الباب الرابع عشر: طبقات الأطباء المشهورين من أطباء ديار مصر: أبو الفضائل بن الناقد، الرئيس هبة الله، الموفق بن شوعة، أبو البركات بن القضاعي، أبو المعالي بن تمام، الرئيس موسى، إبراهيم بن الرئيس موسى، أبو البركات بن شعيا، الأسعد المحلي، الشيخ السديد بن أبي البيان، جمال الدين بن أبي الحوافر، فتح الدين بن جمال الدين بن أبي الحوافر، شهاب الدين بن فتح الدين، القاضي نفيس الدين بن الزبير، أفضل الدين الخونجي، أبوسليمان داود بن أبي المنى بن أبي فانة، أبو سعيد بن أبي سليمان، أبو شاكر بن أبي سليمان، أبو نصر بن أبي سليمان، أبو الفضل بن أبي سليمان، رشيد الدين أبو حليقة، مهذب الدين أبوسعيد محمد أبي حليقة، رشيد الدين أبو سعيدأسعد الدين بن أبي الحسن، ضياء الدين بن البيطار

أبو الفضائل بن الناقد

لقبه المهذب، كان طبيباً مشهوراً، وعالماً مذكورراً، له العلم الوافر، والأعمال الحسنة، والمداواة الفاضلة، وكان يهودياً مشتهراً بالطب والكحل، إلا أن الكحل كان أغلب عليه، وكان كثير المعاش، عظيم الاشتيام، حتى أن الطلبة والمشتغلين عليه كانوا في أكثر أوقاته يقرؤون عليه، وهو راكب وقت مسيره وافتقاده للمرضى، وتوفي سنة أربع وثمانين وخسمائة بالقاهرة، وأسلم ولده أبو الفرج، وكان طبيباً وكحالاً أيضاً، وحدثني أبي قال كان قد أتى إلى أبي الفضائل بن الناقد صاحب له من اليهود، ضعيف الحال، وطلب منه أن يرفده بشيء فأجلسه عند داره وقال له معاشي اليوم بختك ورزقك، وركب ودار على المرضى والذين يكحلهم ولما عاد أخرج عدة الكحل وفيها قراطيس كثيرة مصرورة، وشرع يفتح واحدة واحدة منها فمنها ما فيها الدينار والأكثر، ومنها ما فيها دراهم ناصرية، وبعضها فيها دراهم سواد فاجتمع من ذلك ما يكون قيمته الجملة نحو ثلاثمائة درهم سود فأعطاها ذلك الرجل، ثم قال واللَّه جميع هذه الكواغد ما أعرف الذي أعطاني الذهب أو الدراهم، أو الكثير منها أو القليل بل كل من أعطاني شيئاً أجعله في عدة الكحل، وهذا يدل على معاش زائد وقبول كثير، ولأبي الفضائل بن الناقد من الكتب مجرباته في الطب.

الرئيس هبة اللَّه

كان إسرائيلياً فاضلاً مشهوراً بالطب، جيد الأعمال، حسن المعالجة، وكان في آخر دولة الخلفاء المصريين، وخدمهم بصناعة الطب، وكانت له منهم الجامكية الوافرة والصلات المتوالية، ثم انقرضت دولتهم وبقي بعدهم يعيش فيما أنعموا به عليه إلى أن توفي، وكانت وفاته في سنة خمسمائة ونيف وثمانين.

الموفق بن شوعة

كان من أعيان العلماء وأفاضل الأطباء، إسرائيلي مشهور بإتقان الصناعة وجودة المعرفة في علم الطب والكحل والجراح، كان دمثا خفيف الروح كثير المجون، وكان يشعر ويلعب بالقيثارة، خدم الملك الناصر صلاح الدين بالطب لما كان بمصر، وعلت منزلته عنده، وكان بدمشق فقيه صوفي صحب محمد بن يحيى وسكن خانقاه السميساطي كان يعرف بالخوبشاني ويلقب بالنجم، وله معرفة بنجم الدين أيوب وبأخيه أسد الدين، وكان الخوبشاني ثقيل الروح، قشفاً في العيش، يابساً في الدين يأكل الدنيا بالناموس؛ ولما صعد أسد الدين مصر تبعه ونزل بمسجد عند دار الوزارة يعرف اليوم بمسجد الخوبشاني، وكان يثلب أهل القصر ويجعل تسبيحه سبهم، وكان سلطاً، ومتى رأى ذمياً راكباً قصد قتله فكانوا يتحامونه، ولما كان في بعض الأيام رأى ابن شوعة وهو راكب فرماه بحجر أصاب عينه فقلعها، وتوفي ابن شوعة بالقاهرة في سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
ومن شعر الموفق بن شوعة أنشدني القاضي نفيس الدين بن الزبير قال أنشدني الموفق بن شوعة لنفسه، فمن ذلك قال في النجم الخوبشاني لما قلع عينه

لا تعجبوا من شعاع الشمس إذ حسرت

 

منه العيون وهذا الشأن مـشـهـور

بل اعجبوا كيف أعمى مقلتي نظـري

 

للنجم وهو ضئيل الشخص مستـور

وأنشدني أيضاً قال أنشدني المذكرلنفسه يهجو ابن جميع اليهودي

يا أيها المدعي طـبـاً وهـنـدسة

 

أوضحت يا ابن جميع واضح الزور

إن كنت بالطب ذا علم فلم عجـزت

 

قواك عن طب داء فيك مسـتـور

تحتاج فيه طبـيبـاً ذا مـعـالـجة

 

بمبضع طوله شبـران مـطـرور

هذا ولا تشتفي منه فـقـل وأجـب

 

عن ذا السؤال بتمييز وتـفـكـير

ما هندسي له شـكـل تـهـيم بـه

 

وليس ترغب فيه غير مـنـشـور

مجسم أسطـوانـي عـلـى أكـر

 

تألفت بـين مـخـروط وتـدوير

مجـسـم إلا نــصـــف زاوية

 

فهو كمثل الحـبـل فـي الـبـير

وقال أيضاً

وروضة جادها صوب الربيع فقد

 

جادت علينا بوشي لم تحكـه يد

كأن أصغره الزاهي وأبيضـهـا

 

تبر وورق بكف الريح تنتـقـد

وباح نشر خزاماها بما كتـمـت

 

وناح قمريها شجواً بمـا يجـد

أبو البركات بن القضاعي

لقبه الموفق، وكان من جملة الأطباء المهرة والمتميزين في صناعة الطب، وكان مشكوراً في علمها، مشهوراً بجودة المعرفة في علمها، وكان يعاني أيضاً صناعة الكحل والجراح، ويعد من الأفاضل فيهما، وخدم بصناعة الطب الملك الناصر صلاح الدين في الديارالمصرية وتوفي أبو البركات بن القضاعي بالقاهرة في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.

أبو المعالي بن تمام

هو أبو المعالي تمام بن هبة الله بن تمام، يهودي، غزير العلم، وافر المعرفة، وكان مشهوراً في الدولة، موصوفاً بالفضل، مشكوراً بالمعالجة، وكان مقيماً بفسطاط مصر، وأسلم جماعة من أولاده، وكان أبو المعالي قد خدم بصناعة الطب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وحظي في أيامه؛ وخدم أيضاً بعد ذلك لأخيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب.

ولأبي المعالي بن تمام من الكتب تعاليق ومجربات في الطب .

الرئيس موسى

هو الرئيس أبو عمران موسى بن ميمون القرطبي، يهودي، عالم بسنن اليهود، ويعد من أحبارهم وفضلائهم، وكان رئيساً عليهم في الديار المصرية، وهو أوحد زمانه في صناعة الطب، وفي أعمالها، متفنن في العلوم، وله معرفة جيدة بالفلسفة، وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يرى له ويستطبه، وكذلك ولده الملك الأفضل علي، وقيل إن الرئيس موسى كان قد أسلم في المغرب وحفظ القرآن واشتغل بالفقه، ثم إنه لما توجه إلى الديار المصرية وأقام بفسطاط مصر ارتد، وقال القاضي السعيد بن سناء الملك يمدح الرئيس موسى

أرى طب جالينوس للجسم وحده

 

وطب أبي عمران للعقل والجسم

فلو أنه طب الزمان بعـلـمـه

 

لأبراه من داء الجهالة بالعـلـم

ولو كان بدر التم من يستطـبـه

 

لتم له ما يدعـيه مـن الـتـم

وداواه يوم التم من كـلـف بـه

 

وأبرأه يوم السرار من السـقـم

وللرئيس موسى من الكتب اختصار الكتب الستة عشر لجالينوس، مقالة في البواسير وعلاجها، مقالة في تدبير الصحة صنفها للملك الأفضل علي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، مقالة في السموم والتحرز من الأدوية القتالة، كتاب شرح العقار كتاب كبير على مذهب اليهود.

