وحبسوه وكان مشغولًا بالشراب واللعب عن تدبير المملكة والنظر في أحوال الجند والرعايا‏.‏

وكان الذي سعى في خذلانه علي خويشاوند صاحب أبيه وأعانه على ذلك عمه يوسف بن سبكتكين‏.‏

فلما قبضوا عليه نادوا بشعار أخيه مسعود ورفعوا محمدًا إلى قلعة تكناباذ وكتبوا إلى مسعود بالحال‏.‏

فلما وصل إلى هراة لقيته العساكر مع الحاجب علي خويشاوند فلما لقيه الحاجب علي قبض عليه وقتله وقبض بعد ذلك أيضًا على عمه يوسف وهذه عاقبة الغدر وهما سعيا له في رد الملك إليه وقبض أيضًا على جماعة من أعيان القواد في أوقات متفرقة وكان اجتماع الملك له واتفاق الكلمة عليه في ذي القعدة وأخرج الوزير أبا القاسم أحمد بن الحسن الميمندي الذي كان وزير أبيه من محبسه واستوزره ورد الأمر إليه وكان أبوه قد قبض عليه سنة اثنتي عشرة وأربعمائة لأمور أنكرها وقيل شره في ماله وأخذ منه لما قبض عليه مالًا وأعراضًا بقيمة خمسة آلاف ألف دينار‏.‏

وكان وصول مسعود إلى غزنة ثامن جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة فلما وصل إليها وثبت ملكه بها أتته رسل الملوك من سائر الأقطار إلى بابه واجتمع له ملك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند وسجستان وكرمان ومكران والري وأصبهان وبلد الجبل وغير ذلك وعظم سلطانه وخيف جانبه‏.‏

ذكر بعض سيرة محمود بن سبكتكين

كان يمين الدولة محمود بن سبكتكين عاقلًا دينًا خيرًا عنده علم ومعرفة وصنف له كثير من الكتب في فنون العلوم وقصده العلماء من أقطار البلاد وكان يكرمهم ويقبل عليهم ويعظمهم ويحسن إليهم وكان عادلًا كثير الإحسان إلى رعيته والرفق بهم كثير الغزوات ملازمًا للجهاد وفتوحه مشهورة مذكورة وقد ذكرنا منها ما وصل إلينا على بعد الدهر وفيه ما يستدل به على بذل نفسه لله تعالى واهتمامه بالجهاد‏.‏

ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى أخذ الأموال بكل طريق فمن ذلك أنه بلغه أن إنسانًا من نيسابور كثير المال عظيم الغنى فأحضره إلى غزنة وقال له‏:‏ بلغنا أنك قرمطي فقال‏:‏ لست بقرمطي ولي مال يؤخذ منه ما يراد وأعفى من هذا الاسم فأخذ منه مالًا وكتب معه كتابًا بصحة اعتقاده‏.‏

وجدد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا والرشيد وأحسن عمارته وكان أبوه سبكتكين أخربه وكان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم عن ذلك‏.‏

وكان سبب فعله أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام وهو يقول له‏:‏ إلى متى هذا فعلم أنه يريد أمر المشهد فأمر بعمارته‏.‏

وكان ربعة مليح اللون حسن الوجه صغير العينين أحمر الشعر وكان ابنه محمد يشبهه وكان ابنه مسعود ممتليء البدن طويلًا‏.‏

ذكر عودة علاء الدولة إلى أصبهان وغيرها وما كان منه

لما مات محمود بن سبكتكين طمع فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في الري وكان قد هرب منها لما ملكها عسكر يمين الدولة محمود فقصد قصران وهي حصينة فامتنع بها‏.‏

فلما توفي يمين الدولة وعاد ابنه مسعود إلى خراسان جمع فناخسرو هذا جمعًا من الديلم والأكراد وغيرهم وقصدوا الريي فخرج إليه نائب مسعود بها ومن معه من العسكر فقاتلوه فانهزم منهم وعاد إلى بلده وقتل جماعة من عسكره‏.‏

ثم إن علاء الدولة بن كاكويه لما بلغه وفاة يمين الدولة كان بخوستان عند الملك أبي كاليجار كما ذكرنا وقد أيس من نصره وتفرق بعض من عنده من عسكره وأصحابه والباقون على عزم مفارقته وخائف من مسعود أن يسير إليه من أصبهان فلا يقوى هو وأبو كاليجار به فأتاه من الفرج بموت يمين الدولة ما لم يكن في حسابه فلما سمع الخبر سار إلى أصبهان فملكها وملك همذان وغيرهما من البلاد وسار إلى الري فملكها وامتد إلى أعمال أنوشروان بن منوجهر بن قابوس فأخذ منه خوار الري ودنباوند‏.‏

فكتب أنوشروان إلى مسعود يهنئه بالملك وسأله تقرير الذي عليه بمال يحمله فأجابه إلى ذلك وسير إليه عسكرًا من خراسان فساروا إلى دنباوند فاستعادوها وساروا نحو الري فأتاهم المدد والعسكر وممن أتاهم علي بن عمران فكثر جمعهم فحصروا الري وبها علاء الدولة فاشتد القتال في بعض الأيام فدخل العسكر الري قهرًا والفيلة معهم فقتل جماعة من أهل الري والديلم ونهب المدينة وانهزم علاء الدولة وتبعه بعض العسكر وجرحه في رأسه وكتفه فألقى لهم دنانير كانت معه فاشتغلوا بها عنه فنجا وسار إلى قلعة فردجان على خمسة عشر فرسخًا من همذان فأقام بها إلى أن برأ من جراحته وكان من أمره ما نذكر إن شاء الله تعالى وخطب بالري وأعمال أنوشروان لمسعود فعظم شأنه‏.‏

ذكر الحرب بين عسكر جلال الدولة وأبي كاليجار

في هذه السنة في شوال سير جلال الدولة عسكرًا إلى المذار وبها عسكر أبي كاليجار فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر أبي كاليجار واستولى أصحاب جلال الدولة على المذار وعملوا بأهلها كل محظور‏.‏

فلما سمع أبو كاليجار الخبر سير إليهم عسكرًا كثيفًا فاقتتلوا بظاهر البلد فانهزم عسكر جلال الدولة وقتل أكثرهم وثار أهل البلد بغلمانهم فقتلوهم ونهبوا أموالهم لقبيح سيرتهم معهم وعاد من سلم من المعركة إلى واسط‏.‏

ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن مقن

وكان سبب ذلك أن غريبًا جمع جمعًا كثيرًا من العرب والأكراد واستمد جلال الدولة فأمده بجملة صالحة من العسكر فسار إلى تكريت فحصرها وهي لأبي المسيب رافع بن الحسين وكان قد توجه إلى الموصل وسأل قرواشًا النجدة فجمعا وحشدا وسارا منحدرين فيمن معهما فبلغا الدكة وغريب يحاصر تكريت وقد ضيق على من بها وأهلها يطلبون منه الأمان فلم يؤمنهم فحفظوا نفوسهم وقاتلوا أشد قتال‏.‏

