الباب الخامس عشر: طبقات الأطباء المشهورين من أطباء الشام: ابن الصلاح، شمس الدين الخويي، رفيع الدين الجيلي، شمس الدين الخسروشاهي، سيف الدين الآمدي

ابن الصلاح

هو الشيخ العالم نجم الدين أبو الفتوح أحمد بن محمد بن السري، وكان يعرف بابن الصلاح فاضل في العلوم الحكمية جيد المعرفة بها مطلع على دقائقها وأسرارها، فصيح اللسان قوي العبارة مليح التصنيف متميز في علم صناعة الطب، وكان أعجمياً أصله من همدان، وقطن ببغداد واستدعاه حسام الدين تمرتاش بن الغازي بن أرتق إليه وأكرمه غاية الإكرام، وبقي في صحبته مدة، ثم توجه ابن الصلاح إلى دمشق، ولم يزل بها إلى أن توفي، وكانت وفاته رحمه اللّه بدمشق ليلة الأحد سنة نيف وأربعين خمسمائة ودفن في مقابر الصوفية عند نهر بانياس بظاهر دمشق .

ونقلت من خط الشيخ الحكيم أمين الدين أبي زكريا يحيى بن إسمعيل البياسي رحمه اللّه قال كان قد ورد إلى دمشق الشيخ الإمام العالم الفيلسوف أبو الفتوح بن الصلاح من بغداد، ونزل عند الشيخ الحكيم أبي الفضل إسمعيل بن أبو الوقار الطبيب، وارد ابن الصلاح أن يستعمل له تمشكا بغداديا، وسأل عن صانع مجيد لعمل ذلك، فدل على رجل يقال له سعدان الإسكاف، فاستعمل التمشك عنده، ولما فرغ منه بعد مدة وجده ضيق الصدر زائد الطول رديء الصنعة، فبقي في أكثر أوقاته يعيبه، ويستقبح صنعته، ويلوم الذي استعمله، وبلغ ذلك الشيخ أبا الحكم المغربي الطبيب، فقال على لسان الفيلسوف هذه القصيدة على سبيل المجون، وذكر فيها أشياء كثيرة من اصطلاحات المنطق والألفاظ الحكمية والهندسية وهي

مصابي مصاب تاه في وصفه عقـلـي

 

وأمري عجيب شرحه يا أبا الـفـضـل

أبثك مـا بـي مـن أسـى وصـبـابة

 

وما قد لقيت في دمـشـق مـن الـذل

قدمت إلـيهـا جـاهـلاً بـأمـورهـا

 

على أنني حوشيت في العلم من جـهـل

وقد كان في رجلي تمشك فـخـانـنـي

 

عليه زمان ليس يحـمـد فـي فـعـل

فقلت عسى أن يخلف الدهـر مـثـلـه

 

وهيهات أن ألقاه في الحزن والسـهـل

ولاحـقـنـي نـذل دهـيت بـقـربـه

 

فلله ما قـاسـيت مـن ذلـك الـنـذل

فقلت له يا سـعـد جـد لـي بـحـاجة

 

تحوز بها شكر امرئ عالـم مـثـلـي

بحقي عسى تستنخـب الـيوم قـطـعة

 

من الأدم المدبوغ بالعـفـص والـخـل

فقال علـى رأسـي وحـقـك واجـب

 

على كل إنسان يرى مذهب الـعـقـل

فناولته في الحال عـشـرين درهـمـا

 

وسوفني شهرين بالدفـع والـمـطـل

فلما قضى الرحـمـن لـي بـنـجـازه

 

وقلت ترى سعدان أنجز لي شـغـلـي

أتى بتمشك ضـيق الـصـدر أحـنـف

 

بكعب غدا حتفاً على الكعب والـرجـل

وبشتيكـه بـشـتـيك سـوء مـقـارب

 

أضيف إلى نعل شـبـيه بـه فـسـل

بشكل علـى الأذهـان يعـسـر حـلـه

 

ويعي ذوي الألباب والعـقـد والـحـل

وكعب إلى القطب الشـمـالـي مـائل

 

ووجه إلى القطب الجنوبي مستـعـلـي

وما كان فـي هـنـدامـه لـي صـحة

 

ولكن فساد شاع في الـفـرع والأصـل

موازاة خطي جـانـبـيه تـخـالـفـا

 