إبراهيم بن الرئيس موسى

هو أبو المنى إبراهيم بن الرئيس موسى بن ميمون، منشؤه بفسطاط مصر، وكان طبيباً مشهوراً عالماً بصناعة الطب، جيداً في أعمالها، وكان في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب ويتردد أيضاً إلى البيمارستان الذي بالقاهرة من القصر، ويعالج المرضى فيه، واجتمعت به سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين وستمائة بالقاهرة وكنت حينئذ أطب في البيمارستان بها فوجدته شيخاً طويلاً نحيف الجسم، حسن العشرة، لطيف الكلام، متميزاً في الطب، وتوفي إبراهيم بن الرئيس موسى بمصر في سنة وثلاثين وستمائة،

أبو البركات بن شعيا

ولقبه الموفق شيخ مشهور، كثير التجارب، مشكور الأعمال في صناعة الطب، وكان يهودياً قراء، عاش ستاً وثمانين سنة وتوفي بالقاهرة، وخلف ولداً يقال له سعيد الدولة أبو الفخر، وهو طبيب أيضاً، ومقامه بالقاهرة.

الأسعد المحلي

هو أسعد الدين يعقوب بن إسحاق، يهودي من مدينة المحلة من أعمال ديار مصر، متميز في الفضائل، وله اشتغال بالحكمة، واطلاع على دقائقها، وهو من المشهورين في صناعة الطب، والخبيرين بالمداواة والعلاج، وأقام بالقاهرة، وسافر في أول سنة ثمان وتسعين وخمسمائة إلى دمشق، وأقام بهامديدة، وجرت بينه وبين بعض الأفضال من الأطباء بها مباحث كثيرة ونكد، ورجع بعد ذلك إلى الديار المصرية وتوفي بالقاهرة، ومن نوادره في حسن المداواة أنه كان بعض أهلنا من النساء قد عرض لها مرض وتغير مزاج، وتطاول بها ولم ينجع فيها علاج فلما افتقدها قال لعمي، وكان صديقه عندي أقراص قد ركبتها لهذا المرض خاصة وهي تبرأ بها إن شاء اللَّه، تكون تتناول في كل يوم بالغداة منها قرصاً مع شراب سكنجبين، وأعطاه الأقراص فلما ناولتها برأت،وللأسعد المحلي من الكتب مقالة في قوانين طبية وهي ستة أبواب، كتاب المنزه في حل ما وقع من إدراك البصر في المرايا من الشبه، كتاب في مزاج دمشق ووصفها وتفاوتها من مصر، وأنها أصح وأعدل، وفي مسائل أخر في الطب وأجوبتها وهو يحتوي على ثلاث مقالات، مسائل طبية وأجوبتها سألها لبعض الأطباء بدمشق، وهو صدقة بن ميخا بن صدقة السامري.

الشيخ السديد بن أبي البيان

هو سديد الدين أبو الفضل داوود بن أبي البيان سليمان بن أبي الفرج إسرائيل بن أبي الطيب سليمان بن مبارك إسرائيلي، قراء، مولده في سنة ست وخمسين وخمسمائة بالقاهرة، وكان شيخاً محققاً للصناعة الطبية، متقناً لها، متميزاً في علمها وعملها، خبيراً بالأدوية المفردة والمركبة، ولقد شاهدت منه حيث نعالج المرضى بالبيمارستان الناصري بالقاهرة من حسن تأنيه لمعرفة الأمراض وتحقيقها، وذكر مداواتها، والاطلاع على ما ذكره جالينوس فيها ما يعجز عن الوصف، وكان أقدر أهل زمانه من الأطباء على تركيب الأدوية ومعرفة مقاديرها وأوزانها على ما ينبغي، حتى إنه كان في أوقات يأتي إليه من المستوصفين من به أمراض مختلفة أو قليلة الحدوث، فكان يملي صفات أدوية مركبة بحسب ما يحتاج إليه ذلك المريض من الأقراص والسفوفات والأشربة أو غير ذلك في الوقت الحاضر، وهي في نهاية الجودة وحسن التأليف، وكان شيخه في صناعة الطب الرئيس هبة اللَّه بن جميع اليهودي، وقرأ أيضاً على أبي الفضائل بن الناقد، وكان الشيخ السديد بن أبي البيان قد خدم الملك العادل أبا بكر بن أيوب ووجدت لبعض فيه

إذا أشكل الداء في باطـن

 

أتى ابن بيان له بالـبـيان

فإن كنت ترغب في صحة

 

فخذ لسقامك منه الأمـان

وعاش فوق الثمانين سنة، وكان قد ضعف بصره في آخر عمره.

وللشيخ السديد بن أبي البيان من الكتب كتاب الأقراباذين، وهو اثنا عشر باباً قد أجاد في جمعه، وبالغ في تأليفه واقتصر على الأدوية المركبة المستعملة المتداولة في البيمارستانات بمصر والشام والعراق وحوانيت الصيادلة، وقرأته عليه وجمعته معه، وتعاليق على كتاب العلل والأعراض لجالينوس.

جمال الدين بن أبي الحوافر

هو الشيخ الإمام العالم أبو عمرو عثمان بن هبة اللّه بن أحمد بن عقيل القيسي، ويعرف بابن أبي الحوافر، أفضل الأطباء، وسيد العلماء، وأوحد العصر، وفريد الدهر، قد أتقن الصناعة الطبية، وتميز في أقسامها العلمية والعملية، وله اشتغال جيد بعلم الأدب وعناية فيه، وله شعر كثير صحيح المباني، بديع المعاني وكان رحمه اللَّه كثير المروءة، عزيز العربية، معروفاً بالأفضال، موصوفاً بحسن الخلال، قد غمر بإحسانه الخاص والعام، وشملهم بكثرة الإنعام، مولده ومنشؤه بدمشق واشتغل بصناعة الطب على الإمام مهذب الدين بن النقاش وعلى الشيخ رضي الدين الرحبي، وخدم بصناعة الطب الملك العزيز عثمان بن الملك الناصر صلاح الدين، وأقام معه في الديار المصرية، وولاه رياسة الطب ولم يزل في خدمته، وهو كثير الإحسان إليه والإنعام عليه، إلى أن توفي الملك العزيز رحمه اللّه، وكانت وفاته ليلة الأحد العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة بالقاهرة، وبقي هو مقيماً بالديار المصرية وقطن بها، ثم خدم بعد ذلك الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وبقي معه سنين، وتوفي جمال الدين بن أبي الحوافر رحمه الله بالقاهرة.

وحدثني بعض أصدقائه قال كان يوماً راكباً فرأى في بعض النواحي على مصطبة بياع حمص مسلوق، وهو قاعد، وقدامه كحال يهودي، وهو واقف، وبيده المكحلة والميل، هو يكحل ذلك البياع، فحين رآه على تلك الحال ساق بغلته نحوه وضربه بالمقرعة على رأسه، وشتمه، وعندما مشى معه قال له إذا كنت أنت سفلة في نفسك، أما للصناعة حرمة؟ كنت قعدت إلى جانبه وكحلته، ولا تبقى واقفاً بين يدي عامي بياع حمص،، فتاب أن يعود يفعل مثل ذلك الفعل وانصرف.

أقول واشتغل على الشيخ جمال الدين بن أبي الحوافر جماعة، وتميزوا في صناعة الطب، وأفضل من اشتغل عليه منه، وكان أجل تلامذته وأعملهم عمي الحكيم رشيد الدين علي بن خليفة رحمه اللّه.

فتح الدين بن جمال الدين بن أبي الحوافر

كان مثل أبيه جمال الدين في العلم والفضل والنباهة، نزيه النفس، صائب الحدس، أعلم الناس بمعرفة الأمراض، وتحقيق الأسباب والأعراض، حسن العلاج والمداواة، لطيف التدبير والمداراة، عالي الهمة، كثير المروءة، فصيح اللسان، كثير الإحسان، وخدم بصناعة الطب الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وبعد الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد، وتوفي رحمه اللَّه في أيامه بالقاهرة.

شهاب الدين بن فتح الدين

هو سيد العلماء ورئيس الأطباء؛ علامة زمانه، وأوحد أوانه، قد جمع الفضائل، وتميز على الأواخر والأوائل؛ وأتقن الصناعة الطبية علماً وعملاً، وحررها تفصيلاً وجملاً؛ وهو علامة وقته في حفظ الصحة ومراعاتها، وإزالة الأمراض وعلاجاتها،، وقد قتفى سيرة آبائه، وفاق نظراءه في همته وإبائه.

ورث المكارم عن أبيه وجده

 

كالرمح أنبوباً على أنبـوب

ومقامه في الديار المصرية، وخدم بصناعة الطب الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الملك الصالح صاحب الديار المصرية والشامية.