فلما بلغه وصول قرواش ورافع سار إليهم فالتقوا بالدكة واقتتلوا فغدر بغريب بعض من معه ونهبوا سواده وسواد الأجناد الجلالية فانهزم وتبعهم قرواش ورافع ثم كفوا عنه وعن أصحابه ولم يتعرضوا إلى حلته وما له فيها وحفظوا ذلك أجمع ثم إنهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من الوفاق‏.‏

ذكر خروج ملك الروم إلى الشام وانهزامه

في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاث مائة ألف مقاتل إلى الشام فلم يزل بعساكره حتى بلغوا قريب حلب وصاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس فنزلوا على يوم منها فلحقهم عطش شديد وكان الزمان صيفًا وكان أصحابه مختلفين عليه فمنهم من وممن كان معه ابن الدوقس ومن أكابرهم وكان يريد هلاك الملك ليملك بعده فقال الملك‏:‏ الرأي أن نقيم حتى تجيء الأمطار وتكثر المياه‏.‏

فقبح ابن الدوقس هذا الرأي وأشار بالإسراع قصدًا لشر يتطرق إليه ولتدبير كان قد دبره عليه‏.‏

فسار ففارقه ابن الدوقس وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس وسلكوا طريقًا آخر فخلا بالملك بعض أصحابه وأعلمه أن ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رجلًا هو أحدهم على الفتك به واستشعر من ذلك وخاف ورحل من يومه راجعًا‏.‏

ولحقه ابن الدوقس وسأله عن السبب الذي أوجب عوده فقال له‏:‏ قد اجتمعت علينا العرب وقربوا منا وقبض في الحال على ابن الدوقس وابن لؤلؤ وجماعة معهما فاضطرب الناس واختلفوا ورحل الملك وتبعهم العرب وأهل السواد حتى الأرمن يقتلون وينهبون وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالًا وثيابًا وهلك كثير من الروم عطشًا ونجا الملك وحده ولم يسلم معه من أمواله وخزائنه شيء البتة وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا‏.‏

وقيل في عوده غير ذلك وهو أن جمعًا من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره وظن الروم أنها كبسة فلم يدروا ما يفعلون حتى إن ملكهم لبس خفًا أسود وعادة ملوكهم لبس الخف الأحمر فتركه ولبس الأسود ليعمى خبره على من يريده وانهزموا وغنم المسلمون جميع كان

ذكر مسير أبي علي بن ماكولا إلى البصرة وقتله

لما استولى الملك جلال الدولة على واسط وجعل ولده فيها سير وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح والبصرة ليملكها فملك البطائح وسار إلى البصرة في الماء وأكثر من السفن والرجال‏.‏

وكان بالبصرة أبو منصور بختيار بن علي نائبًا لأبي كاليجار فجهز جيشًا في أربعمائة سفينة وجعل عليهم أبا عبد الله الشرابي الذي كان صاحب البطيحة وسيره فالتقى هو والوزير أبو علي فعند اللقاء والقتال هبت ريح شمال كانت على البصريين ومعونة للوزير فانهزم البصريون وعادوا إلى البصرة فعزم بختيار على الهرب إلى عبادان فمنعه من سلم عنده من عسكره فأقام متجلدًا‏.‏

وأشار جماعة على الوزير أبي علي أن يعجل الانحدار ويغتنم الفرصة قبل أن يعود بختيار يجمع‏.‏

فلما قاربهم وهو في ألف وثلاثمائة عدد من السفن سير بختيار ما عنده من السفن وهي نحو ثلاثين قطعة وفيها المقاتلة وكان قد سير عسكرًا آخر في البر وكان له في فم نهر أبي الخصيب نحو خمسمائة قطعة فيها ماله ولجميع عسكره من المال والأثاث والأهل فلما تقدمت سفنه صاح من فيها وأجابه من في السفن التي فيها أهلوهم وأموالهم وورد عليهم العسكر الذي في البر فقال الوزير لمن أشار عليه بمعالجة بختيار‏:‏ ألستم زعمتم أنه في خف من العسكر وأن معالجته أولى ورأى الدنيا مملوءة عساكر فهونوا عليه الأمر فغضب وأمر بإعادة السفن إلى الشاطيء إلى الغد ويعود إلى القتال‏.‏

فلما أعاد سفنه ظن أصحابه أنه قد انهزم فصاحوا‏:‏ الهزيمة‏!‏ فكانت هي‏.‏

وقيل‏:‏ بل لما أعاد سفنه لحقهم من في سفن بختيار وصاحوا‏:‏ الهزيمة‏!‏ الهزيمة‏!‏ وأجابهم من في البر من عسكر بختيار ومن في سفنهم التي فيها أموالهم فانهزم أبو علي حقًا وتبعه أصحاب بختيار وأهل السواد ونزل بختيار في الماء واستصرخ الناس وسار في آثارهم يقتل ويأسر وهم يغرقون فلم يسلم من السفن كلها أكثر من خمسين قطعة‏.‏

وسار الوزير أبو علي منهزمًا فأخذ أسيرًا وأحضر عند بختيار فأكرمه وعظمه وجلس بين يديه وقال له‏:‏ ما الذي تشتهي أن أفعل معك قال‏:‏ ترسلني إلى الملك أبي كاليجار‏.‏

فأرسله إليه فأطلقه فاتفق أن غلامًا له وجارية اجتمعا على فساد فعلم بهما وعرفا أنه قد علم حالهما فقتلاه بعد أسره بنحو من شهر‏.‏

وكان قد أحدث في ولايته رسومًا جائرة وسن سننًا سيئة ومنها جباية سوق الدقيق ومقالي الباذنجان وسميريات المشارع ودلالة ما يباع من الأمتعة وأجر الحمالين الذين يرفعون التمور إلى

ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة وأخذها منهم

لما انحدر الوزير أبو علي بن ماكولا إلى البصرة على ما ذكرناه لم يستصحب معه الأجناد البصريين الذين مع جلال الدولة تأنيسًا للديلم الذين بالبصرة فلما أصيب على ما ذكرنا تجهز هؤلاء البصريون وانحدروا إلى البصرة فوصلوا إليها وقاتلوا من بها من عسكر أبي كاليجار فانهزم عسكر أبي كاليجار ودخل عسكر جلال الدولة البصرة في شعبان‏.‏

