الباب السابع: طبقات الأطباء الذين كانوا في أول ظهور الإسلام من أطباء العرب وغيرهم

الحارث بن كلدة الثقفي كان من الطائف، وسافر في البلاد وتعلم الطب بناحية فارس وتمرن هناك، وعرف الداء والدواء، وكان يضرب بالعود، تعلم ذلك أيضاً بفارس باليمن، وبقي أيام رسول اللَّه صلى الله علية وسلم ، وأيام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ومعاوية رضي اللَّه عنهم، وقال له معاوية ما الطب يا حارث؟ فقال الأزم يعني الجوع، ذكر ذلك ابن جلجل، وقال الجوهري في كتاب الصحاح الأزم المسك؛ يقال؛ أزم الرجل من الشيء أمسك عنه، وقال أبو زيد الأزم الذي ضم شفتيه، وفي الحديث أن عمر، رضي اللّه عنه، سأل الحرث بن كلدة ما الدواء؟ فقال الأزم، يعني الحمية، قال وكان طبيب العرب، ويروى عن سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه عنه، أنه مرض بمكة مرضاً فعاده رسول اللَّه صلى الله علية وسلم ، فقال ادعوا له الحرث بن كلدة فإنه رجل يتطبب، فلما عاده الحرث نظر إليه، وقال ليس عليه بأس اتخذوا له فريقة بشيء من تمر عجوة وحلبة يطبخان فتحسّاها فبرئ، وكانت للحرث معالجات كثيرة، ومعرفة بما كانت العرب تعتاده وتحتاج إليه من المداواة، وله كلام مستحسن فيما يتعلق بالطب وغيره، كلام الحرث مع كسرى من ذلك، أنه لما وفد على كسرى أنو شروان أذن له بالدخول عليه، فلما وقف بين يديه منتصباً قال له من أنت؟ قال أنا الحرث بن كلدة الثقفي، قال فما صناعتك؟ قال الطب، قال أَعربيّ أنت؟ قال نعم من صميمها وبحبوحة دارها قال فما تصنع العرب بطبيب مع جهلها، وضعف عقولها، وسوء أغذيتها؟ قال أيها الملك، إذا كانت هذه صفتها، كانت أحوج إلى من يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل أمشاجها، فإن العاقل يعرف ذلك من نفسه، ويمز موضع دائه، ويحتزر عن الأدواء كلها بحسن سياسته لنفسه، قال كسرى فكيف تعرف ما تورده عليها؟ ولو عرفت الحلم لم تنسب إلى الجهل قال الطفل يناغي فيداوى، والحية ترقى فتحاوى، ثم قال أيها الملك، العقل من قِسَم اللّه تعالى قسمَه بين عباده، كقِسمة الرزق فيهم، فكلٌ من قمسته أصاب، وخص بها قوم وزاد، فمنهم مثر ومعدم، وجاهل وعالم، وعاجز وحازم، وذلك تقدير العزيز العليم، فأعجب كسرى من كلامه، ثم قال فما الذي تحمد من أخلاقها؟ ويعجبك من مذاهبها وسجاياها؟ قال الحرث أيها الملك، لها أنفس سخية، وقلوب جُرية، ولغة فصيحة وألسن بليغة، وأنساب صحيحة، وأحساب شريفة، يمرق من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة الرام، أعذب من هواء الربيع، وألين من سلسبيل المعين مطعمو الطعام في الجدب، وضاربو الهام في الحرب، لا يرام عزهم، ولا يُضام جارهم، ولا يستباح حريمهم، ولا يذل أكرمهم، ولا يقرون بفضل للأنام، إلا للملك الهمام الذي لا يقاس به أحد، ولا يوازيه سوقة ولا ملك، فاستوى كسرى جالساً، وجرى ماء رياضة الحلم في وجهه، لما سمع من محكم كلامه، وقال لجلسائه أني وجدته راجحاً ولقومه مادحاً، وبفضيلتهم ناطقاً، وبما يورده من لفظه صادقاً، وكذا العاقل من أحكمته التجارب، ثم أمره بالجلوس، فجلس، فقال كيف بصرك بالطب؟ قال ناهيك قال فما أصل الطب؟ قال الأزم، قال فما الأزم؟ قال ضبط الشفتين والرفق باليدين قال أصبت ، وقال فما الداء الدوي؟ قال إدخال الطعام على الطعام، هو الذي يفني البرية،ويهلك السباع في جوف البرّيّة، قال أصبت، وقال فما الجمرة التي تصطلم منها الأدواء؟ قال هي التخمة، وإن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت، قال صدقت، وقال فما تقول في الحجامة؟ قال في نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة والعروق ساكنة، لسرور يفاجئك، وهم يباعدك، قال فما تقول في دخول الحمام؟ قل لا تدخله شبعاناً؛ ولا تغش أهلك سكراناً؛ ولا تقم بالليل عرياناً؟ ولا تقعد على الطعام غضباناً؛ وارفق بنفسك، يكن أرخى لبالك؛ وقلل من طعامك، يكن أهنأ لنومك، قال فما تقول في الدواء؟قال ما لزمتك الصحة فاجتنبه فإن هاج داء فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت، وإن تركتها خربت، قال فما تقول في الشراب؟ قال أطيبه أهنأه، وأرقه امرأه، وأعذبه أشهاده، لا تشربه صرفاً فيورثك صداعاً، وتثير عليك من الأدواء أنواعاً، قال فأي اللحمان أفضل؟ قال الضأن الفتي، والقديد المالح مهلك للآكل، واجتنب لحم الجزور والبقر، قال فما تقول في الفواكه؟ قال كلها في إقبالها وحين أوانها، وأتركها إذا أدبرت وولت وانقضى زمانها، وأفضل الفواكه الرمان والأترج؛ وأفضل الرياحين الورد والبنفسج؛ وأفضل البقول الهندباء والخس، قال فما تقول في شرب الماء؟ قالهو حياة البدن وبه قوامه، ينفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم ضرر، أفضله أمرأه، وأرقه أصفاه ومن عظام أنهار البارد الزلال لم يختلط بماء الآجام والآكام ينزل من صرادح المسطان، ويتسلل عن الرضراض وعظام الحصى في الإيفاع، قال فما طعمه؟ قال لا يوهم له طعم إلا أنه مشتق من الحياة، قال فما لونه؟ قال اشتبه على الأبصار لونه لأنه يحكي لون كل شيء يكون فيه، قال أخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟ قال أصله من حيث شرب الماء، يعني رأسه، قال فما هذا النور في العينين؟ مركب من ثلاثة أشياء فالبياض شحم، والسواد ماء، والناظر ريح، قال فعلى كم جبل وطبع هذا البدن؟ قال على أربع طبائع المرة السوداء، وهي باردة يابسة؛ والمرة الصفراء، وهي حارة يابسة، والدم، وهو حار رطب؛ والبلغم، وهو بارد رطب، قال فلم لم يكن من طبع واحد؟ قال لو خلق من طبع واحد لم يأكل ولم يشرب ولم يمرض ولم يهلك، قال فمن طبيعتين، لو كان اقتصر عليهما؟ قال لم يجز، لأنهما ضدان يقتتلان، قال فمن ثلاث؟ قال لم يصلح، موافقان ومخالف، فالأربع هو الاعتدال والقيام، قال فأجمل لي الحار والبارد في أحرف جامعة؟ قال كل حلو حار، وكل حامض بارد، وكل حريف حار، وكل مر معتدل، وفي المر حار وبارد، قال فاضل ما عولج به المرة الصفراء؟ قال كل بارد لين؛ قال فالمرة السوداء؟ قال لين؛ قال والبلغم؟ قال كل حار يابس، قال والدم؟ قال إخراجه إذا زاد، وتطفئته إذا سخن بالأشياء الباردة اليابسة؟ قال فالرياح؟ قال بالحقن اللينة والأدهان الحارة اللينة، قال أفتأمر بالحقنة؟ قال نعم،  قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف، وتكسح الأدواء عنه، والعجب لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد، وأن الجهل كل الجهل من أكل ما قد عرف مضرته، ويؤثر شهوته على راحة بدنه، قال فما الحمية؟ قال الاقتصاد في كل شيء، فإن الأكل فوق المقدار يضيق على الروح ساحتها ويسد مسامها، قال فما تقول في النساء وإتياتهن؟ قال كثرة غشيانهن رديء، وإياك وإتيان المرأة المسنة فإنها كالشن البالي، تجذب قوتك، وتسقم بدنك، ماؤها سم قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك الكل، ولاتعطيك البعض، والشابة ماؤها عذب زلال،و عناقها غنج ودلال، فوها بارد، وريقها عذب، ريحها طيب، وهنها ضيق، تزيدك قوة إلى قوتك، ونشاطاً إلى نشاطك، قال فأيهن القلب اليها أميل، والعين برؤيتها أسر؟ قال إذا أصبتها المديدة القامة العظيمة الهامة؛ واسعة الجبين، اقناة العرنين؛ كحلاء، لعساء؛ صافية الخد عريضة الصدر، مليحة النحر، في خدها رقة، وفي شفتيها لعس، مقرونة الحاجبين، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء فرغاء جعدة، غضة بضة، تخالها في الظلمة بدراً زاهراً تبسم عن اقحوان؛ وعن مبسم كالارجوان، كأنها بيضة مكنونة، ألين من الزبد وأحلى من الشهد، وأنزه من الفردوس والخلد، وأزكى ريحاً من الياسمين والورد، تفرح بقربها وتسرك الخلوة معها، قال، فاستضحك كسرى حتى اختلجت كتفاه، وقال ففي أي الأقات إتياتهن أفضل؟ قال عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى، والنفس أهدى والقلب أشهى والرحم أدفى، فإن أردت الاستمتاع بها نهاراً تَسرح عينُك في جمال وجهها،و ويجتني فوك من ثمرات حسنها، ويعي سمعُك من حلاوة لفظها، وتسكن الجوارح كلها إليها، قال كسرى للَّه درك من إعرابي، لقد أعطيت علماً، وخصصت فطنة وفهماً، وأحسن صلته وأمر بتدوين ما نطق به، وقال الواثق باللّه في كتابه المسمى بالبستان إن الحرث بن كلدة مر بقوم وهم في الشمس فقال عليكم الظل فإن الشمس تنهج الثوب، وتنقل الريح، وتشحب اللون، وتهيج الداء الدفين، ومن كلام الحرث البطنة بيت الداء والحمية رأس الدواء، وعودوا كل بدن ما اعتاد، - وقيل هو من كلام عبد الملك بن أبجر، وقد نسب قوم هذا الكلام إلى رسول اللَّه صلى الله علية وسلم وأوله المعدة بيت الداء وهو أبلغ من لفظ البطنة -،  وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي اللَّه عنه، أنه قال من أراد البقاء ولا بقاء، فليجود الغذاء، وليأكل على نقاء، وليشرب على ظمأ، وليقل من شرب الماء؛ ويتمدد بعد الغذاء ويتمشى بعد العشاء، ولا يبيت حتى يعرض نفسه على الخلاء، ودخول الحمام على البطنة من شر الداء، ودخلة إلى الحمام في الصيف خير من عشر في الشتاء، وأكل القديد اليابس في الليل معين على الفناء، ومجامعة العجوز تهدم أعمار الأحياء، وروي بعض هذه الكلمات عن الحرث بن كلدة وفيها من سره النساء ولا نساء، فليكر العشاء، وليباكر الغداء، ليخفف الرداء، وليقل غشيان النساء، - ومعنى فليكر يؤخر؛ والمراد بالرداء الدين، وسمي الدين رداء لقولهم هو في عنقي وفي ذمتي فلما كانت العنق موضع الرداء سمي الدين رداء، وقد روي عن طريق آخر وفيه، وتعجيل العشاء وهو أصح، وروى أبو عوانة عن العشاء، وليخفف الرداء وليقل الجماع، وروى حرب بن محمد قال حدثنا أبي، قال قال الحرث بن كلدة أربعة أشياء تهدم البدن الغشيان على البِطنة، ودخول الحمام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز، وروى داود بن رشيد عن عمرو بن عوف قال لما احتضر الحرث بن كلدة اجتمع إليها الناس فقالوا مرنا بأمر ننتهي إليه من بعدك، فقال لا تزوجوا من النساء إلا شابة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أوان نضجها، ولا يتعالجن أحد منكم ما احتمَل بدنُه الداء، وعليكم بالنورة في كل شهر، فإنها مذيبة للبلغم مهلك للمرة منبتة للحم، وإذا تغدى أحدكم فلينم على إثر غدائه، وإذا تعشى فليخط أربعين خطوة، ومن كلام الحرث أيضاً قال دافع بالدواء ما وجدت مدفعاً، ولا تشربه إلا من ضرورة فإنه لا يصلح شيئاً إلا أفسد مثله، وقال سليمان بن جلجل أخبرنا الحسن بن الحسين قال أخبرنا سعيد بن الأموي قال، أخبرنا عمي محمد بن سعيد، عن عبد الملك بن عمير قال كان أخوان من ثقيف من بني كنه يتحابان، لم يرقطّ أحسن ألفة منهما، فخرج الأكبر إلى سفر فأوصى الأصغر بامرأته؛ فوقعت عينه عليها يوماً غير معتمد لذلك، فهويها وضني، وقدم أخوه فجاءه بالأطباء، فلم يعرفوا ما به، إلى أن جاءه بالحارث بن كلدة فقال أرى عينين محتجبتين وما أدري ما هذا الوجع وسأجرب، فاسقوه نبيذاً، فلما عمل النبيذ فيه قال:  

ألا رفقاً ألا رفقاً قليلاً

 

