الباب الثالث عشر: طبقات الأطباء الذين ظهروا في بلاد المغرب وأقاموا بها: أبو جعفر بن هارون الترجالي، أبو الوليد بن رشد، أبو محمد بن رشد، أبو الحجاج يوسف بن موراطير، أبو عبد الله بن يزيد، أبو مروان عبد الملك بن قبلال، أبو إسحق إبراهيم الداني، أبو يحيى بن قاسم الإشبيلي، أبو الحكم بن غلندو، أبو جعفر أحمد بن حسان، أبومحمد الشذوني، المصدوم، عبد العزيز بن مسلمة الباجي، أبو جعفر بن الغزال، أبو بكر بن القاضي أبي الحسن الزهري، أبو عبد الله الندرومي، أبو جعفر أحمد بن سابق، ابن الحلاء المرسي، أبو إسحاق بن طملوس، أبو جعفر الذهبي، أبو العباس بن الرومية، أبو العباس الكنيناري، ابن الأصم

أبو جعفر بن هارون الترجالي

من أعيان أهل إشبيلية، وكان محققاً للعلوم الحكمية، متقناً لها معتنياً بكتب أرسطوطاليس وغيره من الحكماء المتقدمين؛ فاضلاً في صناعة الطب، متميزاً فيها، خبيراً بأصولها وفروعها؛ حسن المعالجة، محمود الطريقة، وخدم لأبي يعقوب والد المنصور، وكان من طلبة الفقيه أبي بكر بن العربي لازمه مدة واشتغل عليه بعلم الحديث، وكان أبو جعفر بن هارون يروي الحديث وهو شيخ أبي الوليد ابن رشد في التعاليم والطب، وأصله من ترجالة من غور الأندلس، وهي التي أصابها المنصور خالية، وهرب أهلها وعمرها المسلمون، وكان أبو جعفر هارون أيضاً عالماً بصناعة الكحل، وله آثار فاضلة في المداواة.

حدثني القاضي أبو مروان محمد بن أحمد بن عبد الملك اللخمي، ثم الباجي أن أخاه القاضي أبا عبداللَّه محمد بن أحمد لما كان صغيراً أصاب عينه عود، واخترق السواد حتى أنه يئس له من البرء فاستدعى أبوه أبا جعفر بن هارون، وأراه عين ولده وقال له أنا أدفع لك ثلاثمائة دينار وتعالجها فقال واللَّه ما حاجة إلى هذا الذي ذكرته، وإنما أداويه ويصلح إن شاء اللَّه تعالى، وشرع في مداواته إلى أن صلحت عينه وأبصر بها، وأصاب ابن هارون خدر وضعف في أعضائه فالتزم داره بإشبيلية وكان يطب الناس، وتوفي بإشبيلية.