واجتمع عسكر أبي كاليجار بالأبلة مع بختيار فأقاموا بها يستعدون للعود وكتبوا إلى كاليجار يستمدونه فسير إليهم عسكرًا كثيرًا مع وزيره ذي السعادات أبي الفرج بن فسانجس فقدموا إلى الأبلة واجتمعوا مع بختيار ووقع الشروع في قتال من بالبصرة من أصحاب جلال الدولة فسير بختيار جمعًا كثيرًا في عدة من سفن فقاتلوهم فنصر أصحاب جلال الدولة عليهم وهزموهم فوبخهم بختيار وسار من وقته في العدد الكثير والسفن الكثيرة فاقتتلوا واشتد القتال فانهزم بختيار وقتل من أصحابه جماعة كثيرة وأخذ هو فقتل من غير قصد لقتله وأخذوا كثيرًا من سفنه وعاد كل فريق إلى موضعه‏.‏

وعزم الأتراك من أصحاب جلال الدولة على مباكرة الحرب وإتمام الهزيمة وطالبوا العامل الذي على البصرة بالمال فاختلفوا وتنازعوا في الإقطاعات فأصعد ابن المعبراني صاحب البطيحة فسار إليه جماعة من الأتراك الواسطيين ليردوه فلم يرجع فتبعوه وخاف من بقي بعضهم من بعض أن لا يناصحوهم ويسلموهم عند الحرب فتفرقوا واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات وقد كان خائفًا منهم فجاءه ما لم يقده من الظفر ونادى من بقي بالبصرة بشعار أبي كاليجار فدخلها عسكره وأرادوا نهبها فمنعهم ذو السعادات‏.‏

ذكر غزو فضلون الكردي الخزر

وما كان منه كان فضلون الكردي هذا بيده قطعة من أذربيجان قد استولى عليها وملكها فاتفق أنه غزا الخزر هذه السنة فقتل منهم وسبى وغنم شيئًا كثيرًا فلما عاد إلى بلده أبطأ في سيره وأمل الاستظهار في أمره ظنًا منه أنه قد دوخهم وشغلهم بما عمله بهم فاتبعوه مجدين وكيسوه وقتلوا من أصحابه والمطوعة الذين معه أكثر من عشرة آلاف قتيل واستردوا الغنائم التي أخذت منهم وغنموا أموال العساكر الإسلامية وعادوا‏.‏

ذكر البيعة لولي العهد

في هذه السنة مرضض القادر بالله وأرجف بموته فجلس جلوسًا عامًا وأذن للخاصة والعامة فوصلوا إليه فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال‏:‏ خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بإطالة البقاء وشاكرون لما بلغهم من نظره لهم وللمسلمين باختيار الأمير أبي جعفر لولاية العهد‏.‏

فقال الخليفة للناس‏:‏ قد أذنا في العهد له وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك فثناه عنه أبو الحسن بن حاجب النعمان‏.‏

فلما عهد إليه ألقيت الستارة وقعد أبو جعفر على السرير الذي كان قائمًا عليه وخدمه الحاضرون وهنأوه وتقدم أبو الحسن بن حاجب النعمان فقبل يده وهنأه فقال‏:‏ ‏{‏ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 25‏]‏‏.‏ يعرض له بإفساده رأي الخليفة فيه فأكب على تقبيل قدمه وتعفير خده بين يديه والاعتذار‏.‏

فقبل عذره ودعي له على المنابر يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الأولى‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة استوزر جلال الدولة أبا سعد عبد الرحيم بعد ابن ماكولا ولقبه عميد الدولة‏.‏

وفيها توفي أبو الحسن بن حاجب النعمان ومولده سنة أربعين وثلاثمائة وكان خصيصًا بالقادر وفيها ظهر متلصصة ببغداد من الأكراد فكانوا يسرقون دواب الأتراك فنقل الأتراك خيلهم إلى دورهم ونقل جلال الدولة دوابه إلى بيت في دار المملكة‏.‏

وفيها توفي أبو الحسن بن عبد الوارث الفسوي النحوي بفسا وهو نسيب أبي علي الفارسي‏.‏

وفيها توفي أبو محمد الحسن بن يحيى العلوي النهرسابسي الملقب بالكافي وكان موته بالكوفة‏.‏

وفيها في رجب جاء في غزنة سيل عظيم أهلك الزرع والضرع وغرق كثيرًا من الناس لا يحصون وخرب الجسر الذي بناه عمرو بن الليث وكان هذا الحادث عظيمًا‏.‏

وفيها في رمضان تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين في غزنة بألف ألف درهم وأدر على الفقراء من العلماء والرعايا إدرارات كثيرة‏.‏

ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة

ذكر ملك مسعود بن سبكتكين التيز ومكران

في هذه السنة سير السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرًا إلى التيز فملكها وما جاورها‏.‏

وسبب ذلك أن صاحبها معدان توفي وخلف ولدين أبا العساكر وعيسى فاستبد عيسى بالولاية والمال فسار أبو العساكر إلى خراسان وطلب من مسعود النجدة فسير معه عسكرًا وأمرهم بأخذ البلاد من عيسى أو الاتفاق مع أخيه على طاعته فوصلوا إليها ودعوا عيسى إلى الطاعة والموافقة فأبى وجمع جمعًا كثيرًا بلغوا ثمانية عشر ألفًا وتقدم إليهم فالتقوا فاستأمن كثير من أصحاب عيسى إلى أخيه أبي العساكر فانهزم عيسى ثم عاد وحمل في نفر من أصحابه فتوسط المعركة فقتل واستولى أبو العساكر على البلاد ونهبها ثلاثة أيام فأجحف بأهلها‏.‏

ذكر ملك الروم مدينة الرها

في هذه السنة ملك الروم مدينة الرها وكان سبب ذلك أن الرها كانت بيد نصر الدولة بن مروان كما ذكرناه فلما قتل عطير الذي كان صاحبها شفع صالح بن مرداس صاحب حلب إلى نصر الدولة ليعيد الرها إلى ابن عطير وإلى ابن شبل بينهما نصفين فقبل شفاعته وسلمها إليهما‏.‏

وكان له في الرها برجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر فتسلم ابن عطير الكبير وابن شبل الصغير وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة فراسل ابن عطير أرمانوس ملك الروم وباعه حصته من الرها بعشرين ألف دينار وعدة قرايا من جملتها قرية تعرف إلى الآن بسن ابن عطير وتسلموا البرج الذي له ودخلوا البلد فملكوه وهرب منه أصحاب ابن شبل وقتل الروم المسلمين وخربوا المساجد‏.‏

وسمع نصر الدولة الخبر فسير جيشًا إلى الرها فحصروها وفتحوها عنوة واعتصم من بها من الروم بالبرجين واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم وهي من أكبر البيع وأحسنها عمارة فحصرهم المسلمون بها وأخرجوهم وقتلوا أكثرهم ونهبوا البلد وبقي الروم في البرجين وسير إليهم عسكرًا نحو عشرة آلاف مقاتل فانهزم أصحاب ابن مروان من بين أيديهم ودخلوا البلد وما جاورهم من بلاد المسلمين وصالحهم ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إليهم خراجًا‏.‏