القاضي نفيس الدين بن الزبير

هو القاضي الحكيم نفيس الدين أبو القاسم هبة اللَّه ابن صدقة بن عبد اللّه الكولمي، والكولم من بلاد الهند، وهو ينسب من جهة أمه إلى ابن الزبير الشاعر المشهور الذي كان بالديار المصرية وهو القائل

يا ربع أين ترى الأحبة يمموا

 

هل أنجدوا من بعدنا أو أتهموا

ومولد القاضي نفيس الدين في سنة خمس أو ست وخمسين وخمسمائة، وقرأ صناعة الطب على ابن شوعة أولاً، وقرأ بعد ذلك على الشيخ السيد رئيس الطب، وتميز في صناعة الطب وحاول أعمالها، وأتقن أيضاً صناعة الكحل، وعلم الجراح، وكثرت شهرته بصناعة الكحل، وولاه الملك الكامل ابن الملك العادل رياسة الطب بالديار المصرية، ويكحل في البيمارستان الناصري الذي كان من جملة القصر للخلفاء المصريين وتوفي القاضي نفيس الدين بن الزبير رحمه اللّه بالقاهرة في سنة ست وثلاثين وستمائة، وله أولاد مقيمون في القاهرة، وهم من المشهورين بصناعة الحكل والمتميزين في علمها وعملها.

أفضل الدين الخونجي

 هو الإمام العالم، الصدر الكامل، سيد العلماء والحكماء، أوحد زمانه، وعلامة أوانه، أفضل الدين أبو عبد الله محمد بن ناماوار الخونجي، قد تميز في العلوم الحكمية، وأتقن الأمور الشرعية قوي الاشتغال كثير التحصيل، اجتمعت به في القاهرة في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فوجدته الغاية القصوى في سائر العلوم، وقرأت عليه بعض الكليات من كتاب القانون للرئيس بن سينا، وكان في بعض الأوقات يعرض له انشداه خاطر لكثرة أنصباب ذهنه إلى العلم، وتوفر فكرته فيه، وفي آخر أمره تولى القضاء بمصر، وصار قاضي القضاة بها وبأعمالها، وكانت وفاته رحمه اللَّه بالقاهرة يوم الأربعاء خامس شهر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة ودفن بالقرافة، وقال الشيخ عز الدين محمد ابن حسن الغنوي الضرير الأربلي يرثيه

قضى أفضل الدنيا فلم يبق فـاضـل

 

ومات بموت الخونجي الفـضـائل

فيها أيها الحبر الـذي جـاء أخـرة

 

فحل لنـا مـا لـم تـحـل الأوائل

ومستنبط العلم الخفـي بـفـكـرة

 

بها اتضحت للسائلين الـمـسـائل

وفاتح باب المشكلات بـهـا لـنـا

 

فلم يسم لولاه لها الـمـتـطـاول

وحبراً إذا قيس البحار بـعـلـمـه

 

غدا علمه بحراً وتلـك الـجـداول

فليت المنايا عنه طاش سهـامـهـا

 

وكانت أصيبت من سواه المقـاتـل

أتدري بمن قد سار حامل نـعـشـه

 

عداه أحبوه ومـن هـو حـامـل

ومات فريداً في الزمـان وأهـلـه

 

وبحر علوم ماله الدهـر سـاحـل

فإن غيبوه في الثرى عن عيونـنـا

 

فما علمه خاف ولا الذكر خـامـل

وإن أفِلت شمس المعالي بـمـوتـه

 

فما علمه عن طالب العـلـم زائل

وما كنت أدري أن للشمس في الثرى

 

أفولاً وأن البدر في التـرب نـازل

إلى أن رأينـاه وقـد حـل قـبـره

 

قضينا بأن البدر في اللحد حاصـل

ولأفضل الدين الخونجي من الكتب شرح ما قاله الرئيس بن سينا في النبض، مقالة في الخدور والوروم، كتاب الجمل في علم المنطق، كتاب كشف الأسرار في علم المنطق، كتاب الموجز في المنطق، كتاب أدوار الحميات.

أبوسليمان داود بن أبي المنى بن أبي فانة

كان طبيباً نصرانياً بمصر في زمان الخلفاء، وكان حظياً عندهم، فاضلاً في الصناعة الطبية، خبيراً بعلمها وعملها، متميزاً في العلوم، وكان من أهل القدس، ثم انتقل إلى الديار المصرية، وكانت له معرفة بالغة بأحكام النجوم.

حدثني الحكيم رشيد الدين أبو حليقة بن الفارس بن أبي سليمان المذكور قال سمعت الأمير مجد الدين أخا الفقيه عيسى، وهو يحدث السلطان الملك الكامل بشر مساح عند حضوره إليه، بعد وفاة الملك العادل، ونزول الفرنج على ثغر دمياط من أحوال جدي أبي سليمان داود ما هذا نصه قال كان الحكيم أبو سليمان في زمان الخلفاء، وكان له خمسة أولاد، فلما وصل الملك مارى إلى الديار المصرية أعجبه طبه فطلبه من الخليفة بها، ونقله هو وأولاده الخمسة إلى البيت المقدس، ونشأ للملك مارى ولد مجذم فركب له الترياق الفاروقي بالبيت المقدس، وترهب وترك ولده الأكبر وهو الحكيم المهذب أبو سعيد خليفته على منزله وإخوته. واتفق أن ملك الفرنج المذكور بالبيت المقدس أسر الفقيه عيسى، ومرض فسيره الملك لمداواته، فلما وصل إليه وجده في الجب مثقلاً بالحديد فرجع إلى الملك وقال له إن هذا الرجل ذو نعمة، ولو سقيته ماء الحياة وهو على هذا الحال لم ينتفع به، قال الملك فما أفعل في أمره؟ قال يطلقه الملك من الجب ويفك عنه حديده ويكرمه فما يحتاج إلى مداواة أكثر من هذا، فقال الملك نخاف أن يهرب وقطيعته كثيرة، قال للملك سلمه إلي وضمانه علي، فقال له تسلمه وإذا جاءت قطيعته كان لك منها ألف دينار، فمضى وشاله من الجب وفك حديده، وأخلى له موضعاً في داره أقام فيه ستة أشهر يخدمه فيها أتم خدمة، فلما جاءت قطيعته طلب الملك الحكيم أبا سعيد ليحضر له الفقيه المذكور فحضر وهو صحبته، ووجد قطيعته في أكياس بين يديه فأعطاه منه الكيس الذي وعده به، فلما أخذه قال له يا مولانا هذه الألف دينار قد صارت لي أتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم؟ فقال له نعم، فأعطاها للفقيه في المجلس وقال له أنا أعرف أن هذه القطيعة ما جاءت إلا وقد تركت خلفك شيئاً وربما قد تدني لك شيئاً آخر فتقبل مني هذه الألف دينار إعانة نفقة الطريق، فقبلها الفقيه منه، وسافر إلى الملك الناصر.

واتفق أن الحكيم أبا سليمان داود المذكور ظهر له في أحكام النجوم أن الملك الناصر يفتح البيت المقدس في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية، وأنه يدخل إليها من باب الرحمة، فقال لأحد أولاده الخمسة وهو الفارس أبو الخير بن أبي سليمان داود المذكور، وكان هذا الولد قد تربى مع الولد المجذم ملك البيت المقدس، وعلمه الفروسية، فلما توج الملك فرسه وخرج المذكور من بين إخوته الأربعة الأطباء جندياً، وكان قول الحكيم أبي سليمان لولده هذا بأن يمضي رسولاً عنه إلى الملك الناصر، ويبشره بملك البيت المقدس في الوقت المذكور،، فامتثل مرسومه ومضى إلى الملك الناصر، فاتفق وصوله إليه في غرة سنة ثمانين وخمسمائة، والناس يهنؤونه بها وهم على فاميه، فمضى إلى الفقيه المذكور ففرح به غاية الفرح، ودخل به إلى الملك الناصر، وأوصل إليه الرسالة عن أبيه، ففرح بذلك فرحاً شديداً، وأنعم عليه بجائزة سنية، وأعطاه علماً أصفر ونشابة من رنكة، وقال له متى يسّر اللَّه ما ذكرت اجعلوا هذا العلم الأصفر والنشابة فوق داركم فالحارة التي أنتم فيها تسلم جميعها في خفارة داركم، فلما حضر الوقت صح جميع ما قاله الحكيم المذكور فدخل الفقيه عيسى إلى الدار التي كان مقيماً بها ليحفظها، ولم يسلم من البيت المقدس من الأسر والقتل ووزن القطيعة سوى بيت هذا الحكيم المذكور، وضاعف لأولاده ما كان لهم عند الفرنج، وكتب له كتاباً إلى سائر ممالكه براً وبحراً بمسامحتهم بجميع الحقوق اللازمة للنصارى، فاعفوا عنها إلى الآن، وتوفي الحكيم أبو سليمان المذكور بعد أن استدعاه الملك الناصر إليه، وقام له قائماً وقال له أنت شيخ مبارك، قد وصل إلينا بشراك، وتم جميع ما ذكرته فتمن علي، فقال له أتمنى عليك حفظ أولادي، فأخذ الملك الناصر أولاده واعتنى بهم، وأعطاهم للملك العادل، ووصاه بأن يكرمهم ويكونوا من الخواص عنده وعند أولاده، وكان كذلك، أقول وكان فتح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب للقدس في سابع وعشرين رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة،

أبو سعيد بن أبي سليمان

هو الحكيم مهذب الدين أبو سعيد بن أبي سليمان بن أبي المنى بن أبي فانة، كان فاضلاً في صناعة الطب، عالماً بها، متميزاً في أعمالها، متقدماً في الدولة، وقرأ علم الطب على أبيه وعلى غيره، وكان السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب قدجعله في خدمة ولده الملك المعظم، وأكرمه غاية الإكرام وأمر أن لا يدخل قلعة من قلاعه إلا راكباً مع صحة جسمه، فكان يدخل في قلاعه الأربعة كذلك، وهي قلعة الكرك وقعلة جعبر وقلعة الرها وقلعة دمشق، وخدم أبو سعيد بن أبي سليمان الملك الناصر صلاح الدين والملك العادل أيضاً بالطب، وانتقل إلى الديار المصرية، وأقام بها إلى حين وفاته، وتوفي سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بدير الخندق عند القاهرة.

