المجلد الثامن - ذكر ما فعله العرب بالحجاج والكوفة

سار الحجاج هذه السنة من بغداد فقدموا الكوفة ورحلوا منها فخرجت عليهم خفاجة وقد طمعوا بموت السلطان وبعد العسكر فأوقعوا بهم وقتلوا أكثر الجند الذين معهم وانهزم باقيهم ونهبوا الحجاج وقصدوا الكوفة فدخلوها وأغاروا عليها وقتلوا في أهلها فرماهم الناس بالنشاب فخرجوا بعد أن نهبوا وأخذوا ثياب من لقوه من الرجال والنساء وفصل الخبر إلى بغداد فسيرت العساكر منها فلما سمع بنو خفاجة انهزموا فأدركهم العسكر فقتل منهم خلق كثير ونهبت أموالهم وضعفت خفاجة بعد هذه الوقعة‏.‏

ذكر عدة حوادث

فيها في ربيع الأول عاد السلطان من بغداد إلى أصبهان وأخذ معه الأمير أبا الفضل جعفر ابن الخليفة المقتدي بأمر الله من ابنة السلطان وتفرق الأمراء إلى بلادهم ثم عاد إلى بغداد فتوفي كما ذكرناه‏.‏

وفيها في جمادى الأولى احترق نهر المعلى فاحترق عقد الحديد إلى خربة الهراس إلى باب دار الضرب واحترق سوق الصاغة والصيارف والمخلطين والريحانيين وكان الحريق من الظهر إلى العصر فاحترق منها الأمر العظيم في الزمان القليل واحترق من الناس خلق كثير ثم ركب عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وجمع السقائين ولم يزل راكبًا حتى طفئت النار‏.‏

و في هذه السنة توفي عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن ناقيا الشاعر البغدادي سمع الحديث وكان يتهم بأنه يطعن على الشرائع فلما مات كانت يده مقبوضة فلم يطق الغاسل فتحها فبعد جهد فتحت فإذا فيها مكتوب‏:‏ وإني على خوفي من الله واثق بإنعامه والله أكرم منعم وفيها توفي هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد أبو القاسم الشيرازي الحافظ أحد الرحالين في طلب الحديث شرقًا وغربًا وقدم الموصل من العراق وهو الذي أظهر سماع الجعديات لأبي محمد الصريفيني ولم يكن يعرف ذلك‏.‏

ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمائة

ذكر وزارة ابن نظام الملك لبركيارق

كان عز الملك أبو عبد الله الحسين بن نظام الملك مقيمًا بخوارزم حاكمًا فيها وفي كل ما يتعلق بها إليه المرجع في كل أمورها السلطانية فلما كان قبل أن يقتل أبوه حضر عنده خدمة له وللسلطان فقتل أبوه ومات السلطان فأقام بأصبهان إلى الآن‏.‏

فلما حصرها بركيارق وكان أكثر عسكره النظامية خرج من أصبهان هو وغيره من إخوته فلما اتصل ببركيارق احترمه وأكرمه وفوض أمور دولته إليه وجعله وزيرًا له‏.‏

ذكر حال تتش بن ألب أرسلان


كان تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق وما جاورها من بلاد الشام فلما كان قبل موت أخيه السلطان ملكشاه سار من دمشق إليه ببغداد فلما كان بهيت بلغه موته فأخذ هيت واستولى عليها وعاد إلى دمشق يتجهز لطلب السلطنة فجمع العساكر وأخرج الأموال وسار نحو حلب وبها قسيم الدولة آقسنقر فرأى قسيم الدولة اختلاف أولاد صاحبه ملكشاه وصغرهم فعلم أنه لا يطيق دفع تتش فصالحه وصار معه وأرسل إلى باغي سيان صاحب أنطاكية وإلى بوزان صاحب الرها وحران يشير عليهما بطاعة تاج الدولة تتش حتى يروا ما يكون من أولاد ملكشاه ففعلوا وصاروا معه وخطبوا له في بلادهم وقصدوا الرحبة فحصروها وملكوها في المحرم من هذه السنة وخطب لنفسه بالسلطنة‏.‏

ثم ساروا إلى نصيبين فحصروها فسب أهلها تاج الدولة ففتحها عنوة وقهرًا وقتل من أهلها خلقًا كثيرًا ونهبت الأموال وفعل فيها الأفعال القبيحة ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلي وسار يريد الموصل وأتاه الكافي بن فخر الدولة بن جهير وكان في جزيرة ابن عمر فأكرمه واستوزره‏.‏

ذكر وقعة المضيع وأخذ الموصل من العرب

كان إبراهيم بن قريش بن بدران أمير بني عقيل قد استدعاه السلطان ملكشاه سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة ليحاسبه فلما حضر عنده اعتقله وأنفذ فخر الدولة بن جهير إلى البلاد فملك الموصل وغيرها وبقي إبراهيم مع ملكشاه وسار معه إلى سمرقند وعاد إلى بغداد فلما مات ملكشاه أطلقته تركان خاتون من الاعتقال فسار إلى الموصل‏.‏

وكان ملكشاه قد أقطع عمته صفية مدينة بلد وكانت زوجة شرف الدولة ولها منه ابنها علي وكانت قد تزوجت بعد شرف الدولة بأخيه إبراهيم فلما مات ملكشاه قصدت الموصل ومعها ابنها علي فقصدها محمد بن شرف الدولة وأراد أخذ الموصل فافترقت العرب فرقتين‏:‏ فرقة معه وأخرى مع صفية وابنها علي واقتتلوا بالموصل عند الكناسة فظفر علي وانهزم محمد وملك علي الموصل‏.‏

فلما وصل إبراهيم إلى جهينة وبينه وبين الموصل أربعة فراسخ سمع أن الأمير عليًا ابن أخيه شرف الدولة قد ملكها ومعه أمه صفية عمة ملكشاه فأقام مكانه وراسل صفية خاتون وترددت الرسل فسلمت البلد إليه فأقام به‏.‏

فلما ملك تتش نصيبين أرسل إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة ويعطيه طريقًا إلى بغداد لينحدر ويطلب الخطبة بالسلطنة فامتنع إبراهيم من ذلك فسار تتش إليه وتقدم إبراهيم أيضًا نحوه فالتقوا بالمضيع من أعمال الموصل في ربيع الأول وكان إبراهيم في ثلاثين ألفًا وكان تتش في عشرة آلاف وكان آقسنقر على ميمنته وبوزان على ميسرته فحمل العرب على بوزان فانهزم وحمل آقسنقر على العرب فهزمهم وتمت الهزيمة على إبراهيم والعرب وأخذ إبراهيم أسيرًا وجماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرًا ونهبت أموال العرب وما معهم من الإبل والغنم والخيل وغير ذلك وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفًا من السبي والفضيحة‏.‏وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها واستناب بها علي بن شرف الدولة مسلم وأمه صفية عمة تتش وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة وساعده كوهرائين على ذلك فقيل لرسوله‏:‏ إنا ننتظر وصول الرسل من العسكر فعاد إلى تتش بالجواب‏.‏

