المجلد التاسع - ذكر ملك أتابك زنكي حمص وغيرها من أعمال دمشق

ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة

و في هذه السنة في المحرم وصل أتابك إلى حماة وسار منها إلى بقاع بعلبك فملك حصن المجدل وكان لصاحب دمشق وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وهو أيضًا لصاحب دمشق وسار إلى حمص فحصرها وأدام قتالها فلما نازل ملك الروم حلب رحل عنها إلى سلمية فلما انجلت حادثة الروم على ما ذكرناه عاود منازلة حمص وأرسل إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه أمه ليتزوجها واسمها زمرد خاتون ابنة جاولي وهي التي قتلت ابنها شمس الملوك وهي التي بنت المدرسة بظاهر دمشق المطلة على وادي شقرا ونهر بردى فتزوجها وتسلم حمص مع قلعتها‏.‏

وحملت خاتون إليه في رمضان وإنما حمله على التزوج بها ما رأى من تحكمها في دمشق فظن أنه يملك البلد بالاتصال بها فلما تزوجها خاب أمله ولم يحصل على شيء فأعرض عنها‏.‏

ذكر وصول ملك الروم إلى الشام وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين قد ذكرنا سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة خروج ملك الروم من بلاده واشتغاله بالفرنج وابن ليون فلما دخلت هذه السنة وصلت إلى الشام وخافه الناس خوفًا عظيمًا وقصد بزاعة فحصرها وهي مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب فمضى جماعة من أعيان حلب إلى أتابك زنكي وهو يحاصر حمص فاستغاثوا به واستنصروه فسير معهم كثيرًا من العساكر فدخلوا إلى حلب ليمنعوها من الروم إن حصروها‏.‏

ثم إن ملك الروم قاتل بزاعة ونصب عليها منجنبقات وضيق على من بها فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب ثم غدر بأهلها فقتل منهم وأسر وسبى‏.‏

وكان عدة من جرح فيها من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس وتنصر قاضيها وجماعة من أعيانها نحو أربع مائة نفس‏.‏

وأقام الروم بعد ملكها عشرة أيام يتطلبون من أختفى فقيل لهم‏:‏ إن جمعًا كثيرًا من أهل هذه الناحية قد نزلوا إلى المغارات فدخنوا عليهم وهلكوا في المغاور‏.‏

ثم رحلوا إلى حلب فنزلوا على قويق ومعهم الفرنج الذين بساحل الشام وزحفوا إلى حلب من الغد في خيلهم ورجلهم فخرج إليهم أحداث حلب فقاتلوهم قتالًا شديدًا فقتل من الروم وجرح خلق كثير وقتل بطريق جليل القدر عندهم وعادوا خاسرين وأقاموا ثلاثة أيام فلم يروا فيها طمعًا فرحلوا إلى قلعة الأثارب فخاف من فيها من المسلمين فهربوا عنها تاسع شعبان فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون القلعة وساروا فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر إلى الأثارب فأوقع بمن فيها من الروم فقتلهم وخلص السبي والأسرى وعاد إلى حلب‏.‏

وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنازلها وعبر ثقله الفرات إلى الرقة وأقام جريدة ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة وأما الروم فإنهم قصدوا قلعة شيزر فإنها من أمنع الحصون وإنما قصدوها لأنها لم تكن لزنكي فلا يكون له في حفظها الاهتمام العظيم وإنما كانت للأمير أبي العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني فنازلوها وحصروها ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقًا فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده فسار إليه فنزل على نهر العاصي بالقرب منها بينها وبين حماة وكان يركب كل يوم ويسير إلى شيزر هو و عساكره ويقفون بحيث يراهم الروم ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم‏.‏

ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له‏:‏ إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال فأنزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وإن ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها‏.‏

ولم يكن له بهم قوة وإنما كلن يرهبهم بهذا القول وأشباهه فأشار فرنج الشام على ملك الروم بمصافته وهونوا أمره عليه فلم يفعل وقال‏:‏ أتظنون أنه ليس له من العسكر إلا ما ترون إنما هو يريد أن تلقوه فيجيئه من نجدات المسلمين ما لا حد له‏.‏

وكان زنكي يرسل أيضًا إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه فلو فارق مكانه لتخلوا عنه ويرسل إلى فرنج الشام يخوفهم من ملك الروم ويقول لهم‏:‏ إن ملك بالشام حصنًا واحدًا ملك بلادكم جميعًا فاستشعر كل من صاحبه فرحل ملك الروم عنها في رمضان وكان مقامه عليها أربعة و عشرين يومًا وترك المجانيق و آلات الحصار بحالها فسار أتابك زنكي يتبع ساقة العسكر فظفر بكثير ممن تخلف منهم وأخذ جميع ما تركوه‏.‏

ولما كان الفرنج على بزاعة أرسل زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن قاسم الشهرزوري إلى السلطان مسعود يستنجده ويطلب العساكر فمضى إلى بغداد وانهى الحال إلى السلطان وعرفه عاقبة الإهمال وأنه ليس بينه و بين الروم إلا أن يملكوا حلب و ينحدروا مع الفرات إلى بغداد فلم يجد عنده حركة فوضع إنسانًا من أصحابه يوم جمعة فمضى إلى جامع القصر و معه جماعة من رنود العجم وأمر أن يثور بهم إذا صعد الخطيب المنبر ويصيح و يصيحوا معه‏:‏ وا إسلامه وا دين محمداه‏!‏ ويشق ثيابه ويرمي عمامته من رأسه ويخرج إلى دار السلطان والناس معه يستغيثون كذلك ووضع إنسانًا آخر يفعل بجامع السلطان مثله‏.‏

فلما صعد الخطيب المنبر قام ذلك الرجل ولطم رأسه وألقى عمامته وشق ثوبه وأولئك معه وصاحوا فبكى الناس وتركوا الصلاة ولعنوا السلطان وساروا من الجامع يتبعون الشيخ إلى دار السلطان فوجدوا الناس في جامع السلطان كذلك وأحاط الناس بدار السلطان يستغيثون ويبكون فخاف السلطان فقال أحضروا إلي ابن الشهرزوري فأحضر فقال كمال الدين‏:‏ لقد خفت منه مما رأيت فلما دخلت عليه قال لي‏:‏ أي فتنة أثرت فقلت ما فعلت شيئًا‏.‏

أنا كنت في بيتي وإنما الناس يغارون للدين والإسلام ويخافون عاقبة هذا التواني فقال‏:‏ اخرج إلى الناس ففرقهم عنا واحضر غدًا واختر من العسكر من تريد ففرقت الناس وعرفتهم ما أمر به من تجهيز العساكر وحضرت من الغد إلى الديوان فجهزوا لي طائفة عظيمة من الجيش ن فأرسلت إلى نصير الدين بالموصل أعرفه ذلك وأخوفه من العسكر إن طرقوا البلاد فإنهم يملكونها فأعاد الجواب يقول‏:‏ البلاد لا شك مأخوذة فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون‏.‏

فشرعنا في التحميل للرحيل وإذ قد وصلني كتاب أتابك زنكي من الشام يخبر برحيل ملك الروم ويأمرني بأن لا استصحب من العسكر أحدًا فعرفت السلطان ذلك فقال‏:‏ العسكر قد تجهز ولابد من الغزاة إلى الشام فبعد الجهد وبذل الخدمة العظيمة له ولأصحابه أعاد العسكر‏.‏

ولما عاد ملك الروم عن شيزر مدح الشعراء أتابك زنكي وأكثروا فمن ذلك ما قاله المسلم بن خضر بن قسيم الحموي من قصيدة أولها‏:‏ بعزمك أيها الملك العظيم تذل لك الصعاب وتستقيم ومنها‏:‏ ألم تر أن كلب الروم لما تبين أنه الملك الرحيم فجاء يطبق الفلوات خيلًا كأن الجحفل الليل البهيم وقد نزل الزمان على رضاه ودان لخطبه الخطب العظيم وأبصر في المفاضة منك جيشًا فأحرب لا يسير ولا يقيم كأنك في العجاج شهاب نور توقد وهو شيطان رجيم أراد بقاء مهجته فولى وليس سوى الحمام له حميم وهي قصيدة طويلة ومن عجيب ما يحكى أن ملك الروم لما عزم على حصر شيزر سمع من بها ذلك فقال الأمير مرشد بن علي أخو صاحبها وهو يفتح مصحفًا‏:‏ اللهم بحق من أنزلته عليه إن قضيت بمجيء ملك الروم فاقبضني إليك‏!‏ فتوفي بعد أيام‏.‏