أبو الوليد بن رشد

هو القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد؛ مولده ومنشؤه بقرطبة مشهور بالفضل معتن بتحصيل العلوم، أوحد في علم الفقه والخلاف، واشتغل على الفقيه الحافظ أبي محمد بن رزق، وكان أيضاً متميزاً في علم الطب، وهو جيد التصنيف حسن المعاني، وله في الطب كتاب الكليات، وقد أجاد في تأليفه، وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة، ولما ألف كتابه هذا في الأمور الكلية قصد من ابن زهر أن يؤلف كتاباً في الأمور الجزئية لتكون جملة كتابيهما ككتاب كامل في صناعة الطب، ولذلك يقول ابن رشد في آخر كتابه ما هذا نصه، قال فهذا هو القول في معالجة جميع أصناف الأمراض بأوجز ما أمكننا وأبينه، وقد بقي علينا من هذا الجزء القول في شفاء عرض عرض من الأعراض الداخلة على عضو من الأعضاء، وهذا وإن لم يكن ضرورياً لأنه منطو بالقوة فيما سلف من الأقاويل الكلية ففيه تتميم ما وارتياض، لأنا ننزل فيها إلى علاجات الأمراض بحسب عضو عضو، وهي الطريقة التي سلكها أصحاب الكنانيش، حتى نجمع في أقاويلنا هذه إلى الأشياء الكلية الأمور الجزئىة، فإن هذه الصناعة أحق صناعة ينزل فيها إلى الأمور الجزئىة ما أمكن إلا أنا نؤخر هذا إلى وقت نكون فيه أشد فراغاً لعنايتنا في هذا الوقت بما يهم من غير ذلك، فمن وقع له هذا الكتاب دون هذا الجزء، وأحب أن ينظر بعد ذلك إلى الكنانيش فأوفق الكنانيش له الكتاب الملقب بالتيسير الذي ألفه في زماننا هذا أبو مروان بن زهر وهذا الكتاب سألته أنا إياه وانتسخته فكان ذلك سبيلاً إلى خروجه، وهو ما قلنا كتاب الأقاويل الجزئية التي قلت فيها، شديدة المطابقة للأقاويل الكلية، إلا أنه مزج هنالك مع العلاج العلامات، وإعطاء الأسباب على عادة أصحاب الكنانيش، ولا حاجة لمن يقرأ كتابنا هذا إلى ذلك بل يكفيه من ذلك مجرد العلاج فقط، وبالجملة من تحصل له ما تبناه من الأقاويل الكلية أمكنه أن يقف على الصواب والخطأ من مداواة أصحاب الكنانيش في تفسير العلاج والتركيب. حدثني القاضي أبو مروان الباجي قال كان القاضي أبو الوليد بن رشد حسن الرأي ذكياً رث البزة قوي النفس، وكان قد اشتغل بالتعاليم وبالطب على أبي جعفر بن هارون، ولازمه مدة وأخذ عنه كثيراً من العلوم الحكمية، وكان ابن رشد قد قضى مدة في إشبيلية قبل قرطبة، وكان مكيناً عند المنصور وجيهاً في دولته، وكذلك أيضاً كان ولده الناصر يحترمه كثيراً قال ولما كان المنصور بقرطبة وهو متوجه إلى غزو ألفنس وذلك في عام أحد وتسعين وخمسمائة استدعى أبا الوليد بن رشد، فلما حضر عنده احترمه كثيراً، وقربه إليه حتى تعدى به الموضع الذي كان يجلس فيه أبو محمد عبد الواحد بن الشيخ حفص الهنتاتي صاحب عبد المؤمن، وهو الثالث أو الرابع من العشرة، وكان هذا أبو محمد عبد الواحد قد صاهره المنصور وزوجه بابنته لعظم منزلته عنده، ورزق عبد الواحد منها ابناً اسمه علي، وهو الآن صاحب إفريقية فلما قرب المنصور ابن رشد وأجلسه إلى جانبه حادثه، ثم خرج من عنده وجماعة الطلبة، وكثير من أصحابه ينتظرونه فهنؤوه بمنزلته عند المنصور وإقباله عليه، فقال واللَّه إن هذا ليس مما يستوجب الهناء به فإن أمير المؤمنين قد قربني دفعة إلى أكثر مما كنت أؤمله فيه، أو يصل رجائي إليه، وكان جماعة من أعدائه قد شيعوا بأن أمير المؤمنين قد أمر بقتله فلما خرج سالماً أمر بعض خدمه أن يمضي إلى بيته، ويقول لهم أن يصنعوا له قطاً وفراخ حمام مسلوقة إلى متى يأتي إليهم، وإنما كان غرضه بذلك تطييب قلوبهم بعافيته.

ثم إن المنصور فيما بعد نقم على أبي الوليد بن رشد، وأمر بأن يقيم في اليسانة وهي بلد قريب من قرطبة، وكانت أولاً لليهود، وأن لا يخرج عنها، ونقم أيضاً على جماعة أخر من الفضلاء الأعيان، وأمر أن يكونوا في مواضع أخر وأظهر أنه فعل بهم ذلك بسبب ما يدّعي فيهم أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل، وهؤلاء الجماعة هم أبو الوليد بن رشد، وأبو جعفر الذهبي، والفقيه أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم قاضي بجاية، أبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الحافظ الشاعر القرابي، وبقوا مدة ثم إن جماعة من الأعيان بإشبيلية شهدوا لابن رشد أنه على غير ما نسب إليه، فرضي المنصور عنه وعن سائر الجماعة، وذلك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وجعل أبا جعفر الذهبي مزواراً للطلبة ومزواراً للأطباء، وكان يصفه المنصور ويشكره ويقول إن أبا جعفر الذهبي كالذهب الإبريز الذي لم يزدد في السبك إلا جودة، قال القاضي أبو مروان ومما كان في قلب المنصور من ابن رشد أنه كان متى حضر مجلس المنصور، وتكلم معه أو بحث عنده في شيء من العلم يخاطب المنصور بأن يقول تسمع يا أخي، وأيضاً فإن ابن رشد كان قد صنف كتاباً في الحيوان، وذكر فيه أنواع الحيوان، ونعت كل واحد منها، فلما ذكر الزرافة وصفها ثم قال وقد رأيت الزرافة عند ملك البربر يعني المنصور، فلما بلغ ذلك المنصور صعب عليه، وكان أحد الأسباب الموجبة في أنه نقم على ابن رشد وأبعده، ويقال إنه مما اعتذر به ابن رشد أنه قال إنما قلت ملك البرين، وإنما تصحفت على القارئ فقال ملك البربر، وكانت وفاة القاضي أبي الوليد بن رشد رحمه اللَّه في مراكش أول سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وذلك في أول دولة الناصر، وكان ابن رشد قد عمر عمراً طويلاً، وخلف ولداً طبيباً عالماً بالصناعة، يقال له أبو محمد عبد اللَّه، وخلف أيضاً أولاداً قد اشتغلوا بالفقه واستخدموا في قضاء الكور.