أبو شاكر بن أبي سليمان

هو الحكيم موفق الدين أبوشاكر بن أبي سليمان داود، وكان متقناً لصناعة الطب متميزاً في علمها وعملها جيد العلاج مكيناً في الدولة وقرأ صناعة الطب على أخيه أبي سعيد بن أبي سليمان، وتميز بعد ذلك واشتهر ذكره، وكان السلطان الملك العادل قد جعله في خدمة ولده الملك الكامل فبقي في خدمته، وحظي عنده الحظوة العظيمة، وتمكن عنده التمكن الكثير، ونال في دولته حظاً عظيماً وكانت له منه إقطاعات ضياع وغيرها، ولم يزل أبدا يفتقده بالهبات الوافرة، والصلات المتواترة، وكان أيضاً الملك العادل يعتمد عليه في المداواة، ويصفه بحسن العلاج، وكان يدخل أيضاً في جميع قلاعه وهو راكب، مثل قلعة الكرك وقلعة جعبر وقلعة الرها وقلعة دمشق، ثم قلعة القاهرة، مع صحة جسمه، ولقد بلغ من أمره عند سكن الملك الكامل بقصر القاهرة المحروسة أن أسكنه عنده فيه ، وكان الملك العادل ساكناً بدار الوزارة، وأنه ركب ذات يوم على بغلة النوبة التي له، وخرج إلى بين القصرين فركب فرساً آخر وسير بغلته التي كان راكباً عليها إلى دار الحكيم المذكور بالقصر، وأمر بركوبه عليها لخروجه من القصر راكباً ولم يزل راكباً بين القصرين إلى أن وصل إليه فأخذ بيده وسايره يتحدث معه إلى دار الوزارة، وسائر الوزراء يمشون بين يدي الملك الكامل، وللعضد بن منقذ في أبي شاكر

هذا الحكيم أبو شـاكـر

 

كثير المحبين والشاكـر

خليفة بقراط في عصرنا

 

وثانيه في علمه الباهر

 وتوفي أبو شاكر بن أبي سليمان في سنة ثلاث عشرة وستمائة، ودفن بدير الخندق عند القاهرة.

أبو نصر بن أبي سليمان

كان طبيباً عارفاً بصناعة الطب، حسن المعالجة، جيد العلاج، وتوفي بالكرك،

أبو الفضل بن أبي سليمان

كان طبيباً مشكوراً في صناعة الطب، عالماً بها، متميزاً في المعالجة والمداواة، وكان أصغر إخوته وعمر من دونهم، كان مولده في سنة ستين وخمسمائة، ووفاته في سنة أربع وأربعين وستمائة، فمدة حياته أربع وثمانون سنة لم يبلغها أحد من إخوته وكان طبيباً للملك المعظم، مقيماً بالكرك، ثم خدم الملك الكامل بالديار المصرية وتوفي فيها.

رشيد الدين أبو حليقة

هو الحكيم الأجل العالم رشيد الدين أبو الوحش بن الفارس أبي الخير بن أبي سليمان داود بن أبي المنى بن أبي فانة، ويعرف بأبي حليقة، كان أوحد زمانه في صناعة الطب والعلوم الحكمية، متفنناً في العلوم والآداب، حسن المعالجة، لطيف المداواة، رؤوفاً بالمرضى، محباً لفعل الخير، مواظباً للأمور الشرعية التي هو عليها، كثير العبادة، ولقد اجتمعت به مرات، ورأيت من حسن معالجته وعشرته، وكمال مروءته ما يفوق الوصف، واشتغل بصناعة الطب في أول أمره على عمه مهذب الدين أبي سعيد بدمشق، واشتغل بعد ذلك بالديار المصرية، وقرأ أيضاً على شيخنا مهذب الدين عبد الرحيم بن علي رحمه اللَّه، ولم يزل دائم الاشتغال، ملازماً للقراءة، ومولده بقلعة جعبر، وذلك في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وخرج منها إلى الرها وربي بها مدة سبع أو ثمان سنين، وكان والده يلبسه لباس الجندية مثل لباسه، وكان ساكناً بدار يقال لها دار ابن الزعفراني عند باب شاع بالرها، وكانت هذه الدار ملاصقة لدار السلطان، فاتفق أن الملك الكامل دخل فيها الحمام فأعطاه والده الفارس المذكور فاكهة وماء ورد، وأمره بحمله إلى السلطان فحمله إليه فلما خرج من الحمام وقدمه إليه أخذه ودخل به إلى الخزانة، وفرغ تلك الأطباق الفاكهة وملأها له شقاقاً سنية، وسيرها مع غلامه لوالده وأخذ الملك الكامل بيده، وكان عمره يومئذ نحو ثمان سنين، ودخل إلى الملك العادل، وعندما أبصره الملك العادل، ولم يكن رآه قبلها قط، قال للملك الكامل يا محمد هذا ابن الفارس؟ لأنه أخذه بالشبه، فقال نعم، قال هاته إلي، فحمله الملك الكامل، ووضعه بين يديه فمسك بيده وتحدث معه حديثاً طويلاً، ثم التفت إلى والده، وقد كان قائماً في خدمته مع جملة القيام وقال له ولدك هذا ولد ذكي لا تعلمه الجندية فالأجناد عندنا كثيرون، وأنتم بيت مبارك، وقد استبركنا بطبكم، وتسيره إلى الحكيم أبي سعيد إلى دمشق ليقرئه الطب، فامتثل والده الأمر وجهزه وسيره إلى دمشق، أقام فيهامدة سنة كاملة حفظ فيها كتاب الفصول لأبقراط، وتقدمة المعرفة، ثم وصل إلى القاهرة في سنة تسع وخمسمائة، ولم يزل مقيماً بها، وخدم بصناعة الطب الملك الكامل، وكان كثير الاحترام له، حظياً عنده، وله منه الإحسان الكثير، والإنعام المتصل، وله خَبَزٌ بالديار المصرية وهو الذي كان مقطعاً باسم عمه موفق الدين أبي شاكر، فإنه لما توفي أبو شاكر جعل الملك الكامل هذا الخبز باسم رشيد الدين المذكور، وهو نصف بلد يعرف بالعزيزية والخربة من أعمال الشرقية ولم يزل في دمة الملك الكامل إلى أن توفي رحمه اللَّه.

ثم خدم بعده ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، إلى أن توفي الملك الصالح رحمه اللَّه، وخدم أيضاً ولد الملك الصالح بعد ذلك، وهو الملك المعظم ترنشاه، ولما قتل رحمه اللَّه، وذلك في يوم الاثنين سابع وعشرين المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة، وجاءت دولة الترك واستولوا على البلاد واحتووا على الممالك صار في خدمتهم وأجروه على ما كان باسمه، ثم خدم منهم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الملك الصالح، وبقي في خدمته على عادته المستمرة، وقاعدته المستقرة وله منه الاحترام التام وجزيل الإنعام والإكرام، وللحكيم رشيد الدين أبي حليقة نوادر في أعمال صناعة الطب، وحكايات كثيرة تميز بها على غيره من جماعة الأطباء. ومن ذلك أنه مرضت دار من بعض الآدر السلطانية بالعباسية، وكان من سيرته معه أن لا يشرك معه طبيباً في مداوته وفي مداواة من يعز عليه من دوره وأولاده، فباشر مداواة المريضة المذكورة أياماً قلائل، ثم حصل له شغل ضروري ألجأه إلى ترك المريضة، ودخل القاهرة وأقام بها ثمانية عشر يوماً، ثم خرج إلى العباسية فوجد المريضة قد تولى مداواتها الأطباء الذين في الخدمة، فلما حضر وباشر معهم قالوا له هذه المريضة تموت والمصلحة أن نعلم السلطان بذلك قبل أن يفاجئه أمرها بغتة، فقال لهم إن هذه المريضة عندي ما هي في مرضة الموت، وإنها تعافى بمشيئة اللَّه تعالى من هذه المرضة، فقال له أحدهم، وهو أكبرهم سناً، وكان الحكيم المذكور شاباً إنني أكبر منك، وقد باشرت من المرضى أكثر منك فتوافقني على كتابة هذه الرقعة؟ فلم يوافقه، فقالت جماعة الحكماء لا بد لنا من المطالعة، فقال لهم إن كان لا بد لكم من هذه المطالعة فيكون بأسمائكم من دوني، فكتب إليه الأطباء بموتها فسير إلهم رسولاً ومعه نجار ليعمل لها تابوتاً تحمل فيه، ولما وصل الرسول والنجار معه إلى الباب، والأطباء جلوس، قال له الحكيم المذكور ما هذا النجار؟ قال يعمل تابوتاً لمريضتكم، فقال له تضعونها فيه وهي في الحياة؟ فقال الرسول لا، لكن بعد موتها، قال له ترجع بهذا النجار وتقول للسلطان عني خاصة إنها في هذه المرضة لا تموت، فرجع وأخبره بذلك.