فجزء إلى علو وجـزء إلـى سـفـل

وكم فيه من عـيب وخـرز مـفـتـق

 

يعاف ومن قطع من الزيج والـنـعـل

بوصل ضروري وقد كـان مـمـكـنـاً

 

لعمرك أن يأتي التمشـك بـلا وصـل

وفيه اخـتـلال مـن قـياس مـركـب

 

فلا ينتج الشرطي منه ولا الحـمـلـي

ومن عظم مـا قـاسـيت مـن ضـيق

 

بأسه أخاف على جسمي من السقم والسل

فيا لتمشـك مـذ تـأمـلـت شـكـلـه

 

علمت يقيناً أنـه مـوجـب قـتـلـي

وينشد من يأتيه نعـيي بـجـلـق بـنـا

 

منك فوق الرمل ما بك فـي الـرمـل

فلا تعجبوا مهمـا دهـانـي فـإنـنـي

 

وجدت به ما لـم يجـد أحـد قـبـلـي

ولابن الصلاح من الكتب مقالة في الشكل الرابع من أشكال القياس الحملي، وهذا الشكل المنسوب إلى جالينوس، كتاب في الفوز الأصغر في الحكمة،شهاب الدين السهروردي هو الإمام الفاضل أبو حفص عمر بن كان أوحداً في العلوم الحكمية، جامعاً للفنون الفلسفية، بارعاً في الأصول الفلكية،مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح العبارة، لم يناظر أحداً إلا بزّه، ولم يباحث محصلاً إلا أربى عليه، وكان علمه أكثر من عقله.