ذكر ملك مسعود كرمان وعود عسكره عنها

وفيها سارت عساكر خراسان إلى كرمان فملكوها وكانت للملك أبي كاليجار فاحتمى عسكره بمدينة بردسير وحصرهم الخراسانيون فيها وجرى بينهم عدة وقائع وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار يطلبون المدد فسير إليهم العادل بهرام بن مافنة في عسكر كثيف ثم إن الذين ببردسير خرجوا إلى الخراسانية فواقعوهم واشتد القتال وصبوا لهم فأجلت الوقعة عن هزيمة الخراسانية وتبعهم الديلم حتى أبعدوا ثم عادوا إلى بردسير‏.‏

ووصل العادل عقيب ذلك إلى جيرفت وسير عسكره إلى الخراسانية وهم بأطراف البلاد فواقعوهم فانهزم الخراسانية ودخلوا المفازة عائدين إلى خراسان وأقام العادل بكرمان إلى أن أصلح أمورها وعاد إلى فارس‏.‏

ذكر وفاة القادر بالله وشيء من سيرته وخلافة القائم بأمر الله

في هذه السنة في ذي الحجة توفي الإمام القادر بالله أمير المؤمنين وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر وخلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر وعشرون يومًا وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك فلما وليها القادر بالله أعاد جدتها وجدد ناموسها وألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها‏.‏

وكان حليمًا كريمًا خيرًا يحب الخير وأهله ويأمر به وينهى عن الشر ويبغض أهله وكان ولما توفي صلى عليه ابنه القائم بأمر الله وكان القادر بالله أبيض حسن الجسم كث اللحية طويلها يخضب وكان يخرج من داره في زي العامة ويزور قبور الصالحين كقبر معروف وغيره وإذا وصل إليه حال أمر فيه بالحق‏.‏

قال القاضي الحسين بن هارون‏:‏ كان بالكرخ ملك ليتيم وكان له فيه قيمة جيدة فأرسل إلي ابن حاجب النعمان وهو حاجب القادر يأمرني أن أفك عنه الحجر ليشتري بعض أصحابه ذلك الملك فلم أفعل فأرسل يستدعيني فقلت لغلامه‏:‏ تقدمني حتى ألحقك وخفته فقصدت قبر معروف فدعوت الله أن يكفيني شره وهناك شيخ فقال لي‏:‏ على من تدعو فذكرت له ذلك ووصلت إلى ابن حاجب النعمان فأغلظ لي في القول ولم يقبل عذري فأتاه خادم برقعة ففتحها وقرأها وتغير لونه ونزل من الشدة فاعتذر إلي ثم قال‏:‏ كتبت إلى الخليفة قصة فقلت‏:‏ لا‏.‏

وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة‏.‏

وقيل‏:‏ كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة أقسام‏:‏ فقسم كان يتركه بين يديه وقسم يرسله إلى جامع الرصافة وقسم يرسله إلى جامع المدينة يفرق على المقيمين فيهما فاتفق أن الفراش حمل ليلة الطعام إلى جامع المدينة ففرقه على الجماعة فأخذوا إلا شابًا فإنه رده‏.‏

فلما صلوا المغرب خرج الشاب وتبعه الفراش فوقف على باب فاستطعم فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع فقال له الفراش‏:‏ ويحك ألا تستحي ينفذ إليك خليفة الله بطعام حلال فترده وتخرج وتأخذ من الأبواب‏!‏ فقال‏:‏ والله ما رددته إلا لأنك عرضته علي قبل المغرب وكنت غير محتاج إليه فلما احتجت طلبت فعاد الفراش فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال له‏:‏ راع مثل هذا واغتنم أخذه وأقم إلى وقت الإفطار‏.‏

وقال أبو الحسن الأبهري‏:‏ أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله في رسالة فسمعته ينشد‏:‏ سبق القضاء بكل ما هو كائن والله يا هذا لرزقك ضامن تعنى بما يفنى وتترك ما به تغنى كأنك للحوادث آمن أوما ترى الدنيا ومصرع أهلها فاعمل ليوم فراقها يا حائن واعلم بأنك لا أبا لك في الذي أصبحت تجمعه لغيرك خازن يا عامر الدنيا أتعمر منزلًا لم يبق فيه مع المنية ساكن الموت شيء أنت تعلم أنه حق وأنت بذكره متهاون إن المنية لا تؤامر من أتت في نفسه يومًا ولا تستأذن فقلت‏:‏ الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين لإنشاد مثل هذه الأبيات‏.‏

فقال‏:‏ بل لله المنة إذ ألزمنا بذكره ووفقنا لشكره ألم تسمع قول الحسن البصري في أهل المعاصي‏:‏ هانوا عليه فعصوه ولو

ذكر خلافة القائم بأمر الله

لما مات القادر بالله جلس ابنه القائم بأمر الله وأبو جعفر عبد الله وجددت له البيعة وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى عشرين كما ذكرناه واستقرت الخلافة له وأول من بايعه الشريف أبو القاسم المرتضى وأنشده‏:‏ فإما مضى جبل وانقضى فمنك لنا جبل قد رسا وإما فجعنا ببدر التمام فقد بقيت منه شمس الضحى لنا حزن في محل السرور وكم ضحك في خلال البكا فيا صارم أغمدته يد لنا بعدك الصارم المنتضى وهي أكثر من هذا‏.‏

وأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة ويخطب له في بلاده فأجاب وبايع وخطب له في بلاده وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالًا كثيرة‏.‏

ذكر الفتنة ببغداد

في هذه السنة في ربيع الأول تجددت الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة‏.‏

وكان سبب ذلك أن الملقب بالمذكور أظهر العزم على الغزاة واستأذن الخليفة في ذلك فأذن له وكتب له منشور من دار الخلافة وأعطى علمًا فاجتمع له لفيف كثير فسار واجتاز بباب الشعير وطاق الحراني وبين يديه الرجال بالسلاح فصاحوا بذكر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقالوا‏:‏ هذا يوم معاوية فنافرهم أهل الكرخ ورموهم وثارت الفتنة ونهبت دور اليهود لأنهم قيل عنهم إنهم أعانوا أهل الكرخ‏.‏

فلما كان الغد اجتمع السنة من الجانبين ومعهم كثير من الأتراك وقصدوا الكرخ فأحرقوا وهدموا الأسواق وأشرف أهل الكرخ على خطة عظيمة‏.‏