الحرب بين السلطان مسعود والملك داود

ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء

لما فارق الراشد بالله أتابك زنكي من الموصل سار نحو أذربيجان فوصل مراغة وكان الأمير منكبرس صاحب فارس ونائبه بخوزستان الأمير بوزابة والأمير عبد الرحمن طغايرك صاحب خلخال والملك داود ابن السلطان محمود مستشعرين من السلطان مسعود خائفين منه فتجمعوا ووافقوا الراشد على الاجتماع معهم لتكون أيديهم واحدة ويردوه إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك إلا أنه لم يجتمع معهم‏.‏

ووصل الخبر إلى السلطان مسعود وهو ببغداد باجتماعهم فسار عنها في شعبان نحوهم فالتقوا ببنجن كشت فاقتتلوا فهزمهم السلطان مسعود وأخذ الأمير منكبرس أسيرا ًفقتل بين يديه صبرًا وتفرق عسكر مسعود في النهب واتباع المنهزمين‏.‏

وكان بوزابة وعبد الرحمن طغايرك على نشز من الأرض فرأيا السلطان مسعودا ًوقد تفرق عسكره عنه فحملا عليه وهو في قلة فلم يثبت لهما وانهزم وقبض بوزابة على جماعة من الأمراء‏:‏ منهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة ومنهم ولد أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وعنتر بن أبي العسكر وغيرهم وتركهم عنده‏.‏

فلم ا بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم جميعًا وصار العسكران مهزومين وكان هذا من أعجب الاتفاق‏.‏

وقصد السلطان مسعود أذربيجان وقصد الملك داود همذان ووصل إليها الراشد بعد الوقعة فاختلفت آراء الجماعة فبعضهم أشار بقصد العراق والتغلب عليه وبعضهم أشار باتباع السلطان مسعود للفراغ منه فإن ما بعده يهون عليهم‏.‏

وكان بوزابة أكبر الجماعة فلم ير ذلك وكان عرضه المسير إلى بلاد فارس وأخذها بعد قتل صاحبها منكبرس قبل أن يمتنع من بها عليه فبطل عليهم ما كانوا فيه وسار إليها فملكها وصارت له مع خوزستان‏.‏

وسار سلجوق شاه ابن السلطان محمد إلى بغداد ليملكها فخرج إليه البقش الشحنة بها ونظر الخادم أمير الحاج وقاتلوه ومنعوه وكان عاجزًا مستضعفًا ولما قتل صدقة بن دبيس أقر السلطان مسعود الحلة على أخيه محمد بن دبيس وجعل معه مهلهل بن ابي العسكر أخا عنتر المقتول يدبر أمره‏.‏

ولما كان البقش شحنة بغداد يقاتل سلجوقشاه ثار العيارون ببغداد ونهبوا الأموال وقتلوا الرجال وزاد أمرهم حتى كانوا يقصدون أرباب الأموال ظاهرًا ويأخذون منهم ما يريدون ويحملون الأمتعة على رؤوس الحمالين فلما عاد الشحنة قتل منهم وصلب وغلت الأسعار وكثر الظلم منه وأخذ المستورين بحجة العيارين فجلا الناس عن بغداد إلى المصل وغيرها من البلاد‏.‏

ذكر قتل الراشد بالله

لما وصل الراشد بالله إلى همذان وبها الملك داود وبوزابة ومن معهما من المراء والعساكر بعد انهزام السلطان مسعود وتفرق العساكر على ما تقدم ذكره سار الرشد بالله إلى خوزستان مع الملك داود ومعه خوارزم شاه فقاربا الحويزة فسار السلطان مسعود إلى بغداد ليمنعهم عن العراق فعاد الملك داود إلى فارس وعاد خوارزم شاه إلى بلاده وبقي الراشد وحده فلما

فلما كان الخامس والعشرون من رمضان وثب عليه نفر من الخراسانية الذين كانوا في خدمته فقتلوه وهو يريد القيلولة وكان في أعقاب مرض وقد برىء منه ودفن بظاهر أصفهان بشهرستان فركب من معه فقتلوا الباطنية‏.‏

ولما وصل الخبر إلى بغداد جلسوا للعزاء به في بيت النوبة يومًا واحدًا‏.‏

وكان أبيض أشقر حسن اللون مليح الصورة مهيبًا شديد القوة والبطش‏.‏

قال أبو بكر الصولي‏:‏ الناس يقولون إن كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الإسلام لا بد من أن يخلع وربما قتل‏.‏

قال‏:‏ فتأملت ذلك فرأيته كما قيل فإن أول من قام بأمر هذه الأمة محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن رضي الله عنهم فخلع ثم معاوية ويزيد ابنه ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير فخلع وقتل ثم الوليد بن عبد الملك وأخوه سليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد وهشام ابنا عبد الملك والوليد بن يزيد ابن عبد الملك فخلع وقتل ثم لم ينتظم أمر بني أمية ثم ولي السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين فخلع وقتل والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين فخلع وقتل والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر فخلع ثم رد ثم قتل ثم القاهر والراضي والمتقي والمستكفي والمطيع والطائع فخلع ثم القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد فخلع وقتل‏.‏

قلت‏:‏ وفي هذا نظر لأن البيعة لأبن الزبير كانت قبل البيعة لعبد الملك بن مروان وكونه جعله بعده لا وجه له والصولي إنما ذكر إلى أيام المقتدر بالله ومن بعده ذكره غيره‏.‏

ذكر حال ابن بكران العيار

في هذه السنة في ذي الحجة عظم أمر ابن بكران العيار بالعراق وكثر أتباعه وصار يركب ظاهرً في جمع من المفسدين وخافه الشريف أبو الكرم الوالي ببغداد فأمر ابا القاسم ابن أخيه حامي باب الأزج أن يشتد عليه ليأمن شره‏.‏

وكان ابن بكران يكثر المقام بالسواد ومعه رفيق له يعرف بابن البزاز فانتهى أمرهما إلى أنهما أرادا أن يضربا باسمهما سكة في الأنبار فأرسل الشحنة والوزير شرف الدين الزينبي إلى الوالي أبي الكرم وقالا‏:‏ إما أن تقتل ابن بكران وإما أن نقتلك فأحضر ابن أخيه وعرفه ما جرى وقال له‏:‏ إما أن تختارني ونفسك وإما أن تختار أبن بكران فقال أنا أقتله‏.‏

وكان لابن بكران عادة يجيء في بعض الليالي إلى ابن أخي أبي الكرم فيقيم في داره ويشرب عنده فلما جاء على عادته وشرب أخذ أبو القاسم سلاحه ووثب به فقتله وأراح الناس من شره ثم أخذ بعده بيسير رفيقه ابن البزاز وصلب وقتل معه جماعة من الحرامية فسكن الناس واطمأنوا وهدأت الفتنة‏.‏

ذكر قتل الوزير الدركزيني ووزارة الخازن

في هذه السنة قبض السلطان مسعود على وزيره العماد أبي البركات بن سلمة الدركزيني واستوزر بعده كمال الدين محمد بن الحسين الخازن وكان الكمال شهمًا شجاعًا عادلًا نافذ الحكم حسن السيرة أزال المكوس ورفع المظالم وكان يقيم مؤونة السلطان ووظائفه وجمع له خزائن كثيرة وكشف أشياء كثيرة كانت مستورة يخان فيها ويسرق فثقل على المتصرفين وأرباب الأعمال فأوقعوا بينه وبين الأمراء لاسيما قراسنقر صاحب اذربيجان فإنه فارق السلطان وأرسل يقول‏:‏ إما أن تنفذ رأس الوزير وإلا خدمنا سلطانًا آخر‏.‏