حدثني الشيخ سديد الدين بن عمر قال كان شهاب الدين السهروردي قد أتى إلى شيخنا فخر الدين المارديني، وكان يتردد إليه في أوقات وبينهما صداقة، وكان الشيخ فخر الدين يقول لنا ما أذكى هذا الشاب وأفصحه، ولم أجد أحداً مثله في زماني، إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره، وقلة تحفظه أن يكون ذلك سبباً لتلافه، قال فلما فارقنا شهاب الدين السهروردي من الشرق، وتوجه إلى الشام أتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء، ولم يجاره أحد فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره السلطان الملك الظافر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام، فتكلم معهم بكلام كثير بان له فضل عظيم، وعلم باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر وقربه، وصار مكيناً، عنده مختصاً به، فازداد تشنيع أولئك عليه وعملوا محاضرة بكفره وسيروها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين، وقالوا إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، وكذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد، وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتاباً في حقه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه إن هذا الشهاب السهروردي لا بد من قتله ولا سبيل أنه يطلق ولا يبقى بوجه من الوجوه ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك، وأيقن أنه يقتل، وليس جهة إلى الإفراج عنه اختار أنه يترك في مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى اللّه تعالى ففعل به ذلك، وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، وكان عمره نحو ست وثلاثين سنة،قال الشيخ سديد الدين محمود بن عمرولما بلغ شيخنا فخرالدين المارديني قتله قال لنا أليس كنت قلت لكم عنه هذا من قبل، وكنت أخشى عليه منه. أقول ويحكى عن شهاب الدين السهروردي أنه كان يعرف علم السيمياء وله نوادر شوهدت عنه من هذا الفن ومن ذلك حدثني الحكيم إبراهيم بن أبي الفضل بن صدقة أنه اجتمع به وشاهد منه ظاهر باب الفرج، وهم يتمشون إلى ناحية الميدان الكبير، ومعه جماعة من التلاميذ وغيرهم، وجرى ذكر هذا الفن وبدائعه وما يعرف منه وهو يسمع، فمشى قليلاً ، وقال ما أحسن دمشق وهذه المواضع، قال فنظرنا وإذا من ناحية الشرق جواسق عالية متدانية بعضها إلى بعض مبيضة، وهي من أحسن ما يكون بناية وزخرفة، وبها طاقات كبار فيها نساء ما يكون أحسن منهم قط، وأصوات مغان وأشجار متعلقة بعضها مع بعض، وأنهار جارية كبار، ولم نكن نعرف ذلك من قبل، فبقينا نتعجب من ذلك وتستحسنه الجماعة، وانذهلوا لما رأوا، قال الحكيم فبقينا كذلك ساعة ثم غاب عنا، وعدنا إلى رؤية ما كنا نعرفه من طول الزمان، قال لي إلا أن عند رؤية تلك الحالة الأولى العجيبة بقيت أحس في نفسي كأنني في سنة خفية، ولم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني، وحدثني بعض فقهاء العجم قال كنا مع الشيخ شهاب الدين عبد القابون، ونحن مسافرون عن دمشق فلقينا قطيع غنم مع تركماني، فقلنا للشيخ يا مولانا نريد من هذا الغنم رأساً نأكله، فقال معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم، وكان ثم تركماني فاشترينا منه رأساً بها، فمشينا فلحقنا رفيق له وقال ردوا الرأس وخذوا أصغر منه فإن هذا ما عرف بيعكم يسوي هذا الرأس البختية الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم، وتقاولنا نحن وإياه، ولما عرف الشيخ ذلك قال لنا خذوا الرأس وامشوا، وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدمنا وبقي الشيخ يتحدث معه ويمنيه، فلما أبعدنا قليلاً تركه وتبعنا وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، وهو لا يلتفت إليه، ولما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وقال أين تروح وتخليني؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه، وبقيت في يد التركماني ودمها يجري، فبهت التركماني، وتحير في أمره، ورمى اليد وخاف،فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا، وبقي التركماني راجعاً وهو يتلفت إلينا حتى غاب، ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديله لا غير. وحدثني صفي الدين خليل بن أبي الفضل الكاتب قال حدثنا الشيخ ضياء الدين ابن صقر رحمه اللّه أن في سنة خمسمائة وتسعة وسبعين قدم إلى حلب الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي، ونزل في مدرسة الجلاوية، وكان مدرسها يومئذ الشريف رئيس الحنفية افتخار الدين رحمه اللّه، فلما حضر شهاب الدين الدرس، وبحث مع الفقهاء، وكان لابس دلق، وهو مجرد بإبريق وعكاز وما كان أحد يعرفه، فلما بحث وتميز بين الفقهاء، وعلم افتخار الدين أنه فاضل أخرج له ثوباً عتابياً وغلالة ولباساً وبقياراً، وقال لولده تروح إلى هذا الفقير وتقول له والدي يسلم عليك ويقول لك أنت رجل فقيه، وتحضر الدرس بين الفقهاء، وقد سير لك شيئاً تكون تلبسه إذا حضرت، فلما وصل ولده إلى الشيخ شهاب الدين وقال له ما أوصاه سكت ساعة وقال يا ولدي حط هذا القماش، وتفضل اقض لي حاجة، وأخرج له فص بلخش في قدر بيضة الدجاجة رماني، ما ملك أحدمثله في قده ولونه، وقال تروح إلى السوق تنادي على هذا الفص ومهما جاب لا تطلق بيعه حتى تعرفني، فلما وصل به إلى السوق عند العريف، ونادى على الفص فانتهى ثمنه إلى مبلغ خمسة وعشرين ألف درهم، فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب حلب وقال هذا الفص قد جاب هذا الثمن، فأعجب الملك الظاهر قده ولونه وحسنه فبلغه إلى ثلاثين ألف درهم، فقال العريف حتى أنزل إلى ابن افتخار الدين وأقول له، وأخذ الفص ونزل إلى السوق وأعطاه له، وقال له رح شاور والدك على هذا الثمن، واعتقد العريف أن الفص لافتخار الدين، فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرفه بالذي جاب الفص صعب عليه، وأخذ الفص وجعله على حجر وضربه بحجر آخر حتى فتته وقال لولد افتخار الدين خذ يا ولدي هذه الثياب ورح إلى والدك قبل يده عني وقل له لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه، فراح إلى افتخار الدين، وعرفه صورة ما جرى فبقي حائراً في قضيته، وأما الملك الظاهر فإنه طلب العريف وقال، أريد الفص، فقال يا مولانا أخذه صاحبه ابن الشريف افتخار الدين مدرس الجلاوية، فركب السلطان ونزل إلى المدرسة وقعد في الإيوان، وطلب افتخار الدين إليه وقال أريد الفص، فعرفه أنه لشخص فقير نازل عنده، قال فأفكر السلطان ثم قال يا افتخار الدين إن صدق حدسي فهذا شهاب الدين السهروردي، ثم قام السلطان واجتمع بشهاب الدين وأخذه معه إلى القلعة وصار له شأن عظيم، وبحث مع الفقهاء في سائر المذاهب، وعجّزهم واستطال على أهل حلب وصار يكلمهم كلام من هو أعلى قدراً منهم، فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل، وقيل إن الملك الظاهر سير إليه من خنقه، قال ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه، وقبض عل جماعة منهم واعتقلهم، وأهانهم وأخذ منهم أموالاً عظيمة.

