الجزء الأول - فصل في الكلام على من أنكر الشرائع من المنتمين إلى الفلسفة

بزعمهم وهم أبعد الناس عن العلم بها جملة قال أبو محمد رضي الله عنه نبين في هذا الفصل بحول الله تعالى وقوته وجوب صحة الشرائع على ما توجبه أصول الفلاسفة على الحقيقة أولهم عن آخرهم على اختلاف أقوالهم في غير ذلك إن شاء الله تعالى قال أبو محمد رضي الله عنه الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها والغرض المقصود نحوه بتعلمها ليس هو شيئاً غير إصلاح النفس بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد وحسن السياسة للمنزل والرعية وهذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة هذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء بالفلسفة ولا بين أحد من العلماء بالشريعة فيقال لمن انتمى إلى الفلسفة بزعمه وهو ينكر الشريعة بجهله على الحقيقة بمعاني الفلسفة وبعده عن الوقوف على غرضها ومعناها أليست الفلسفة بإجماع من الفلاسفة مبينة للفضائل من الرذائل موقفة على البراهين المفرقة بين الحق والباطل فلا بد من نعم ضرورة فيقال له أليس الفلاسفة كلهم قد قالوا صلاح العالم بشيئين أحدهما باطن والآخر ظاهر فالباطن هو استعمال النفس للشرائع الزاجرة عن تظالم الناس وعن القبائح والظاهر هو التحصين بالأسوار واتخاذ السلاح لدفع العدو الذي يريد ظلم الناس والإفساد ثم أضافوا إلى إصلاح النفوس بما ذكرنا إصلاح الأجساد بالطب فلابد من نعم ضرورة فيقال لهم فهل صلاح العالم وانكفاف الناس عن القتل الذي فيه فناء الخلق وعن الزنا الذي فيه فساد النسل وخراب المواريث وعن الظلم الذي فيه الضرر على الأنفس والأموال وخراب الأرض وعن الرذائل من البغي والحسد والكذب والجبن والبخل والنميمة والغش والخيانة وسائر الرذائل إلا بشرائع زاجرة للناس عن كل ذلك فلابد من نعم ضرورة وإلا وجب الإهمال الذي فيه فساد كل ما ذكرنا فإذا لابد من ذلك ولولا ذلك لفسد العالم كله ولفسدت العلوم كلها ولكان الإنسان قد بطلت فضيلة الفهم والنطق والعقل الذي فيه وصار كالبهائم فلا تخلو تلك الشرائع من أحد وجهين إما أن تكون صحاحاً من عند الله عز وجل الذي هو خالق العالم ومدبره كما يقول أصحاب الشرائع وإما أن تكون موضوعة باتفاق من أفاضل الحكماء لسياسة الناس بها وكفهم عن التظالم والرذائل فإن كانت موضوعة كما يقول هؤلاء المخاذيل فقد تيقنا أن ما ألزموا الناس من ذلك كذب لا أصل له وزور مختلق وإيجاب لما لا يجب وباطل لا حقيقة له ووعيد ووعد كلاهما كذب فإن كان ذلك كذلك فقد صار الكذب الذي هو أرذل الرذائل وأعظم الشر لا يتم صلاح العالم الذي هو الغرض من طلب الفضائل إلا به وإذ ذلك كذلك فقد صار الحق باطلاً والصدق رذيلة وصار الباطل حقاً وصدقاً والكذب فضيلة وصار لا قوام للعالم أصلاً إلا بالباطل وصار الكذب نتيجة الحق وصار الباطل ثمرة الصدق وصار الغرور والغش والخديعة فضائل ونصيحة وهذا أعظم ما يكون من المحال والممتنع والخلف الذي لا مدخل له في العقل فإن قالوا أنه لو كشف السر في ذلك أتى العامة لم ترغب في الفضائل فوجب لذلك أن يؤتي بما ترهبه وتتقيه فاضطر في ذلك إلى الكذب لهم كما يفعل بالصبيان وكما أبحتم أنتم في شرائعكم كذب الرجل لامرأته ليستصلحها بذلك وفي دفاع الظالم على سبيل التقية وفي