فاشار من حضر من الأمراء بقتله وحذروه فتنة لا تتلافى فقتله على كره منه وأرسل إلى قراسنقر فرضي‏.‏

وكانت وزارته سبعة أشهر وكان قتله سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة‏.‏

ووزر بعده أبو العز طاهر بن محمد البروجردي وزير قراسنقر ولقب عز الملك وضاقت الأمور على السلطان مسعود واستقطع الأمراء البلاد بغير اختياره ولم يبق له شيء من البلاد

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة ملك حسام الدين تمرتاش إيلغازي صاحب ماردين قلعة الهتاخ من بلاد ديار بكر أخذها من بعض بني مروان الذين كانوا ملوك ديار بكر جميعها وهذا أخر من بقي منهم له ولاية فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ملكه ولا يتطرق إليه النقص ولا التغيير‏.‏

وفيما انقطعت كسوة الكعبة لما ذكرناه من الاختلاف فقام بكسوتها رامشت التاجر الفارسي كساها من الثياب الفاخرة بكل ما وجد إليه سبيل فبلغ ثمن الكسوة ثمانية عشر ألف دينار مصرية وهو من التجار المسافرين إلى الهند كثير المال‏.‏

وفيها توفيت زبيدة خاتون ابنة السلطان بركيارق زوج السلطان مسعود وتزوج بعدها سفري ابنة دبيس بن صدقة في جمادى الأولى وتزوج ابنة قاروت وهو من البيت السلجوقي إلا أنه كان لا يزال يعاقر الخمر ليلًا ونهارًا فلهذا سقط اسمه وذكره‏.‏

وفيها قتل السلطان مسعود ابن البقش السلاحي شحنة بغداد وكان قد ظلم الناس وعسفهم وفعل ما لم يفعله غيره من الظلم فقبض عليه وسيره إلى تكريت فسجنه بها عند مجاهد الدين بهروز ثم أمر بقتلهن فلما أرادوا قتله ألقى بنفسه في دجلة فغرق فأخذ رأسه وحمل إلى السلطان وجعل السلطان شحنة العراق مجاهد الدين بهروز فعمل أعمالًا صالحة منها‏:‏ أنه عمل مسناة النهروان وأشباهها وكان حسن السيرة كثير الإحسان‏.‏

وفيها درس الشيخ أبو منصور بن الرزاز بالنظامية في بغداد‏.‏

وأرسل إلى أتابك زنكي في إطلاق قاضي القضاة الزينبي فأطلق وانحدر إلى بغداد فخلع عليه الخليفة وأقره على منصبه‏.‏

وفيها كان بخراسان غلاء شديد طالت مدته وعظم أمره حتى أكل الناس الكلاب والسنانير وغيرهما من الدواب وتفرق أكثر أهل البلاد من الجوع‏.‏

وفيها توفي طغان أرسلان صاحب بدليس وأرزن من ديار بكر وولي بعده ابنه فرني واستقام له الأمر‏.‏

وفيها في شهر صفر جاءت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة وديار بكر والموصل والعراق وغيرها من البلاد فخربت كثيرًا منها وهلك تحت الهدم عالم كثير‏.‏

وفيها توفي أحمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي الفتح الدينوري الفقيه الحنبلي ببغداد وكان ينشد كثيرًا هذه الأبيات‏:‏ تمنيت أن تمسي فقيهًا مناظرًا بغير عياء والجنون فنون وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن عمر أبو الحسن الكرخي ومولده سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وكان فقيهًا محدثًا سمع الحديث بكرخ وأصفهان وهمذان وغيرها‏.‏

وفي شعبان منها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن الحسين بن إسماعيل ابن صاعد وهو ابن عم القاضي أبي سعيد وولي القضاء بنيسابور بعد أبي سعيد‏.‏

ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة

ذكر الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه

في هذه السنة في المحرم سار السلطان سنجر بن ملكشاه إلى خوارزم محاربًا لخوارزم شاه أتسز بن محمد‏.‏

وسبب ذلك أن سنجر بلغه أن أتسز يحدث نفسه بالامتناع عليه وترك الخدمة له وأن هذا الأمر قد ظهر على كثير من أصحابه وأمرائه فأوجب ذلك قصده واخذ خوارزم منه فجمع عساكره وتوجه نحوه فلما قرب من خوارزم خرج خوارزم شاه إليه في عساكره فلقيه مقابلًا وعبأ كل واحد منهما عساكره وأصحابه فاقتتلوا فلم يكن للخوارزمية قوة بالسلطان فلم يثبتوا وولوا منهزمين وقتل منهم خلق كثير ومن جملة القتلى ولد لخوارزم شاه فحزن عليه أبوه حزنًا عظيمًا ووجد وجدًا شديدًا‏.‏

وملك سنجر خوارزمن وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ولد أخيه محمد ورتب له وزيرًا وأتابكًا وحاجبًا وقرر قواعده وعاد إلى مرو في جمادى الأخرى من هذه السنة فلما فارق خوارزم عائدًا انتهز خوارزم شاه الفرصة فرجع إليها وكان أهلها يكرهون العسكر السنجري ويؤثرون عودة خوارزم شاه فلما عاد أعانوه على ملك البلد ففارقهم سليمان شاه ومن معه ورجع إلى عمه السلطان سنجر وفسد الحال بين سنجر وخوارزم واختلفا بعد الاتفاق ففعل خوارزم شاه في خراسان سنة ست وثلاثين وخمسمائة ما نذكره إن شاء الله‏.‏

ذكر قتل محمود صاحب دمشق وملك أخيه محمد

في هذه السنة في شوال قتل شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن طغدكين صاحب دمشق على فراشه غيلة قتله ثلاثة من غلمانه هم خواصه واقرب الناس منه في خلوته وجلوته وكانوا ينامون عنده ليلًا فقتلوه وخرجوا من القلعة وهربوا فنجا أحدهم وأخذ الآخران فصلبا‏.‏

وكتب من بدمشق إلى أخيه جمال الدين محمد بن بوري صاحب بعلبك بصورة الحال واستدعوه ليملك بد أخيه فحضر في أسرع وقت فلما دخل البلد جلس للعزاء بأخيه وحلف له الجند وأعيان الرعية وسكن الناس وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنز مملوك جده وزاد في علو مرتبته وصار هو الجملة والتفصيل وكان أنز خيرًا عاقلًا حسن السيرة فجرت الأمور عنده على أحسن نظام‏.‏

ذكر ملك زنكي بعلبك

في هذه السنة في ذي القعدة سار عماد الدين أتابك زنكي بن آقسنقر إلى بعلبك فحصرها ثم ملكها وسبب ذلك أن محمودًا صاحب دمشق لما قتل كانت والدته زمرد خاتون عند اتابك زنكي بحلب قد تزوجها فوجدت لقتل ولدها وجدًا شديدًا وحزنت عليه وأرسلت إلى زنكي وهو بديار الجزيرة تعرفه الحادثة وتطلب منه أن يقصد دمشق ويطلب بثأر ولدها‏.‏

فلما وقف على هذه الرسالة بادر في الحال من غير توقف ولا تريث وسار مجدًا ليجعل ذلك طريقًا إلى ملك البلد وعبر الفرات عازمًا على قصد دمشق فاحتاط من بها واستعدوا واستكثروا من الذخائر ولم يتركوا شيئًا مما يحتاجون إليه ألا وبذلوا الجهد في تحصيله وأقاموا ينتظرون وصوله إليهم فتركهم وسار إلى بعلبك‏.‏

وقيل‏:‏ كان السبب في ملكها أنها كانت لمعين الدين أنز كما ذكرناه وكان له جارية يهواها فلما تزوج أم جمال الدين سيرها إلى بعلبك فلما سار زنكي إلى الشام عازمًا على قصد دمشق سير إلى أنز يبذل له البذول العظيمة ليسلم إليه دمشق فلم يفعل‏.‏