حدثني سديد الدين محمود بن عمر المعروف بابن رقيقة قال كان الشيخ شهاب الدين السهروردي رث البزة، لا يلتفت إلى ما يلبسه، ولا له احتفال بأمور الدنيا، قال وكنت أنا وإياه نتمشى في جامع ميافارقين وهو لابس جبة قصيرة مضربة زرقاء، وعلى رأسه فوطة مفتولة، وفي رجليه زربول، ورآني صديق لي فأتى إلى جانبي وقال ما جئت تماشي إلا هذا الخربند؟ فقلت له اسكت هذا سيد الوقت، شهاب الدين السهروردي، فتعاظم قولي وتعجب ومضى.

وحدثني بعض أهل حلب قال لما توفي شهاب الدين رحمه اللّه، ودفن بظاهر مدينة حلب، وجد مكتوباً على قبره، والشعر قديم

قد كان صاحب هذا القبر جوهرة

 

مكنونة قد براها اللّه من شرف

فلم تكن تعرف الأيام قـيمـتـه

 

فردها غيرة منه إلى الصـدف

ومن كلامه قال في دعاء اللهم يا قيام الوجود، وفائض الجود، ومنزل البركات، ومنتهى الرغبات، منور النور، ومدبر الأمور، وواهب حياة العالمين، أمددنا بنورك، ووفقنا لمرضاتك، وألهمنا رشدك، وطهرنا من رجس الظلمات، وخلصنا من غسق الطبيعة إلى مشاهدة أنوارك، ومعاينة أضوائك، ومجاورة مقربيك، وموافقة سكان ملكوتك، واحشرنا مع الذين أنعمت عليهم من الملائكة والصديقين والأنبياء والمرسلين.

ومن شعر شهاب الدين السهروردي: 

أبداً تحن إلـيكـم الأرواح

 

ووصالكم ريحانها والراح

 

وقلوب أهل ودادكم تشتاقك

 

وإلى لذيذ وصالكم ترتاح

 

 

وارحمتا للعـاشـقـين تـكـلـفـوا

 

ستر المحـبة والـهـوى فـضـاح

 

بالسر إن باحـوا تـبـاح دمـاؤهـم

 

وكـذا دمـاء الـبـائحـين تـبـاح

 

وإذا هم كتمـوا تـحـدث عـنـهـم

 

عند الوشاة المـدمـع الـسـحـاح

 

وبدت شواهد للـسـقـام عـلـيهـم

 

فيها لمشـكـل أمـرهـم إيضـاح

 

خفـض الـجـنـاح لـكـم ولـيس

 

عليهم للصب في خفض الجناح جناح

 

فإلى لقاكـم نـفـسـه مـشـتـاقة

 

وإلى رضاكـم طـرفـه طـمـاح

 

عودوا بنور الوصـل مـن غـسـق

 

الدجا فالهجر ليل والوصال صبـاح

 

وتمتعوا فالوقت طـاب لـكـم وقـد

 

رق الـشـراب ودارت الأقــداح

 

مترنحاً وهـو الـغـزال الـشـارد

 

وبخده الـصـهـبـاء والـتـفـاح

 

وبثغره الشهد الـشـهـي وقـد بـدا

 

في أحسن الياقـوت مـنـه أقـاح

             

وقال عند وفاته وهو يجود بنفسه لما قتل:

قل لأصحاب رأوني مـيتـا

 

فبكوني إذ رأوني حـزنـا

لا تظنونـي بـأنـي مـيت

 

ليس ذا الميِّت واللّـه أنـا

أنا عصفور وهذا قفصـي

 

طرت عنه فتخلى رهـنـا

وأنا الـيوم أنـاجـي مـلأ

 

وأرى اللّه عياناً بـهـنـا

فاخلعوا الأنفس عن أجسادها

 

لترون الحق حقـاً بـينـا

لا ترعكم سكرة الموت فما

 