الحرب كذلك فيلزمكم في هذا ما ألزمتموه إيانا من أن الكذب صار حقاً وفضيلة قال أبو محمد رضي الله عنه فيقال لهم وبالله التوفيق أما نحن فقولنا أنه ليس كما ذكرتم قبيحاً إذ أباحه الله عز وجل الذي لا حسن إلا ما حسن وما أمر به ولا قبيح إلا ما قبح وما نهي عنه ولا آمر فوقه فلا يلزمه ما أردتم إلزامنا إياه ثم أيضاً على أصولكم فإنه ليس ما ذكرتم معارضة ولا ما شبهتم به مشبهاً لما شبهتموه به لأننا إنما أبحنا الكذب في الوجوه التي ذكرتم للضرورة الدافعة إلى ذلك بالنصر الوارد علينا بذلك كما جاز بالنص عند الضرورة دفع القتل عن النفس بقتل المريد لقتلها ولو أمكننا كف الصبي والمرأة بغير ذلك لما جاز الكذب أصلاً فإذا ارتفعت الضرورة وجب الرجوع إلى استعمال الصدق وعلى كل حال ولولا النص لم نبح شيئاً من ذلك ولا حرمناه وأنتم فيما تدعونه من مداراة الناس كلهم مبتدؤن لاختيار الكذب دون أن يأمركم به من يسقط عنكم اللوم بطاعته فأنتم لا عذر لكم على خلاف حكمنا في ذلك ثم إنكم لا تخلون من أحد وجهين لا ثالث لهما إما أن تطووا هذا السر عن كل أحد فتصيرون إلى ما ألزمناكم من أن قطع الصدق جملة فضيلة وأن الكذب على الجملة حق واجب وهذا هو الذي ألزمناكم ضرورة وإما أن تبوحوا بذلك لمن وثقتم به فهذا إن قلتم به يوجب ضرورة كشف سركم في ذلك لأنه لا يجوز البتة أن ينكتم أصلاً على كثرة العارفين به هذا أمر يعلم بالضرورة أن الشيء إذا كثر العارفون به فبالضرورة لابد من انتشاره فإن كنتم تقولون أن طيه واجب إلا عمن يوثق به وفي كشفه إلى من يوثق به ما يوجب انتشاره إلى من لا يوثق به وفي كشفه إلى من يوثق به ما يوجب انتشاره إلى من لا يوثق به فقد رجعتم إلى وجوب كشفه لأن كشفه البتة هو نتيجة كشفه إلى خاص دون عام وفي كشفه بطلان ما دبرتموه صلاحاً فقد بطل حكمكم بالضرورة لاسيما والقائلون بهذا القول مجدون في كشف سرهم هذا إلى الخاص والعام فقد أبطلوا علتهم جملة وتناقضوا قبح تناقض وعلى كل ذلك فقد صار الباطل والكذب لا يتم الخير والفضائل البتة في شيء من الأشياء إلا بهما وهذا خلاف الفلسفة جملة وأيضاً فإن كانت الشرائع موضوعة فليس ما وضعه واضع ما بأحق بأن يتبع مما وضعه واضع آخر هذا أمر يعلم بالضرورة وقد علمنا بموجب العقل وضرورته أن الحق لا يكون من الأقوال المختلفة والمتناقضة إلا في واحد وسائرها باطل فإذ لا شك في هذا فأي تلك الموضوعات هو الحق أم أيها هو الباطل ولا سبيل إلى أن يأتوا بما يحق منها شيئاً دون سائرها أصلاً فإذ لا دليل على صحة شيء منها بعينه فقد صارت كلها باطلة إذ ما لا دليل على صحته فهو باطل وليس لأحد أن يأخذ بقول ويترك غيره بلا دليل فبطل بهذا بطلاناً ضورياً كل ما تعلقوا به والحمد لله رب العالمين‏.‏

وبطل بهذا البرهان الضروري ما توهمه هؤلاء الجهال المجانين وصح يقيناً أن الشرائع صحاح من عند منشىء العالم ومدبره الذي يريده بقأه إلى الوقت الذي سبق في علمه تعالى أنه يبقيه إليه كما هو وإذ ذلك كذلك ضرورة لا يخلو الحكم في ذلك من أحد وجهين لا ثالث لهما ما أن تكون الشرائع كلها حقاً قال أبو محمد رضي الله عنه وقد رأيت منهم من يذهب إلى هذا وإما أن يكون بعضها حقاً وبعضها باطلاً لابد من أحد هذين الوجهين ضرورة فإن كانت كلها حقاً فهذا محال لا سبيل إليه لأنه لا