وأنكر الخليفة ذلك إنكارًا شديدًا ونسب إليهم تخريق علامته التي مع الغزاة فركب الوزير فوقعت في صدره آجرة فسقطت عمامته وقتل من أهل الكرخ جماعة وأحرق وخرب في هذه الفتنة سوق العروس وسوق الصفارين وسوق الأنماط وسوق الدقاقين وغيرها واشتد الأمر فقتل العامة الكلالكي وكان ينظر في المعونة وأحرقوه‏.‏

ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه وقتل أهل الكرخ ونهر طابق والقلائين وباب البصرة وفي الجانب الشرقي أهل سوق الثلاثاء وسوق يحيى وباب الطاق والأساكفة والرهادرة ودرب سليمان فقطع الجسر ليفرق بين الفريقين ودخل العيارون البلد وكثر الاستقفاء بها والعملات ليلًا ونهارًا‏.‏

وأظهر الجند كراهة الملك جلال الدولة وأرادوا قطع خطبته ففرق فيهم مالًا وحلف لهم فسكنوا ثم عاودوا الشكوى إلى الخليفة منه وطلبوا أن يأمر بقطع خطبته فلم يجبهم إلى ذلك فامتنع حينئذ جلال الدولة من الجلوس وضربه النوبة أوقات الصلوات وانصرف الطبالون لانقطاع الجاري لهم ودامت هذه الحال إلى عيد الفطر فلم يضرب بوق ولا طبل ولا أظهرت الزينة وزاد الاختلاط‏.‏

ثم حدث في شوال فتنة بين أصحاب الأكيسة وأصحاب الخلعان وهما شيعة وزاد الشر ودام إلى ذي الحجة فنودي في الكرخ بإخراج العيارين فخرجوا واعترض أهل باب البصرة قومًا من قم أرادوا زيارة مشهد علي والحسين عليهما السلام فقتلوا منهم ثلاثة نفر وامتنعت زيارة مشهد موسى ابن جعفر‏.‏

ذكر ملك الروم قلعة أفامية

في هذه السنة ملك الروم قلعة أفامية بالشام‏.‏

وسبب ملكها أن الظاهر خليفة مصر سير إلى الشام الدزبري وزيره فملكه وقصد حسان بن المفرج الطائي فألح في طلبه فهرب منه ودخل بلد الروم ولبس خلعة ملكهم وخرج من عنده وعلى رأسه علم فيه صليب ومعه عسكر كثير فسار إلى أفامية فكبسها وغنم ما

ذكر الوحشة بين بارسطغان وجلال الدولة

اجتمع أصاغر الغلمان هذه السنة إلى جلال الدولة وقالوا له‏:‏ قد هلكنا فقرًا وجوعًا وقد استبد القواد بالدولة والأموال عليك وعلينا وهذا بارسطغان ويلدرك قد أفقرانا وأفقراك أيضًا‏.‏

فلما بلغهما ذلك امتنعا من الركوب إلى جلال الدولة واستوحشا وأرسل إليهما الغلمان يطالبونهما بمعلومهم فاعتذرا بضيق أيديهما عن ذلك وسارا إلى المدائن‏.‏

فندم الأتراك على ذلك وأرسل إليهما جلال الدولة إلى أن نهبوا من داره فرشًا وآلات ودواب وغير ذلك فركب وقت الهاجرة إلى دار الخلافة ومعه نفر قليل من الركابية والغلمان وجمع كثير من العامة وهو سكران فانزعج الخليفة من حضوره فلما علم الحال أرسل إليه يأمره بالعود إلى داره ويطيب قلبه فقبل قربوس سرجه ومسح حائط الدار بيده وأمرها على وجهه وعاد إلى داره والعامة معه‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة قبل قاضي القضاة أبو عبيد الله بن ماكولا شهادة أبي الفضل محمد بن عبد العزيز بن الهادي والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي الحسين ابن المهتدي وشهد عنده أبو القاسم بن بشران وكان قد ترك الشهادة قبل ذلك‏.‏

وفيها فوض مسعود بن محمود بن سبكتكين إمارة الري وهمذان والجبال إلى تاش فراش وكتب له إلى عامل نيسابور بإنفاق الأموال على حشمه ففعل ذلك وسار إلى عمله وأساء السيرة فيه‏.‏

وفيها في رجب أخرج الملك جلال الدولة دوابه من الإصطبل وهي خمس عشرة دابة وسيبها في المديان بغير سائس ولا حافظ ولا علف فعل ذلك لسببين‏:‏ أحدهما عدم العلف والثاني أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه ويطلبونها كثيرًا فضجر منهم فأخرجها وقال‏:‏ هذه دوابي منها‏:‏ خمس لمركوبي والباقي لأصحابي ثم صرف حواشيه وفراشيه وأتباعه وأغلق باب داره لانقطاع الجاري له فثارت لذلك فتنة بين العامة والجند وعظم الأمر وظهر العيارون‏.‏

وفيها عزل عميد الدولة وزير جلال الدولة ووزر بعده أبو الفتح محمد ابن الفضل بن أردشير فبقي أيامًا ولم يستقم أمره فعزل ووزر بعده أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسين وهو ابن أخي أبي الحسين السهلي وزير مأمون صاحب خوارزم فبقي في الوزارة خمسة وخمسين يومًا وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو نصر الفقيه المالكي بمصر وكان ببغداد ففارقها إلى مصر عن ضائقة فأغناه المغاربة‏.‏

ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة

ذكر وثوب الأجناد بجلال الدولة وإخراجه من بغداد

في هذه السنة في ربيع الأول تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين الأتراك فأغلق بابه فجاءت الأتراك ونهبوا داره وسلبوا الكتاب وأرباب الديوان ثيابهم وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهلي فهرب إلى حلة كمال الدولة غريب بن محمد وخرج جلال الدولة إلى عكبرا في شهر ربيع الآخر وخطب الأتراك ببغداد للملك أبي كاليجار وأرسلوا إليه يطلبونه وهو بالأهواز فمنعه العادل بن مافنة عن الإصعاد إلى أن يحضر بعض قوادهم‏.‏

فلما رأوا امتناعه من الوصول إليهم أعادوا خطبة جلال الدولة وساروا إليه وسألوه العود إلى بغداد واعتذروا فعاد إليها بعد ثلاثة وأربعين يومًا ووزر له أبو القاسم بن ماكولا ثم عزل ووزر بعده عميد الدولة أبو سعد ابن عبد الرحيم فبقي وزيرًا أيامًا ثم استتر‏.‏

وسبب ذلك أن جلال الدولة تقدم إليه بالقبض على أبي المعمر إبراهيم بن الحسين البسامي طمعًا في ماله فقبض عليه وجعله في داره فثار الأتراك وأرادوا منعه وقصدوا دار الوزير وأخذوه وضربوه وأخرجوه من داره حافيًا ومزقوا ثيابه وأخذوا عمامته وقطعوها وأخذوا خواتيمه من يده فدميت أصابعه وكان جلال الدولة في الحمام فخرج مرتاعًا فركب وظهر لينظر ما الخبر فأكب الوزير يقبل الأرض ويذكر ما فعل به فقال جلال الدولة‏:‏ أنا ابن بهاء الدولة وقد فعل بي أكثر من هذا ثم أخذ من البسامي ألف دينار وأطلقه واختفى الوزير‏.‏