هي إلا انتقال مـن هـنـا

عنصر الأرواح فينا واحـد

 

وكذا الأجسام جسم عمـنـا

ما أرى نفسـي إلا أنـتـم

 

واعتقادي أنكم أنـتـم أنـا

فمتى ما كان خيراً فـلـن

 

ومتى ما كان شراً فبـنـا

فارحموني ترحموا أنفسكـم

 

واعلموا أنكم في أثـرنـا

من رآني فليقـوِّ نـفـسـه

 

إنما الدنيا على قرن الفنـا

وعليكم من كلامي جـمـلة

 

فسلام اللّه مـدح وثـنـا

ولشهاب الدين السهروردي من الكتب كتاب التلويحات اللوحية والعرشية، كتاب الألواح العمادية، ألفه لعماد الدين أبي بكر بن قرا أرسلان بن داود بن أرتق صاحب خرت برت، كتاب اللحمة، كتاب المقاومات وهو لواحق على كتاب التلويحات، كتاب هياكل النور، كتاب المعارج، كتاب المطارحات، كتاب حكمة الإشراق

شمس الدين الخويي

هو الصدر الإمام العالم الكامل قاضي القضاة شمس الدين، حجة الإسلام، سيد العلماء والحكام، أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى من مدينة خوي كان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، وعلامة وقته في الأمور الشرعية، عارفاً بأصول الطب وغيره من أجزاء الحكمة، عاقلاً، كثير الحياء، حسن الصورة، كريم النفس، محباً لفعل الخير، وكان رحمه اللّه ملازماً للصلاة والصيام وقراءة القرآن، ولما ورد إلى الشام في أيام السلطان الملك المعظم عيسى بن الملك العادل استحضره، وسمع كلامه فوجده أفضل أهل زمانه في سائر العلوم، وكان الملك المعظم عالماً بالأمور الشرعية والفقه فحسن موقعه عنده، وأكرمه وأطلق له جامكية وجراية، وبقي معه في الصحبة، ثم جعله مقيماً بدمشق، وله منه الذي له، وقرأ عليه جماعة من المشتغلين وانتفعوا به، وكنت أتردد إليه، وقرأت عليه التبصرة لابن سهلان، وكان حسن العبارة قوي البراعة، فصيح اللسان بليغ البيان، وافرالمروة كثير الفتوة، وكان شيخه الإمام فخر الدين بن خطيب الري لحقه وقرأ عليه، ثم ولاه الملك المعظم القضاء وجعله قاضي القضاة بدمشق، وكان مع ذلك كثير التواضع لطيف الكلام، يمضي إلى الجامع ماشياً للصلوات في أوقاتها،وله تصانيف لا مزيد عليها في الجودة، وكان ساكناً في المدرسة العادلية ويلقي بها الدرس للفقهاء، ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفي رحمه اللّه، وهو في سن الشباب، وكانت وفاته بحمى الدق بدمشق، وذلك في شهر شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة.

ولشمس الدين الخويي من الكتب تتمة تفسير القرآن لابن خطيب الري، كتاب في النحو، كتاب في علم الأصول، كتاب يشتمل على رموز حكمية على ألقاب السلطان الملك المعظم، صنفه للملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب.

رفيع الدين الجيلي

هو القاضي الأجل، الإمام العالم، رفيع الدين أبو حامد عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسمعيل بن عبد الهادي الجيلي، من أهل فيلمان شهر من الجيلان،وكان من الأكابر المتميزين في العلوم الحكمية، وأصول الدين والفقه والعلم الطبيعي والطب، وكان مقيماً بدمشق، وهو فقيه في المدرسة العذراوية داخل باب النصر، وله مجلس للمشتغلين عليه في أنواع العلوم والطب، وقرأت عليه شيئاً من العلوم الحكمية، وكان فصيح اللسان قوي الذكاء، كثير الاشتغال والمطالعة، واستخدم قاضياً في مدينة بعلبك، وبقي بها مديدة، وكان صديقاً للصاحب أمين الدولة، وبينهما عشرة، ولما تملك السلطان الملك الصالح عماد الدين إسمعيل دمشق، وتوفي قاضي القضاة شمس الدين الخويي رحمه اللّه فأشار الصاحب أمين الدولة أن يجعل موضعه، فولاه السلطان، وصار قاضي القضاة بدمشق، وارتفعت منزلته وأثرى، وبقي كذلك مدة، وكان كثير من الناس يتظلمون منه، ويشكون سيرته، وبالجملة فإن الحال تأدى به إلى أن قبض عليه، وقتل رحمه اللّه في أيام الملك الصالح إسمعيل، وكان قد وقع بين القاضي رفيع الدين وبين الوزير أمين الدولة فبعثوه تحت الحوطة مع رجال عوامله إلى قريب بعلبك في موضع فيه هوة عظيمة لا يعرف لها قعر، يقال لها مغارة افقه، وكانوا أمروهم بما يفعلونه به فكتفوه، ثم دفعوه في وسطها، وحدثنا بعض الذين كانوا معه أنه لما دفع في تلك الهوة تحطم في نزوله، وكأنه تعلق في بعض جوانبها أسفل بثيابه، قال فبقينا نسمع أنينه نحو ثلاثة أيام، وكلما مر يضعف ويخفى حتى تحققنا موته ورجعنا عنه.