ومن كلام أبي الوليد بن رشد قال من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيماناً باللَّه،ولأبي الوليد بن رشد من الكتب كتاب التحصيل جمع فيه اختلاف أهل العلم مع الصحابة والتابعين وتابعيهم، ونصر مذاهبهم وبين مواضع الاحتمالات التي هي مثار الاختلاف، كتاب المقدمات في الفقه، كتاب نهاية المجتهد في الفقه، كتاب الكليات، شرح الأرجوزة المنسوبة إلى الشيخ الرئيس بن سينا في الطب، كتاب الحيوان، جوامع كتب أرسطوطاليس في الطبيعيات والإلهيات، كتاب الضروري في المنطق، ملحق به تلخيص كتب أرسطوطاليس، وقد لخصها تلخيصاً تاماً مستوفياً، تلخيص الإلهيات لنيقولاوس، تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطوطاليس، تلخيص كتاب الأخلاق لأرسطوطاليس، تلخيص كتاب البرهان لأرسطوطاليس، تلخيص كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس شرح كتاب السماء والعالم لأرسطوطاليس، شرح كتاب النفس لأرسطوطاليس، تلخيص كتاب الأسطقسات لجالينوس، تلخيص كتاب المزاج لجالينوس، تلخيص كتاب القوى الطبيعية لجالينوس، تلخيص كتاب العلل والأعراض لجالينوس، تلخيص كتاب التعريف لجالينوس، تلخيص كتاب الحميات لجالينوس، تلخيص أول كتاب الأدوية المفردة لجالينوس، تلخيص النصف الثاني من كتاب حيلة البرء لجالينوس، كتاب تهافت التهافت يرد فيه على كتاب التهافت للغزالي، كتاب منهاج الأدلة في علم الأصول، كتاب صغير سماه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، المسائل المهمة على كتاب البرهان لأرسطوطاليس، شرح كتاب القياس لأرسطوطاليس، مقالة في العقل، مقالة في القياس، كتاب في الفحص هل يمكن العقل الذي فينا، وهو المسمى بالهيولاني أن يعقل الصور المفارقة بآخره أو لا يمكن ذلك، وهو المطلوب الذي كان أرسطوطاليس وعدنا بالفحص عنه في كتاب النفس، مقالة في أن ما يعتقده المشاؤون، وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا في كيفية وجود العالم متقارب في المعنى، مقالة في التعريف بجهة نظر أبي نصر في كتبه الموضوعة في صناعة المنطق التي بأيدي الناس، وبجهة نظر أرسطوطاليس فيها، ومقدار ما في كتاب كتاب من أجزاء الصناعة الموجودة في كتب أرسطوطاليس، ومقدار ما زاد لاختلاف النظر يعني نظريهما، مقالة في اتصال العقل المفارق بالإنسان، مقالة في اتصال العقل بالإنسان، مراجعات ومباحث بين أبي بكر بن الطفيل وبين ابن رشد في رسمه للدواء في كتابه المرسوم بالكليات، كتاب في الفحص عن مسائل وقعت في العلم الإلهي في كتاب الشفاء لابن سينا، مسألة في الزمان، مقالة في فسخ شبهة من اعترض على الحكيم وبرهانه في وجود المادة الأولى، وتبيين أن برهان أرسطوطاليس هو الحق المبين، مقالة في الرد على أبي علي بن سينا في تقسيمه الموجودات إلى ممكن على الإطلاق، وممكن بذاته واجب بغيره، وإلى واجب بذاته، مقالة في المزاج، مسألة في نوائب الحمى، مقالة في حميات العفن، مسائل في الحكمة، مقالة في حركة الفلك، كتاب فيما خالف أبو النصر لأرسطوطاليس في كتاب البرهان من ترتيبه وقوانين البراهين والحدود، مقالة في الترياق.