وسار أتابك إلى بعلبك فوصل إليها في العشرين من ذي الحجة من السنة فنازلها في عساكره وضيق عليها وجد في محاربتها ونصب عليها من المنجنيقات أربعة عشر عددًا ترمي ليلًا ونهارًا فأشرف من بها على الهلاك وطلبوا الأمان وسلموا إليه المدينة وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك فقاتلهم فلما أيسوا من معين ونصير طلبوا الأمان فأمنهم فسلموا القلعة إليه فلما نزلوا منها وملكها غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا ولم ينج منهم إلا القليل فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموهن وخافه غيرهم وحذروه ولاسيما أهل دمشق فإنهم قالوا‏:‏ لو ملكنا لو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء فازدادوا نفورًا وجدًا في محاربته‏.‏

ولما ملك زنكي بعلبك أخذ الجارية التي كانت لمعين الدين أنز بها فتزوجها بحلب فلم تزل بها إلى أن قتل فسيرها أبنه نور الدين محمود إلى معين الدين أنز وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين وبين أنز والله أعلم‏.‏

و في هذه السنة جمع أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان عساكر كثيرة وحشد وسار طالبًا بثأر أبيه الذي قتله بوزابة في الصاف المقدم ذكره فلما قارب السلطان مسودًا أرسل إليه يطلب منه قتل وزيره الكمال فقتله كما ذكرناه فلما قتل سار قراسنقر إلى بلاد فارس فلما قاربها تحصن بوزابة منه في القلعة البيضاء ووطىء قراسنقر البلاد وتصرف فيها وليس له فيها دافع ولا مانع إلا أنه لم يمكنه المقام وملك المدن التي في فارس فسلم البلاد إلى سلجوقشاه ابن السلطان محمود وقال له‏:‏ هذه البلاد لك فاملك الباقي وعاد إلى أذربيجان فنزل حينئذ بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين وهزم سلجوقشاه وملك البلاد واسر سلجوقشاه وسجنه في قلعة بفارس‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة في صفر توفي الوزير شرف الدين أنو شروان بن خالد معزولًا ببغداد وحضر جنازته وزير الخليفة فمن دونه ودفن في داره ثم نقل إلى الكوفة فدفن في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام‏.‏

وكان فيه تشيع وهو كان السبب في عمل المقامات الحريرية وكان رجلًا عاقلًا شهمًا دينًا خيرًا ووزر للخليفة المسترشد وللسلطان محمود وللسلطان

وفيها قدم السلطان مسعود بغداد في ربيع الأول وكان الزمان شتاء وصار يشتي بالعراق ويصيف بالجبال ولما قدمها أزال المكوس وكتب الألواح بإزالتها ووضعت على أبواب الجوامع وفي الأسواق وتقدم أن لا ينزل جندي في دار عامي من أهل بغداد إلا بإذن فكثر الدعاء له والثناء عليه وكان السبب في ذلك الكمال الخازن وزير السلطان‏.‏

وفيها في صفر كانت زلازل كثيرة هائلة بالشام والجزيرة وكثير من البلاد وكان أشدها بالشام وكانت متوالية كل ليلة عدة دفعات فخرب كثير من البلاد ولاسيما حلب فإن أهلها لما كثرت عليهم فارقوا بيوتهم وخرجوا إلى الصحراء وعدوا ليلة واحدة جاءتهم ثمانين مرة ولم تزل بالشام تتعاهدهم من رابع صفر إلى التاسع عشر منه وكان معها صوت وهزة شديدة‏.‏

وفيها أغار الفرنج على أعمال بانياس فسار عسكر دمشق في أثرهم فلم يدركوهم فعادوا‏.‏

وفيها توفي أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي النيسابوري بها ومولده سنة ست وأربعين وأربعمائة وكان إمامًا في الحديث مكثرًا عالي الإسناد‏.‏

وتوفي عبد الله بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف أبو القاسم ابن أبي الحسين البغدادي بها ومولده سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة وعبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم أبو محمد الأسدي البخاري كان قاضي بخارى وكان من الفقهاء أولاد الأئمة حسن السيرة‏.‏

وتوفي محمد بن شجاع بن أبي بكر بن علي بن إبراهيم اللفتواني الأصفهاني بأصفهان في جمادى الأخرة ومولده سنة سبع وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث الكثير بأصفهان وبغداد وغيرهما‏.‏

ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائة

ذكر حصار أتابك زنكي دمشق

في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق مرتين فأما المرة الأولى فإنه سار إليها في ربيع الأول من بعلبك بعد الفراغ من أمرها وتقرير قواعدها وإصلاح ما تشعث منها ليحصرها فنزل في البقاع وأرسل إلى جمال الدين صاحبها يبذل له بلدًا يقترحه ليسلم إليه دمشق فلم يجبه إلى ذلك فرحل وقصد دمشق فنزل على داريا ثالث عشر ربيع الأول فالتفت الطلائع واقتتلوا وكان الظفر لعسكر زنكي وعاد الدمشقيون منهزمين فقتل كثير منهم‏.‏

ثم تقدم زنكي إلى دمشق فنزل هناك ولقيه جمع كثير من جند دمشق وأحداثها ورجالة الغوطة فقاتلوه فانهزم الدمشقيون وأخذهم السيف فقتل فيهم وأكثر وأسر كذلك ومن سلم عاد جريحًا‏.‏

وأشرف البلد ذلك اليوم على أن يملك اكن عاد زنكي عن القتال وأمسك عنه عدة أيام وتابع الرسل إلى صاحب دمشق وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما يختاره من البلاد فمال إلى التسليم وامتنع غيره من أصحابه من ذلك وخوفوه عاقبة فعله وأن يغدر به كما غدر بأهل بعلبك فلما لم يسلموا إليه عاود القتال والزحف‏.‏

ثم إن جمال الدين صاحب دمشق مرض ومات ثامن شعبان وطمع زنكي حينئذ في البلد وزحف إليه زحفًا شديدًا ظنًا منه أنه ربما يقع بين المقدمين والأمراء خلاف فيبلغ غرضه وكان ما أمله بعيدًا فلما مات جمال الدين ولي بعده مجير الدين أبق ولده وتولى تدبير دولته معين الدين أنز فلم يظهر لموت أبيه أثر مع أن عدوهم على باب المدينة فلما رأى أنز أن زنكي لا يفارقهم ولا يزول عن حصرهم راسل الفرنج واستدعاهم إلى نصرته وأن يتفقوا على منع زنكي عن دمشق وبذل لهم بذولًا من جملتها أن يحصر بانياس ويأخذها ويسلمها إليهم وخوفهم من زنكي إن ملك دمشق فعملوا صحة قوله إنه إن ملكها لم يبق لهم معه بالشام مقام فاجتمعت الفرنج وعزموا على السير إلى دمشق ليجتمعوا مع صاحبها وعسكرها على قتال زنكي فحين علم زنكي بذلك سار إلى حوران خامس رمضان عازمًا على قتال الفرنج قبل أن يجتمعوا بالدمشقيين فلما سمع الفرنج خبره لم يفارقوا بلادهم فلما رآهم كذلك عاد إلى حصر دمشق ونزل بعذرا شماليها سادس شوال فأحرق عدة قرى من المرج والغوطة ورحل عائدًا إلى بلاده‏.‏

ووصل الفرنج إلى دمشق واجتمعوا بصاحبها وقد رحل زنكي فعادوا فسار معين الدين أنز إلى بانياس في عسكر دمشق وهي في طاعة زنكي كما تقدم ذكرها ليحصرها ويسلمها إلى الفرنج وكان واليها قد سار قبل ذلك منها في جمع من جمعه إلى مدينة صور للإغارة على بلادها فصادفه صاحب أنطاكية وهو قاصد إلى دمشق نجدة لصاحبها على زنكي فاقتتلا فانهزم المسلمون وأخذوا والي بانياس فقتل ونجا من سلم منهم إلى بانياس وجمعوا معهم كثيرًا من البقاع وغيرها وحفظوا القلعة فنازلها معين الدين فقاتلهم وضيق عليهم ومعه طائفة من الفرنج فأخذها وسلمها إلى الفرنج‏.‏