أقول ومن عجيب ما يحكى أن القاضي رفيع الدين وقف على نسخة من هذا الكتاب بحضوري، وما كنت ذكرته في تلك النسخة فطالع فيه، ولما وقف على أخبار شهاب الدين السهروردي تأثر من ذلك وقال لي ذكرت هذا وغيره أفضل منه ما ذكرته، وأشار إلى نفسه، ثم قال وأيش كان من حال شهاب الدين إلا أنه قتل في آخر أمره، وقدر اللّه عز وجل أن رفيع الدين قتل أيضاً مثله، فسبحان اللّه العظيم المدبر في خلقه بما يشاء، وكانت وفاة القاضي رفيع الدين في شهر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وستمائة، ولماكان رفيع الدين قد تولى القضاء بدمشق، وصار قاضي القضاة، وذلك سنة ثمان وثلاثين وستمائة، عملت فيه هذه القصيدة وأهنئه فيها :  

مجـد وسـعـد دائم وعــلاء

 

أبد الزمان ورفـعة وسـنـاء

ببقاء مولانـا رفـيع الـدين ذي

 

الجود العميم ومن له النعمـاء

قاضي القضاة أجل مولـى لـم

 

يزل بعلاه يسمو العلم والعلماء

متفرد بالمكـرمـات وإنـمـا

 

كل الورى في بعضها شركـاء

لو رام كل بـلـيغ قـول أنـه

 

يحصي علاه لقصر البلـغـاء

كم من عداة شاهدين بفضـلـه

 

والفضل ما شهدت به الأعـداء

وله التصانيف التي قد أعربـت

 

عن كل ما قد أعجم القـدمـاء

وبه لجيل في البلاد مـفـاخـر

 

وكذا لهذا الجيل مـنـه عـلاء

يا سيداً فـاق الأنـام حـقـيقة

 

بجميل وصف ليس فيه خفـاء

قد كان عندي من فراقك والنوى

 

ألم ومن رؤياك جـاء شـفـاء

وأتى إلى قلبي السرور وأشرقت

 

شمس الحبور وزالت البرحـاء

وبدت تباشير الهناء بمنـصـب

 

يعلوه من نور الإلـه بـهـاء

إحكام أحـكـام وعـدل شـائع

 

ملئت به وبفضلك الـغـبـراء

وتفرقت في الناس منك فواضل

 

وتجمعت منهم لـك الأهـواء

فلك السيادة والسعادة والـعـلا

 

والفضل والأفـضـال والآلاء

والمشتري للحمد أنت وإن تقـل

 

فصل الخطاب فإنك الجـوزاء

ولئن خصصتك بالهنـاء فـإنـه

 

عم الأنام بمـا ولـيت هـنـاء

للّه كم أوليتني منـنـاً عـلـى

 

مر الزمان وما لها إحـصـاء

فاسلم ودم في رغد عـيش دائم

 

ما غردت في أيكها الـورقـاء

ولرفيع الدين الجيلي من الكتب شرح الإشارات والتنبيهات، ألفه المظفر تقي الدين عمر بن الملك الأمجد بهرام شاه بن فرخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب، اختصار الكليات من كتاب القانون لابن سينا، كتاب جمع ما في الأسانيد من حديث النبي صلى الله عليه وسلم