ذكر ملك تتش ديار بكر وأذربيجان وعوده إلى الشام


فلما فرغ تاج الدولة تتش من أمر العرب وملك الموصل وغيرها من بلادهم سار إلى ديار بكر في ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان وسار منها إلى أذربيجان‏.‏

فانتهى خبره إلى ابن أخيه ركن الدين بركيارق وكان قد استولى على كثير من البلاد منها‏:‏ الري وهمذان وما بينهما فلما تحقق الحال سار في عساكره ليمنع عمه عن البلاد فلما تقارب العسكران قال قسيم الدولة آقسنقر لبوزان‏:‏ إنما أطعنا هذا الرجل لننظر ما يكون من أولاد صاحبنا والآن فقد ظهر ابنه ونريد أن نكون معه‏.‏

فاتفقا على ذلك وفارقا تتش وصارا مع بركيارق‏.‏

فلما رأى تاج الدولة تتش ذلك علم أنه لا قوة له بهم فعاد إلى الشام واستقامت البلاد لبركيارق فلما قوي أمره سار كوهرائين إلى العسكر يعتذر من مساعدته لتاج الدولة تتش وأعانه برسق وتعصب عليه كمشتكين الجاندار فأخذ إقطاعه وأعطي الأمير يلبرد زيادة وولي شحنكية بغداد عوض كوهرائين وتفرق عن كوهرائين أصحابه فكان ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

ذكر حصر عسكر مصر صور وملكهم لها

في هذه السنة في جمادى الآخرة ملك عسكر المستنصر بالله العلوي صاحب مصر مدينة صور‏.‏

وسبب ذلك ما ذكرناه سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة‏:‏ إن أمير الجيوش بدرًا وزير المستنصر سير العساكر إلى مدينة صور وغيرها من ساحل الشام وكان من بها قد امتنع من طاعتهم فملكها وقرر أمورها وجعل فيها الأمراء‏.‏

وكان قد ولى مدينة صور الأمير الذي يعرف بمنير الدولة الجيوشي فعصى على المستنصر وأمير الجيوش وامتنع بصور فسيرت العساكر من مصر إليه وكان أهل صور قد أنكروا على منير الدولة عصيانه على سلطانه فلما وصل العسكر المصري إلى صور وحصروها وقاتلوها ثار أهلها ونادوا بشعار المستنصر وأمير الجيوش وسلموا البلد وهجم العسكر المصري بغير مانع ولا مدافع ونهب من البلد شيء كثير وأسر منير الدولة ومن معه من أصحابه وحملوا إلى مصر وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار فأجحفت بهم‏.‏

ولما وصل منير الدولة إلى مصر ومعه الأسرى قتلوا جميعهم ولم يعف عن واحد منهم‏.‏

ذكر قتل إسماعيل بن ياقوتي

في هذه السنة في شعبان قتل إسماعيل بن ياقوتي بن داود وهو خال بركيارق وابن عم ملكشاه‏.‏

وسبب قتله أنه كان بأذربيجان أميرًا عليها فأرسلت إليه تركان خاتون زوجة ملكشاه تطمعه أن تتزوج به وتدعوه إلى محاربة بركيارق فأجابها إلى ذلك وجمع خلقًا كثيرًا من التركمان وغيرهم وصار أصحاب سرهنك ساوتكين في خيله وأرسلت إليه تركان خاتون كربوقا وغيره من الأمراء في عسكر كثير مددًا له فجمع بركيارق عساكره وسار إلى حرب خاله إسماعيل فالتقوا عند الكرج فانحاز الأمير يلبرد إلى بركيارق وصار معه فانهزم إسماعيل وعسكره وتوجه إلى أصبهان فأكرمته تركان خاتون وخطبت له وضربت اسمه على الدينار بعد ابنها محمود بن ملكشاه‏.‏

وكاد الأمر في الوصلة يتم بينهما فامتنع الأمراء من ذلك لا سيما الأمير أنر وهو مدبر الأمر وصاحب الجيش وآثروا خروج إسماعيل عنهم وخافوه وخاف هو أيضًا منهم ففارقهم وراسل أخته زبيدة والدة بركيارق في اللحاق بهم فأذنت له في ذلك فوصل إليهم وأقام عندهم أيامًا يسيرة فخلا به كمشتكين الجاندار وآقسنقر وبوزان وبسطوه في القول فأطلعهم على سره وأنه يريد السلطنة وقتل بركيارق فوثبوا عليه فقتلوه وأعلموا أخته خبره فسكتت عنه‏.‏

ذكر أخذ الحجاج

في هذه السنة انقطع الحج من العراق لأسباب أوجبت ذلك وسار الحاج من دمشق مع أمير أقامه تاج الدولة تتش صاحبها فلما قضوا حجهم وعادوا سائرين سير أمير مكة وهو محمد بن أبي هاشم عسكرًا فلحقوهم بالقرب من مكة ونهبوا كثيرًا من أموالهم وجمالهم فعادوا إليها ولقوه وسألوه أن يعيد عليهم ما أخذ منهم وشكوا إليه بعد ديارهم فأعاد بعض ما أخذ منهم فلما أيسوا منه ساروا من مكة عائدين على أقبح صورة فلما أبعدوا عنها ظهر عليهم جموع من العرب في عدة جهات فصانعوهم على مال أخذوه من الحاج بعد أن قتل منهم جماعة وافرة وهلك فيه قوم بالضعف والانقطاع وعاد السالم على أقبح صورة‏.‏

ذكر عدة حوادث


في هذه السنة في جمادى الأولى قدم إلى بغداد أردشيرين بن منصور أبو الحسين الواعظ العبادي وأكثر الوعظ بالمدرسة النظامية وهو مروزي وقدم بغداد قاصدًا للحج وكان له قبول عظيم بحيث أن الغزالي وغيره من الأئمة ومشايخ الصوفية الكبار يحضرون مجلسه وذرع في بعض المجالس الأرض التي فيها الرجال فكان طولها مائة وخمس وسبعين ذراعًا وعرضها مائة وعشرين ذراعًا وكانوا يزدحمون ازدحامًا كثيرًا وكان النساء أكثر من ذلك وكان له وكان سبب منعه من الوعظ أنه نهى أن يتعامل الناس ببيع القراضة بالصحيح وقال هو ربا فمنع من الوعظ وأخرج من البلد‏.‏

وفيها وقعت الفتنة ببغداد بني العامة وقصد كل فريق الفريق الآخر وقطعوا الطرقات بالجانب الغربي وقتل أهل النصرية مصلحيًا فأرسل كوهرائين فأحرقها واتصلت الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة وكان للعميد الأغر أبي المحاسن الدهستاني في إطفاء هذه الفتنة أثر حسن‏.‏

وفيها في شعبان سار سيف الدولة صدقة بن مزيد إلى السلطان بركيارق فلقيه بنصيبين وسار معه إلى بغداد فوصلها في ذي القعدة ومعه وزيره عز الملك بن نظام الملك وخرج عميد الدولة والناس إلى لقائه من عقرقوف‏.‏

وفيها ولد للمستظهر بالله ولد سمي الفضل وكني أبا منصور ولقب عمدة الدين وهو المسترشد بالله‏.‏