شريعة منها إلا وهي تكذب سائرها وتخبر بأنها باطل وكفر وضلال وإلحادٌ فوجدنا هذا المخذول الذي أراد بزعمه موافقة جميع الشرائع قد حصل على خلاف جميعها أولها عن آخرها وحصل على تكذيب جميع الشرائع له كلها بلا خلاف وعلى تكذيبه هو لجميعها وما كان هكذا وهو يقول إنها كلها حق وهي كلها مكذبة له وهو مصدق لها كلها فقد شهد على نفسه بالكذب وبطلان قوله وصح باليقين أنه كاذب فيه وأيضاً فإن كل شريعة فهي مضادة في أحكامها لغيرها تحرم هذه ما تحل هذه وتوجب هذه ما تسقط هذه ومن المحال الفاسد أن يكون الشيء وضده حقاً معاً في وقت واحد حراماً حلالاً في حين واحد على إنسان واحد ووجه واحد واجباً كذلك وهذا أمر يعلمه باطلاً كل ذي حس سليم وليس في العقل تحريم شيء مما جاء فيها تحريمه ولا إيجاب شيء مما جاء فيها إيجابه فبطل أن يرجح بما في العقل إذ كل ذلك في حد الممكن في العقل فإذ قد بطل هذا الوجه ضرورة وهو أن الشرائع شريعة واحدة صحيحة من عند الله عز وجل وإن سائر الشرائع كلها باطل فإذ ذلك كذلك ففرض على كل ذي حس طلب تلك الشريعة وإطراح كل شريعة دون ذلك وإن جلت حتى يوقف عليها بالبراهين الصحاح إذ بها يكون صلاح النفس في الأبد وبجهلها يكون هلاك النفس في الأبد فالحمد لله الذي وفقنا لتلك الشريعة ووقفنا عليها وهدانا إلى طريقها وعرفناها حمداً كثيراً طيباً كما هو أهله ونحن نسأله تعالى أن يثبتنا عليها حتى نلقاه ونحن من أهلها وحملتها آمين رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وسلم تسليماً كثيراً فمن نازعنا في هذا القول وادعاه لنفسه فنحن في ميدان النظر وحمل الأقوال على السير بالبراهين فسنزيف الباطل والدعاوي التي لا دليل عليها حيثما كانت وبيد من كانت ويلوح الحق ثابتاً حيثما كان وبيد من كان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الكلام على اليهود

وعلى من أنكر التثليث من النصارى ومذهب الصابئين وعلى من أقر بنبوة زرادشت من المجوس قال أبو محمد رضي الله عنه إن أهل هذه الملة يعني اليهود وأهل هذه النحلة يعني من أنكر التثليث من النصارى موافقون لنا في الإقرار بالتوحيد ثم بالنبوة وبآيات الأنبياء عليهم السلام دون بعض وكذلك وافقتنا الصابئة والمجوس على الإقرار ببعض الأنبياء فأما اليهود فإنهم قد افترقوا على خمس فرق وهي السامرية وهم يقولون إن مدينة القدس هي نابلس وهي من بيت المقدس على ثمانية عشر ميلاً ولا يعرفون حرمة لبيت المقدس ولا يعظمونه ولهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود ويبطلون كل نبوة كانت في بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام وبعد يوشع عليه السلام فيكذبون بنبوة شمعون وداود وسليمان واشعيا واليسع والياس وعاموص وحبقوق وزكريا وارميا وغيرهم ولا يقرون بالبعث ألبتة وهم بالشام لا يستحلون الخروج عنها والصدوقية ونسبوا إلى رجل يقال له صدوق وهم يقولون من بين سائر اليهود أن العزير هو ابن الله تعالى الله عن ذلك وكانوا بجهة اليمن والعنانية وهم أصحاب عانان الداودي اليهودي وتسميهم اليهود العراس والمس وقولهم إنهم لا يتعدون شرائع التوراة وما جاء في كتب الأنبياء عليهم السلام ويتبرؤن من قول الأحبار ويكذبونهم وهذه الفرقة بالعراق ومصر والشام وهم من الأندلس بطليطله وطليبره والربانية