ما أكوننه ألِمَّا بـي

إلى الأبيات

بالخيف أزرهنه

 

غزالا ما رأيت اليوم

 

في دور بني كنه

أسيل الخد مربوب

 

وفي منطقة غنه

فقالوا له أنت أطب العرب، ثم قال رددوا النبيذ عليه، فلما عمل فيه قال أيها الجيرة أسلموا وقفوا كي تكلموا وتقضوا لبانة وتحبوا وتنعموا خرجت مزنة من البحر ريا تحمحم هي ما كنَّتي وتزعم أني لها حم قال فطلقها أخوه، ثم قال تزوج بها يا أخي، فقال واللَّه لا تزوجتها، فمات وما تزوجها، وللحرث بن كلدة الثقفي من الكتب كتاب المحاورة في الطب بينه وبين كسرى أنوشروان

النضر بن الحرث بن كلدة الثقفي

هو ابن خالة النبي صلى الله علية وسلم ، وكان النضر قد سافر البلاد أيضا كأبيه، واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأحبار والكهنة، واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، واطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة، وتعلم من أبيه، أيضاً، ما كان يعلمه من الطب وغيره، وكان النضر يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي صلى الله علية وسلم، لكونه كان ثقفياً، كما قال رسول اللَّه صلى الله علية وسلم قريش والأنصار حليفان، وبنو أمية وثقيف حليفان، وكان النضر كثير الأذى والحسد للنبي صلى الله علية وسلم ، ويتكلم فيه بأشياء كثيرة، كيما يحط من قدره عند أهل مكة، ويبطل ما أتي به بزعمه، ولم يعلم، بشقاوته، إن النبوة أعظم؛ والسعادة أقدر؛ والعناية الألهية أجل؛ والأمور المقدرة أثبت، وإنما النضر اعتقد أن بمعلوماته وفضائله وحكمته يقاوم النبوة، وأين الثرى من الثريا، والحضيض من الأوج، والشقي من السعيد، وما أحسن ما وجدت حكاية ذكرها أفلاطن في كتاب النواميس في أن النبي وما يأتي به لا يصل إليه الحكيم بحكمته، ولا العالم بعلمه، قال أفلاطون وقد كان مارينون، ملك اليونانيين الذي يذكره أوميرس الشاعر باسمه وجبروته، وما تهيأ لليونانيين في سلطانه، رمي بشدائد في زمانه، وخوارج في سلطانه، ففزع إلى فلاسفة عصره، فتأملوا مصادر أموره ومواردها، وقالوا له قد تأملنا أمرك، فلم نجد فيه من جهتك شيئاً يدعو إلى ما لحقك، وإنما يعلم الفيلسوف الافراطات وسوء النظام الواقعين في الجزء، فأما ما خرج عنه فليس تبحث عنه الفلسفة، وإنما يوقف عليه من جهة النبوة، وأشاروا عليه أن يطلب نبي عصره ليجتمع له مع علمهم ما ينبئ به، وقالوا أنه لا يسكن في البلدان العامرة، وإنما يكون بين أقاصي المقفرة بين فقراء ذلك العصر فسألهم ما يجب أن يكون عليه رسله إليه، وما يكون دليلاً لهم عليه فقالوا اجعل رسلك إليه من لانت سجيته، وظهرت قناعته، وصدقت لهجته، وكان رجوعه إلى الحق أحب من ظفره به، فإن بين من استولى عليه هذا الوصف وبينه وصلة تدلهم عليه، وتقدم إليهم في المسألة عنه، عند مسقط رأسه ومنشئه، وسيرته في هذه المواضع، فإنك تجده زاهداً في النعيم، راغباً في الصدق، مؤثراً للخلوة، بعيداً من الحيلة غير حظي من الملوك، ينسبونه إلى تجاوز حده والخروج عما جرى عليه أهل طبقته، تتأمل فيه الخوف، وتخال فيه الغفلة، إذا تكلم في الأمر توهمت أنه عالم بأصوله وليس يعرف ما يترقى إليه به، وإذا سئل عما يصدر عنه ذكر أنه، يلقى على لسانه وفي خاطره، في اليقظة وبين النوم واليقظة، ما لم ير فيه، وإذا سئل عن شيء، رأيته كأنه يقتضي الجواب من غيره، ولا يفكر فيه تفكير القادر عليه، والمستنبط له، وإذا وجدوه، فسيجمع لهم إلى ما تقرر من وصفه أعاجيب تظهر على لسانه ويده. فجمع سبعة نفر وأضاف إليهم أمثل من وجد من الفلاسفة، فخرجوا يلتمسونه، فوجدوه على مسافة خمسة أيام من مستقر مارينوس في قرية قد خرج أكثر أهلها عنها، وسكنوا قريباً من مدينة مارينوس لما آثروه من لين جواره وكثرة الانتفاع به، ولم يبق فيها إلا نفر من الزهاد قد قعدوا عن الاكتساب، ومشايخ وزمنى خلفهم الجهد، وهو بينهم في منزلة شعث، وحول النزل جماعة من هؤلاء القوم، قد شغفهم جواره، وإلهاهم عن الحظوظ التي وصل إليها غيرهم، فتلقاهم أهل القرية بالترحيب، وسألوهم عن سبب دخولهم قريتهم الشعثة التي ليس فيها ما يحبس أمثالهم عليه، فقالوا رغبنا في لقاء هذا الرجل ومشاركتكم في فوائده، وسألوهم عن وقت خلوته، فقالوا ما له شيء يشغله عنكم، فدخلوا إليه فوجدوه مختبياً بين جماعة قد غضوا أبصارهم من هيبته، فلما رآه السبعة نفر سبقتهم العبرة؛ وغمرتهم الهيبة، ومعهم الفيلسوف ممسك لنفسه، ومتهم لحسه، يريد أن يستبرئ أمره، فسلموا عليه، فرد عليهم السلام ردا ضعيفاً وهو كالناعس المتحير، ثم زاد نعاسه حتى كادت حبوته أن تنحل فلما تبين من حوله ما تغشاه غضوا أبصارهم ووقفوا وقوف المصلي، فقال يا رسل الخاطئ الذي ملك جزءاً من عالمي، فنظر إلى صلاحه في سوق الخيرات الجسدية إليه، فأفسده بما غمره منها، وكان سبيله سبيل من وكل بجزء من بستان كثير الزهر والثمار، فصرف إليه أكثر من حصته من ماء ذلك البستان، وظن أنه أصلح له فكان ما زاده منه على حصته، ناقصاً من طعوم ثماره، ورائح أزهاره؛ وسبباً لجفاف أشجار جزءٍ جزءٍ منه وتصويح نبته، فلما سمع السبعة نفر هذا لم يملكوا أنفسهم حتى قاموا مع أولئك فوقفوا وقوف المصلين، قال الفيلسوف فبقيت جالساً خارجاً عن جملتهم لاستبرئ أمره، وأتقصى عجائبه، فصاح بي أيها الحسن الظن بنفسه، الذي كان أقصى ما لحقه أن سلك بفكره بين المحسوسات الجزئية والمعقولات الكلية، واستخلص منها علماً وقف به على طبائع المحسوسات وما قرب منها؛ فظن أنه يبلغ به كل علة ومعلول، أنك لا تصل إلي بهذه الطريق، لكن بمن جعلته بيني وبين خلقي، ونصبته للدلالة على إرادتي، فاصرف أكثر عنايتك إلى الاستدلال عليه، فإذا أصبته فأردد إليه ما فضل من معرفتك، فقد حملته من جودي ما فرقت به بينه وبين غيره، وجعلته سمة له يستعرضها إفهام المخلصين للحق.