وفيها في رمضان قتل الأمير يلبرد قتله بركيارق وكان من الأمراء الكبار مع أبيه فزاده بركيارق إقطاع كوهرائين وشحنكية بغداد فلما وصل إلى دقوقا أعيد منها لأنه تكلم فيما يتعلق بوالدة السلطان بركيارق بكلام شنيع فلما وصل إليه أصبح مقتولًا‏.‏

وفيها في المحرم توفي علي بن أحمد بن يوسف أبو الحسن القرشي الهكاري المعروف بشيخ الإسلام وكان فاضلًان عابدًا كثير السماع إلا أن الغرائب في حديثه كثيرة لا يدرى ما سببها والأمير أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر العجلي المعروف بابن ماكولا مصنف كتاب الإكمال قتله غلمانه الأتراك بكرمان ومولده سنة اثنتين وأربعمائة وكان حافظًا‏.‏

وفيها في صفر توفي أبو محمد عامر الضرير وكان فقيهًا شافعيًا مقرئًا نحويًا وكان يصلي في رمضان بالإمام المقتدي بأمر الله‏.‏

وفي جمادى الأولى توفي الأمير أبو الفضل جعفر بن المقتدي وأمه ابنة السلطان ملكشاه وإليه تنسب الجعفريات‏.‏

وفي رجب توفي الشيخ أبو سعد عبد الواحد بن أحمد بن المحسن الوكيل بالمخزن وكان فقيهًا شافعيًا كثير الإحسان إلى أهل العلم وكان محمودًا في ولايته‏.‏

وفيها توفي كمال الملك الدهستاني الذي كان عميد بغداد‏.‏

وفي رمضان توفي المشطب بن محمد الحنفي بالكحيل من أرض الموصل وكان الخليفة قد أرسله إلى بركيارق وكان بالموصل ومعه تاج الرؤساء أبو نصر بن الموصلايا وكان شيخًا كبيرًا عالمًا مكرمًا عند الملوك وحمل إلى العراق ودفن عند أبي حنيفة‏.‏

وفيه توفي القاضي أبو علي يعقوب بن إبراهيم المرزباني قاضي باب الأزج وولي مكانه القاضي ابو المعالي عزيزي وكان أبو المعالي شافعيًا أشعريًا مغاليًا وله مع أهل باب الأزج أقاصيص وحكايات عجيبة‏.‏

وفيها توفي نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل أبو الليث وأبو الفتح التنكتي له كنيتان سافر في البلاد شرقًا وغربًا روى صحيح مسلم وغيره وكان ثقة ومولده سنة ست وأربعمائة‏.‏

وفي ذي الحجة منها توفي أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الحنبلي الفقيه وكان وافر العلم غزير الدين حسن الوعظ والسمت‏.‏

ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمائة

ذكر الخطبة للسلطان بركيارق

في هذه السنة يوم الجمعة رابع عشر المحرم خطب ببغداد للسلطان بركيارق بن ملكشاه وكان قدمها أواخر سنة ست وثمانين وأرسل إلى الخليفة المقتدي بأمر الله يطلب الخطبة فأجيب إلى ذلك وخطب له ولقب ركن الدين‏.‏

وحمل الوزير عميد الدولة بن جهير الخلع إلى بركيارق فلبسها وعرض التقليد على الخليفة ليعلم عليه فعلم فيه وتوفي فجأة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وولي ابنه الإمام المستظهر بالله الخلافة فأرسل الخلع والتقليد إلى السلطان بركيارق فأقام ببغداد إلى ربيع الأول من السنة وسار عنها إلى الموصل‏.‏

ذكر وفاة المقتدي بأمر الله

في هذه السنة يوم السبت خامس عشر المحرم توفي الإمام المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين فجأة وكان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلم فيه فقرأه وتدبره وعلم فيه ثم قدم إليه طعام فأكل منه وغسل يديه وعنده قهرمانته شمس النهار فقال لها‏:‏ ما هذه الأشخاص التي دخلت علي بغير إذن قالت‏:‏ فالتفت فلم أر شيئًا ورأيته قد تغيرت حالته واسترخت يداه ورجلاه وانحلت قوته وسقط إلى الأرض فظننتها غشية قد لاحقته فحللت أزرار ثوبه فوجدته وقد ظهرت عليه أمارات الموت ومات لوقته‏.‏

قالت‏:‏ فتماسكت وقلت لجارية عندي‏:‏ ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء فإن صحت قتلتك وأحضرت الوزير فأعلمته الحال فشرعوا في البيعة لولي العهد وجهزوا المقتدي وصلى عليه ابنه المستظهر بالله ودفنوه وكان عمره ثمانيًا وثلاثين سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر غير يومين وأمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان وتدعى قرة العين أدركت خلافته وخلافة ابنه المستظهر بالله وخلافة ابن ابنه المسترشد بالله‏.‏

ووزر له فخر الدولة أبو نصر بن جهير ثم أبو شجاع ثم عميد الدولة أبو منصور بن جهير‏.‏

وقضاته‏:‏ أبو عبد الله الدامغاني ثم أبو بكر الشامي‏.‏

وكانت أيامه كثيرة الخير واسعة الرزق وعظمت الخلافة أكثر مما كان من قبله وانعمرت ببغداد عدة محال في خلافته منها‏:‏ البصلية والقطيعة والحلبة والمقتدية والأجمة ودرب القيار وخربة ابن جردة وخربة الهراس والخاتونيتين‏.‏

وأمر بنفي المغنيات والمفسدات من بغداد وبيع دورهن فنفين ومنع الناس أن يدخل أحد الحمام إلا بمئزر وقلع الهرادي والأبراج التي للطيور ومنع من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم الناس ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة وألزم أربابها بحفر آبار للمياه وأمر أن من يغسل السمك المالح يعبر إلى النجمي فيغسله هناك ومنع الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين وكان قوي النفس عظيم الهمة من رجال بني العباس‏.‏

لما توفي المقتدي بأمر الله أحضر ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله وأعلم بموته وحضر الوزير فبايعه وركب إلى السلطان بركيارق فأعلمه الحال وأخذ بيعته للمستظهر بالله‏.‏

فلما كان اليوم الثالث من موت المقتدي أظهر ذلك وحضر عز الملك ابن نظام الملك وزير بركيارق وأخوه بهاء الملك وأمراء السلطان وجمع أرباب المناصب‏:‏ النقيبان طراد العباسي والمعمر العلوي في أصحابهما وقاضي القضاة والغزالي والشاشي وغيرهما من العلماء فجلسوا في العزاء وبايعوا وكان للمستظهر بالله لما بويع ست عشرة سنة وشهران‏.‏