أبو محمد بن رشد

هو أبو محمد عبد اللَّه بن أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد ابن رشد، فاضل في صناعة الطب عالم بها مشكور في أفعالها، وكان يفد إلى الناصر ويطبه، ولأبي محمد بن رشد من الكتب مقالة في حيلة البرء

أبو الحجاج يوسف بن موراطير

من شرقي الأندلس، وموراطير قرية قريبة من بلنسية، كان فاضلاً في صناعة الطب خبيراً بها، مزاولاً لأعمالها، محمود الطريقة، حسن الرأي، عالماً بالأمور الشرعية، وسمع الحديث وقرأ المدونة، وكان أديباً شاعراً محباً للمجون كثير النادرة، حدثني القاضي أبو مروان الباجي قال كنا في تونس مع الناصر وكان في العسكر غلاء، وقل وجود الشعير فعمل أبو الحجاج بن موراطير موشحاً في الناصر، وأتى في ضمنه تغيير بيت عمله الحفيد أبو بكر بن زهر في بعض موشحاته وذلك أن ابن زهر قال

ما العيد في حلة وطاق وشم طيب

 

وإنما العيد في التلاقي مع الحبيب

فعل ابن موراطير

ما العيد في حلة وطاق من الحرير

 

إنما العيد في التلاقي مع الشعير

فأطلق له الناصر عشرة أمداد شعير كانت قيمتها في ذلك الوقت خمسين ديناراً، وكان أبو الحجاج بن موراطير قدخدم بصناعة الطب المنصور أبا يوسف يعقوب، ولما توفي المنصور خدم لولده الناصر، وهو أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب، ومن بعد الناصر أيضاً خدم لولده أبي يعقوب يوسف المستنصر بن الناصر، وكان أبو الحجاج بن موراطير قد عمر عمراً طويلاً، وكان حظياً عند المنصور، مكيناً عنده رفيع المنزلة، وكان يدخل مجلس الخاصة مع الأشياخ للمذاكرة في العربية وغيرها، ومات بالنقرس في مراكش في دولة المستنصر.

أبو عبد اللَّه بن يزيد

هو ابن أخت أبي الحجاج يوسف بن موراطير كان طبيباً فاضلاً وأديباً شاعراً وشعره موصوف بالجودة.

أبو مروان عبد الملك بن قبلال

مولده ومنشؤه بغرناطة، وكان جيد النظر في الطب، حسن العلاج، وخدم بصناعة الطب المنصور، ثم خدم بعده لولده الناصر، ومات في دولة الناصر في مراكش،

أبو إسحق إبراهيم الداني

كانت له عناية بالغة في صناعة الطب، وأصله من بجاية، ونقل إلى الحضرة، وكان أمين البيمارستان وطبيبه بالحضرة، وكذلك ولداه، والأكبر منهما، وهو أبو عبد اللَّه محمد قتل في غزوة العقاب في الأندلس مع الناصر، وتوفي الداني في مراكش في دولاالمستنصر بن الناصر.

أبو يحيى بن قاسم الإشبيلي

كان فاضلاً في صناعة الطب، خبيراً بقوى الأدوية المفردة والمركبة، كثير العناية بها، وكان صاحب خزانة الأشربة التي يأخذها الخليفة المنصور من عنده، وكذلك كان والده في خدمة أبي يعقوب والد المنصور، وتوفي أبو يحيى في مراكش في دولة المستنصر، وكان له ولد فجعل موضعه في الخزانة عوضاً عن أبيه،