فلما كان الليل استدعاه السلطان بخادم وشمعة وورقة بخطه يقول فيها ولد الفارس يحضر إلينا، لأنه لم يكن بعد سمي أبا حليقة، وإنما سماه بذلك فيما بعد السلطان الملك الكامل، فإنه كان في بعض الأيام جالساً مع الأطباء على الباب، فقال السلطان للخادم في أول مرة اطلب الحكيم، فقال له يا خوند أي الحكماء هو؟ فقال له أبو حليقة، فاشتهر بين الناس بهذا الاسم من ذلك اليوم إلى حيث غطى نعته ونعت عمه الذي كانوا يعرفون به ببني شاكر، فلما وصل إليه قال أنت منعت عمل التابوت؟ فقال نعم، قال بأي دليل ظهر لك هذا من دون الأطباء كلهم؟ قال له يا مولانا، لمعرفتي مزاجها وبأوقات مرضها على التحرير من دونهم، وليس عليها بأس في هذه المرضة، فقال له امض وطبها واجعل بالك لها، فطب المذكورة وعوفيت، ثم أخرجها السلطان وزوجها وولدت من زوجها أولاداً كثيرين.

ومن جملة ما تم أيضاً له أنه حكم معرفة نبض الملك الكامل حتى أنه في بعض الأيام خرج إليه من خلف الستارة مع الآدر المرضى فرأى نبض الجميع ووصف لهم، فلما انتهى إلى نبضه عرفه فقال هذا نبض مولانا السلطان، وهو صحيح بحمد اللَّه، فتعجب منه غاية العجب وزاد تمكنه عنده.

ومن حكاياته معه أنه أمره بعمل الترياق الفاروق فاشتغل بعمله مدة طويلة، ساهراً عليه الليل حتى حقق كل واحد من مفرداته اسماً على مسمى بشهادة أئمة الصناعة أبقراط وجالينوس، وفي غضون ذلك حصل للسلطان نزلة على أسنانه فأفصد بسببها وهو ببركة الفيل يتفرج بها، فطلع إلى القلعة وتولى مداواته الأسعد الطبيب بن أبي الحسن، بسبب شغل المذكور بعمل الترياق، فعالجة الأسعد مدة والحال كلما مر اشتد، فشكا ذلك للأسعد فقال له ما بقي قدامي إلا الفصد، فقال له أفصد مرة أخرى، ولي عن الفصد ثلاثة أيام، اطلبوا لي أبا حليقة، فحضر إليه وشكا له حاله، وأعلمه أن ذلك الطبيب قد أشار عليه بالفصد واستشاره فيه أو في شرب دواء، فقال يا مولانا بدنك بحمد اللَّه نقي، والأمر أيسر من هذا كله،، فقال له السلطان إيش تقول لي أيسر، وأنا في شدة عظيمة من هذا الألم لا أنام الليل، ولا أقر النهار، فقال له يتسوك مولانا من الترياق الذي حمله المملوك في البرنية الفضة الصغيرة، وترى، بإذن اللَّه، العجب، وخرج إلى الباب، ولم يشعر إلا بورقة بخط السلطان قد خرجت إليه، وهو يقول فيها يا حكيم، استعملت ما ذكرت فزال جميع ما بي لوقته، وكان ذلك بحضور الأسعد الطبيب الذي كان يعالجه أولاً، فقال له ونحن ما نصلح لمداواة الملوك، ولا يصل لمداواتهم إلا أنتم، ثم دخل الملك الكامل إلى خزنته، وبعث إليه منها خلعاً سنية وذهباً متوفراً. ومن حكاياته أنه لما طال عليه عمل الترياق الفاروق، لتعذر حضور أدويته الصحيحة من الآفاق، عمل ترياقاً مختصراً توجد أدويته في كل مكان، ونوى أنه لا يقصد به قرباً من ملك، ولا طلب مال ولا جاهاً في الدنيا، ولا يقصد به إلا التقرب إلى اللَّه ينفع خلقه أجمعين، والشفقة على سائر العالمين، وبذله للمرضى فكان يخلص به المفلجين، ويقوم به الأيدي المتقوسة لوقته وساعته بحيث كان ينشئ في العصب زيادة في الحرارة الغريزية، وتقوية وإذابة البلغم الذي فيه فيجد المريض الراحة به لوقته، ويسكن وجع القولنج من بعد الاستفراغ، لوقته، وإنه مر على بواب الباب الذي بين السورين بالقاهرة المحروسة، وهو رجل يعرف بعلي، وهو ملقى على ظهره لا يقدر أن ينتصب من جنب إلى جنب، فشكا إليه حاله فأعطاه منه شربة، وطلع القلعة وباشر المرضى وعاد في الساعة الثالثة من النهار، فقام المفلوج يعدو في ركابه يدعو له، فقال له اقعد، فقال يا مولانا قد شبعت قعوداً خليني أتملى بنفسي.

ومن حكاياته أن الملك الكامل كان عنده مؤذن يعرف بأمين الدين جعفر، حصل له حصاة سدت مجرى البول، وقاسى من ذلك شدة أشرف فيها على الموت، فكتب إلى الملك الكامل وأعلم بحاله، وطلب منه دستوراً يمشي إلى بيته يتداوى، فلما حضر إلى بيته أحضر أطباء العصر، فوصف كل منهم له ما وصف فلم ينجع، فاستدعى الحكيم أبا حليقة المذكور فأعطاه شربة من ذلك الترياق، فبمقدار ما وصلت إلى معدته نفذت قوتها إلى موضع الحصاة ففتتتها وخرجت من الإراقة، وهي مصبوغة بالدواء.وخلص لوقته، وخرج لخدمة سلطانه، وأذن أذان الظهر، وكان السلطان يومئذ مخيماً على جيزة القاهرة، فلما سمع صوته أمر بإحضاره إليه، فلما حضر قال له ما ورقتك؟ بالأمس وصلتنا، وأنت تقول إنك كنت على الموت فأخبرني أمرك، فقال يا مولانا الأمر كان كذلك، لولا لحقني مملوك مولانا الحكيم أبو حليقة، فأعطاني ترياقاً خلصت به للوقت والحال، واتفق أن في ذلك اليوم جلس إنسان ليريق ماء فنهشته أفعى في ذكره فقتلته، فلما سمع السلطان بخبره رق عليه لأنه كان رؤوفاً بالخلق، ثم دخل إلى قلعة القاهرة بات بها، وأصبح من باكر والحكيم المذكور قاعد في الخدمة عند زمام الدار على الباب، والسلطان قد خرج فوقف واستدعاه إليه، وقال له يا حكيم أيش هذا الترياق الذي عملته؛ واشتهر نفعه للناس هذه الشهرة العظيمة، ولم تعلمني به قط؟ فقال يا مولانا، المملوك لا يعمل شيئاً إلا لمولانا، وما سبب تأخير إعلامه إلا ليجربه المملوك لأنه هو الذي أنشأه فإذا صحت له تجربته ذكره لمولانا على ثقة منه، وإذ قد صح هذا لمولانا، فقد حصل المقصود، فقال له تمضي وتحضر لي كلما عندك منه، وترك خادماً قاعداً على الباب في انتظاره، ورجع إلى داره كأنه لم يطلع القلعة في تلك الليلة، ولا خرج من الدار في تلك الساعة إلا لهذا المهم خاصة، فمضى الحكيم المذكور إلى داره فوجد عنده من ذلك الترياق شيئاً يسيراً، لأن الخلق كانت تفنيه مما تطلبه منه فمضى إلى أصدقائه الذين كان أهدى لهم منه شيئاً، وجمع منه مقدار أحد عشر درهماً ووعدهم بأنه يعطيهم عوضاً عنه أضعافه، فجعله في برنية فضة صغيرة وكتب عليه منافعه ومقدار الشربة منه وحملها إلى الخادم المذكور القاعد في انتظاره فحملها إلى السلطان، ولم يزل حافظاً لها، فلما آلمته أسنانه دلكه عليها فحصل له منه من الراحة ما ذكر. ومن حكاياته معه أنه كان قد عرض لبعض جهاته مرض عجز عن مداواته، فسيرت تلك الجهة تقول له أنا أعرف أن السلطان لو عرف أن في الديار المصرية طبيباً خيراً منك لما سلم نفسه وأولاده اإليك من دون كافة الأطباء، فأنت ماتؤتى في مداواتي من قلة معرفة بل من التهاون بأمري بدليل أنك تمرض فتداوي نفسك في أيام يسيرة، وكذلك يمرض أحد أولادك فتداويه في أيام يسيرة أيضاً، وكذلك بقية الجهات التي عندنا ما منهم إلا من تداويه وتنجع مداواتك بأيسر سعي، فقال لها ما كل الأمراض تقبل المداواة، ولو قبلت الأمراض كلها المداواة لما مات أحد، فلم تسمع ذلك منه، وقالت أناأعرف أن ما بقي في الديار المصرية طبيب، وأنا أشير إلى السلطان يستخدم لي أطباء من دمشق، فاستخدم لها طبيبين نصرانيين فلما حضرا لمداواتها من دمشق اتفق سفر السلطان إلى دمياط، فاستؤذن من يمضي معه من الأطباء ومن يترك، فقال الأطباء كلهم يبقون في خدمة تلك الجهة، والحكيم فلان وحده يكون معي، فأما أولئك الأطباء فإنهم عالجوها بل ما يقدرون عليه، وتعبوا في مداواتها فلم ينجع فانبسط في ذلك عذر المذكور، وأورد ما ذكر أبقراط في تقدمة المعرفة.