ذكر انهزام علاء الدولة بن كاكويه من عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين

قد ذكرنا انهزام علاء الدولة أبي جعفر من الري ومسيره عنها فلما وصل إلى قلعة فردجان أقام بها لتندمل جراحه ومعه فرهاذ بن مرداويج وكان قد جاءه مددًا له وتوجهوا منها إلى بروجرد فسير تاش فراش مقدم عسكر خراسان إلى علاء الدولة واستعمل عليهم علي بن عمران فسار يقص أثر علاء الدولة فلما قارب بروجرد صعد فرهاذ إلى قلعة سليموه ومضى أبو جعفر إلى سابور خواست ونزل عند الأكراد الجوزقان‏.‏

وملك عسكر خراسان بروجرد وراسل فرهاذ الأكراد الذي مع علي ابن عمران واستمالهم فصاروا معه وأرادوا أن يفتكوا بعلي وبلغه الخبر فركب ليلًا في خاصته وسار نحو همذان ونزل في الطريق بقرية تعرف بكسب وهي منيعة فاستراح فيها فلحقه فرهاذ وعسكره والأكراد الذين صاروا معه وحصروه في القرية فاستسلم وأيقن بالهلاك فأرسل الله تعالى ذلك اليوم مطرًا وثلجًا فلم يمكنهم المقام عليه لأنهم كانوا جريدة بغير خيام ولا آلة شتاء فرحلوا عنه وراسل علي بن عمران الأمير تاش فراش يستنجده ويطلب العسكر إلى همذان ثم اجتمع فرهاذ وعلاء الدولة ببروجرد واتفقا على قصد همذان وسير علاء الدولة إلى أصبهان وبها ابن أخيه يطلبه وأمره بإحضار السلاح والمال ففعل وسار‏.‏

فبلغ خبره علي بن عمران فسار إليه من همذان جريدة فكبسه بجرباذقان وأسره واسر كثيرًا من عسكره وقتل منهم وغنم ما معه من سلاح ومال غير ذلك‏.‏

ولما سار علي عن همذان دخلها علاء الدولة وملكها ظنًا منه أن عليًا سار منهزمًا وسار علاء الدولة من همذان إلى كرج فأتاه خبر ابن أخيه ففت في عضده‏.‏

وكان علي بن عمران قد سار بعد الوقعة إلى أصبهان طامعًا في الاستيلاء عليها وعلى مال علاء الدولة وأهله فتعذر عليه ذلك ومنعه أهلها والعسكر الذي فيها فعاد عنها فلقيه علاء الدولة وفرهاذ فاقتتلوا فانهزم منهما واخذا ما معه من الأسرى إلا أبا منصور ابن أخي علاء الدولة فإنه كان قد سيره إلى تاش فراش وسار علي من المعركة منهزمًا نحو تاش فراش فلقيه بكرج فعاتبه على تأخره عنه واتفقا على المسير إلى علاء الدولة وفرهاذ وكان قد نزل بجبل عند بروجرد متحصنًا فيه فافترق تاش وعلي وقصداه من جهتين‏:‏ إحداهما من خلفه والأخرى من الطريق المستقيم فلم يشعر إلا وقد خالطه العسكر فانهزم علاء الدولة وفرهاذ وقتل كثير من رجالهما فمضى علاء الدولة إلى أصبهان وصعد فرهاذ إلى قلعة سليموه فتحصن بها‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة توفي قدرخان ملك الترك بمار وراء النهر‏.‏

وفيها ورد أحمد بن محمد المنكدري الفقيه الشافعي رسولًا من مسعود ابن سبكتكين إلى القائم بأمر الله معزيًا له بالقادر بالله‏.‏

وفيها نقل تابوت القادر بالله إلى المقبرة بالرصافة وشهده الخلق العظيم وحجاج خراسان وكان يومًا مشهودًا‏.‏

وفيها كان بالبلاد غلاء شديد واستسقى الناس فلم يسقوا وتبعه وباء عظيم وكان عامًا في جميع البلاد بالعراق والموصل والشام وبلد الجبل وخراسان وغزنة والهند وغير ذلك وكثر الموت فدفن في أصبهان في عدة أيام أربعون ألف ميت وكثر الجدري في الناس فأحصي بالموصل أنه مات به أربعة آلاف صبي ولم تخل دار من مصيبة لعموم المصائب وكثرة الموت وممن جدر القائم بأمر الله وسلم‏.‏

وفيها جمع نائب نصر الدولة بن مروان بالجزيرة جمعًا ينيف على عشرة آلاف رجل وغزا من يقاربه من الأرمن وأوقع بهم وأثخن فيهم وغنم وسبى كثيرًا وعاد ظافرًا منصورًا‏.‏

وفيها كان بن أهل تونس من إفريقية خلف فسار المعز بن باديس إليهم بنفسه فأصلح بينهم وسكن الفتنة وعاد‏.‏

وفيها اجتمع ناس كثير من الشيعة بإفريقية وساروا إلى أعمال نفطة فاستولوا على بلد منها وسكنوه فجرد إليهم المعز عسكرًا فدخلوا البلاد وحاربوا الشيعة وقتلوهم أجمعين‏.‏

وفيها خرجت العرب على حاج البصرة ونهبوهم وحج الناس من سائر البلاد إلا من العراق‏.‏

وفيها توفي أبو الحسن بن رضوان المصري النحوي في رجب‏.‏

وفيها قتل الملك أبو كاليجار صندلًا الخصي وكان قد استولى على المملكة وليس لأبي كاليجار معه غير الاسم‏.‏

وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن النعيمي البصري حدث عن جماعة وكان حافظًا شاعرًا فقيهًا على مذهب الشافعي‏.‏

ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة

ذكر عود مسعود إلى غزنة والفتن بالري وبلد الجبل

في هذه السنة في رجب عاد الملك مسعود بن سبكتكين من نيسابور إلى غزنة وبلاد الهند‏.‏

وكان سبب ذلك أنه لما كان قد استقر له الملك بعد أبيه أقر بما كان قد فتحه أبوه من الهند نائبًا يسمى أحمد ينالتكين وقد كان أبوه محمد استنابه بها ثقة بجلده ونهضته فرست قدمه فيها وظهرت كفايته‏.‏