ذكر قتل قسيم الدولة آقسنقر

وملك تتش حلب والجزيرة وديار بكر وأذربيجان وهمذان والخطبة له ببغداد في هذه السنة في جمادى الأولى قتل قسيم الدولة آقسنقر جد ملوكنا بالموصل الآن أولاد الشهيد زنكي بن آقسنقر‏.‏ وسبب قتله أن تاج الدولة تتش لما عاد من أذربيجان منهزمًا لم يزل يجمع العساكر فكثرت جموعه وعظم حشده فسار في هذا التاريخ عن دمشق نحو حلب ليطلب السلطنة فاجتمع قسيم الدولة آقسنقر وبوزان وأمدهما ركن الدين بركيارق بالأمير كربوقا الذي صار بعد صاحب الموصل فلما اجتمعوا ساروا إلى طريقه فلقوه عند نهر سبعين قريبًا من تل السلطان بينه وبين حلب ستة فراسخ واقتتلوا واشتد القتال فخامر بعض العسكر الذين مع آقسنقر فانهزموا وتبعهم الباقون فتمت الهزيمة وثبت آقسنقر فأخذ أسيرًا وأحضر عند تتش فقال له‏:‏ لو ظفرت بي ما كنت صنعت قال‏:‏ كنت أقتلك‏!‏ فقال له‏:‏ أنا أحكم عليك بما كنت تحكم علي فقتله صبرًا‏.‏

وسار نحو حلب وكان قد دخل إليها كربوقا وبوزان فحفظاها منه وحصرها تتش ولج في قتالها حتى ملكها سلمها إليه المقيم بقلعة الشريف ومنها دخل البلد وأخذهما أسيرين وأرسل إلى حران والرها ليسلموه من بهما وكانتا لبوزان فامتنعوا من التسليم غليه فقتل بوزان وأرسل رأسه إليهم وتسلم البلدين‏.‏

وأم كربوقا فإنه أرسله إلى حمص فسجنه بها إلى أن أخرجه الملك رضوان بعد قتل أبيه تتش‏.‏

وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسة لرعيته وحفظًا لهم وكانت بلاده بين رخص عام وعدل شامل وأمن واسع وكان قد شرط على أهل كل قرية من بلاده متى أخذ عندهم قفل أو أحد من الناس غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأموال من قليل وكثير فكانت السيارة إذا بلغوا قرية من بلاده ألقوا رحالهم وناموا وحرسهم أهل القرية إلى أن يرحلوا فأمنت الطرق‏.‏

وأما وفاؤه وحسن عهده فيكفيه فخرًا أنه قتل في حفظ بيت صاحبه وولي نعمته‏.‏

فلما ملك تتش حران والرها سار إلى الديار الجزرية فملكها جميعها ثم ملك ديار بكر وخلاط وسار إلى أذربيجان فملك بلادها كلها ثم سار منها إلى همذان فملكها ورأى بها فخر الملك بن نظام الملك وكان بخراسان فسار منها إلى السلطان بركيارق ليخدمه فوقع عليه الأمير قماج وهو من عسكر محمود ابن السلطان ملكشاه بأصبهان فنهب فخر الملك فهرب منه ونجا بنفسه فجاء إلى همذان فصادفه تتش بها فأراد قتله فشفع فيه باغي سيان وأشار عليه أن يستوزره لميل الناس إلى بيته فاستوزره وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة من الخليفة المستظهر بالله وكان شحنته ببغداد ايتكين جب فلازم الخدمة بالديوان وألح في طلبها فأجيب إلى ذلك بعد أن سمعوا أن بركيارق قد انهزم من عسكر عمه تتش على ما نذكره‏.‏

ذكر انهزام بركيارق من عمه تتش وملكه أصبهان بعد ذلك

في هذه السنة في شوال انهزم بركيارق من عسكر عمه تتش‏.‏

وكان بركيارق بنصيبين فلما سمع بمسير عمه إلى أذربيجان سار هو من نصيبين وعبر دجلة من بلد فوق الموصل وسار إلى إربل ومنها إلى بلد سرخاب بن بدر إلى أن لقي بينه وبين عمه تسعة فراسخ ولم يكن معه غير ألف رجل وكان عمه في خمسين ألف رجل فسار الأمير يعقوب بن آبق من عسكر عمه فكبسه وهزمه ونهب سواده ولم يبق معه إلا برسق وكمشتكين الجاندار واليارق وهم من الأمراء الكبار فسار إلى أصبهان‏.‏

وكانت خاتون أم أخيه محمود قد ماتت على ما نذكره فمنعه من بها من الدخول إليها ثم أذنوا له خديعة منهم ليقبضوا عليه فلما قاربها خرج أخوه الملك محمود فلقيه ودخل البلد واحتاطوا عليه فاتفق أن أخاه محمودًا حم وجدر فأراد الأمراء أن يكحلوا بركيارق فقال لهم أمين الدولة ابن التلميذ الطبيب‏:‏ إن الملك محمودًا قد جدر وما كأنه يسلم منه وأراكم تكرهون أن يليكم ويملك البلاد تاج الدولة فلا تعجلوا على بركيارق فإن مات محمود أقيموه ملكًا وإن سلم محمود فأنتم تقدرون على كحله‏.‏

فمات محمود سلخ شوال فكان هذا من الفرج بعد الشدة وجلس بركيارق للعزاء بأخيه‏.‏

وكان مولد محمود في صفر سنة ثمانين وأربعمائة‏.‏

وقصده مؤيد الملك بن نظام الملك فاستوزره في ذي الحجة وكان أخوه عز الملك بن نظام الملك قد مات لما كان مع بركيارق بالموصل وحمل إلى بغداد فدفن بالنظامية وكان أصبح الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا وسيرة وكان قد أجرى الناس على ما بأيديهم من توقيعات أبيه في الإطلاقات من خاصته منها ببغداد مائتا كر غلة وثمانية عشر ألف دينار أميري‏.‏

ثم إن بركيارق جدر بعد أخيه وعوفي وسلم فلما عوفي كاتب مؤيد الملك وزيره الأمراء العراقيين والخراسانيين واستمالهم فعادوا كلهم إلى بركيارق فعظم شأنه وكثر عسكره‏.‏

ذكر وفاة أمير الجيوش بمصر

في هذه السنة في ذي القعدة توفي أمير الجيوش بدر الجمالي صاحب الجيش بمصر وقد جاوز ثمانين سنة وكان هو الحاكم في دولة المستنصر والمرجوع إليه‏.‏

وكان قد استعمله على الشام سنة خمس وخمسين وأربعمائة وجرى بينه وبين الرعية والجند بدمشق ما خاف منه عى نفسه فخرج عنها هاربًا وجمع وحشد وقدم إلى الشام فاستولى عليه بأسره سنة ست وخمسين ثم خالفه أهل دمشق مرة أخرى فهرب منهم سنة ستين وخرب العامة والجند قرص الإمارة ثم مضى أمير الجيوش إلى مصر وتقدم بها وصار صاحب قال علقمة بن عبد الرزاق العليمي‏:‏ قصدت بدرًا الجمالي بمصر فرأيت أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه قال‏:‏ فبينا أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد فخرج علقمة في أثره وأقام إلى أن رجع من صيده فلما قاربه وقف على نشز من الأرض وأومأ برقعة في يده وأنشأ يقول‏:‏ نحن التجا قنا درٌ وجود يمينك المبتاع قلب وفتشها بسمعك إنما هي جوهر تختاره الأسماع كسدت علينا بالشآم وكلما قل النفاق تعطل الصناع فأتاك يحملها إليك تجارها ومطيها الآمال والأطماع حتى أناخوها ببابك والرجا من دونك السمسار والبياع فوهبت ما لم يعطه في دهره هرم ولا كعب ولا القعقاع وسبقت هذا الناس في طلب العلى فالناس بعدك كلهم أتباع يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا وكان على يد بدر بازي فألقاه وانفرد عن الجيش وجعل يسترد الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته‏:‏ من أحبني فليخلع على هذا الشاعر فخرج من عنده ومعه سبعون بغلًا يحمل الخلع والتحف وأمر له بعشرة آلاف درهم فخرج من عنده وفرق كثيرًا من ذلك على الشعراء ولما مات بدر قام بما كان إليه ابنه الأفضل‏.‏