وهم الأشعنية وهم القائلون بأقوال الأحبار ومذاهبهم وهم جمهور اليهود والعيسوية وهم أصحاب أبي عيسى الأصبهاني رجل من اليهود كان بأصبهان وبلغني أن اسمه كان محمد بن عيسى وهم يقولون بنبوة عيسى بن مريم ومحمد صلى الله عليه وسلم ويقولون أن عيسى بعثه الله عن وجل إلى بني إسرائيل على ما جاء في الإنجيل وأنه أحد أنبياء بني إسرائيل ويقولن أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي أرسله الله تعالى بشرائع القرآن إلى بني إسماعيل عليهم السلام وإلى سائر العرب كما كان أيوب نبياً في بني عيص وكما كان بلعان نبياً في بني مواب بإقرار من جميع فرق اليهود قال أبو محمد رضي الله عنه ولقد لقيت من ينحو إلى هذا المذهب من خواص اليهود كثيراً وقرأت في تاريخ لهم جمعه رجل هاروني كان قديماً فيهم ومن كبارهم وأئمتهم وممن عصيت به ثلث بلدهم وثلث حروبهم وثلث جيوشهم أيام حرب طيطوس وخراب البيت وكان له في تلك الحروب آثار عظيمة وكان قد أدرك أمر المسيح عليه السلام واسمه يوسف ابن هارون فذكر ملوكهم وحروبهم إلى أن وصل إلى قتل يحيى بن زكريا عليه السلام فذكره أجمل ذكر وعظم شأنه وأنه قتل ظلماً لقوله الحق وذكر أمر المعمودية ذكراً حسناً لم ينكرها ولا أبطلها ثم قال في ذكره لذلك الملك هردوس بن هردوس وقبل هذا الملك من حكماء بني إسرائيل وخيارهم وعلمائهم جماعة ولم يذكر من شأن المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام أكثر من هذا قال أبو محمد رضي الله عنه وإنما ذكرت هذا الكلام لأرى إن هذا المذهب كان فيه ظاهراً فاشياً في أئمتهم من حينئذ إلى الآن ثم انقسم اليهود جملة على قسمين فقسم أبطل النسخ ولم يجعلوه ممكناً والقسم الثاني أجازوه إلا أنهم قالوا لم يقع وعمدة حجة من أبطل النسخ أن قالوا إن الله عز وجل يستحيل منه أن يأمر بالأمر ثم ينهى عنه ولو كان كذلك لعاد الحق باطلاً والطاعة معصية والباطل حقاً والمعصية طاعة قال أبو محمد رضي الله عنه لا نعلم لهم حجة غير هذه وهي من أضعف ما يكون من التمويه الذي لا يقوم على ساق لأن من تدبر أفعال الله كلها وجميع أحكامه وآثاره تعالى في هذا العالم تيقن بطلان قولهم هذا لأن الله تعالى يحيي ثم يميت ثم يحيي وينقل الدولة من قوم أعزة فيذلهم إلى قوم أذلة فيعزهم ويمنح من شاء ما شاء من الأخلاق الحسنة والقبيحة لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون ثم نقول لهم وبالله التوفيق ما تقولون فيمن كان قبلكم من الأمم المقبول دخولها فيكم إذا غزوكم أليس دماؤهم لكم حلالاً وقتلهم حقاً وفرضاً وطاعة ولابد من نعم فنقول لهم فإن دخلوا في شريعتكم أليس قد حرمت دماؤهم وصار عندكم قتلهم حراماً وباطلاً ومعصية بعد أن كان فرضاً وحقاً وطاعة فلا بد من نعم ثم إن عدوا في السبت وعملوا ليس قد عاد قتلهم فرضاً بعد أن كان حراماً فلا بد من نعم فهذا إقرار ظاهر منهم ببطلان قولهم وإثبات منهم لما أنكروه من أن الحق يعود باطلاً والأمر يعود نهياً وأن الطاعة تعود معصية وهكذا القول في جميع شرائعهم لأنها إنما هي أوامر في وقت محدود بعمل محدود فإذا خرج ذلك الوقت عاد ذلك الأمر منهياً عنه كالعمل هو عندهم مباح في الجمعة محرم يوم السبت ثم يعود مباحاً يوم الأحد وكالصيام والقرابين وسائر الشرائع كلها وهذا بعينه هو