ثم تماسك وقوي طرفه، فرجع من حوله إلى ما كانوا عليه، وخرجت من عنده، فلما كان العشية عدت إليه فسمعته يخاطب أصحابه والسبعة نفر بشيء من كلام الزهاد،و ينهاهم فيه عن طاعة الجسد، فلما انقضى كلامه قلت له قد سمعت ما سلف لك في صدر هذا اليوم وأنا أسألك زيادتي منه، فقال كلما سمعته فإنما هو شيء صور في نفسي وأُنطق به لساني، وليس لي فيه إلا التبليغ، وإن كان منه شيء سنقف عليه، فأقمت عنده ثلاثة أيام، أُدِّبر السبعة نفر على الرجوع إلى أوطانهم فيأبون ذلك علي، فلما كان اليوم الرابع دخلت عليه، فما تمكنت من مجلسه حتى تغشاه ما كان غشيه في اليوم الذي دخلنا عليه، ثم قال يا رسول الخاطئ المستبطئ نفسه في الرجوع له، ارجع إلى بلدك فإنك لا تلحق صاحبك، وإني أنسخه بمن يعدِّل ميل الجزء الذي في يده، فخرجت من عنده فلحقت بلدي وقد قضى نحبه، وتولى الأمر كهل من أهل بيت مارينوس، فرد المظالم وخلص الأرواح مما غشيها من لبوسات الترفة والبطالة، أقول ولما كان يوم بدر والتقى فيه المسلمون ومشركو قريش،و كان المقدم على المشركين أبو سفيان، وعدتهم ما بين التسعمائة والألف، والمسلمون يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر، وأيد اللَّه الإسلام ونصر نبيه صلى الله علية وسلم، ووقعت الكسرة على المشركين، وقتلت في جملتهم صناديد قريش، وأسر جماعة من المشركين، فبعضهم استفكوا أنفسهم، وبعضهم أمر النبي صلى الله علية وسلم، بقتلهم، وكان من جملة المأسورين عقبة بن أبي معيط، والنضر ابن الحرث بن كلدة، فقتلهما عليه السلام بعد منصرفه من بدر. حدثني شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي ابن الكريم قال حدثنا أبو غالب محمد بن المبارك بن محمد بن الميمون، عن أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسين بن محمويه الشافعي اليزدي عن أبي سعد أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن أبي القاسم الصيرفي البغدادي، عن أبي غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران النحوي الواسطي، عن أبي الحسين علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب، عن أبي الفرج علي بن الحسين بن محمد الكاتب الأصبهاني، قال حدثنا محمد بن جرير الطبري، قال حدثنا ابن حميد، قال حدثنا مسلمة عن محمد بن إسحاق، قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن رومان أن رسول اللّه صلى الله علية وسلم قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط صبراً، أما عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري فضرب عنقه، ثم أقبل من بدر حتى إذا كنا بالصفراء قتل النضر بن الحرث بن كلدة الثقفي أحد بني عبد الدار، فقد أمر علي بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، أن يضرب عنقه، فقالت فتيلة بنت الحرث ترثيه الكامل ياراكباً أن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق بلغ به ميتاً فإن تحية ما إن تزال بها الركائب تخنق مني إليه وعبرة مسفوحة جادت بدرتها وأخرى يخنق فليسمع النضر أن ناديته إن كان يسمع ميت أو ينطق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه للّه أرحام هناك تمزق صبراً يقاد إلى المنية متعباً رسف المقيد وهو عان موثق أمحمدٌ ولأنت نسل نجيبة في قومها، والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما مُنَّ الفتى وهو المغيظ المحنق والنضر أقرب من أخذت بزلة وأحقهم إن كان عتق يعتق لو كنت قابل فدية لفديته بأعز ما يفدي به من ينفق قال أبو الفرج الأصبهاني فبلغنا أن النبي صلى الله علية وسلم قال لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته، فيقال أن شعرها أكرم شعر موتورة وأعفه وأكفه وأحلمه، أقول كان عليه السلام أنما أخر قتل النضر بن الحرث إلى أن وصل الصفراء ليتروى فيه، ثم أنه رأى الصواب قتله فأمر بقتله، ويروى أيضاً في قولها والنضر أقرب من قتلت قرابة تشير إلى أنه قرابة النبي عليه السلام، وكانت وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وبدر موضع وهو اسم ماء، قال الشعبي بدر بئر كانت لرجل يدعى بدراً ومنه يوم بدر، والصفراء من بدر على سبعة عشر ميلاً، ومن المدينة على ثلاث ليال قواصد.

ابن أبي رمثة التميمي

كان طبيباً على عهد رسول اللَّه صلى الله علية وسلم، ومزاولاً لأعمال اليد وصناعة الجراح، وروى نعيم عن ابن أبي عيينة عن ابن أبجر، عن زياد عن لقيط عن ابن أبي رمثة قال أتيت رسول اللَّه صلى الله علية وسلم ، فرأيت بين كتفيه الخاتم، فقلت إني طبيب فدعني أعالجه، فقال أنت رفيق، والطبيب اللَّه، قال سليمان بن حسان علم رسول اللَّه أنه رفيق اليد ولم يكن فائقاً في العلم، فبان ذلك من قوله والطبيب اللَّه

عبد الملك بن أبجر الكناني

كان طبيباً عالماً ماهراً، وكان في أول أمره مقيماً في الإسكندرية لأنه كان المتولي في التدريس بها من بعد الإسكندرانيين الذين تقدم ذكرهم، وذلك عندما كانت البلاد في ذلك الوقت لملوك النصارى، ثم إن المسلمين لما استولوا على البلاد وملكوا الإسكندرية، أسلم ابن أبجر على يد عمر بن عبد العزيز، وكان حينئذ أميراً قبل أن تصل إليه الخلافة، وصحبه، فلما أفضت الخلافة إلى عمر، وذلك في صفر سنة تسع وتسعين للهجرة، نقل التدريس إلى إنطاكية وحران وتفرق في البلاد، وكان عمر بن عبد العزيز يستطب ابن أبجر، ويعتمد عليه في صناعة الطب، روى الأعمش عن ابن أبجر أنه قال دع الدواء ما احتمل بدنك الداء، وهذا من قول النبي صلى الله علية وسلم سر بدائك ما حملك، وروى سفيان عن ابن أبجر أنه قال المعدة حوض الجسد والعروق تشرع فيه، فما ورد فيها بصحة صدر بصحة، وما ورد فيها بسقم صدر بسقم.