ذكر وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي

في هذه السنة ثامن عشر ذي الحجة توفي المستنصر بالله أبو تميم معد بن أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله العلوي صاحب مصر والشام وكانت خلافته ستين سنة وأربعة أشهر وكان عمره سبعًا وستين سنة وهو الذي خطب به البساسيري ببغداد وقد ذكرنا ذلك‏.‏

وكان الحسن بن الصباح رئيس هذه الطائفة الإسماعيلية قد قصده في زي تاجر واجتمع به وخاطبه في إقامة الدعوة له ببلاد العجم فعاد ودعا الناس إليه سرًا ثم أظهرها وملك القلاع كما

ذكرناه وقال للمستنصر‏:‏ من إمامي بعدك فقال‏:‏ ابني نزار وهو أكبر أولاده والإسماعيلية إلى يومنا هذا يقولون بإمامة نزار‏.‏

ولقي المستنصر شدائد وأهوالًا وانفتقت عليه بديار مصر أخرج فيها أمواله وذخائره إلى أن بقي لا يملك غير سجادته التي يجلس عليها وهو مع هذا صابر خاشع وقد أتينا على ذكر هذا سنة سبع وستين وأربعمائة وغيرها‏.‏

ولما مات ولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي بالله ومولده في المحرم سنة سبع وستين وأربعمائة وكان قد عهد في حياته بالخلافة لابنه نزار فخلعه الأفضل وبايع المستعلي بالله‏.‏

وسبب خلعه أن الأفضل ركب مرة أيام المستنصر ودخل دهليز القصر من باب الذهب راكبًا ونزار خارج والمجاز مظلم فلم يره الأفضل فصاح به نزار‏:‏ انزل يا أرمني كلب عن الفرس ما أقل أدبك‏!‏ فحقدها عليه فلما مات المستنصر خلعه خوفًا منه على نفسه وبايع المستعلي فهرب نزار إلى الإسكندرية وبها ناصر الدولة أفتكين فبايعه أهل الإسكندرية وسموه المصطفى لدين الله فخطب الناس ولعن الأفضل وأعانه أيضًا القاضي جلال الدولة بن عمار قاضي الإسكندرية فسار إليه الأفضل وحاصره بالإسكندرية فعاد عنه مقهورًا ثم ازداد عسكرًا وسار إليه فحصره وأخذه وأخذ أفتكين فتقله وتسلم المستعلي نزارًا فبنى عليه حائطًا فمات وقتل القاضي جلال الدولة بن عمار ومن أعانه‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة في ربيع الآخر رأى بعض اليهود بالغرب رؤيا أنهم سيطيرون فأخبر اليهود بذلك فوهبوا أموالهم وذخائرهم وجعلوا ينتظرون الطيران فلم يطيروا وصاروا ضحكة بين

وفي هذا الشهر كانت بالشام زلازل كثيرة متتابعة يطول مكثها إلا أنه لم يكن الهدم كثيرًا‏.‏

وفيها كانت الفتنة بين أهل نهر طابق وأهل باب الأرجا فاحترقت نهر طابق وصارت تلولًا فلما احترقت عبر يمن صاحب الشرطة فقتل رجلًا مستورًا فنفر الناس منه وعزل في اليوم الثالث‏.‏

وفيها توفي محمد بن أبي هاشم الحسيني أمير مكة وقد جاوز سبعين سنة ولم يكن له ما يمدح به وكان قد نهب بعض الحجاج سنة ست وثمانين وقتل منهم خلقًا كثيرًا‏.‏

وفيها في ربيع الأول قتل السلطان بركيارق عمه تكش وغرقه وقتل ولده معه وكان ملكشاه قد أخذه لما خرج عليه وكحله وحبسه بقلعة تكريت فلما ملك بركيارق أحضره إليه ببغداد وسار بمسيره فظفر بملطفات إليه من أخيه تتش يحثه على اللحاق به وقيل إنه أراد المسير إلى بلخ لأن أهلها كانوا يريدونه فقتله فلما غرق بقي بسر من رأى فحمل إلى بغداد فدفن عند قبر أبي حنيفة‏.‏

وفيها في جمادى الآخرة كانت وقعة بين الأمير أنر وتورانشاه ابن قاورت بك وكانت تركان خاتون الجلالية والدة محمود بن ملكشاه قد أرسلته في عسكر ليأخذ بلاد فارس من تورانشاه ولم يحسن الأمير أنر تدبير بلاد فارس فاستوحش منه الأجناد واجتمعوا مع وفيها استولى أصبهبذ بن ساوتكين على مكة حرسها الله عنوة وهرب منها الأمير قاسم بن أبي هاشم العلوي صاحبها وأقام بها إلى شوال وجمع الأمير قاسم وكبسه بعسفان وجرى بينهما حرب في شوال من هذه السنة فانهزم أصبهبذ ودخل قاسم إلى مكة ومضى أصبهبذ إلى الشام وقدم إلى بغداد‏.‏

وفيها في رجب أحرق شحنة بغداد وهو أيتكين جب باب البصرة وسبب ذلك أن النقيب طرادًا الزينبي كان له كاتب يعرف بابن سنان فقتل فأنفذ النقيب إلى الشحنة يستدعي منه من يقيم السياسة فأنفذ حاجبه محمدًا فرجمه أهل باب البصرة وأدموه فرجع إلى صاحبه فشكا إليه منهم فأمر أخاه بقصدهم ومعاقبتهم على فعلهم فسار إليهم في جماعة كثيرة وتبعهم أهل الكرخ فأحرقوا ونهبوا فأرسل الخليفة إلى الشحنة يأمره بالكف عنهم فكف‏.‏

وفيها في رمضان توفيت تركان خاتون الجلالية بأصبهان وهي ابنة طفغاج خان وهو من نسل افراسياب التركي وكانت قد برزت من أصبهان لتسير إلى تاج الدولة تتش لتتصل به فمرضت وعادت وماتت وأوصت إلى الأمير أنر وإلى الأمير سرمز شحنة أصبهان بحفظ المملكة على ابنها محمود ولم يكن بقي بيداها سوى قصبة أصبهان ومعها عشرة آلاف فارس أتراك‏.‏

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة

ذكر دخول جمع من الترك إفريقية وما كان منهم

في هذه السنة غدر شاهملك التركي بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس وقبض عليه‏.‏