أبو الحكم بن غلندو

مولده ومنشؤه بإشبيلية، وكان أديباً شاعراً حسن الشعر، متميزاً في صناعة الطب محمود الطريقة، وكان مفنناً وخدم بصناعة الطب المنصور، وكان مكيناً عنده وجيهاً في دولته، وكان المنصور في عام ثمانين وخمسمائة حمله معه لما ولي الخلافة، وكان ابن غلندو صاحب كتب كثيرة، ويكتب خطين أندلسيين وتوفي بمراكش ودفن بها،

أبو جعفر أحمد بن حسان

هو الحاج أبو جعفر أحمد بن حسان الغرناطي، مولده ومنشؤه بغرناطة، واشتغل بصناعة الطب، وأجاد في علمها وعملها، وخدم المنصور بالطب، وحج أبو جعفر بن حسان مع أبي الحسين بن جبير الغرناطي، الأديب الكاتب، صاحب كتاب الرحلة وذكره معه في الرحلة، وتوفي أبو جعفر بن حسان بمدينة فاس، ولأبي جعفر بن حسان من الكتب كتاب تدبير الصحة ألفه للمنصور، أبو العلاء بن أبي جعفر أحمد بن حسان من مدينة غرناطة، وأحد الأعيان بها والمتميزين من أهلها، قوي الذكاء، حسن الفطرة، مشتغل بالأدب، وعنده براعة وفضل، وهو طبيب وكاتب، وخدم بصناعة الطب المستنصر، وكان حظياً عنده، وهو من جملة الفضلاء في صناعة الطب بإشبيلية وقد قطن بها.

أبومحمد الشذوني

مولده ومنشؤه بإشبيلية وكان ذكياً فطناً، وله معرفة جيدة بعلم الهيئة والحكمة، وكان قد اشتغل بصناعة الطب على أبي مروان عبد الملك بن زهر، ولازمه مدة وباشر أعمالها، وكان مشهوراً بالعلم جيد العلاج، وخدم الناصر بالطب وتوفي بإشبيلية في دولة المستنصر.

المصدوم

هو أبو الحسين بن أسدون، شهر بالمصدوم، وهو تلميذ أبي مروان عبد الملك بن زهر، وكان المصدوم ديناً كثير الخير معتنياً بصناعة الطب، مشهوراً بها، أديباً شاعراً، ومولده ومنشؤه بإشبيلية، وكان مقيماً في البلد ويحضر عند المنصور، ويطلبه في أوقات المداواة، وتوفي المصدوم في إشبيلية سنة ثمان وثمانين وخمسمائة،

عبد العزيز بن مسلمة الباجي

أصله من باجة الغرب، كان من أعيان أهل الأندلس وأجلائها، ويعرف بابن الحفيد، وكان فاضلاً في صناعة الطب، متميزاً في الأدب، وله شعر جيد، وكان تلميذ المصدوم، وخدم بالطب المستنصر، وتوفي في دولته في مراكش،

أبو جعفر بن الغزال

مولده بقنجيرة من أعمال المرية، وأتى إلى الحفيد أبي بكر بن زهر، ولازمه حق الملازمة، وقرأ عليه صناعة الطب وعلى غيره حتى أتقن الصناعة، وخدم المنصور بالطب وكان خبيراً بتركيب الأدوية ومعرفة مفرداتها، وكان المنصور يعتمد عليه في الأدوية المركبة والمعاجين ويتناولها منه، وكان المنصور قد أبطل الخمر، وشدد بأن لا يأتي بشيء منه إلى الحضرة، أو يكون عند أحد، فلما كان بعد ذلك بمدة، قال المنصور لأبي جعفر بن الغزال أريد أن تجمع حوائج الترياق الكبير وتركبه فامتثل أمره، وجمع حوائجه وأعوزه الخمر الذي يعجن به أدوية الترياق، وأنهى ذلك إلى المنصور فقال له تطلبه من كل ناحية وانظر لعل يكون عند أحد منه ولو شيء يسير لنكمل الترياق، فتطلبه أبو جعفر من كل أحد، ولم يجد شيئاً منه، فقال المنصور واللَّه ما كان قصدي بتركيب الترياق في هذا الوقت إلا لأعتبر هل بقي من الخمر شيء عند أحد أم لا، وتوفي أبو جعفر ابن الغزال في أيام الناصر،