وأما الحصر الثاني لدمشق فإن أتابك لما سمع الخبر بحصر بانياس عاد إلى بعلبك ليدفع عنها من يحصرها فأقام هناك فلما عاد عسكر دمشق بعد أن ملكوها وسلموها إلى الفرنج فرق أتابك زنكي عسكره على الإغارة على حوران وأعمال دمشق وسار هو جريدة مع خواصه فنازل دمشق سحرًا ولم يعلم به أحد من أهلها فلما أصبح الناس ورأوا عسكره خافوا وارتج البلد واجتمع العسكر والعامة على السور وفتحت الأبواب وخرج الجند والرجالة فقاتلوه فلم يمكن زنكي عسكره من الإقدام في القتال لأن عامة عسكره تفرقوا في البلاد للنهب والتخريب وإنما قصد دمشق لئلا يخرج منها عسكره إلى عسكرهم وهم متفرقون فلما اقتتلوا ذلك اليوم قتل بينهم جماعة ثم أحجم زنكي عنهم وعاد إلى خيامه ورحل إلى مرج راهط وأقام بنتظر عودة عسكره فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم لأنهم طرقوا البلاد وأهلها غافلون فلما اجتمعوا عنده رحل بهم عائدًا إلى بلادهم‏.‏

ذكر ملك زنكي شهرزور وأعمالها

في هذه السنة ملك أتابك زنكي شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني وكان حكمه نافذًا على قاضي التركمان ودانيهم وكلمته لا تخالف يرون طاعته فرضًا فتحامى الملوك قصده ولم يتعرضوا لولايته لهذا ولأنها منيعة كثيرة المضايق فعظم شأنه وازداد جمعه وأتاه التركمان من كل فج عميق‏.‏

فلما كان هذه السنة سير إله أتابك زنكي عسكرًا فجمع أصحابه ولقيهم فتصافوا واقتتلوا فانهزم قفجاق واستبيح عسكره وسار الجيش الأتابكي في أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع فملكوها جميعها وبذلوا الأمان لقفجاق فصار إليهم وانخرط في سلك العساكرولم يزلهو وبنوه في خدمة البيت الأتابكي على أحسن فضية إلى بعد سنة ستمائة بقليل وفارقوها‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة جرى بين أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله وبين الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي منافرة وسببها أن الوزير كان يعترض الخليفة في كل ما يأمر به فنفر الخليفة من ذلك فغضب الوزير ثم خاف فقصد دار السلطان في سميرية وقت الظهر ودخل إليها واحتمى بها فأرسل إليه الخليفة في العود إلى منصبه فامتنع وكانت الكتب تصدر باسمه واستنيب قاضي القضاة الزينبي وهو ابن عم الوزير وأرسل الخليفة إلى السلطان رسلًا في معنى الوزير فأرخص له السلطان في عزله فحينئذ أسقط أسمه من الكتب وأقام بدار السلطان ثم عزل الزينبي من النيابة وناب سديد الدولة بن الأنباري‏.‏

وفيها قتل المقرب جوهر وهو من خدم السلطان سنجر وكان قد حكم في دولته جميعها ومن جملة أقطاعه الري ومن جملة مماليكه العباس صاحب الري وكان سائر عسكر السلطان سنجر يخدمونه ويقفون ببابه وكان قتله بيد الباطنية وقف له جماعة منهم بزي النساء واستغثن به فوقف يسمع كلامهم فقتلوه فلما قتل جمع صاحبه عباس العساكر وقصد الباطنية فقتل منهم وأكثر وفعل بهم ما لم يفعله غيره ولم يزل يغزوهم ويقتل منهم ويخرب بلادهم إلى أن مات‏.‏

وفيها زلزلت كنجة وغيرها من أعمال أذربيجان وأران إلا أن أشدها كان بكنجة فخرب منها الكثير وهلك عالم لا يحصون كثرة‏.‏

قيل‏:‏ كان الهلكى مائتي ألف وثلاثين ألف وكان من جملة الهلكى ابنان لقرابسنقر صاحب البلاد وتهدمت قلعة هناك لمجاهد الدين بهروز وذهب له

وفيها شرع مجاهد الدين في عمل النهروانات‏:‏ سكر سكرًا عظيما يرد الماء إلى مجراه الأول وحفر مجرى الماء القديم وخرق إليه مجراة تأخذ من ديالى ثم استحال بعد ذلك وجرى الماء ناحية السكر وبقي السكر في البئر لا ينتفع به أحدا ولم يتعرض أحد لرده إلى مجراه عند السكر إلى وقتنا هذا‏.‏

وفيها انقطع الغيث ببغداد والعراق ولم يجئ غير مرة واحدة في آذار ثم انقطع ووقع الغلاء وعدمت الأقوات بالعراق‏.‏

وفيها في جمادى الأخرى دخل الخليفة بفاطمة خاتون بنت السلطان مسعود وكان يوم حملها إلى دار الخليفة يومًا مشهودًا أغلقت بغداد عدة أيام وزينت وتزوج السلطان مسعود بابنة الخليفة المقتفي لأمر الله وعقد عليها واستقر أن يتأخر زفافها خمس سنين لصغرها وفيها في ربيع الأول توفي القاضي أبو الفضل يحيى ابن قاضي دمشق المعروف بالزكي‏.‏

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة

ذكر مسير جهاردانكي إلى العراق

في هذه السنة أمر السلطان مسعود الأمير إسماعيل المعروف بجهاردانكي والبقش كون خر بالمسير إلى خوزستان وفارس وأذهما من بوزابة وأطلق لهما نفقة على بغداد فسار فيمن معهما إلى بغداد فمنعهم مجاهد الدين بهروز من دخولها فلم يقبلوا منه فأرسل إلى المعابر فخسفها وغرقها وجد في عمارة السور وسد باب الظفرية وباب كلوازي وأغلق باقي الأبواب وعلق عليها السلاح وضرب الخيام للمقاتلة‏.‏

فلما علما بذلك عبرا بصرصر وقصدا الحلة فمنعا منها فقصدا واسط فخرج إليهما الأمير طرنطاي وتقاتلوا فانهزم طرنطاي ودخلوا واسط فنهبوها ونهبوا بلد فرسان والنعامية وانضم طرنطاي إلى حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة ووافقهم عسكر البصرة وفارق اسماعيل والبقش بعض عسكرهما وصارا مع طرنطاي فضعف أولئك فسار إلى تستر واستشفع إسماعيل إلى السلطان فعفا عنه‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة وصل رسول من السلطان سنجر ومعه بردة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقضيب وكانا قد أخذا من المسترشد فأعادهما الآن إلى المقتفي‏.‏

و في هذه السنة توفي أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وأرانية بمدينة أردبيل وكان مرضه السل وطال به وكان من مماليك الملك طغرل وسلمت أذربيجان وأرانية إلى الأمير جاولي الطغرلي‏.‏

وكان قراسنقر علا شأنه على سلطانه وخافه السلطان‏.‏

وفيها كان بين أتابك زنكي وبين داود سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب شديدة وانهزم داود بن سقمان وملك زنكي من بلاده قلعة بهمرد وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل‏.‏

وفيها ملك الإسماعلية حصن مصيات بالشام وكان واليه مملوكًا لبني منقذ أصحاب شيزر فاحتالوا عليه ومكروا به حتى صعدوا إليه وقتلوه وملكوا الحصن وهو بأيديهم إلى الآن‏.‏

وفيها توفي سديد الدولة بن الأنباري واستوزر الخليفة بعده نظام الدين أبا نصر محمد بن محمد بن جهير وكان قبل ذلك أستاذ الدار ز وفيها توفي يرنقش بازدار صاحب قزوين‏.‏

وفيها في رجب ظفر ابن الدانشمند صاحب ملطية وغيرها من تلك النواحي بجمع من الروم فقتلهم وغنم ما معهم‏.‏

وفيها في رمضان سارت طائفة من الفرنج بالشام إلى عسقلان ليغيروا على أعمالها وهي لصاحب مصر فخرج إليهم العسكر الذي بعسقلان فقاتلهم فظفر المسلمون وقتلوا من الفرنج كثيرًا فعادوا منهزمين‏.‏