وكان شاهملك هذا من أولاد بعض الأمراء الأتراك ببلاد الشرق فناله في بلده أمر اقتضى خروجه منه فسار إلى مصر في مائة فارس فأكرمه الأفضل أمير الجيوش وأعطاه إقطاعًا ومالًا ثم بلغه عنه أسباب أوجبت إخراجه من مصر فخرج هو وأصحابه هاربين فاحتالوا حتى أخذوا سلاحًا وخيلًا وتوجهوا إلى المغرب فوصلوا إلى طرابلس الغرب وأهل البلد كارهون لواليها فأدخلوهم البلد وأخرجوا الوالي وصار شاهملك أمير البلد‏.‏

فسمع تميم الخبر فأرسل العساكر إليها فحصروها وضيقوا على الترك ففتحوها ووصل شاهملك معهم إلى المهدية فسر به تميم وبمن معه قال‏:‏ ولد لي مائة ولد أنتفع بهم وكانوا لا يخطيء لهم سهم‏.‏

فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميمًا عليهم فعلم شاهملك ذلك وكان داهيًا خبيثًا فخرج يحيى بن تميم إلى الصيد في جماعة من أعيان أصحابه نحو مائة فارس ومعه شاهملك وكان أبوه تميم قد تقدم إليه أن لا يقرب شاهملك فلم يقبل‏.‏

فلما أبعدوا في طلب الصيد غدر به شاهملك فقبض عليه وسار به وبمن أخذ معه من أصحابه إلى مدينة سفاقس‏.‏

وبلغ الخبر تميمًا فركب وسير العساكر في أثرهم فلم يدركوهم ووصل شاهملك بيحيى بن تميم إلى سفاقس فركب صاحبها واسمه حمو وكان قد خالف على تميم ولقي يحيى ومشى في ركابه راجلًا وقبل يده وعظمه واعترف له بالعبودية فأقام عنده أيامًا ولم يذكره أبوه بكلمة وكان قد جعله ولي عهده فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنًا له آخر اسمه المثنى‏.‏

ثم إن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه الجند وأهل البلد ويملكوه عليهم فأرسل إلى تميم كتابًا يسأله في إنفاذ الأتراك وأولادهم إليه ليرسل ابنه يحيى ففعل ذلك بعد امتناع وقدم يحيى فحجبه أبوه عنه مدة ثم أعاده إلى حاله ورضي عنه ثم جهز تميم عسكرًا إلى سفاقس ويحيى معهم فساروا إليها وحصروها برًا وبحرًا وضيقوا على الأتراك بها وأقاموا عليها شهرين واستولوا عليها وفارقها الأتراك إلى قابس‏.‏

وكان تميم لما رضي عن ابنه يحيى عظم ذلك على ابنه الآخر المثنى وداخله الحسد فلم يملك نفسه فنقل عنه إلى أبيه ما غير قلبه عليه فأمر بإخراجه من المهدية بأهله وأصحابه فركب

البحر ومضى إلى سفاقس فلم يمكنه عامله من الدخول إليها وقصد مدينة قابس وبها أمير يقال له مكين بن كامل الدهسماني فأنزله وأكرمه فحسن له المثنى الخروج معه إلى سفاقس والمهدية وأطمعه فيهما وضمن الإنفاق على الجند من ماله فجمع مكين من يمكنه جمعه وسار إلى سفاقس ومعهما شاهملك التركي وأصحابه فنزلوا على سفاقس وقاتلوها‏.‏

وسمع تميم فجرد إليها جندًا فلما علم المثنى ومن معه أنهم لا طاقة لهم بها ساروا عنها إلى المهدية فنزلوا عليها وقاتلوها وكان الذي يتولى القتال في المهدية يحيى بن تميم وظهرت منه شهامة وشجاعة وحزم وحسن تدبير فلم يبلغ أولئك منها غرضًا فعادوا خائبين وقد تلف ما كان مع المثنى من مال وغيره وعظم أمر يحيى وصار وهو المشار إليه‏.‏

ذكر قتل أحمد خان صاحب سمرقند

في هذه السنة في المحرم قتل أحمد خان صاحب سمرقند وكان قد كرهه عسكره واتهموه بفساد الاعتقاد وقالوا‏:‏ هو زنديق‏.‏

وكان سبب ذلك أن السلطان ملكشاه لما فتح سمرقند وأسر أحمد خان هذا قد وكل به جماعة من الديلم فحسنوا له معتقدهم وأخرجوه إلى الإباحة فلما عاد إلى سمرقند كان يظهر منه أشياء تدل على انحلاله من الدين فلما كرهه أصحابه وعزموا على قتله قالوا لمستحفظ قلعة كاسان وهو طغرل ينال بك ليظهر العصيان ليسير أحمد خان معهم من سمرقند إلى قتاله فيتمكنوا من قتله فعصى طغرل ينال بك فسار أحمد خان والعسكر إلى قتاله فلما نازل القلعة تمكن العسكر منه وقبضوا عليه وعادوا إلى سمرقند وأحضروا القضاة والفقهاء وأقاموا خصوصًا ادعوا عليه الزندقة فجحد فشهد عليه جماعة بذلك فأفتى الفقهاء بقتله فخنقوه وأجلسوا ابن عمه مسعودًا مكانه وأطاعوه‏.‏

ذكر ما فعله يوسف بن آبق ببغداد

في هذه السنة في صفر سير الملك تتش يوسف بن آبق التركماني شحنة لبغداد ومعه جمع من التركمان فمنع من دخول بغداد وورد إليه صدقة بن مزيد صاحب الحلة وكان يكره تتش ولم يخطب له في بلاده فلما سمع ابن آبق بوصوله عاد إلى طريق خراسان ونهب باجسرا وقاتله العسكر ببعقوبا فهزمهم ونهبهم أفحش نهب وأكثر معه من التركمان وعاد إلى بغداد‏.‏

وكان صدقة قد رجع إلى الحلة فدخل يوسف بن آبق إلى بغداد وأراد نهبها والإيقاع بأهلها فمنعه أمير كان معه من ذلك ثم وصل إليه الخبر بقتل تتش فرحل عن بغداد إلى الموصل

ذكر الحرب بين بركيارق وتتش وقتل تتش

في هذه السنة في صفر قتل تتش بن ألب أرسلان‏.‏

وكان سبب ذلك أنه لما هزم السلطان بركيارق كما ذكرناه سار من موضع الوقعة إلى همذان وقد تحصن بها أمير آخر فرحل تتش عنها فتبعه أمير آخر لأجل أثقاله فعاد عليه تتش فكسره فعاد إلى همذان واستأمن إليه وصار معه‏.‏

وبلغ تتش مرض بركيارق فسار إلى أصبهان فاستأذنه أمير آخر في قصد جرباذقان لإقامة الضيافة وما يحتاج إليه فأذن له فسار إليها ومنها إلى أصبهان وعرفهم خبر تتش‏.‏

وعلم تتش خبره فنهب جرباذقان وسار إلى الري وراسل الأمراء الذين بأصبهان يدعوهم إلى طاعته ويبذل لهم البذول الكثيرة وكان بركيارق مريضًا بالجدري فأجابوه يعدونه بالانحياز إليه وهم ينتظرون ما يكون من بركيارق‏.‏