ثم إن مسعودًا بعد فراغه من تقرير قواعد الملك والقبض على عمه يوسف والمخالفين له سار إلى خراسان عازمًا على قصد العراق فلما أبعد عصى ذلك النائب بالهند فاضطر مسعود إلى العود فأرسل إلى علاء الدولة بن كاكويه وأمره على أصبهان بقرار يؤديه كل سنة وكان علاء الدولة قد أرسل يطلب ذلك فأجابه إليه وأقر ابن قابوس بن وشمكير على جرجان وطبرستان على مال يؤديه إليه وسير أبا سهل الحمدوني إلى الري للنظر في أمور هذه البلاد الجبلية والقيام بحفظها وعاد إلى الهند فأصلح الفاسد وأعاد المخالف إلى طاعته وفتح قلعة حصينة تسمى سرستي على ما نذكره وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها‏.‏

ولما سار أبو سهل إلى الري أحسن الناس وأظهر العدل فأزال الأقساط والمصادرات وكان تاش فراش قد ملأ البلاد ظلمًا وجورًا حتى تمنى الناس الخلاص منهم ومن دولتهم وخربت البلاد وتفرق أهلها فلما ولي الحمدوني وأحسن وعدل عادت البلاد فعمرت والرعية أمنت وكان الإرجاف شديدًا بالعراق لما كان الملك مسعود بنيسابور فلما عاد سكن الناس واطمأنوا‏.‏

ذكر ظفر مسعود بصاحب ساوة وقتله

فيها قبض عسكر السلطان مسعود بن محمود على شهريوش بن ولكين فأمر به مسعود فقتل وصلب على سور ساوة‏.‏

وكان سبب ذلك أن شهريوش كان صاحب ساوة وقم وتلك النواحي فلما اشتغل مسعود بأخيه محمد بعد موت والده جمع شهريوش جمعًا وسار إلى الري محاصرًا لها فلم يتم ما أراده ثم في هذه السنة اعترض الحجاج الواردين من خراسان وعمهم أذاه وأخذ منهم ما لم تجر عادة وأساء إليهم وبلغ ذلك إلى مسعود فتقدم إلى تاش فراش وإلى أبي الطيب طاهر بن عبد الله خليفته معه يطلب شهريوش وقصده أين كان واستنفاد الوسع في قتاله فسارت العساكر في أثره فاحتمى بقلعة تقارب قم تسمى فستق وهي حصينة عالية المكان وثيقة البنيان فأحاطوا به وأخذوه وكتبوا إلى مسعود في أمره فأمرهم بصلبه على سور ساوة‏.‏

ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة وخروجها عن طاعته

في هذه السنة سارت عساكر جلال الدولة مع ولده الملك العزيز فدخلوا البصرة في جمادى الأولى‏.‏

وكان سبب ذلك أن بختيار متولي البصرة تولى فقام بعد ظهير الدين أبو القاسم خال ولده لجلد كان فيه وكفاية وهو في طاعة الملك أبي كاليجار ودام كذلك فقيل لأبي كاليجار‏:‏ إن أبا القاسم ليس لك من طاعته غير الاسم ولو رمت عزله لتعذر عليك‏.‏

وبلغ ذلك ابا القاسم فاستعد للامتناع وأرسل أبو كاليجار إليه ليعزله فامتنع وأظهر طاعة جلال الدولة وخطب له وأرسل إلى ابنه وهو بواسط يطلبه فانحدر إليه في عساكر أبيه التي كانت معه بواسط ودخلوا البصرة مع أبي القاسم إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين وليس له معه أمر والحكم إلى أبي القاسم‏.‏

ثم إنه أراد القبض على بعض الديلم فهرب ودخل دار الملك العزيز مستجيرًا فاجتمع الديلم إليه وشكوا من أبي القاسم فصادفت شكواهم صدرًا موغرًا حنقًا عليه لسوء صحبته فأجابهم إلى ما أرادوه من إخراجه عن البصرة واجتمعوا وعلم أبو القاسم بذلك فامتنع بالأبلة وجمع أصحابه وجرى بين الفريقين حروب كثيرة أجلت عن خروج العزيز عن البصرة وعوده إلى واسط وعود أبي القاسم إلى طاعة أبي كاليجار‏.‏

ذكر إخراج جلال الدولة من دار المملكة وإعادته إليها

في هذه السنة في رمضان شغب الجند على جلال الدولة وقبضوا عليه ثم أخرجوه من داره ثم سألوه ليعود إليها فعاد‏.‏

وسبب ذلك أنه استقدم الوزير أبا القاسم من غير أن يعلموا فلما قدم ظنوا أنه إنما ورد للتعرض إلى أموالهم ونعمهم فاستوحشوا واجتمعوا إلى داره وهجموا عليه وأخرجوه إلى مسجد هناك فوكلوا به فيه ثم إنهم أسمعوه ما يكره ونهبوا بعض ما في داره فلما وكلوا به جاء بعض القواد في جماعة من الجند ومن انضاف إليه من العامة والعيارين فأخرجه من المسجد وأعاده إلى داره فنقل جلال الدولة ولده وحرمه وما بقي له إلى الجانب الغربي وعبر هو في الليل إلى الكرخ فلقيه أهل الكرخ بالدعاء فنزل بدار المرتضى وعبر الوزير أبو القاسم معه‏.‏

ثم إن الجند اختلفوا فقال بعضهم‏:‏ نخرجه من بلادنا ونملك غيره‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ ليس من بني بويه غير وغير أبي كاليجار وذلك قد عاد إلى بلاده ولا بد من مداراة هذا‏.‏

فأرسلوا إليه يقولون له‏:‏ نريد أن تنحدر عنا إلى واسط وأنت ملكنا وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر‏.‏

فأجابهم إلى ذلك وأرسل سرًا إلى الغلمان الأصاغر فاستمالهم إلى كل واحد من الأكابر وقال‏:‏ إنما أثق بك وأسكن إليك واستمالهم أيضًا فعبروا إليه وقبلوا الأرض بين يديه وسألوه العود إلى دار الملك فعاد وحلف لهم على إخلاص النية والإحسان إليهم وحلفوا له على المناصحة واستقر في داره‏.‏

في هذه السنة توفي الوزير أحمد بن الحسن الميمندي وزير مسعود بن سبكتكين ووزر بعده أبو نصر أحمد بن علي بن عبد الصمد وكان وزير هارون التونتاش صاحب خوارزم ووزر بعده لهارون ابنه عبد الجبار‏.‏

وفيها ثار العيارون ببغداد وأخذوا أموال الناس ظاهرًا وعظم الأمر على أهل البلد وطمع المفسدون إلى حد أن بعض القواد الكبار أخذ أربعة من العيارين فجاء عقيدهم وأخذ من اصحاب القائد أربعة وحضر باب داره ودق عليه الباب فكلمه من داخل فقال العقيد‏:‏ قد أخذت من أصحابك أربعة فإن أطلقت من عندك أطلقت من عندي وإلا قتلتهم وأحرقت دارك‏!‏ فأطلقهم القائد‏.‏