ابن أثال

كان طبيباً متقدماً من الأطباء المتميزين في دمشق، نصراني المذهب، ولما ملك معاوية بن أبي سفيان دمشق اصطفاه لنفسه وأحسن إليه، وكان كثير الافتقاد له والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلاً ونهاراً، وكان ابن أثال خبيراً بالأدوية المفردة والمركبة وقواها، وما منها سموم قواتل، وكان معاوية يقربه لذلك كثيراً، ومات في أيام معاوية جماعة كثيرة من أكابر الناس والأمراء من المسلمين بالسم، ومن ذلك حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي ابن الكريم، قال حدثنا أبو غالب محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون، عن أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسين بن محمويه الشافعي اليزدي، عن أبي سعد أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن أبي القاسم الصيرفي البغدادي، عن أبي غالب محمد بن أحمد بن سهل بن بشران النحوي الواسطي، عن أبي الحسين علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب، عن أبي الفرج علي بن الحسين الأصبهاني الكاتب قال في كتابه المعروف بالأغاني الكبير أخبرني عمي، قال حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال حدثنا المدائني، عن شيخ من أهل الحجاز،و عن زيد بن رافع مولى المهاجرين خالد بن الوليد، عن أبي ذئب، عن أبي سهيل أن معاوية لما أراد أن يظهر العقد ليزيد قال لأهل الشام أن أمير المؤمنين قد كبرت سنه، ورق جلده، ودق عظمه، واقترب أجله، يريد أن يستخلف عليكم فمن ترون ؟ فقالوا عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فسكت وأضمرها، ودس ابن أثال النصراني الطبيب إليه، فسقاه سماً، فمات، وبلغ ابن أخيه خالد بن المهاجر ابن خالد بن الوليد خبره وهو بمكة وكان أسوأ الناس رأياً في عمه لأن أباه المهاجر، كان مع علي رضي اللَّه عنه، بصفين، وكان عبد الرحمن بن خالد مع معاوية، وكان خالد بن المهاجر على رأي أبيه، هاشمي المذهب، فلما قتل عمه عبد الرحمن مر به عروة بن الزبير، فقال له يا خالد اتدع لابن أثال نقى أوصال عمك بالشام، وأنت بمكة مسيل أزارك تجره وتخطر فيه متخائلاً؟ فحمي خالد ودعى مولى له يقال له نافع فاعلمه الخبر وقال له لا بد من قتل ابن أثال، وكان نافع جلداً شهماً، فخرجا حتى قدما دمشق، وكان ابن أثال يتمسى عند معاوية، فجلس له في مسجد دمشق إلى اسطوانة، وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج، فقال خالد لنافع إياك أن تعرض له أنت، فإني أضربه، ولكن احفظ ظهري واكفني من ورائي، فإن رأيت شيئاً يريدني من ورائي فشأنك، فلما حاذاه وثب إليه فقتله، وثار إليه من كان معه فصاح بهم نافع فانفرجوا، ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه، فلما غشوهما حملاً عليهم فتفرقوا، حتى دخل خالد ونافع زقاقاً ضيقاً ففاتا الناس.


وبلغ معاوية الخبر فقال هذا خالد بن المهاجر، انظروا الزقاق الذي دخل فيه، ففتش عليه وأتي به فقال له لا جزاك اللّه من زائر خيراً قتلت طبيبي؟ فقال قتلت المأمور وبقي الآمر، فقال له عليك لعنة اللَّه، أما واللّه لو كان تشهّد مرة واحدة لقتلتك به، أمعك نافع؟ قال لا قال بلى واللَّه، وما اجترأت إلا به، ثم أمر بطلبه فوجد، فأتي به فضرب مائة سوط ولم ينح خالداً بشيء أكثر من أن حبسه، وألزم بني مخزوم دية ابن أثال اثني عشر ألف درهم؛ أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ ستة آلاف، فلم يزل ذلك يجري في دية المعاهد حتى ولي عمر بن عبد العزيز، فأبطل الذي يأخذه السلطان لنفسه، وأثبت الذي يدخل بيت المال، قال لما حبس معاوية خالد بن المهاجر قال في السجن:

إما خطاي تقاربت مشي

 

المقيد في الـحـصـار

فيما أُمشي في الأ بـاط

 

ح يقتفي أثـري إزاري

دع ذا ولكن هـل تـرى

 

ناراً تشب بـذي مـرار

ما أن تـشـب لـقِـرة

 

بالمصطلين ولا قـتـار

ما بال لـيلـك لـيس يَن

 

قص طولها طولُ النهار

أتقاصر الأمان أم غرض

 

الأسـير مـن الأسـار

قال فبلغت أبياته معاوية فأطلقه، فرجع إلى مكة، فلما قدمها لقي عروة بن الزبير، فقال له أما ابن أثال فقد قتلته، وهذاك ابن جرموز نقي أوصال الزبير بالبصرة فاقتله إن كنت ثائراً، فشكاه عروة إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فأقسم عليه أن يمسك عنه، ففعل، أقول كان الزبير بن العوام مع عائشة يوم الجمل، فقتله ابن جرموز، ولذلك قال خالد بن المهاجر لعروة بن الزبير عن قتل ابن جرموز لأبيه يعيره بذلك، ومما يحقق هذا، أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيل زوجة الزبير بن العوام قالت ترثيه لما قتله ابن جرموز الكامل غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد اللَّه ربك، أن قتلت لمسلماً وجبت عليك عقوبة المتعمد إن الزبير، لذو بلاء صادق، سمح سجيته، كريم المشهد كم غمرة قد خاضها، لم يثنه عنها طرادك، يا ابن فقع القردد فاذهب فما ظفرت يداك بمثله فيما مضى مما يروح ويغتدي وقال أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي في كتاب الأمثال إن معاوية بن أبي سفيان كان خاف أن يميل الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فاشتكى عبد الرحمان فسقاه الطبيب شربة عسل فيها سم فأخرقته، فعند ذلك قال معاوية لا جد إلا ما أقعص عنك من تكره، قال وقال معاوية أيضاً حين بلغه أن الأشتر سقي شربة عسل فيها سم فمات إن للَّه جنوداً منها العسل.