وفيها بنيت المدرسة الكمالية ببغداد بناها كمال الدين أبو الفتوح بن طلحة صاحب المخزن ولما فرغت درس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل وحضره أرباب المناصب وسائر الفقهاء‏.‏

وفيها في رجب مات القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري قاضي المارستان وغيرها من علوم الأوائل وهو أخر من دث في الدنيا عن أبي إسحق البرمكي والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي طالب العشاري وأبي محمد الجوهري وغيرهم‏.‏

وتوفي الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصفهاني عاشر ذي الحجة ومولده سنة تسع وخمسين وله التصانيف المشهورة‏.‏

وتوفي يوسف بن الحسن أبو يعقوب الهمذاني من أهل بروجرد وسكن مرو وتفقه على أبي إسحق الشيرازي وروى الحديث واشتغل بالرياضيات والمجاهدات ووعظ ببغداد فقام إليه متفقه يقال له ابن السقاء وسأله وآذاه في السؤال فقال‏:‏ اسكت إني أشم فيك ريح الكفر‏!‏ فسافر الرجل إلى بلد الروم وتنصر‏.‏

وفيها مات أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر المشهور‏.‏

ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة

ذكر انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا وملكهم ما وراء النهر

قد ذكر أصحاب التواريخ في هذه الحادثة أقاويل نحن نذكرها جميعها للخروج من عهدتها فنقول‏:‏ في هذه السنة في المحرم انهزم السلطان سنجر من الترك الكفار‏.‏

وسبب ذلك أن سنجر كان قتل ابنًا لخوارزم شاه أتسز بن محمد كما ذكرناه قبل فبعث خوارزم شاه إلى الخطا وهم بما وراء النهر يطمعهم في البلاد ويروج عليهم أمرها وتزوج إليهم وحثهم على قصد مملكة السلطان سنجر فساروا في ثلاثمائة ألف فارس وسار إليهم سنجر في عساكره فالتقوا بما وراء النهر واقتتلوا أشد قتال وانهزم سنجر في جميع عساكره وقتل منهم مائة ألف قتيل منهم أحد عشر ألف صاحب عمامة وأربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر وتم سنجر منهزمًا إلى ترمذ وسار منها إلى بلخ‏.‏

ولما انهزم سنجر قصد خوارزم شاه مدينة مرو فدخلها مراغمة للسلطان سنجر وقتل بها وقبض على أبي الفضل الكرماني الفقيه الحنفي وعلى جماعة من الفقهاء وغيرهم من أعيان البلد‏.‏

ولم يزل السلطان سنجر مسعودًا إلى وقتنا هذا لم تنهزم له راية ولما تمت عليه هذه الهزيمة أرسل إلى السلطان مسعود وأذن له في التصرف في الري وما يجري معها على قاعدة أبيه السلطان محمد وأمره أن يكون مقيمًا فيها بعساكره بحيث أن دعت حاجة استدعاه لأجل هذه الهزيمة فوصل عباس صاحب الري إلى بغداد بعساكره وخدم السلطان مسعودًا خدمة عظيمة وسار السلطان إلى الري امتثالًا لأمر سنجر‏.‏

وقيل‏:‏ إن بلاد تركستان وهي كاشغر وبلاساغون وختن وطراز وغيرها مما يجاورها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد الملوك الخانية الأتراك وهم مسلمون من نسل افراسياب التركي إلا أنهم مختلفون وكان سبب إسلام جدهم اظلول واسمه سبق قراخاقان أنه رأى في منامه كأن رجلًا نزل من السماء فقال بالتركية ما معناه‏:‏ أسلم تسلم في الدنيا والآخرة فأسلم في منامه وأصبح فأظهر إسلامه فلما مات قام مقامه ابنه موسى بن سبق ولم يزل الملك بتلك الناحية في أولاده إلى أرسلان خان محمد ابن سليمان بن داود يغراخان بن إبراهيم الملقب بطمغاج خان بن أيلك الملقب بنصر أرسلان بن علي بن موسى بن سبق فخرج على قدرخان فانتزع الملك منه فقتل سنجر قدر خان كما ذكرناه سنة أربع وتسعين وأربعمائة وأعاد الملك إلى أرسلان خان وثبت قدمه وخرج خوارج فاستصرخ السلطان سنجر فنصره وأعاد ملكه أيضًا‏.‏

وكان من جنده نوع من الأتراك يقال لهم الفارغلية والأتراك الغزية الذين نهبوا خراسان على ما نذكره إن شاء الله وهم نوعان‏:‏ نوع يقال لهم أجق وأميرهم طوطى بن دادبك ونوع يقال لهم برق وأميرهم قرعوت بن عبد الحميد فحسن الشريف الأشرف بن محمد بن أبي شجاع العلوي السمرقندي لولد أرسلان خان المعروف بنصر خان طلب الملك من أبيه وأطعمه فسمع محمد خان الخبر فقتل الابن والشريف الأشرف‏.‏

وجرت بين أرسلان خان وبين جنده القارغلية وحشة دعتهم إلى العصيان عليه وانتزاع الملك منه فعاود الاستغاثة بالسلطان سنجر فعبر جيحون بعساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة وكان بينهما مصاهرة فوصل إلى سمرقند وهرب القارغلية من بين يديه‏.‏

واتفق أن السلطان سنجر خرج إلى الصيد فرأى خيالة فقبض عليهم فأقروا بأن أرسلان خان وضعهم على قتله فعاد إلى سمرقند فحصر أرسلان خان بالقلعة فملكها وأخذه أسيرًا وسيره إلى بلخ فمات بها وقيل قد غدر به سنجر واستضعفه فملك البلد منه فأشاع عنه ذلك‏.‏

فلما ملك سمرقند استعمل عليها بعده قلج طمغاج أبا المعلي الحسن بن علي بن علي بن عبد المؤمن المعروف بحسن تكين وكان من أعيان بيت الخانية إلا أ ن أرسلان خان اطرحه فلما ولي سمرقند لم تطل أيامه فمات عن قليل فأقام سنجر مقامه الملك محمود بن أرسلان خان محمد بن سليمان بن داود بغراخان و هو ابن الذي أخذ منه سنجر سمرقند وكان محمود هذا ابن أخت سنجر وكان قبل ذلك سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة قد وصل الأعور الصيني إلى حدود كاشغر في عدد كثير لا يعلمهم إلا الله فاستعد له صاحب كاشغر وهو الخان أحمد بن الحسن وجمع جنوده فخرج إليه والتقوا فاقتتلوا وانهزم الأعور الصيني وقتل كثير من أصحابه ثم إنه مات فقام مقامه كوخان الصيني‏.‏

وكو بلسان الصين لقب لأعظم ملوكهم وخان لقب لملوك الترك فمعناه أعظم الملوك‏.‏

وكان يلبس لبسة ملوكهم من المقنعة والخمار وكان مانوي المذهب‏.‏

ولما خرج من الصين إلى تركستان انضاف إليه الأتراك الخطا وكانوا قد خرجوا قبله من الصين وهم في خدمة الخانية أصحاب تركستان‏.‏

وكان أرسلان خان محمد بن سليمان يسير كل سنة عشرة آلاف خركاو وينزلهم على الدروب التي بينه وبين الصين يمنعون أحدًا من الملوك أن يتطرق إلى بلاده وككان لهم على ذلك جرايات وإقطاعات فاتفق أنه وجد عليهم في بعض السنين فمنعهم عن نسائهم لئلا يتوالدوا فعظم عليهم ولم يعرفوا وجهًا يقصدونه وتحيروا فاتفق أنه اجتاز بهم قفل عظيم فيه الأموال الكثيرة والأمتعة النفيسة فأخذوه وأحضروا التجار وقالوا لهم‏:‏ إن كنتم تريدون أموالكم فتعرفونا بلدًا كثير المرعى فسيحًا يسعنا ومعنا أموالنا فاتفق رأي التجارعلى بلد بلاساغون فوصفوه لهم فأعادوا إليهم أموالهم وأخذوا الموكلين بهم لمنعهم عن نسائهم وكتفوهم وأخذوا نسائهم وساروا إلى بلاساغون وكان أرسلان خان يغزوهم ويكثر جهادهم فخافوه خوفًا عظيمًا‏.‏