وفيها تأخر الحاج من خراسان‏.‏

وفيها خرج حجاج البصرة بخفير فغدر بهم ونهبهم‏.‏

وفيها في جمادى الأولى توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيضاوي الفقيه الشافعي عن نيف وثمانين سنة‏.‏

وفيها في شوال توفي أبو الحسن بن السماك القاضي عن خمس وتسعين سنة‏.‏

ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة

وغيرها من بلد الهند في هذه السنة فتح السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة سرستي وما جاورها من بلد الهند‏.‏

وكان سبب ذلك ما ذكرناه من عصيان نائبه بالهند أحمد ينالتكين عليه ومسيره إليه فلما عاد أحمد إلى طاعته أقام بتلك البلاد طويلًا حتى أمنت واستقرت وقصد قلعة سرستي وهي من أمنع حصون الهند وأحصنها فحصرها وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها فلما حصرها مسعود راسله صاحبها وبذل له مالًا على الصلح فأجابه إلى ذلك‏.‏

وكان فيها قوم من التجار المسلمين فعزم صاحبها على أخذ أموالهم وحملها إلى مسعود من جملة القرار عليه فكتب التجار رقعة في نشابة ورموا إليه يعرفونه فيها ضعف الهنود بها وأنه إن صابرهم ملكهم فرجع عن الصلح إلى الحرب وطم خندقها بالشجر وقصب السكر وغيره وفتح الله عليه وقتل كل من فيها سبى ذراريهم وأخذ ما جاورها من البلاد وكان عازمًا على طول المقام والجهاد فأتاه من خراسان خبر الغز فعاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

ذكر حصر قلعة بالهند أيضًا

لما ملك مسعود قلعة سرستي رحل عنها إلى قلعة نغسى فوصل إليها عاشر صفر وحصرها فرآها عالية لا ترام يرتد البصر دونها وهو حسير إلا أنه أقام عليها يحصرها فخرجت عجوز ساحرة فتكلمت باللسان الهندي طويلًا وأخذت مكنسة فبلتها بالماء ورشته منها إلى جهة عسكر المسلمين فمرض وأصبح ولا يقدر أن يرفع رأسه وضعفت قوته ضعفًا شديدًا فرحل عن القلعة لشدة المرض فحين فارقها زال ما كان به وأقبلت الصحة والعافية إليه وسار نحو غزنة‏.‏

ذكر الفتنة بنيسابور

لما اشتد أمر الأتراك بخراسان على ما نذكره تجمع كثير من المفسدين وأهل العيث والشر وكان أول من أثار الشر أهل أبيورد وطوس واجتمع معهم خلق كثير وساروا إلى نيسابور لينهبوها وكان الوالي عليها قد سار عنها إلى الملك مسعود فخافهم خوفًا عظيمًا وأيقنوا بالهلاك‏.‏

فبينما هم يترقبون البوار والاستئصال وذهاب الأنفس والأموال إذ وصل إليهم أمير كرمان في ثلاثمائة فارس قدم متوجهًا إلى مسعود أيضًا فاستغاث به المسلمون وسألوه أن يقيم عندهم ليكف عنهم الأذى فأقام عليهم وقاتل معهم وعظم الأمر واشتدت الحرب وكان الظفر له ولأهل نيسابور فانهزم أهل طوس وأبيورد ومن تبعهم وأخذتهم السيوف من كل جانب وعمل بهم أمير كرمان أعمالًا عظيمة وأثخن فيهم وأسر كثيرًا منهم وصلبهم على الأشجار وفي الطرق فقيل إنه عدم من أهل طوس عشرون ألف رجل‏.‏

ثم إن أمير كرمان أحضر زعماء قرى طوس وأخذ أولادهم وإخوانهم وغيرهم من أهليهم رهائن فأودعهم السجون وقال‏:‏ إن اعترض منكم واحد إلى أهل نيسابور أو غيرهم أو قطع طريقًا فأولادكم وإخوانكم ورهائنكم مأخوذون بجناياتكم‏.‏

فسكن الناس وفرج الله عن أهل نيسابور بما لم يكن في حسابهم‏.‏

ذكر الحرب بين علاء الدولة وعسكر خراسان

في هذه السنة اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بن مرداويج واتفقا على قتال عسكر مسعود بن محمود بن سبكتكين وكانت العساكر قد خرجت من خراسان مع أبي سهل الحمدوني فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا صبر فيه الفريقان ثم انهزم علاء الدولة وقتل فرهاذ واحتمى علاء الدولة بجبال بين أصبهان وجرباذقان ونزل عسكر مسعود بكرج‏.‏

وأرسل أبو سهل إلى علاء الدولة يقول له ليبذل المال ويراجع الطاعة ليقره على ما بقي من البلاد ويصلح حاله مع مسعود‏.‏

فترددت الرسل فلم يستقر بينهم أمر فسار أبو سهل إلى أصبهان فملكها وانهزم علاء الدولة من بين يديه لما خاف الطلب إلى إيذج وهي للملك أبي كاليجار‏.‏

ولما استولى أبو سهل على أصبهان نهب خزائن علاء الدولة وأمواله وكان أبو علي بن سينا في خدمة علاء الدولة فأخذت كتبه حملت إلى غزنة فجعلت في خزائن كتبها إلى أن أحرقها عساكر الحسين بن الحسين الغوري على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

ذكر الحرب بين نور الدولة دبيس وأخيه ثابت

في هذه السنة كانت حرب شديدة بين دبيس بن علي بن مزيد وأخيه أبي قوام ثابت بن علي بن مزيد‏.‏

وسبب ذلك أن ثابتًا كان يعتضد بالبساسيري ويتقرب إليه فلما كان سنة أربع وعشرين وأربعمائة سار البساسيري معه إلى قتال أخيه دبيس فدخلوا النيل واستولوا عليه وعلى أعمال نور الدولة فسير نور الدولة إليهم طائفة من أصحابه فقاتلوهم فانهزموا فلما رأى دبيس هزيمة أصحابه سار عن بلده وبقي ثابت فيه إلى الآن فاجتمع دبيس وأبو المغرا عنازا ابن المغرا وبنو

أسد وخفاجة وأعانه ابو كامل منصور بن قراد وساروا جريدة لإعادة دبيس إلى بلده وأعماله وتركوا حللهم بين خصاوحربى‏.‏

فلما ساروا لقيهم ثابت عند جرجرايا وكانت بينهم حرب قتل فيها جماعة من الفريقين ثم تراسلوا واصطلحوا ليعود دبيس إلى أعماله ويقطع أخاه ثابتًا إقطاعًا وتحالفوا على ذلك وسار البساسيري نجدة لثابت فلما وصل إلى النعمانية سمع بصلحهم فعاد إلى بغداد‏.‏