ونقلت من تاريخ أبي عبد اللَّه محمد بن عمر الواقدي قال لما كان في سنة ثمان وثلاثين بعث علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه الأشتر والياً على مصر، بعد قتل محمد بن أبي بكر، وبلغ معاوية مسيره فدس إلى دهقان بالعريش، فقال إن قتلت الأشتر فلك خراجك عشرين سنة، فلطف له الدهقان فسأل أي الشراب أحب إليه؟ فقيل العسل، فقال عندي عسل من عسل برقة، فسمه وأتاه به فشربه فمات، وفي تاريخ الطبري أن الحسن بن علي رضي اللَّه عنهما مات مسموماً في أيام معاوية وكان عند معاوية كما قيل دهاء؛ فدس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس، وكانت زوجة الحسن، رضي اللَّه عنه، شربة وقال لها إن قتلت الحسن زوجتك بيزيد، فلما توفي الحسن بعثت إلى معاوية تطلب قوله، فقال لها في الجواب أنا أضن بيزيد، وقال كثير يرثي الحسن رضي اللَّه عنه السريع يا جعد أبكيه ولا تسأمي بكاء حق ليس بالباطل إن تستري الميت على مثله في الناس من حاف ومن ناعل وقال عوانة بن الحكم لما كان قبل موت الحسن بن علي عليهما السلام، كتب معاوية إلى مروان بن الحكم عامله على المدينة أن أقبل المطي فيما بيني وبينك بخبر الحسن بن علي، قال فلم يلبث إلا يسيراً حتى كتب مروان بموته، وان ابن عباس إذا دخل على معاوية أجلسه معه على سريره فأذن معاوية للناس فأخذوا مجالسهم، وجاء ابن عباس فلم يمهله معاوية أن يسلم حتى قال يا ابن عباس هل أتاك موت الحسن بن علي؟ قال لا قال معاوية فإنه قد أتانا موته، فاسترجع ابن عباس وقال إن موته يا معاوية لا يزيد في عمرك ولا يدخل عمله معك في قبرك، وقد بلينا بأعظم، فقدنا منه جده محمد صلى الله علية وسلم ، فجبر اللّه مصابنا ولم يهلكنا بعده، فقال له معاوية اقعد يا ابن عباس، فقال ما هذا بيوم قعود، وأظهر معاوية الشماتة بموت الحسن رضي اللَّه عنه فقال قثم ابن عباس في ذلك:

أصبح اليوم ابن هند شامتـاً

 

ظاهر النخوة أن مات حسن

رحمة الله عليه أنـه طـال

 

ما أشجى ابن هـنـد وأذن

ولقد كان عـلـيه عـمـره

 

عدل رضوى وثبير وحضن

وإذا أقبل حياً رافعاً صوتـه

 

والصدر يغلـي بـالإحـن

فارتع اليوم ابن هند آمـنـاً

 

إنما يغمص بالعير السمـن

واتق اللّه وأحدث تـوبة أن

 

ما كان كشـيء لـم يكـن

أبو الحكم

كان طبيباً نصرانياً عالماً بأنواع العلاج والأدوية، وله أعمال مذكورة وصفات مشهورة، وكان يستطبه معاوية بن أبي سفيان ويعتمد عليه في تركيبات أدوية لأغراض قصدها منه، وعمّر أبو الحكم هذا عمراً طويلاً حتى تجاوز المائة سنة، حدث أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم، قال حدثني أبي قال حدثني عيسى ابن حكم الدمشقي المتطبب قال حدثني أبي عن أبيه، قال ولي الموسم في أيام معاوية ابن أبي سفيان،و يزيد بن معاوية، فوجهني أبوه معه متطبباً له، وخرجت مع عبد الصمد ابن علي بن عبد اللَّه بن العباس إلى مكة متطبباً له، وقعدد عبد الصمد مثل قعدد يزيد، وبين وفاتهما مائة ونيف وعشرون سنة، قال يوسف بن إبراهيم حدثني عيسى بن حكم عن أبيه، أن جده أعلمه أنه كان حمّى عبد الملك بن مروان من شرب الماء في علته التي توفي فيها، وأعلمه أنه متى شرب الماء قبل نضج علته توفي، قال فاحتمى عن الماء يومين وبعض الثالث، قال فإني عنده لجالس وعنده بناته،و إذ دخل عليه الوليد ابنه فسأله عن حاله وهو يتبين في وجه الوليد السرور بموته فأجابه بأن قال: 

ومستخبر عنا يريد بنا الردى

 

ومستخبرات والدموع سواجم

وكان استفتاحه النصف الأول وهو مواجه للوليد، ثم واجه البنات عند قوله النصف الثاني، ثم دعا بالماء فشربه فقضى من ساعته

حكم الدمشقي

كان يلحق بابيه في معرفته بالمداواة والأعمال الطبية والصفات البديعة، وكان مقيماً بدمشق، وعمر أيضاً عمراً طويلاً، قال أبو يوسف بن إبراهيم حدثني عيسى بن حكم أن والده توفي، وكان عبد اللَّه ابن طاهر بدمشق في سنة عشر ومائتين؛ وإن عبد اللّه سأله عن مبلغ عمر أبيه فأعلمه أنه عمره مائة وخمس سنين، لم يتغير عقله، ولم ينقص علمه، فقال عبد اللَّه عاش حكم نصف التاريخ، قال يوسف وحدثني عيسى أنه ركب مع أبيه حكم بمدينة دمشق، إذ اجتازوا بحانوت حجام قد وقف عليه بشر كثير، فلما بصر بنا بعض الوقوف قال أفرجوا هذا حكم المتطبب وعيسى ابنه، فأفرج القوم، فإذا رجل قد فصده الحجام في العرق الباسليق، وقد فصده فصداً واسعاً، وكان الباسليق على الشريان، فلم يحسن الحجام تعليق العرق فأصاب الشريان، ولم يكن عند الحجام حيلة في قطع الدم، واستعملنا الحيلة في قطعه بالرفائد ونسج العنكبوت والوبر، فلم ينقطع بذلك، فسألني والدي عن حيلة، فأعلمته أنه لا حيلة عندي، فدعا بفستقة فشقها وطرح ما فيها، وأخذ أحد نصفي القشرة فجعله على موضع الفصد، ثم أخذ حاشية من ثوب كتان غليظ فلف بها موضع الفصد على قشر الفستقة لفاً شديداً، حتى كان يستغيث المفتصد من شدته، ثم شد ذلك بعد اللف شداً شديداً، وأمر بحمل الرجل إلى نهر بردى، وأدخل يده في الماء ووطّأ له على شاطئ النهر ونومه عليه، وأمر فحسى محات بيض نيمرشت، ووكل به تلميذاً من تلامذته، وأمره بمنعه من إخراج يده من موضع الفصد من الماء إلا عند وقت الصلاة أو يتخوف عليه الموت من شدة البرد، فإن تخوف ذلك أذِن له في إخراج يده هنيهة ثم أمره بردها، ففعل ذلك إلى الليل، ثم أمر بحمله إلى منزله ونهاه عن تغطية موضع الفصد، وعن حل الشد قبل استتمام خمسة أيام، ففعل ذلك، إلا أنه صار إليه في اليوم الثالث وقد ورم عضده وذراعه ورماً شديداً، فنفس من الشد شيئاً يسيراً، وقال للرجل الورم أسهل من الموت، فلما كان في اليوم الخامس حل الشداد شيئاً يسيراً، فوجدنا قشر الفستقة ملتصقاً بلحم الرجل، فقال والدي للرجل بهذا القشر نجوت من الموت، فإن خلعت هذا القشر قبل انخلاعه وسقوطه من غير فعل منك تلفت نفسك، قال عيسى فسقط القشر في اليوم السابع وبقي في مكانه دم يابس في خلقة الفستقة، فنهاه والدي عن العبث به، أو حك ما حوله، أو فتّ شيء من ذلك الدم، فلم يزل الدم يتحات حتى انكشف موضع الفصد في أكثر من أربعين ليلة وبرأ الرجل .