فلما عوفي أرسلوا إلى تتش‏:‏ ليس بيننا غير السيف وساروا مع بركيارق من أصبهان وهم في نفر يسير فلما بلغوا جرباذقان أقبلت إليهم العساكر من كل مكان حتى صاروا في ثلاثين ألفًا فالتقوا بموضع قريب من الري فانهزم عسكر تتش وثبت هو فقتل قيل قتله بعض أصحاب آقسنقر صاحب حلب أخذًا بثأر صاحبه‏.‏

وكان قد قبض على فخر الملك بن نظام الملك وهو معه فأطلق واستقام الأمر والسلطنة لبركيارق وإذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه بالأمس ينهزم من عمه تتش ويصل إلى أصبهان في نفر يسير فلا يتبعه أحد ولو تبعه عشرون فارسًا لأخذوه لأنه بقي على باب أصبهان عدة أيام ثم لما دخلها أراد الأمراء كحله فاتفق أن أخاه حم ثاني يوم وصوله وجدر فمات فقام في الملك مقامه ثم جدر هو وأصابه مع سرسام فعوفي وبقي مذ كسره عمه إلى أن عوفي وسار عن أصبهان أربعة أشهر لم يتحرك عمه ولا عمل شيئًا ولو قصده وهو مريض أو وقت مرض أخيه لملك البلاد‏:‏ ولله سر في علاك وإنما كلام العدى ضربٌ من الهذيان ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما اكن تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابن الملك رضوان وكتب إليه من بلد الجبل قبل المصاف الذي قتل فيه يأمره أن يسير إلى العراق ويقيم بدار المملكة فسار في عدد كثير منهم‏:‏ إيلغازي بن أرتق وكان قد سار إلى تتش فتركه عند ابنه رضوان ومنهم‏:‏ الأمير وثاب بن محمود بن صالح بن مرداس وغيرهما فلما قارب هيت بلغه قتل أبيه فعاد إلى حلب ومعه والدته فملكها وكان بها أبو القاسم الحسن بن علي الخوارزمي قد سلمها إليه تتش وحكمه في البلد والقلعة‏.‏

ولحق رضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين بن أيتكين وكان مع تتش فسلم من المعركة وكان مع رضوان أيضًا أخواه الصغيران‏:‏ أبو طالب وبهرام وكانوا كلهم مع أبي القاسم كالأضياف لتحكمه في البلد واستمال جناح الدولة المغاربة وكانوا أكثر جند القلعة فلما انتصف الليل نادوا بشعار الملك رضوان واحتاطوا على أبي القاسم وأرسل إليه رضوان يطيب قلبه فاعتذر فبل عذره وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها ولم يكن يخطب له بل كانت الخطبة لأبيه بعد قتله نحو شهرين‏.‏

وسار جناح الدولة في تدبير المملكة سيرة حسنة وخالف عليهم الأمير باغي بن سيان بن محمد بن ألب التركماني صاحب أنطاكية ثم صالحهم وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر لخلوها من وال يحفظها فساروا جميعًا وقدم عليهم أمراء الأطراف الذين كان تتش رتبهم فيها وقصدوا سروج فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق جد أصحاب الحصن اليوم وأخذها ومنعهم عنها وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان وتظلموا إليه من عساكره وما يفسدون من غلاتهم ويسألونه الرحيل فرحل عنهم إلى الرها‏.‏

وكان بها رجل من الروم يقال له الفارقليط وكان يضمن البلد من بوزان فقاتل المسلمين بمن معه واحتمى بالقلعة وشاهدوا من شجاعته ما لم يكونوا يظنونه ثم ملكها رضوان وطلب باغي سيان القلعة من رضوان فوهبها له فتسلمها وحصنها ورتب رجالها وأرسل إليهم أهل حران يطلبونهم ليسلموا إليهم حران فسمع ذلك قراجة أميرها فاتهم ابن المفتي وكان ابن المفتي هذا قد اعتمد عليه تتش في حفظ البلد فأخذه وأخذ معه بني أخيه فصلبهم‏.‏

ووصل الخبر إلى رضوان وقد اختلف جناح الدولة وباغي سيان وأضمر كل واحد منهما الغدر بصاحبه فهرب جناح الدولة إلى حلب فدخلها واجتمع بزوجته أم الملك رضوان وسار رضوان وباغي سيان فعبرا الفرات إلى حلب فسمعا بدخول جناح الدولة إليها ففارق باغي سيان الملك رضوان وسار إلى أنطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي وسار رضوان إلى حلب‏.‏

وأما دقاق بن تتش فإنه كان سيره أبوه إلى عمه السلطان ملكشاه ببغداد وخطب له ابنة السلطان وسار بعد وفاة السلطان مع خاتون الجلالية وابنها محمود إلى أصبهان وخرج إلى السلطان بركيارق سرًا وصار معه ثم لحق بأبيه وحضر معه الوقعة التي قتل فيها‏.‏

فلما قتل أبوه أخذه غلام لأبيه اسمه أيتكين الحلبي وسار به إلى حلب وأقام عند أخيه الملك رضوان فراسله الأمير ساوتكين الخادم الوالي بقلعة دمشق سرًا يدعوه ليملكه دمشق فهرب من حلب سرًا وجد في السير فأرسل أخوه رضوان عدة من الخيالة فلم يدركوه فلما وصل إلى دمشق فرح به الخادم وأظهر الاستبشار ولقيه فلما دخلها أرسل إليه باغي سيان يشير عليه بالتفرد بملك دمشق عن أخيه رضوان‏.‏

واتفق وصول معتمد الدولة طغدكين إلى دمشق ومعه جماعة من خواص تتش وعسكره وقد سلموا فإنه كان قد شهد الحرب مع صاحبه وأسر فبقي إلى الآن وخلص من الأسر فلما وصل إلى دمشق لقيه الملك دقاق وأرباب دولته وبالغوا في إكرامه وكان زوج والدة دقاق فمال إليه لذلك وحكمه في بلاده وعملوا على قتل الخادم ساوتكين فقتلوه وسار إليهم باغي سيان من أنطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي فجعله وزيرًا لدقاق وحكمه في دولته‏.‏

ذكر وفاة المعتمد بن عباد


في هذه السنة توفي المعتمد بن عباد الذي كان صاحب الأندلس مسجونًا بأغمات من بلد المغرب وقد ذكرنا كيف أخذت بلاده منه سنة أربع وثمانين وأربعمائة فبقي مسجونًا إلى الآن وتوفي وكان من محاسن الدنيا كرمًا وعلمًا وشجاعة ورئاسة تامة وأخباره مشهورة وآثاره وله أشعار حسنة فمنها ما قاله لما أخذ ملكه وحبس‏:‏ سلت علي يد الخطوب سيوفها فجذذن من جسدي الحصيف الأمتنا ضربت بها أيدي الخطوب وإنما ضربت رقاب الآملين بها المنى يا آملي العادات من نفحاتنا كفوا فإن الدهر كف أكفنا وله قصيدة يصف القيد في رجله‏:‏ تعطف في ساقي تعطف أرقم يساورها عضًا بأنياب ضيغم وإني من كان الرجال بسيبه ومن سيفه في جنة وجهنم وقال في يوم عيد‏:‏ فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا قد كان دهرك إن تأمره ممتثلًا فردك الدهر منهيًا ومأمورا من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالأحلام مسرورا وكان شاعره أبو بكر بن اللبانة يأتيه وهو مسجون فيمدحه لا لجدوى ينالها منه بل رعاية لحقه وإحسانه القديم إليه‏.‏