شمس الدين الخسروشاهي

هو السيد الصدر الكبير، العلم شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي، وخسروشاه ضيعة قريبة من تبريز، إمام العلماء، سيد الحكماء، قدوة الأنام شرف الإسلام، قد تميز في العلوم الحكمية، وحرر الأصول الطبية، وأتقن العلوم الشرعية ولم يزل دائم الاشتغال، جامعاً للفضل والأفضال، وكان شيخه الإمام فخر الدين بن خطيب الري وهو من أجل تلامذته، ومن حيث وصل إلى الشام اتصل بخدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم، وأقام عنده بالكرك، وهو عظيم المنزلة عنده وله منه الإحسان الكثير والإنعام الغزير، ثم توجه شمس الدين بعد ذلك إلى دمشق وأقام بها إلى أن توفي رحمه اللّه، وكانت وفاته في شهر شوال سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ودفن بجبل قاسيون،ولما وصل إلى دمشق اجتمعت به فوجدته شيخاً حسن السمت، مليح الكلام قوي الذكاء، محصلاً للعلوم، ورأيته يوماً وقد أتى إليه بعض فقهاء العجم بكتاب دقيق الخط ثمن البغدادي، معتزلي التقطيع، فلما نظر فيه صار يقلبه ويضعه على رأسه، فسألته عن ذلك فقال هذا خط شيخنا الإمام فخر الدين الخطيب رحمه اللّه، فعظم عندي قدره لتعظيمه شيخه، ولما توفي شمس الدين الخسروشاهي رحمه اللّه، قال الشيخ عز الدين محمد بن حسن الغنوي الضرير الآربلي يرثيه:

بموتك شمس الدين مات الفـضـائل

 

وأردى ببدر الفضل والبدر كـامـل

فتى علم بالحق بـالـخـير عـامـل

 

وما كل ذي علم من الناس عـامـل

فتى بذ كل القـائلـين بـصـمـتـه

 

فكـيف إذا وافـيتـه وهـو قـائل

وكنا لحل الـمـشـكـلات نـعـده

 

إذا أعيت الحذّاق منـا الـمـسـائل

فرب الحجا من بعده اليوم قـد خـلا

 

وحيد المعالي من حلى الفضل عاطل

أتدري المنايا من رمت بسهـامـهـا

 

وأي فتـى أودى وغـال الـغـوائل

رمت أوحد الدنيا وبحر علـومـهـا

 

ومن قصرت في الفضل عنه الأوائل

ولو كان بالفضل الفتى يدفع الـردى

 

لما غيبت عبد الحمـيد الـجـنـادل

ولكن دفع المـوت مـا فـيه حـيلة

 

ولا في بقاء المرء يطـمـع آمـل

فبعدك شمس الـدين أعـوز عـالـم

 

وأبدى الدعاوى في المحافل جاهـل

وقال الصاحب نجم الدين اللبودي يرثيه:

أيا ناعياً عبد الحـمـيد تـصـبـراً

 

عليَّ فإن العلم أدرج فـي كـفـن

مضى مفرداً في فضله وعلـومـه

 

وعدت فريد الهم والوجد والحـزن

فيا عين سحي بالدمـوع لـفـقـده

 

فما حسن صبري بعده اليوم بالحسن

تلقته أصناف الـمـلائك بـهـجة

 

بمقدمه الأسنى على ذلك السـنـن

تقول له أهلاً وسهلاً ومـرحـبـاً

 

بخير فتى وافى إلى ذلك الوطـن

إلى معشر أضحى الوجود ذواتهـم

 

فليس لهم إلف يعوق ولا سـكـن

وحسبك من ذات هي العـين حـقة

 

فليس بها إفك ولا عنـدهـا إحـن

تبيت ترى ذات الذوات بمـرصـد

 

تعالى عن الأكوان والكون والزمن

لك اللّه شمس الدين كم شدت معلماً

 

من الحق أسنى ذا لسان له لـسـن

مصابك شمس الدين تسلـية لـنـا

 

ومثلي من أضحى بمثلك يمتـحـن

ولشمس الدين الخسروشاهي من الكتب مختصر كتاب المهذب في الفقه على مذهب الإمام الشافعي لأبي إسحق الشيرازي، مختصر كتاب الشفاء للرئيس بن سينا، تتمة كتاب الآيات البينات لابن خطيب الري، وكان وصل فيها في الشكل الثاني، وهذه الآيات البينات غير النسخة الصغيرة المعروفة التي هي عشرة أبواب.