أبو بكر بن القاضي أبي الحسن الزهري

هو أبو بكر بن الفقيه القاضي أبو الحسن الزهري القرشي قاضي إشبيلية مولده ومنشؤه بإشبيلية، وكان جواداً كريماً حسن الخلق شريف النفس، قد اشتغل بالأدب وتميز في العلم، وكان أحد الفضلاء في صناعة الطب والمتعينين في أعمالها، وخدم بالطب للسيد أبي علي بن عبد المؤمن صاحب إشبيلية، وكان يطبب الناس من دون أجرة ويكتب النسخ لهم، وكان في مبدأ أمره محباً للشطرنج كثير اللعب به، وجاد لعبه في الشطرنج جداً حتى صار يوصف به، وحدثني القاضي أبو مروان الباجي قال سألت القاضي أبا بكر بن أبي الحسن الزهري عن سبب تعلمه صناعة الطب فقال لي إنني كنت كثير اللعب بالشطرنج، ولم يكد يوجد من يلعب مثلي به في إشبيلية إلا القليل، فكانوا يقولون أبو بكر الزهري الشطرنجي، فكان إذا بلغني ذلك أغتاظ منه ويصعب علي، فقلت في نفسي لا بد أن اشتغل عن هذا بشيء غيره من العلم لأنعت به، ويزول عني وصف الشطرنج، وعلمت أن الفقه وسائر الأدب، ولو اشتغلت به عمري كله، لم يخصني منه وصف أنعت به، فعدلت إلى أبي مروان عبد الملك بن زهر واشتغلت عليه بصناعة الطب، وكنت أجلس عنده، وأكتب لمن جاء مستوصفاً من المرضى الرقاع، واشتهرت بعد ذلك بالطب، وزال عني ما كنت أكره الوصف به، وعاش أبو بكر بن أبي الحسن الزهري خمساً وثمانين سنة، وتوفي في دولة المستنصر، ودفن بإشبيلية.

أبو عبد اللَّه الندرومي

هو أبو عبد اللَّه محمد بن سحنون، ويعرف بالندرومي منسوباً إلى ندرومة من نظر مدينة تلمسان، وهو كومي أيضاً ينسب إلى قبيله، جليل القدر، فاضل النفس، محب للفضائل، حاد الذهن، مفرط الذكاء، ومولده بقرطبة في نحو سنة ثمانين وخمسمائة، ونشأ بقرطبة، ثم انتقل إلى إشبيلية، وكان قد لحق القاضي أبا الوليد بن رشد واشتغل عليه بصناعة الطب، واشتغل أيضاً على أبي الحجاج يوسف بن موراطير، والندرومي من جملة المتميزين في علم الأدب والعربية وسمع كثيراً من الحديث، وخدم الناصر في آخر دولته بصناعة الطب، وخدم بعده لولده المستنصر، وأقام بإشبيلية، وخدم بعد ذلك النجاء سالم بن هود، ولأخيه أبي عبد اللَّه بن هود صاحب الأندلس، ولأبي عبد اللَّه الندرومي من الكتب اختصار كتاب المستصفى للغزالي،

أبو جعفر أحمد بن سابق

أصله من قرطبة، وكان فاضلاً ذكياً جيد النظر، حسن العلاج، موصوفاً بالعلم، وكان من طلبة القاضي أبي الوليد بن رشد، ومن جملة المشتغلين عليه بصناعة الطب، وخدم بالطب الناصر، وتوفي في دولة المستنصر.

ابن الحلاء المرسي

من مرسية وكان موصوفاً بجودة المعرفة بصناعة الطب، وخدم المنصور لما أتى إليه خدمة وافد، وتوفي ببلده.

أبو إسحاق بن طملوس

من جزيرة شقر من أعمال بلنسية، وهو من جملة الفضلاء في صناعة الطب، وأحد المتعينين من أهلها، وخدم الناصر بالطب وتوفي ببلده.

أبو جعفر الذهبي

هو أبو جعفر أحمد بن جريج، كان فاضلاً عالماً بصناعة الطب، جيد المعرفة لها، حسن التأني في أعمالها، وخدم المنصور بالطب وكذلك أيضاً خدم بعده الناصر ولده، كان يحضر مجلس المذاكرة في الأدب، وتوفي أبو جعفر الذهبي بتلمسان عند غزوة الناصر إلى إفريقية سنة ستمائة.