فلما طال ذلك عليهم وخرج كوخان الصيني انضافوا إليه أيضًا فعظم شأنهم وتضاعف جمعهم وملكوا بلاد تركستان وكانوا إذا ملكوا المدينة لا يغيرون على أهلها شيئًا بل يأخذون من كل بيت دينارًا من أهل البلاد وغيرها من القرى وأما المزروعات وغير ذلك فلأهله وكل من أطاعهم من الملوك شد في وسطه شبه لوح فضة فتلك علامة من أطاعهم‏.‏

ثم ساروا إلى بلاد ما راء النهر فاستقبلهم الحاقان محمود بن محمد بن حدود خجندة في رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة واقتتلوا فانهزم الخاقان محمود بن محمد وعاد إلى سمرقند فعظم الخطب على أهلها واشتد الخوف والحزن وانتظروا البلاء صباحًا ومساء وكذلك أهل بخارى وغيرها من بلاد ما وراء النهر وأرسل الخاقان محمود إلى السلطان سنجر يستمده وينهي إليه ما لقي المسلمون ويحثه على نصرتهم فجمع العساكر فاجتمع عنده ملوك خراسان‏:‏ صاحب سجستان والغور وملك غزنة وملك مازندران وغيرهم فاجتمع له أكثر من مائة ألف فارس وبقي العرض ستة أشهر‏.‏

وسار سنجر إلى لقاء الترك فعبر إلى ما وراء النهر في ذي الحجة سنة خمسًا وثلاثين وخمسمائة فشكا إليه محمود بن محمد خان من الأتراك القارغلية فقصدهم سنجر فالتجأوا إلى كوخان الصيني ومن معه من الكفار وأقام سنجر بسمرقند فكتب إليه كوخان كتابًا يتضمن الشفاعة في الأتراك القارغلية ويطلب منه أن يعفوا عنهم فلم يشفعه فيهم وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام ويتهدده إن لم يجب غليه ويتوعده بكثرة عساكره ووصفهم وبالغ في قتالهم بأنواع السلاح حتى قال‏:‏ وإنهم يشقون الشعر بسهامهم فلم يرض هذا الكتاب وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك فلم يصغي إليه وسير الكتاب فلما قرأ الكتاب على كوخان أمر بنتف لحية الرسول وأعطاه إبرة وكلفه شق شعرة من لحيته فلم يقدر أن يفعل ذلك فقال‏:‏ كيف يشق غيرك شعرة بسهم وأنت عاجز عن شقها بإبرة واستعد كوخان للحرب وعنده جنود الترك والصين والخطا وغيرهم وقصد السلطان سنجر فالتقى العسكران وكانا كالبحرين العظيمين بموضع يقال له قطوان وطاف بهم كوخان حتى ألجأهم إلى واد يقال له درغم وكان على ميمنة سنجر الأمير قماج وعلى ميسرته ملك سجستان والأثقال ورائهم فاقتتلوا خامس صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة‏.‏

وكانت الأتراك القارغلية الذين هربوا من سنجر من أشد الناس قتالًا ولم يكن ذلك اليوم من عسكر السلطان سنجر أحسن قتالًا من صاحب سجستان فأجلت الحرب عن هزيمة المسلمين فقتل منهم ما لا يحصى من كثرتهم واشتمل وادي درغم على عشرة آلاف من القتلى والجرحى ومضى السلطان سنجر منهزمًا وأمر صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان سنجر وهي ابنة أرسلان خان فأطلقهم الكفار وممن قتل الحسام عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري الفقيه الحنفي المشهور‏.‏

ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه ولا أكثر ممن قتل فيها بخراسان‏.‏

واستقرت دولة الخطا والترك الكفار بما وراء النهر وبقي كوخان إلى رجب من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فمات فيه‏.‏

وكان جميلًا حسن الصورة لا يلبس إلا الحرير الصيني له هيبة عظيمة على أصحابه ولم يسلط أميرًا على أقطاع بل كان يعطيهم من عنده ويقول‏:‏ متى أخذوا الأقطاع ظلموا وكان لا يقدم أميرا على أكثر من مائة فارس حتى لا يقدر على العصيان عليه وكان ينهى أصحابه عن الظلم وينهى عن السكر ويعاقب عليه ولا ينهى عن الزنا ولا يقبحه‏.‏

وملك له بعده ابنة له فلم تطل مدتها حتى ماتت فملك بعدها أمها زوجة كوخان وابنة عمه وبقي ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن أخذه منهم علاء الدين محمد خوارزم شاه سنة اثنتي عشرة وستمائة على ما نذكره إن شاء الله‏.‏

قد ذكرنا قبل قصد السلطان سنجر خوارزم وأخذها من خوارزم شاه أتسز وعوده إليها وقتل ولد خوارزم شاه وأنه هو الذي راسل الخطا وأطمعهم في بلاد الإسلام فلما لقيهم السلطان سنجر وعاد منهزمًا سار خوارزم شاه إلى خراسان فقصد سرخس في ربيع الأول من السنة‏.‏

فلما وصل إليها لقيه الإمام أبو محمد الزيادي وكان قد جمع بين الزهد والعلم فأكرمه خوارزم شاه إكرامًا عظيمًا ورحل من هناك إلى مرو الشاهجان فقصده الإمام أحمد الباخرزي وشفع في أهل مرو وسأل ألا يتعرض لهم أحد من العسكر فأجابه إلى ذلك ونزل بظاهر البلد واستدعى أبا الفضل الكرماني الفقيه وأعيان أهلها فثار عامة مرو وقتلوا بعض أهل خوارزم شاه وأخرجوا أصحابه من البلد وأغلقوا أبوابه واستعدوا للامتناع فقاتلهم خوارزم شاه ودخل مدينة مرو سابع عشر ربيع الأول من السنة وقتل كثيرًا من أهلها‏.‏

وممن قتل‏:‏ إبراهيم المروزي الفقيه الشافعي وعلي بن محمد بن أرسلان وكان ذا فنون كثيرة من العلم وقتل الشريف علي بن إسحق الموسوي وكان رأس فتنة وملقح شر وقتل كثيرًا من أعيان أهلها وعاد إلى خوارزم واستصحب معه علماء كثيرين من أهلها منهم‏:‏ أبو الفضل الكرماني وأبو منصور العبادي والقاضي الحسين بن محمد الأرسابندي وأبو محمد الخرقي الفيلسوف ثم سار في شوال من السنة إلى نيسابور فخرج إليه جماعة من فقهائها وعلمائها وزهادها وسألوه ألا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو فأجابهم إلى ذلك لكنه استقصى في البحث عن أموال أصحاب السلطان فأخذها وقطع خطبة السلطان سنجر أول ذي القعدة وخطبوا له فلما ترك الخطيب ذكر السلطان سنجر وذكر خوارزم شاه صاح الناس وثاروا وكادت الفتنة تثور والشر يعود جديدًا وإنما منع الناس من ذلك ذوو الرأي والعقل نظرًا في العاقبة فقطعت إلى أول المحرم سنة سبع وثلاثين ثم أعيدت خطبة السلطان سنجر‏.‏

ثم سير خوارزم شاه جيشًا إلى أعمال بيهق فأقاموا بها يقاتلون أهلها خمسة أيام ثم سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد وعملوا بخراسان أعمالًا عظيمة ومنع السلطان سنجر من مقاتلة أتسز خوارزم شاه خوفًا من قوة الخطا بما وراء النهر ومجاورتهم خوارزم وغيرها من بلاد خراسان‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة ملك أتابك زنكي بن آقسنقر مدينة الحديثة ونقل من كان بها من آل مهراش إلى الموصل ورتب أصحابه فيها‏.‏

وفيها خطب لزنكي أيضًا بمدينة آمد وصار صاحبها في طاعته وكان قبل ذلك موافقًا لداود على قتال زنكي فلما رأى قوة زنكي صار معه‏.‏