سيف الدين الآمدي

هو الإمام الصدر العالم الكامل سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي، أوحد الفضلاء، وسيد العلماء، كان أذكى أهل زمانه، وأكثرهم معرفة بالعلوم الحكمية، والمذاهب الشرعية، والمبادئ الطبية، بهي الصورة، فصيح الكلام، جيد التصنيف، وكان قد خدم الملك المنصور ناصر الدين أبا المعالي محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وأقام بخدمته بحماة سنين، وله منه الجامكية السنية، والإنعام الكثير، وكان من أكابر الخواص عنده ولم يزل في خدمته إلى أن توفي الملك المنصور وذلك في سنة سبع عشرة وستمائة، فتوجه إلى دمشق، ولما دخلها أنعم عليه الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب إنعاماً وأكرمه غاية الإكرام، وولاه التدريس، وكان إذا نزل وجلس في المدرسة وألقى الدرس والفقهاء عنده يتعجب الناس من حسن كلامه في المناظرة والبحث، ولم يكن أحد يماثله في سائر العلوم، وكان نادراً أن يقرئ أحداً شيئاً من العلوم الحكمية، وكنت اجتمعت به واشتغلت عليه في كتاب رموز الكنوز من تصنيفه، وذلك لمودة أكيدة كانت بينه وبين أبي، وأول اجتماعي به دخلت أنا وأبي إليه إلى داره، وكان ساكناً بدمشق في قاعة عند المدرسة العادلية، فلما جلسنا عنده بعد السلام وتفضل بحسن التودد والكلام نظر وقال بهذا اللفظ ما رأيت ولداً أشبه بوالد منكما.

وأنشدني الصاحب فخر القضاة بن بصاقة لنفسه وقد تشفع به العماد بن السلماسي إلى سيف الدين الآمدي بأن يشتغل عليه

يا سيداً جمل اللَّه الـزمـان بـه

 

وأهله من جميع العجم والعرب

العبد يذكر مولاه بما سـبـقـت

 

وعوده لعماد الدين عن كـثـب

ومثل مولاي من جاءت مواهبـه

 

عن غير وعد وجدواه بلا طلب

فأصف من بحرك الفياض مورده

 

وأغنه من كنوز العلم لا الذهب

واجعل له نسباً يدلـي إلـيك بـه

 

فلحمة العلم تعلو لحمة النسـب

ولا تكله إلى الكتـب تـنـبـئه

 

فالسيف أصدق أنباء من الكتـب

أقول وقد جاء في هذا البيت أحسن ما يكون من تضمين قول أبي تمام لاشتراك لفظه السيف، ولم يزل سيف الدين مقيماً بدمشق إلى أن توفي رحمه اللَّه، وكانت وفاته في رابع شهر صفر سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
ومن شعر سيف الدين الآمدي، أنشدني ولده جمال الدين محمد مما أنشده والده سيف الدين لنفسه

فلا فضيلة إلا مـن فـضـائلـه

 

ولا غريبة إلا هو مـنـشـأهـا

حاز الفخار بفضل العلم وارتفعت

 

به الممالك لـمـا أن تـولاهـا

فهو الوسيلة في الدنيا لطالـبـهـا

 

وهو الطريق إلى الزلفى بأخراها

ولسيف الدين الآمدي من الكتب كتاب دقائق الحقائق، كتاب رمز الكنوز، كتاب لباب الألباب، كتاب أبكار الأفكار في الأصول، كتاب غاية المرام في علم الكلام، كتاب كشف التمويهات في شرح التنبيهات، ألفه للملك المنصور صاحب حماة بن تقي الدين، كتاب غاية الأمل في علم الجدل، شرح كتاب شهاب الدين المعروف بالشريف المراغي في الجدل، كتاب منتهى السالك في رتب المسالك، كتاب المبين في معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين، دليل متحد الائتلاف وجاد في جميع مسائل الخلاف، كتاب الترجيحات في الخلاف، كتاب المؤاخذات في الخلاف، كتاب التعليقة الصغيرة، كتاب التعليقة الكبيرة، عقيدة تسمى خلاصة الأبريز، تذكرة الملك العزيز بن صلاح الدين كتاب منتهى السول في علم الأصول، كتاب منائح القرائح.