أبو العباس بن الرومية

هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي المعروف بابن الرومية، من أهل إشبيلية ومن أعيان علمائها وأكابر فضلائها، قد أتقن علم النبات ومعرفة أشخاص الأدوية وقواها ومنافعها، واختلاف أوصافها، وتباين مواطنها، وله الذكر الشائع والسمعة الحسنة، كثير الخير، موصوف بالديانة، محقق للأمور الطبية، قد شرف نفسه بالفضائل، وسمع من علم الحديث شيئاً كثيراً عن ابن حزم وغيره ووصل سنة ثلاث عشر وستمائة إلى ديار مصر، وأقام بمصر والشام والعراق نحو سنتين، وانتفع الناس به، وأسمع الحديث، وعاين نباتاً كثيراً في هذه البلاد مما لم ينبت بالمغرب، وشاهد أشخاصها في منابتها ونظرها في مواضعها، ولما وصل من المغرب إلى الإسكندرية سمع به السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب رحمه اللَّه، وبلغه فضله وجودة معرفته بالنبات، وكان الملك العادل في ذلك الوقت بالقاهرة فاستدعاه من الإسكندرية، وتلقاه وأكرمه ورسم بأن يقرر له جامكية وجراية، ويكون مقيماً عنده فلم يفعل، وقال إنما أتيت من بلدي لأحج إن شاء اللَّه وأرجع إلى أهلي وبقي مقيماًعنده مدة، وجمع الترياق الكبير وركبه، ثم توجه إلى الحجاز، ولما حج عاد إلى المغرب وأقام بإشبيلية، ولأبي العباس بن الرومية من الكتب تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس، مقالة في تركيب الأدوية.

أبو العباس الكنيناري

هو أبو العباس أحمد بن أبي عبداللَّه محمد، من أهل إشبيلية، عارف بصناعة الطب، من فضلاء أهلها والمتميزين من أربابها، قرأ الطب في أول أمره على عبد العزيز بن مسلمة الباجي، ثم قرأ بعد ذلك على أبي الحجاج يوسف بن موراطير في مراكش وأقام بإشبيلية، وخدم لأبي النجاء بن هود صاحب إشبيلية، وكان يطب أيضاً لأخيه أبي عبد اللَّه بن هود.

ابن الأصم

هو من الأطباء المشهورين بإشبيلية، وله خبرة في صناعة الطب، وقوة نظر في الاستدلال على الأمراض ومداواتها، وله حكايات مشهورة، ونوادر كثيرة في معرفته بالقوارير وأخباره عندما يراها بجملة حال المريض، وما يشكوه وما كان قد تناوله من الأغذية، وحدثني أبو عبد اللَّه المغربي قال كنت يوماً عند ابن الأصم وإذا بجماعة قد أقبلوا إليه، ومعهم رجل على دابة، وهو منكب عليها فلما وصلوا وجدنا ذلك الرجل وفي فمه حية قد دخل بعضها مع رأسها في حلقه، وبقيتها ظاهرة، وهي مربوطة بخيط قنب إلى ذراع الرجل فقال ما شأن هذا؟ فقالوا له إن عادته ينام وفمه مفتوح، وكان قد أكل لبناً، فنام، فلما جاءت هذه الحية لعقت فمه، وداخل فمه وهو نائم، ولما أحست بمن أتى خافت وانساب بعضها في حلقه، وأدركناها فربطناها بهذا الخيط لئلا تدخل في حلقه، فلما نظر إلى ذلك الرجل وجده وهو في الموت من الخوف فقال له ما عليك، كدتم تهلكون الرجل، ثم قطع الخيط فانسابت الحية في حلقه واستقرت في معدته، فقال له الآن تبرأ، وأمره أن لا يتحرك وأخذ أدوية وعقاقير فأغلاها في ماء غلياً جيداً، وجعل ذلك الماء في إبريق، وسقاه الرجل وهو حار فشربه، وصار يجس معدته حتى قال ماتت الحية، ثم سقاه ماء آخر مغلياً فيه حوائج، وقال هذه تهرئ الحية مع هضم المعدة، وصبر مقدار ساعتين وسقاه ماء قد أغلي فيه أدوية مقيئة فجاشت نفس الرجل وذرعه القيء فعصب عينيه وبقي يتقيأ في طشت فوجدنا فيه الحية وهي قطع، وهو يأمره بكثرة القيء، حتى تنظفت معدته، وخرجت بقايا الحية فقال له طب نفساً فقد تعافيت، وذهب الرجل مطمئنا صحيحاً بعد أن كان في حالة الموت.