نسخ الشرائع الذي أبوه وامتنعوا منه إذ ليس معنى النسخ إلا أن يأمر الله عز وجل بأن يعمل عمل ما مدة ما ثم ينهى عنه بعد انقضاء تلك المدة ولا فرق في شيء من العقول بين أن يعرف الله تعالى ويخبر عباده بما يريد أن يأمرهم به قبل أن يأمرهم به ثم بأنه سينهى عنه بعد ذلك وبين أن لا يعرفهم به إذ ليس عليه تعالى شرط أن يعرف عباده بما يريد أن يأمرهم قبل أن يأتي الوقت الذي يريد إلزامهم فيه الشريعة وأيضاً فإن جميعهم مقربان شريعة يعقوب عليه السلام كانت غير شريعة موسى عليه السلام وإن يعقوب تزوج ليا وراحيل ابنتي لابان وجمعهما معاً وهذا حرام في شريعة موسى عليه السلام هذا مع قولهم أن موسى عليه السلام كانت عمة أبيه أخت جده وهي يوحانذا بنت لاوي وهذا في شريعة موسى حرام ولا فرق في العقول بين شيء أحله الله تعالى ثم حرمه وبين شيء حرمه الله ثم أحله والمفرق بين هذين مكابر للعيان مجاهر بالقحة ولو قلب عليه قالب كلامه ما كان بينهما فرق وفي توراتهم أن الله تعالى افترض عليهم بالوحي إلى موسى عليه السلام وأمرهم موسى بذلك في نص توراتهم أن لا يتركوا من الأمم السبعة الذين كانوا سكاناً في فلسطين والأردن أحداً أصلاً إلا قتلوه ثم أنه لما اختدعتهم الأمة التي يقال لها عباوون وهي إحدى تلك الأمم التي افترض عليهم قتلهم واستئصالهم فتحيلوا عليهم وأظهروا لهم أنهم أتوا من بلاد بعيدة حتى عاهدوهم فلما عرفوا بعد ذلك أنهم من السكان في الأرض التي أمروا بقتل أهلها حرم الله عز وجل عليهم قتلهم على لسان يوشع النبي بنص كتاب يوشع عندهم فأبقوهم ينقلون الماء والحطب إلى مكان التقديس وهذا هو النسخ الذي أنكروا بلا كلفة‏.‏

وفي توراتهم البداء الذي هو أشد من النسخ وذلك أن فيها أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام سأهلك هذه الأمة وأقدمك على أمة أخرى عظيمة فلم يزل موسى يرغب إلى الله تعالى في أن لا يفعل ذلك حتى أجابه وأمسك عنهم وهذا هو البداء بعينه والكذب المنفيان عن الله تعالى لأنه ذكر أن الله تعالى أخبر أنه سيهلكهم ويقدمه عى غيره ثم لم يفعل فهذا هو الكذب بعينه تعالى الله عنه وفي سفر اشعيا أن الله تعالى سيرتب في آخر الزمان من الفرس خداماً لبيته قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا هو النسخ بعينه لأن التوراة موجبة أن لا يخدم في البيت المقدس أحد غير نبي لاوي بن يعقوب على حسب مراتبهم في الخدمة فعلى أي وجه أنزلوا هذا القول من اشعيا فهو نسخ لما في التوراة على كل حال وأما في الحقيقة فهو إنذار بالملة الإسلامية التي صار فيها الفرس والعرب وسائر الأجناس في المساجد ببيت المقدس وغيره التي هي بيوت قال أبو محمد رضي الله عنه وأما الطائفة التي أجازت النسخ إلا أنها أخبرت أنه لم يكن فإنه يقال لهم وبالله تعالى التوفيق بأي شيء علمتم صحة نبوة موسى عليه السلام ووجوب طاعته فلا سبيل إلى أن يأتوا بشيء غير إعلامه وبراهينه وإعلامه الظاهرة فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق إذا وجب تصديق موسى والطاعة لأمره لما ظهر من أحالة الطبائع على ما بيناه في باب الكلام في بيان إثبات النبوات فلا فرق بينه وبين من أتى بمعجزات غيرها وبإحالة لطبائع أخر وبضرورة العقل يعلم كل ذي حس أن ما أوجبه لنوع فإنه واجب لأجزائه كلها فإذا