ثم إنه لما سافر مع السلطان بقي في خدمته مدة شهر لم يتفق له أن يستدعيه، وبعد ذلك بدمياط استدعاه ليلاً فحضر بين يديه فوجده محموماً، ووجد به أعراضاً مختلفة يباين بعضها بعضاً فركب له مشروباً يوافق تلك الأعراض المختلفة، وحمله إليه في السحر فلم تغب الشمس إلا وقد زال جميع ما كان يشكوه، فحسن ذلك عنده جداً، ولم يزل ملازماً لاستعمال ذلك التدبير إلى أن وصل إلى الاسكندرية، واتفق أول يوم من صيام شهر رمضان أن الحكيم المذكور مرض بها، فحضر إليه الأطباء الذين في الخدمة واستشاروه فيما يحملون إلى السلطان يفطرعليه، فقال لهم عنده مشروب قد جربه وهو يثني عليه ويطلبه دائما، فما دام لا يشكو لكم شيئاً متجدداً يمنع من استعماله فاحملوه إليه، وإن تجدد لكم شيء فاستعلموا ما تقتضيه المصلحة الحاضرة، فمضوا ولم يقبلوامنه قصداً منهم أن يجددوا تدبيراً من جهتهم، فلما جددوا ذلك التدبير تغير عليه مزاجه، فاستدعاهم واستدعى نسخة الحكيم المذكور، وأخذ يحاققهم عليها، فكان من جملة ما فيها بزر هندبا، وقد حذفوه فقال لهم لماذا حذفتم هذا البزر وهو مقو للكبد منق للعروق، قاطع للعطش؟ فقال أحد الأطباء الذين حضروا واللَّه ما للمماليك في حذفه ذنب، إلا أن الأسعد بن أبي الحسن نقل في بزر الهندبا نقلاً شاذاً بأنه يضر بالطحال، المملوك واللَّه ما يعرفه؛ وزعم أن بمولانا طحالاً فوافقه المماليك على ذلك، فقال واللَّه يكذب، أنا ما بي وجع طحال، وأمر بإعادة بزر الهندبا إلى مكانه، ثم حاققهم على منفعة دواء من مفردات ذلك المشروب التي حذفوها إلى أن أعادوها وأعاد استعماله دائماً ولم يزل منتفعاً به شاكراً له.

ومن حكاياته أنه طلب منه يوماً أن يركب له صلصاً يأكل به اليخني في الأسفار، واقترح عليه أن يكون مقوياً للمعدن منبهاً للشهوة، وهو مع ذلك ملين للطبخ فركب له صلصاً هذه صفته يؤخذ من المقدونس جزء، ومن الريحان الترنجاني وقلوب الأترج الغضة المحلاة بالماء والملح أياماًثم بالماء الحلو أخيراً، من كل واحد نصف جزء يدق في جرن الفقاعي كل منهم بمفرده، حتى يصير مثل المرهم، ثم يخلط الجميع في الجرن المذكور ويعصر عليه الليمون الأخضر المنتقى، ويذر عليه من الملح الأندراني مقدار ما يطيبه، ثم يرفع في مسللات صغار تسع كل واحدة منها مقدار ما يقدم على المائدة لأنها إذا نقصت تكرجت، وتختم تلك الأواني بالزيت الطيب وترفع، فلما استعمله السلطان حصلت له منه المقاصد المطلوبة، وأثنى عليه ثناء كثيراً، وكان مسافراً إلى بلاد الروم، فقال للحكيم المذكور هذا الصلص يدوم مدة طويلة؟ فقال له لا، فقال ما يقيم شهراً؟ فقال له نعم إذا عمل على هذه الصورة التي ذكرتها، فقال تعمل لي منه راتباً في كل شهر ما يكفيني في مدة ذلك الشهر، وتسيره لي في رأس كل هلال، فلم يزل الحكيم المذكور يجدد ذلك الصلص في كل شهر ويسيره له إلى دربندات الروم، وهو يلازم استعماله في الطريق ويثني عليه ثناء كثيراً. ومن نوادره أنه جاءت إليه امرأة من الريف، ومعها ولدها، وهو شاب قد غلب عليه النحول والمرض، فشكت إليه حال ولدها، وأنها قد أعيت فيه من المداواة، وهو لا يزداد إلا سقاماً ونحولاً، وكانت قد جاءت إليه بالغداة قبل ركوبه، وكان الوقت بارداً، فنظر إليه واستقرأ حاله، وجس نبضه، فبينما هو يجس نبضه قال لغلامه ادخل ناولني الفرجية حتى أجعلها علي، فتغير نبض ذلك الشاب عند قوله تغيراً كبيراً، واختلف وزنه، وتغير لونه أيضاً فحدس أن يكون عاشقاً، ثم جس نبضه بعد ذلك فتساكن، وعندما خرج الغلام إليه وقال له هذه الفرجية، جس نبضه فوجده أيضاً قد تغير، فقال لوالدته إن ابنك هذا عاشق والتي يهواها اسمها فرجية، فقالت أي واللَّه يا مولاي هو يحب واحدة اسمها فرجية، وقد عجزت مما أعذله فيها، وتعجبت من قوله لها غاية التعجب، ومن اطلاعه على اسم المرأة من غير معرفة متقدمة له لذلك، أقول ومثل هذه الحاية كانت قد عرضت لجالينوس لما عرف المرأة العاشقة، وذلك أنه كان قد استدعي إلى امرأة جليلة القدر، وكان المرض قد طال بها وحدس أنها عاشقة، فتردد إليها، ولما كان يوماً وهو يجس نبضها وكانت الأجناد قد ركبوا في الميدان وهم يلعبون، فحكى بعض الحاضرين ما كانوا فيه، وأن فلاناً تبينت له فروسية ولعب جيد، وعندما سمعت باسم ذلك الرجل تغير نبضها واختلف، جسه بعد ذلك فوجده قد تساكن، إلى أن عاد إلى حاله الأول، ثم إن جالينوس أشار لذلك الحاكي سراً أن يعيد قوله، فلما أعاده، وجس نبضها وجده أيضاً قد تغير، فتحقق من حالها أنها تعشق ذلك الرجل، وهذا يدل على وفور العلم، وحسن النظر في تقدمة المعرفة، أقول وجماعة أهل الحكيم رشيد الدين أبي حليقة أكثر شهرتهم في الديارالمصرية والشام ببني شاكر، لشهرة الحكيم أبي شاكر وسمعته الذائعة، فصار كل من له نسب إليه يعرفون ببني شاكر، وإن لم يكونوا من أولاده، ولما اجتمعت بالحكيم رشيد الدين أبي حليقة وكان قد بلغه أنني ذكرت الأطباد المشهورين من أهله، ووصفت فضلهم وعلمهم فتشكر مني وتفضل فأنشدته بديهاَ

وكيف لا أشكر من فضلـهـم

 

قد صار في المشرق والمغرب

تشرق منهم في سماء الـعـلا

 

نجوم سعد قـط لـم تـغـرب

قوم ترى أقدارهم في الـورى

 

بالعلم تسمو رتبة الكـواكـب

كم صنفوا في الطب كتباً أتـت

 

بكل معنى مـبـدع مـغـرب

وإن شكري في بنـي شـاكـر

 

ما زال في الأبعـد والأقـرب

خلدت مـجـداً دائمـاً فـيهـم

 

بحسن وصف وثـنـا طـيب

وأما سبب الحلقة التي وضعت في أذن الرشيد، واشتهر بها اسمه فإن والده لم يعش له ولد ذكر غيره، فوصف له ووالدته حامل به أن يهيئ له حلقة فضة، قد تصدق بفضتها، وفي الساعة التي يخرج فيها إلى العالم يكون صائغ مجهزاً يثقب أذنه ويضع الحلقة فيها، ففعل ذلك وأعطاه اللَّه الحياة، فعاهدته والدته أن لا يقلعها فبقيت، ثم تزوج هو وجاءه أولاد ذكور عدة، ويموتون كما جرى الحال في أمره فتنبه إلى عمل الحلقة المذكورة فعملها لولده الكبير المعروف بمهذب الدين أبي سعيد، لأنه سماه باسم عمه المذكور.