فلما توفي أتاه فوقف على قبره يوم عيد والناس عند قبور أهليهم وأنشد بصوت عال‏:‏ لما خلت منك القصور ولم تكن فيها كما قد كنت في الأعياد فمثلت في هذا الثرى لك خاضعًا وتخذت قبرك موضع الإنشاد وأخذ في إتمام القصيدة فاجتمع الناس كلهم عليه يبكون‏.‏ولو أخذنا في تفصيل مناقبه ومحاسنه لطال الأمر فلنقف عند هذا‏.‏

ذكر وفاة الوزير أبي شجاع

في هذه السنة توفي الوزير أبو شجاع محمد بن الحسين بن عبد الله وزير الخليفة في جمادى الآخرة وأصله من روذراور وولد بالأهواز وقرأ الفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وكان عالمًا بالعربية وله تصانيف منها‏:‏ ذيل تجارب الأمم وكان عفيفًا عادلًا حسن السيرة كثير الخير والمعروف وكان موته بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مجاورًا فيها‏.‏

ولما حضره الموت أمر فحمل إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فوقف بالحضرة وبكى وقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 64‏]‏‏.‏ وقد جئت معترفًا بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك‏.‏

ذكر الفتنة بنيسابور

في هذه السنة في ذي الحجة جمع أمير كبير من أمراء خراسان جمعًا كثيرًا وسار بهم إلى نيسابور فحصرها فاجتمع أهلها وقاتلوه أشد قتال ولازم حصارهم نحو أربعين يومًا فلما لم يجد له مطمعًا فيها سار عنها في المحرم سنة تسع وثمانين فلما فارقها وقعت الفتنة بها بين الكرامية وسائر الطوائف من أهلها فقتل بينهم قتلى كثيرة‏.‏

وكان مقدم الشافعية أبا القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ومقدم الحنفية القاضي محمد بن أحمد بن صاعد وهما متفقان على الكرامية ومقدم الكرامية محمشاد فكان الظفر للشافعية والحنفية على الكرامية فخربت مدارسهم وقتل كثير منهم ومن غيرهم وكانت فتنة عظيمة‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة في ربيع الآخر شرع الخليفة في عمل سور على الحريم وأذن الوزير عميد الدولة بن جهير للعامة في التفرج والعمل فزينوا البلد وعملوا القباب وجدوا في عمارته‏.‏

وفيها في رمضان جرح السلطان بركيارق جرحه إنسان ستري له من أهل سجستان في عضده ثم أخذ الرجل وأعانه رجلان أيضًا من أهل سجستان فلما ضرب الرجل الجارح اعترف أن هذين الرجلين وضعاه واعترفا بذلك فضربا الضرب الشديد ليقرا على من أمرهما بذلك فلم يقرا فقربا إلى الفيل ليجعلا تحت قوائمه وقدم أحدهما فقال‏:‏ اتركوني أنا أعرفكم فتركوه فقال لصاحبه‏:‏ يا أخي لا بد من هذه القتلة فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء الأسرار فقتلا‏.‏

وفيها توجه الإمام أبو حامد الغزالي إلى الشام وزار القدس وترك التدريس في النظامية واستناب أخاه وتزهد ولبس الخشن وأكل الدون وفي هذه السفرة صنف إحياء علوم الدين وسمعه منه الخلق الكثير بدمشق وعاد إلى بغداد بعدما حج في السنة التالية وسار إلى خراسان‏.‏

وفيها في ربيع الأول خطب لولي العهد أبي الفضل منصور بن المستظهر بالله‏.‏

وفيها عزل بركيارق وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك واستوزره أخاه فخر الملك وسبب ذلك أن بركيارق لما هزم عمه تتش وقتله أرسل خادمًا ليحضر والدته زبيدة خاتون من أصبهان فاتفق مؤيد الملك مع جماعة من الأمراء وأشاروا عليه بتركها فقال‏:‏ لا أريد الملك إلا لها وبوجودها عندي فلما وصلت إليه وعلمت الحال تنكرت على مؤيد الملك وكان مجد الملك أبو

الفضل البلاساني قد صحبها في طريقها وعلم أنه لا يتم له أمر مع مؤيد الملك وكان بين مؤيد الملك وأخيه فخر الملك تباعد بسبب جواهر خلفها أبوهم نظام الملك فلما علم فخر الملك تنكر أم السلطان على أخيه مؤيد الملك أرسل وبذل أموالًا جزيلة في الوزارة فأجيب إلى ذلك وعزل أخوه وولي هو‏.‏

و في هذه السنة في جمادى الأولى توفي أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الفقيه الحنبلي وكان عارفًا بعدة علوم وكان قريبًا من السلاطين‏.‏

وفيها في رجب توفي أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون المعروف بابن الباقلاني وهو مشهور ومولده سنة ست وأربعمائة‏.‏

وفيها في شعبان توفي قاضي القضاة أبو بكر محمد بن المظفر الشامي وكان من أصحاب أبي الطيب الطبري ولم يأخذ على القضاء أجرًا وأقر الحق مقره ولم يحاب أحدًا من خلق الله ادعى عنده بعض الأتراك على رجل شيئًا فقال‏:‏ ألك بينة قال‏:‏ نعم‏!‏ فلان والمشطب الفقيه الفرغاني فقال‏:‏ لا أقبل شهادة المشطب لأنه يلبس الحرير فقال التركي‏:‏ فالسلطان ونظام الملك يلبسان الحرير فقال‏:‏ لو شهدا عندي على باقة بقل لم أقبل شهادتهما وولي القضاء بعده أبو الحسن علي ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد الدامغاني‏.‏

وفيها مات القاضي أبو يوسف عبد السلام بن محمد القزويني ومولده سنة إحدى عشرة وأربعمائة وكان مغاليًا في الاعتزال وقيل كان زيدي المذهب‏.‏

وفيها توفي القاضي أبو بكر بن الرطبي قاضي دجيل وكان شافعي المذهب وولي بعده أخوه أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد أبو الفضل الحداد الأصبهاني صاحب أبي نعيم الحافظ روى عنه حلية الأولياء وهو أكبر من أخيه أبي المعالي وأبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد الحميدي الأندلسي ولد قبل العشرين وأربعمائة وسمع الحديث ببلده ومصر والحجاز والعراق وهو مصنف الجمع بين الصحيحين وكان ثقة فاضلًا وتوفي في ذي الحجة ووقف كتبه فانتفع بها الناس‏.‏‏ ‏ ‏