كانت إحالة الطبائع موجبة تصديق من ظهرت عليه فوجوب تصديق موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم واجب وجوباً مستوياً ولا فرق بين شيء منه بالضرورة ويقال لهم ما الفرق بينكم في تصديقكم بعض من ظهرت عليه المعجزات وتكذيبكم بعضهم وبين من صدق من كذبتم وكذب من صدقتم كالمجوس المصدقين بنبوة زرادشت المكذبين بنبوة موسى وسائر أنبيائكم أو المانوية المصدقة بنبوة عيسى وزرادشت المكذبة بنبوة موسى أو الصابئين المكذبين بنبوة إبراهيم عليه السلام فمن دونه المصدقين بنبوة إدريس وغيره وكل هذه الفرق والملل تقول في موسى عليه السلام وفي سائر أنبيائكم أكثر مما تقولون أنتم في عيسى ومحمد عليهما السلام تنطق بذلك تواريخهم وكتبهم وهي موجودة مشهورة وأقرب ذلك السامرية الذين ينكرون نبوة كل نبي لكم بعد موسى عليه السلام ولا سبيل إلى أن تأتوا على جميع من ذكرنا بفرق إلا أتوكم بمثله ولا تدعوا عليهم دعوى إلا ادعوا عليكم بمثلها ولا أن تطعنوا في نقلهم بشيء إلا أروكم في نقلكم مثله سواء بسواء وقد نبه الله تعالى على هذا البرهان بقوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد فنص تعالى على أن طريق الإيمان بما آمنوا به من النبوة وطريق ما آمنا به نحن منها واحد وأنه لا فرق بين شيء من ذلك وأن الإيمان بالإله الباعث لموسى هو الإيمان بالإله الباعث لمحمد صلى الله عليهما وسلم وأن طريق كل ذلك طريق واحدة لا فرق فيها وبالله التوفيق وأما شغب من شغب منهم بأننا نؤمن بموسى وهم لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو شغب ضعيف بارد لأنهم لا يخلون من أن يكونوا إنما صدقوا بنبوة موسى من أجل تصديقنا نحن ولولا ذلك لم يصدقوا به ويكون إنما صدقوا به لما أظهر من البرهان فقط فإن كانوا إنما صدقوا به من أجل تصديقنا نحن فواجب عليهم أن يصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من أجل تصديقنا نحن به وإلا فقد تناقضوا وإن كان إنما صدقوا به لما أظهر من الآيات فلا معنى لتصديق من صدقه ولا لتكذيب من كذبه والحق حق صدقه الناس أو كذبوه والباطل باطل صدقه الناس أم كذبون ولا يزيد الحق درجة في أنه حق إطباق الناس كلهم على تصديقه ولا يزيده مرتبة في أنه باطل تكذيب الناس كلهم له ولا يظن ظان أننا في مناظرتنا من نناظره من أهل ملتنا المخالفين لنا في بعض أقوالنا بالإجماع وقد نقضنا كلامنا في هذا المكان فليعلم أننا لام ننقضه لأن الإجماع حجة قد قام البرهان على صحتها في الفتيا في دين الإسلام وما قام على صحته البرهان فهو حجة قاطعة على من خالفه وعلى من وافقه وأما إن نحتج على مخالفنا بأنه موافق لنا في بعض ما نختلف فيه فليس حجة علينا فإن وجد لنا يوماً من الأيام فإنما نخاطب به جاهلاً نستكف تخليطه بذلك أو نبكته لنريه تناقضه فقط وأيضاً فإنا إنما آمنا بنبوة موسى الذي أنذر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبالتوراة التي فيها الإنذار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم باسمه ونسبه وصفة أصحابه رضي الله عنهم وهكذا نقول في عيسى والإنجيل حرفاً حرفاً لا بنبوة من لم ينذر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا نؤمن بموسى وعيسى ولا نؤمن بتوراة ولا إنجيل ليس فيهما