ومن شعر الحكيم رشيد الدين أبي حليقة وهو مما أنشدني لنفسه، فمن ذلك قال بحضرة سيف الإسلام

سمع الحبيب بوصلـه فـي لـيلة

 

غفل الرقيب ونام عن جنباتـهـا

في روضة لولا الزوال لشابهـت

 

جنات عدن في جميع صفاتـهـا

فالطير يطرب في الغصون بصوته

 

والراح تجلى في كؤوس سقاتهـا

ومجالس القمر المنير تـنـزهـت

 

فيه الحواس باسمها وكنـاتـهـا

وقال أيضاً

أحن إلى ذكر التواصل يا سـعـد

 

حنين النياق العيس عَنَّ لها الورد

فسعدي على قلبي ألذ من المنـى

 

وقربي لها عند اللقاء هو القصـد

حوت مبسماً كالدر أضحى منظماً

 

وثغراً كمثل الأقحوان به شـهـد

وفرعاً كمثل الليل أو حظ عاشـق

 

ووجهاً كضوء الصبح هذا لذا ضد

أقول لها عند الـوداع وبـينـنـا

 

حديث كنشر المسك خالطـه نـد

ترى، نلتقي بعد الفراق بمـنـزل

 

ويظفر مشتاق أضر به البـعـد

تمر اللـيالـي لـيلة بـعـد لـيلة

 

وذكركم بـاق يجـدده الـعـهـد

ولكن خوف الصب إن طال هجركم

 

فيقضي ولا يمضي له منكم وعـد

عشقت سيوف الهند من أجل أنهـا

 

تشابهها في فعل ألحاظها الهـنـد

ولي في الرماح السمر سمر لأنهـا

 

تشابهها قداً فـيا حـبـذا الـقـد

وفي الورد معنى شاهد فوق خدها

 

نشاهده فـيهـا إذا عـدم الـورد

وبي من هواها ما جحدت وعبرت

 

به عبرتي يوماً وما نفع الجـحـد

وقال أيضاً

خليلي إني قد بقيت مسـهـداً

 

من الحب مأسور الفؤاد مقيدا

بحب فتاة يخجل البدر وجههـا

 

ولا سيما في ليل شعر إذا بدا

ضللت بها وهي الهلال ملاحة

 

فوا عجباً منه أضل وما هدى

لها مبسم كالدر أضحى منظماً

 

ونطق كمثل الدر أمس مبددا

وقال أيضاً لما كان بدمياط، ومرض والده في القاهرة فجاءه كتابه بعافيته

مطرت على سحائب النعمـاء

 

مذ زال ما تشكو من البلـواء

ولبست مذ أبصرت خطك نعمة

 

فيها أقوم لشكرهـا بـوفـاء

ولرشيد الدين أبي حليقة من الكتب مقالة في حفظ الصحة، مقالة في أن الملاذ الروحانية ألذ من الملاذ الجسمانية، إذ الروحانية كمالات وإدراك الكمالات، والجسمانية إنما هي دفع آلام خاصة، وإن زادت أوقعت في آلام أخر، كتاب في الأدوية المفردة، سماه المختار في الألف عقار، كتاب في الأمراض وأسبابها وعلاماتها ومداواتها بالأدوية المفردة والمركبة التي قد أظهرت التجربة نجحها، ولم يداو بها مرضاً يؤدي إلى السلامة إلا ونجحت، التقطها من الكتب المصنفة في صناعة الطب من آدم وإلى وقتنا هذا ونظم متشتتها ومتفرقها، مقالة في ضرورة الموت، ولما ذكر من التحليل في هذه المقالة أن الإنسان لم يزل يتحلل من بدنه بالحرارة التي في داخله، وبحرارة الهواء الذي من خارجه كانت نهايته إلى الفناء بهذين السببين، وتمثل بعد ذكرهما بهذا البيت

واحدهما قاتـلـي

 

فكيف إذا استجمعا

وهذا البيت فيما يكون موقعه بأولى مما هو في هذا الموضع، فإنه قد جاء موافقاً لما أورده ومطابقاً للمعنى المقصود إليه.

مهذب الدين أبوسعيد محمد أبي حليقة

أوحد العلماء وأكمل الحكماء، مولده في القاهرة سنة عشرين وستمائة، وسمي محمداً لما أسلم في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الملكي الصالحي وهو، فقد منحه اللَّه من العقل أكمله، ومن الأدب أفضله، ومن الذكاء أغزره، ومن العلم أكثره، قد أتقن الصناعة الطبية، وعرف العلوم الحكمية فلا أحد يدانيه فيمايعانيه، ولا يصل إلى الخلائق الجميلة التي اجتمعت فيه، لطيف الكلام جزيل الإنعام إحسانه إلى الصديق والنسيب، والبعيد والقريب، وصلني كتابه وهو في المعسكر المنصور الظاهري في شهر شوال سنة سبع وستين وستمائة، وهو يعرب عن فضل باهر، وعلم وافر، وفطنة أصمعية، وشنشنة أخزمية، وتودد عظيم وإحسان جسيم، ويقول فيه إنه وجد بمصر نسخة من هذا الكتاب الذي ألفته في طبقات الأطباء وقد اقتناها وصارت في جملة كتبه التي حواها وبالغ في الوصف الذي يدل على كرم أخلاقه، وطيب أعراقه،،، وكان في أول كتابه الواصل إلي

وإني أمرؤ أجبتكم لمـحـاسـن

 

سمعت بها والأذن كالعين تعشق

فقلت على الوزن والروي وكتبت إليه الجواب

أتاني كتاب وهو بالنقـش مـونـق

 

وفيه المعاني وهي كالشمس تشرق

كتاب كـريم أريحـي مـمـجـد

 

صبيح المـحـيا نـوره يتـألـق

هو السيد المولى المهـذب والـذي

 

به قد زها في العلم غرب ومشرق

حكيم حوى كل العلوم بـأسـرهـا

 

وما عنه باب للمـكـارم يغـلـق

كريم لأنواع المحـامـد جـامـع

 

ولكنه للـمـال جـوداً مـفـرق

إذا ذكرت أوصافه في مـحـافـل

 

فمن طيبها نشر من المسك يعبـق

حوى قصبات السبق في طلب العلا

 

ومن رام تشبيهاً به ليس يلـحـق

إذا قال، بـذ الـقـائلـين بـلاغة

 

ويصمت قس عنده، حين ينـطـق

ولو أن جالينوس كـان لـوقـتـه

 

لقال بهذا في التـطـبـب يوثـق

فما أحد يحكيه في حفـظ صـحة

 

ولا مثله في الجسم للداء يحـدق،

إذا قلت مدحاً في معالي محـمـد

 

فكل امرئ فيمـا أقـول يصـدق

ولو رمت أحصي ما حواه من العلا

 

عجزت، ولو أني البليغ الفـرزدق

ولا غرو في ابني حلـيقة أنـنـي

 

بصدق الولا في قبضة الرق موثق

لوالـدهـم عـنـدي أياد قــديمة

 

فشكري لهم طول الزمان محقـق

وكل ففي العلـياء سـام وسـيمـا

 

لمن قال لي إذ جد فيه التـشـوق

وإني امرؤ أحببتكم لـمـحـاسـن

 

سمعت بها والأذن كالعين تعشـق،

فلا برحوا في نـعـمة وسـلامة

 

مؤبدة ما دامـت الـدوح تـورق

ولم يزل مهذب الدين أبو سعيد محمد ملازماً للاشتغال،محمود السيرة في الأقوال والأفعال، وقرأعلى أبيه الصناعة الطبية، وحرر أقسامها الكلية والجزئية، وحصل معانيها العلمية والعملية، وخدم السلطان الملك الظاهر بيبرس الملكي الصالح بصناعة الطب، وله منه غاية الاحترام وأوفر الإنعام، والمنزلة الجميلة، والعطايا الجزيلة، ولمهذب الدين المذكور أخوان أحدهما موفق الدين أبو الخير، متميز في صناعة الكحل، غزير العلم والفضل؛ وكان قد صنف للملك الصالح نجم الدين كتاباً في الكحل، من قبل أن يصير له من العمر عشرون سنة، والأخ الآخر علم الدين أبو نصر، وهو الأصغر، مفرط الذكاء، معدود من جملة العلماء، متميز في صناعة الطب، وافر العلم واللب.