وفيها عزل مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد ووليها قزل وهو من مماليك السلطان محمود وان له برجرد والبصرة فأضيف إليه شحنكية بغداد ثم وصل السلطان مسعود إلى بغداد فرأى من تبسط العيارين وفسادهم ما ساءه فأعاد بهروز إلى الشحنكية فتاب كثير نهم ولم ينتفع الناس بذلك لأن ولد الوزير وأخا امرأة السلطان كانا يقاسمان العيارين فلم يقدر بهروز على منعهم‏.‏

وفيها تولى عبد الرحمن طغايرك حجبة السلطان واستولى على المملكة وعزل الأمير تتر الطغرلي عنها وآل أمره إلى أن يمشي في ركاب عبد الرحمن‏.‏

وفيها توفي إبراهيم السهاوي مقدم الإسماعيلية فأحرقه ولد عباس صاحب الري في تابوته‏.‏

وفيها حج كمال الدين بن طلحة صاحب المخزن وعاد وقد لبس ثياب الصوفية وتخلى عن جميع ما كان فيه وأقام في داره مرعي الجانب محروس القاعدة‏.‏

وفيها وصل السلطان إلى بغداد وكان الوزير الزينبي بدار السلطان كما ذكرناه فسأل السلطان أن يشفع فيه ليرده الخليفة إلى داره فأرسل السلطان وزيره إلى دار الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزينبي وشفع في أن يعود إلى داره فأذن له في ذلك وأعيد أخوه إلى نقابة النقباء فلزم الوزير داره ولم يخرج منها إلا إلى الجامع‏.‏

وفيها أغار عسكر أتابك زنكي من حلب على بلاد الفرنج فنهبوا وأحرقوا وظفروا بسرية الفرنج فقتلوا فيهم وأكثروا فكان عدة القتلى سبع مائة رجل‏.‏

وفيها أفسد بنو خفاجة بالعراق فسير السلطان مسعود سرية إليهم من العسكر فنهبوا حلتهم وقتلوا من ظفروا به منهم وعدوا سالمين‏.‏

وفيها سير رجال الفرنجي صاحب صقية أسطولًا إلى أطراف إفريقية فأخوا مراكب سيرت من مصر إلى الحسن صاحب إفريقية وغدر بالحسن ثم راسله الحسن وجدد الهدنة لأجل حمل الغلات من صقيلية إلى إفريقية لأن الغلاء كان فيها شديدًا والموت كثيرًا‏.‏

وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي الدمشقي وكان عالمًا صالحًا‏.‏

وفيها توفي ضياء الدين أبو سعيد بن الكفرتوثي وزير أتابك زنكي وكان حسن السيرة في وزارته كريما رئيسًا‏.‏

وفيها توفي أبو محمد بن طاووس إمام الجامع بدمشق في المحرم وكان رجلًا صالحًا فاضلًا‏.‏

وفيها توفي أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث المعروف بابن السمرقندي

ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة

ذكر ملك أتابك زنكي قلعة أشب وغيرها من الهكارية

في هذه السنة أرسل أتابك زنكي جيشًا إلى قلعة أشب وكانت أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها وبها أموالهم وأهلهم فحصروها وضيقوا على من بها فملكوها فأمر بإخرابها وبناء القلعة المعروفة بالعمادية عوضًا عنها‏.‏

وكانت العمادية حصنًا عظيمًا من حصونهم فخربوه لكبره لأنه كبير جدًا وكانوا يعجزون عن حفظه فخربت آلان أشب وعمرت العمادية وإنما سميت العمادية نسبة إلى لقبه وكان نصير الدين جقر نائبه بالموصل قد فتح أكثر القلاع الجبلية‏.‏

ذكر حصر الفرنج طرابلس الغرب

و في هذه السنة سارت مراكب الفرنج من صقلية إلى طرابلس الغرب فحصروها وسبب ذلك أن أهلها في أيام الأمير الحسن صاحب إفريقية لم يدخلوا يدًا في طاعته ولم يزالوا مخالفين مشاقين له قد قدموا عليهم من بني مطروح مشايخ يدبرن أمرهم فلما رآهم ملك صقيلية كذلك جهز إليهم جيشًا في البحر فوصلوا إليهم تاسع ذي الحجة فنازلوا البلد وقاتلوه وعلقوا الكلاليب في سوره ونقبوه‏.‏

فلما كان الغد وصل جماعة من العرب نجدة لأهل البلد فقوي أهل طرابلس فيهم فخرجوا إلى الأسطولية فحملوا عليهم حملة منكرة فانهزموا هزيمة فاحشة وقتل منهم خلق كثير ولحق الباقون بالأسطول وتركوا الأسلحة والأثقال والدواب فنهبها العرب وأهل البلد‏.‏

ورجع الفرنج إلى صقيلية فجددوا أسلحتهم وعادوا إلى المغرب فوصلوا إلى جيجل فلما رآهم أهل البلد هربوا إلى البراري والجبال فدخلها الفرنج وسبوا من أدركوا فيها وهدموها وأحرقوا القصر الذي بناه يحيى بن عبد العزيز بن حماد للنزهة ثم عادوا‏.‏

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة خرج الأمير حسن أمير الأمراء على السلطان سنجر بخراسان‏.‏

وفيها توفي محمد بن دانشمند صاحب ملطية والثغر واستولى على بلاده الملك مسعود بن قلج آرسلان صاحب قونية وهو من السلجوقية‏.‏

وفيها خرج من الروم عسكر كثير إلى الشام فحصروا الفرنج بأنطاكية فخرج صاحبها واجتمع بملك الروم وأصلح حاله معه وعاد إلى مدينة انطاكية ومات في رمضان من هذه السنة ثم إن ملك الروم بعد أن صالح صاحب أنطاكية سار إلى طرابلس فحصرها ثم سار عنها‏.‏

وفيها قبض السلطان مسعود على الأمير ترشك وهو من خواص الخليفة ثم أطلقه السلطان حفظًا لقلب الخليفة‏.‏

وفيها كان بمصر وباء عظيم فهلك فيه أكثر أهل البلاد‏.‏

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة

ذكر صلح الشهيد والسلطان مسعود

في هذه السنة وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته في كل ستة وجمع العساكر وتجهز لقصد أتابك زنكي وكان حقد عليه حقدًا شديدًا‏.‏

وسبب ذلك أن أصحاب الأطراف الخارجين على السلطان مسعود كانوا يخرجون عليه على ما تقدم ذكره فكان ينسب ذلك إلى أتابك زنكي ويقول إنه هو الذي سعى فيه وأشار به لعلمه أنهم كلهم كانوا يصدرون عن رايه فكان أتابك زنكي لا شك يفعل ذلك لئلا يخلو السلطان فيتمكن منه ومن غيره فلما تفرغ السلطان هذه السنة جمع العساكر ليسير إلى بلاده فسير أتابك يستعطفه ويستميله فأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنباري في تقرير القواعد فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار يحملها إلى السلطان ليعود عنه فحمل عشرين ألف دينار أكثرها عروض ثم تنقلت الأحوال بالسلطان إلى أن احتاج إلى مداراة أتابك وأطلق له الباقي استمالة له وحفظًا لقلبه وكان أعظم الأسباب في قعود السلطان عنه ما يعلمه من حصانة بلاده وكثة عساكره وكثرة أمواله‏.‏

ومن جيد الرأي ما فعله الشهيد في هذه الحادثة فإنه كان ولده الأكبر سيف الدين غازي لا يزال عند السلطان سفرًا وحضرًا بأمر والده فأرسل إليه الآن يأمره بالهرب من عند السلطان إلى الموصل فأرسل إلى نائبه بها نصير الدين جقر يقول له ليمنعه عن الدخول والوصول إليه فهرب غازي‏.‏

وبلغ الخبر والده فأرسل إليه يأمره بالعود لى السلطان ولم يجتمع به وأرسل معه رسولًا إلى السلطان يقول له‏:‏ إن ولدي هرب خوفًا من السلطان لما رأى تغيره علي وقد أعدته إلى الخدمة ولم أجتمع به فإنه مملوكك والبلاد لك فحل ذلك من السلطان محلًا عظيمًا‏.‏   ‏   ‏ ‏ ‏ ‏ ‏  ‏