عيسى بن حكم الدمشقي

وهو المشهور بمسيح، صاحب الكناش الكبير الذي يعرف به وينسب إليه، قال يوسف بن إبراهيم حدثني عيسى بن الحكم أنه عرض لغضيض أم ولد الرشيد قولنج فأحضرته وأحضرت الأبح والطبري الحاسبين، وسألت عيسى عما يرى معالجتها به، قال عيسى فأعلمتها أن القولنج قد استحكم بها استحكاماً إن لم تبادره بالحقنة لم يؤمن عليها التلف، فقالت؛ للأبح والطبري اختارا لي وقتاً أتعالج فيه، فقال لها الأبح علتك هذه ليست من العلل التي يمكن أن يؤخر لها العلاج إلى وقت يحمده المنجمون، وأنا أرى أن تبادري بالعلاج قبل أن تعملي عملاً؛ وكذلك يرى عيسى بن حكم، فسألتني، فأعلمتها أن الأبح قد صدقها، فسألت الطبري عن رأيه فقال إن القمر اليوم مع زحل، وهو في غد مع المشتري، وأنا أرى لك أن تؤخري العلاج إلى مقارنة القمر المشتري، فقال الأبح أنا أخاف أن يصير القمر مع المشتري وقد عمل القولنج عملاً لا يحتاج معه إلى علاج، فتطيرت من ذلك غضيض ولبنتها أم محمد وأمرتا بإخراجه من الدار وقبلت قول الطبري، فماتت غضيض قبل موافاة القمر المشتري، فلما وافى القمر المشتري قال الأبح لأم محمد هذا وقت اختيار الطبري للعلاج فأين العليل حتى نعالجه؟ فزادتها رسالته غيظاً عليه، ولم تزل سيئة الرأي فيه حتى توفيت، قال يوسف نزلت على عيسى بن حكم في منزله بدمشق سنة خمس وعشرين ومائتين؛ وبي نزلة صعبة، فكان يغذوني بأغذية طيبة ويسقيني الثلج فكنت أنكر ذلك، وأعلمه أن تلك الأغذية مضرة بالنزلة، فيعتل علي بالهواء ويقول أنا أعلم بهواء بلدي منك وهذه الأشياء المضرة بالعراق نافعة بدمشق، فكنت أغتذي بما يغذوني به، فلما خرجت عن البلد خرج مشيعاً لي حتى صرنا إلى الموضع المعروف بالراهب، وهو الموضع الذي فارقني فيه، فقال لي قد أعددت لك طعاماً يُحمل معك يخالف الأطعمة التي كنت تأكلها، وأنا آمرك أن لا تشرب ماء بارداً، ولا تأكل من مثل الأغذية التي كنت تأكلها في منزلي شيئاً، فلمته على ما كان يغذوني به فقال أنه لا يحسن بالعاقل أن يلزم قوانين الطب مع ضيفه في منزله، قال يوسف وتجاريت وعيسى يوماً بدمشق ذكر البصل، فابترك في ذمه ووصف معايبه، وكان عيسى وسلمويه بن بيان يسلكان طريق الرهبان، ولا يحمدان شيئاً مما يزيد في الباه، ويذكران أن ذلك مما يتلف الأبدان ويذهب الأنفس، فلم استنجد الاحتجاج عليه بزيادة البصل في الباه فقلت له قد رأيت له في سفري هذا، أعني فيما بين سر من رأى ودمشق، منفعة، فسأل عنها، فاعلمته أني كنت أذوق الماء في بعض المناهل فأصيبه مالحاً فآكل البصل الني ثم أعاود شرب الماء فأجد ملوحته قد نقصت، وكان عيسى قليل الضحك فاستضحك من قولي ثم رجع إلى إظهار جرح منه، ثم قال يعز علي أن يغلط مثلك هذا الغلط، لأنك صرت إلى أسمج نكتة في البصل وأعيب عيب فيه فجعلتها مدحاً، ثم قال لي أليس متى حدث في الدماغ فساد فسدت الحواس، حتى ينقص حس الشم والذوق والسمع والبصر، فأعلمته أن الأمر كذلك، فقال لي إن خاصية البصل إحدث فساد الدماغ، فإنما قلل حسك بملوحة الماء ما أحدث البصل في دماغك من الفساد، قال وقال لي عيسى وقد شيعني إلى الراهب، وهو آخر كلام دار بيني وبينه أن والدي توفي وهو ابن مائة سنة وخمس سنين لم يتشنج له وجه، ولم ينقص من ماء وجهه لأشياء كان يفعلها وأنا الآن مزودكها فاعمل بها؛ وهي أن لا تذوق القديد، ولا تغسل يديك ورجليك عند خروجك من الحمام أبداً إلا بماء بارد أبرد ما يمكنك، والزم ذلك فإنه ينفعك، فلزمت ما أمرني به من هذا الباب إلا أني ربما مصصت القطعة الصغيرة من القديد في السنة، وفي الأكثر من ذلك، ولعيسى بن حكم من الكتب كناش، كتاب منافع الحيوان.