ولمهذب الدين محمد بن أبي حليقة من الكتب كتاب في الطب.

رشيد الدين أبو سعيد

هو الحكيم الأجل العالم، أبو سعيد بن موفق الدين يعقوب من نصارى القدس، وكان متميزاً في صناعة الطب، خبيراً بعلمها وعملها، حاد الذهن، بليغ اللسان، حسن اللفظ، واشتغل في العربية على شيخنا تقي الدين خزعل بن عسكر بن خليل، وكان هذا الشيخ في علم النحو أوحد زمانه، ثم اشتغل الحكيم رشيد الدين أبو سعيد بعد ذلك بعلم الطب على عمي الحكيم رشيد الدين علي بن خليفة، لما كان في خدمة السلطان الملك المعظم، وقرأ عليه، ولم يكن في تلامذته مثله، فإنه لازمه حق الملازمة، وكان لا يفارقه في سفره وحضره، وأقام عنده بدمشق، وهو دائم الاشتغال عليه، إلى أن أتقن حفظ جميع ما ينبغي أن يحفظ من الكتب التي هي مبادي لصناعة الطب، ثم قرأ عليه كثيراً من كتب جالينوس وغيرها، وفهم ذلك فهماً لا مزيد عليه، واشتغل أيضاً على شيخنا الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي، ولما كان في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، قرت له جامكية في خدمة الملك الكامل، وبقي في خدمته زماناً بالقاهرة، ثم خدم بعد ذلك الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وبقي في خدمته نحو تسع سنين.

وكان قد عرض للملك الصالح نجم الدين وهو بدمشق أكلة في فخذه، وكان يعالجه الحكيم رشيد الدين أبو حليقة ولما طال الأمر بالملك الصالح استحضر أبا سعيد وشكا حاله إليه، وكان بين الحكيم رشيد الدين أبي حليقة وبين رشيد الدين أبي سعيد منافسة ومناقشة، وتكلم أبو سعيد في أن معالجة أبي حليقة لم تكن على الصواب فنظر الملك الصالح إلى أبي حليقة نظر غضب فقام من بين يديه، وقعد على باب دار السلطان، وبقي أبو سعيد فيما هو فيه من المناواة في المداواة، ثم في أثناء ذلك المجلس بعينه قدام السلطان عرض لأبي سعيد فالج، وبقي ملقى قدامه فأمر السلطان بحمله إلى داره وبقي أربعة أيام بحاله تلك ومات، وكانت وفاته بدمشق في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة، ثم إن الملك الصالح توجه إلى الديار المصرية، وقوي مرضه ولم يزل به إلى أن توفي رحمه اللَّه، وكانت وفاته في يوم الاثنين خامس عشر شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة، بعد أن كان عظيم الشأن قوي السلطان، ولما أتاه الممات، وحل به هادم اللذات، ذهب كأنه لم يكن، وكذلك يفعل بأهله الزمان كما قلت

احذر زمانك ما استطعت فـإنـه

 

دهر يجور على الكرام وإن عدل

قد كان نجـم الـدين أيوب الـذي

 

ملك البرية واستطال على الدول

في صحة بسعوده حتـى عـثـا

 

في جسمه داء فأعيته الـحـيل

وصفت له الدنيا وظن بأنهـا

 

تبقى له أبداً ففاجأه الأجـل

وعلى الحقيقة أنه نجم عـلا

 

وكذا النجوم وبعد ذلك قد أفل

ولرشيد الدين أبي سعيد من الكتب عيون الطب، صنفه للملك الصالح نجم الدين أيوب وهو من أجل كتاب صنف في صناعة الطب، ويحتوي على علاجات مخلصة مختارة، تعاليق على كتاب الحاوي لأبي بكر الرازي في الطب.

أسعد الدين بن أبي الحسن

هو الحكيم الأوحد العالم أسعد الدين عبد العزيز بن أبي الحسن علي، من أفاضل العلماء، وأعيان الفضلاء، حاد الذهن، كثير الاعتناء بالعلم، قد أتقن الصناعة الطبية، وحصل العلوم الحكمية، وكان أيضاً عالماً بأمور الشرع مسموع القول، وكان قد اشتغل بصناعة الطب على أبي زكريا يحيى البياسي في ديار مصر، وخدم الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل، وأقام معه باليمن مدة وله منه الاحترام الكثير والإحسان الغزير، وكان قرر له منه في كل شهر مائة دينار مصرية، ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك المسعود رحمه اللّه،ثم أطلق له الملك الكامل إقطاعات يستغلها في كل سنة بالديار المصرية ورسم بانتظامه في سلك الخدمة، وكان مولد أسعد الدين بالديار المصرية في سنة سبعين وخمسمائة، وكان أبوه طبيباً أيضاً بديار مصر، واشتغل الشيخ أسعد الدين بعلم الأدب والشعر، وله شعر جيد، وأول اجتماعي به كان بدمشق في مستهل رجب سنة ثلاثين وستمائة فوجدته شيخاً حسن الصورة مليح الشيبة، تام القامة، أسمر اللون، حلو الكلام، غزير المروءة، واجتمعت به أيضاً بعد ذلك بمصر وأحسن إلي واشتمل علي، وكان صديقاً لأبي من السنين الكثيرة، وكانت وفاة الأسعد المذكور بالقاهرة سنة خمس وثلاثين وستمائة.

ولأسعد الدين بن أبي الحسن من الكتب كتاب نوادر الألباء في امتحان الأطباء، صنفه للملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب.

ضياء الدين بن البيطار

هو الحكيم الأجل العالم أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد المالقي النباتي، ويعرف بابن البيطار، أوحد زمانه، وعلامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره، ومواضع نباته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، ولقي جماعة يعانون هذا الفن، وأخذ عنهم معرفة نبات كثير، وعاينه في مواضعه، واجتمع أيضاً في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات، وعاين منابته، وتحقق ماهيته، وأتقن دراية كتاب ديقوريدس إتقانا بلغ فيه إلى أن لا يكاد يوجد من يجاريه فيما هو فيه، وذلك أنني وجدت عنده من الذكاء والفطنة والدراية في النبات، وفي نقل ما ذكره ديسقوريدس وجالينوس فيه ما يتعجب منه، وأول اجتماعي به كان بدمشق في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ورأيت أيضاً من حسن عشرته، وكمال مروءته، وطيب أعراقه، وجودة أخلاقه ودرايته، وكرم نفسه، ما يفوق الوصف ويتعجب منه.

ولكن شاهدت معه في ظاهر دمشق كثيراً من النبات في مواضعه وقرأت عليه أيضاً تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شيئاً كثيراً جداً، وكنت أحضر لدينا عدة من الكتب المؤلفة في الأدوية المفردة مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي وأمثالها من الكتب الجليلة في هذا الفن، فكان يذكر أولا ما قاله ديسقوريدس في كتابه باللفظ اليوناني على ما قد صححه في بلاد الروم، ثم يذكر جمل ما قاله ديسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله، ويذكر أيضاً ما قاله جالينوس فيه من نعته ومزاجه وأفعاله وما يتعلق بذلك، ويذكر أيضاً جملاً من أقوال المتأخرين وما اختلفوا فيه، ومواضع الغلط والاشتباه الذي وقع لبعضهم في نعته، فكنت أراجع تلك الكتب معه، ولا أجده يغادر شيئاً مما فيها، وأعجب من ذلك أيضاًأنه كان ما يذكر دواء إلا ويعين في أي مقالة هو من كتاب ديسقوريدس وجالينوس، وفي أي عدد هو من جملة الأدوية المذكورة في تلك المقالة،وكان في خدمة الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة والحشائش، وجعله في الديار المصرية رئيساً على سائر العشابين وأصحاب البسطات، ولم يزل في خدمته إلى أن توفى الملك الكامل رحمه اللَّه بدمشق، وبعد ذلك توجه إلى القاهرة فخدم الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وكان حظياً عنده متقدماً في أيامه، وكانت وفاة ضياء الدين العشاب رحمه اللَّه بدمشق في شهر شعبان سنة ست وأربعين وستمائة فجأة.

ولضياء الدين بن البيطار من الكتب، كتاب الإبانة والإعلام، بما في المنهاج من الخلل والأوهام، شرح أدوية كتاب ديسقوريدس، كتاب الجامع في الأدوية المفردة، وقد استقصى في ذكر الأدوية المفردة وأسمائها وتحريرها وقواها ومنافعها، وبين الصحيح منها وما وقع الاشتباه فيه، ولم يوجد في الأدوية المفردة كتاب أجل ولا أجود منه، وصنفه للملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، كتاب المغني في الأدوية المفردة، وهو مرتب بحسب مداواة الأعضاء الآلمة، كتاب الأفعال الغريبة والخواص العجيبة.