تياذوق

كان طبيباً فاضلاً وله نوادر وألفاظ مستحسنة في صناعة الطب، وعمر، وكان في أول دولة بني أمية ومشهوراً عندهم بالطب، وصحب أيضاً الحجاج بن يوسف الثقفي، المتولي من جهة عبد الملك بن مروان، وخدمه بصناعة الطب وكان يعتمد عليه، ويثق بمداواته، وكان له منه الجامكية الوافرة والافتقاد الكثير، ومن كلام تياذوق للحجاج قال لا تنكح إلا شابة؛ ولا تأكل من اللحم إلا فتياً، ولا تشرب الدواء إلا من علة؛ ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها، وأجد مضغ الطعام، وإذا أكلت نهاراً فلا بأس أن تنام، وإذا أكلت ليلاً فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة، فقال له بعض من حضر إذا كان الأمر كما تقول فلم هلك بقراط؟ ولم هلك جالينوس وغيرهما ولم يبق أحد منهم؟ قال يا بني قد احتججت فاسمع إن القوم دبّروا أنفسهم بما يملكون وغلبهم ما لا يملكون - يعني الموت - وما يرد من خارج كالحر والبرد والوقوع والغرق والجراح والغم وما أشبه ذلك، وأوصى تياذوق أيضاً الحجاج فقال لا تأكلن حتى تجوع، ولا تتكارهنّ على الجماع، ولا تحبس البول، وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك، وقال أيضاً للحجاج أربعة تهدم العمر وربما قتلن دخول الحمام على البطنة؛ والمجامعة على الامتلاء؛ وأكل القديد الجاف؛ وشرب الماء البارد على الريق، وما مجامعة العجوز ببعيدة منهن، ووجد الحجاج في رأسه صداعاً فبعث إلى تياذوق وأحضره فقال اغسل رجليك بماء حار، وادهنهما، وخصي للحجاج قائم على رأسه، فقال واللَّه ما رأيت طبيباً أقل معرفة بالطب منك شكى الأمير الصداع في رأسه فتصف له دواء في رجليه فقال له أما أن علامة ما قلت فيك بينة، قال الخصي وما هي؟ قال نُزعت خصيتاك فذهب شعر لحيتك، فضحك الحجاج ومن حضر، وشكى الحجاج ضعفاً في معدته وقصوراً في الهضم إلى تياذوق فقال يكون الأمير يحضر بين يديه الفستق الأحمر القشر البراني ويكسره ويأكل من لبه، فإن ذلك يقوي المعدة، فلما أمس الحجاج بعث إلى حظاياه وقال إن تياذوق وصف لي الفستق، فبعث إليه كل واحدة منهن صينية فيها قلوب فستق، فأكل من ذلك حتى امتلأ، وأصابته بعقبه هيضة كادت تأتي على نفسه، فشكى حاله إلى تياذوق، وقال وصفت لي شيئاً أضرَّ بي، وذكر له ما تناول، فقال له إنما قلت لك أن حضر عندك الفستق بقشره البراني، فتكسر الواحدة بعد الواحدة، وتلوك قشرها البراني وفيه العطرية والقبض، فيكون بذلك تقوية المعدة، وأنت فقد عملت غير ما قلت لك، وداواه مما عرض له، قيل ومن أخباره مع الحجاج أنه دخل عليه يوماً، فقال له الحجاج أي شيء دواء أكل الطين؟ فقال عزيمة مثلك أيها الأمير، فرمى الحجاج بالطين من يده ولم يعد إليه أبداً، وقيل أن بعض الملوك لما رأى تياذوق وقد شاخ وكبر سنه، وخشي أن يموت ولا يعتاض عنه، لأنه كان أعلم الناس وأحذق الأمة في وقته بالطب، فقال له صف لي ما أعتمد عليه فأسوس به نفسي، وأعمل به أيام حياتي، فلست آمن أن يحدث عليك حدث الموت، ولا أجد مثلك؛ فقال تياذوق أيها الملك بالخيرات، أقول لك عشرة أبواب إن علمت واجتنبتها لم تعتل مدة حياتك، وهذه عشر كلمات 1 - لا تأكل طعاماً وفي معدتك طعام؛ 2 - ولا تأكل ما تضعف أسنانك من مضغه، وفتضعف معدتك عن هضمه؛ 3 - ولا تشرب الماء على الطعام حتى تفرغ ساعتين؛ فإن أصل الداء التخمة، وأصل التخمة الماء على الطعام؛ 4 - وعليك بدخول الحمام في كل يومين مرة واحدة، فإنه يخرج من جسدك ما لا يصل إليه الدواء؛ 5 - وأكثر الدم في بدنك تحرص به نفسك؛ 6 - وعليك كل فصل قيئة ومسهلة؛ 7 - ولا تحبس البول وإن كنت راكباً؛ 8 - واعرض نفسك عل الخلاء قبل نومك؛ 9 - ولا تكثر الجماع فإنه يقتبس من نار الحياة فليكثر أو يقل؛ 10 - ولا تجامع العجوز فإنه يورث الموت الفجأة، فلما سمع الملك ذلك أمر كاتبه أن يكتب هذه الألفاظ بالذهب الأحمر، ويضعه في صندوق من ذهب مرصع، وبقي ينظر إليه في كل يوم ويعمل به، فلم يعتل مدة حياته حتى جاءه الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه، وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب قال قال الحجاج لابنه محمد يا بني إن تياذوق الطبيب كان قد أوصاني في تدبير الصحة بوصية كنت استعملها، فلم أر إلا خيراً، ولما حضرته الوفاة دخلت عليه أعوده فقال الزم ما كنت وصيتك به وما نسيت منها فلا تنس لا تشربن دواء حتى تحتاج إليه، ولا تأكلن طعاماً وفي جوفك طعام، وإذا  أكلت فامش أربعين خطوة، وذا امتلأت من الطعام فنم على جنبك الأيسر، ولا تأكلن الفاكهة وهي مولية، ولا تأكلن من اللحم إلا فتياً، ولا تنكحن عجوزاً، وعليك بالسواك، ولا تتبعن اللحم اللحم، فإن إدخال اللحم على اللحم يقتل الأُسود في الفلوات، وقال أيضاً إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتاب أخبار الحجاج إن الحجاج لما قتل سعيد بن جبير رحمه اللَّه، وكان من خيار التابعين، وجرى بينهما كلام كثير، وأمر به فذبح بين يديه، وخرج منه دم كثير استكثره وهاله، فقال الحجاج لتياذوق طبيبه ما هذا؟ قال لاجتماع نفسه، وأنه لم يجزع من الموت، ولا هاب ما فعلته به، وغيره تقتله وهو مفترق النفس، فيقل دمه لذلك، ومات تياذوق بعد ما أسن وكبر، وكانت وفاته بواسط في نحو سنة تسعين للهجرة، ولتياذوق من الكتب كناش كبير ألفه لابنه، كتاب إيدال الأدوية وكيفية دقها وإيقاعها وإذابتها وشيء من تفسير أسماء الأدوية.

زينب طبيبة بني أود

كانت عارفة بالأعمال الطبية، خبيرة بالعلاج ومداواة آلام العين والجراحات، مشهورة بين العرب بذلك، قال أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني الكبير أخبرنا محمد بن خلف المرزبان قال، حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن كناسة عن أبيه عن جده قال أتيت أمرأة من بني أود لتكحلني من رمد كان قد أصابني فكحلتني، ثم قالت اضطجع قليلاً حتى يدور الدواء في عينيك، فاضطجعت ثم تمثلت قول الشاعر:  

أمخترمي ريب المنون ولم أزر طبيب

 

بني أود عـلـى الـنـأي زينـبـا

فضحكت ثم قالت أتدري فيمن قيل هذا الشعر؟ قلت لا قالت فيَّ واللَّه قيل، وأنا زينب التي عناها، وأنا طبيبة بني أود، افتدري من الشاعر؟ قلت لا قالت عمك أبو سماك الأسدي.