الإنذار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وصفة أصحابه بل نكفر بكل ذلك ونبرأ منهم فلم نوافقهم قط على ما يدعونه فبطل شغبهم الضعيف وبالله تعالى التوفيق وجملة القول في هذا أن نقل اليهود والنصارى فاسد لما ذكرنا ونذكر إن شاء الله تعالى من عظيم الداخلة في كتبهم المبينة أنها مفتعلة وفساد نقلهم فإنما صدقنا بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام لأن محمداً صلى الله عليه وسلم صدقهما وأخبرنا عنهما وعن أعلامهما ولولا ذلك لما صدقنا بهما ولكانا عندنا بمنزلة إلياس واليسع ويونس ولوط في ذلك كما أننا لا نقطع بصحة نبوة سموال وحقاي وحبقوق وسائر الأنبياء الذين عندهم كموسى وسائر من ذكرنا ولا فرق ولكن نقول آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان المذكورون أنبياء فنحن نؤمن بهم وإن لم يكونوا أنبياء فلا ندخل في أنبياء الله تعالى من ليس منهم بأخبار اليهود والنصارى الكاذبة التي لا أصل لها الراجعة إلى قوم كفار كاذبين وبالله تعالى نتأيد وقال تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وقال تعالى في الرسل منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك فنحن نؤمن بالأنبياء جملة ولا نسمي منهم إلا من يسمي محمد صلى الله عليه وسلم فقط قال أبو محمد رضي الله عنه ويقال لسائر فرق اليهود حاشا السامرية ما الفرق بينكم وبين السامرية الذين كذبوا بنبوة كل نبي صدقتم أنتم به بعد يوشع بمثل ما كذبتم أنتم به عيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم لم يأتيا بالمعجزات بأن كذبهم ومجاهرتهم إذ قد نقلت الكواف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سقى العسكر في تبوك وهم ألوف كثيرة من قدح صغير نبع فيه الماء من بين أصابعه عليه السلام وفعل أيضاً مثل ذلك بالحديبية وأنه أطعم عليه السلام في منزل أبي طلحة أهل الخندق حتى شبعوا وفي منزل جابر أيضاً ورمى هوازن في جيش فعمت عيون جميعهم بتراب يده وفيها أنزل الله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وشق القمر وسأله قومه آية فأنزل الله تعالى في ذلك اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آيةً يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر وكذلك حنين الجذع الذي سمعه كل من حضره من الصحابة رضوان الله عنهم ومن أبهر ذلك وأعظمه قوله لليهود الذين كانوا معه في وقته وهم زيادة على ألف بلا شك ولعلهم كانوا ألوفاً وهم بنو قريظة وبنو النضير وبنو أهدل وبنو قينقاع أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في تكذيبهم نبوته وأعلمهم أنهم لا يستطيعون ذلك أصلاً فعجزوا عن ذلك أي عن تمني الموت وحيل بينهم وبين النطق بذلك وهذه قصة منصوصة في صورة الجمعة يقرأ بها كل يوم جمعة في جميع جوامع المسلمين من شرق الدنيا إلى غربها وقد كان أسهل الأمور عليهم أن يكذبوا بأن يتمنوا الموت لو استطاعوا وهم يسمعونه يقول فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا أمر لايدفعه إلا وقاح جاهل مكابر للعيان لأن القرون والاعصار نقلت هذه الآيات جيلاً جيلاً يخاطبون بها فكل أذعن وأقر ولم يمكن أحداً دفعه ودعا عليه السلام من حين مبعثه العرب كلهم على فصاحة ألسنتهم وكثرة استعمالهم لأنواع البلاغة من الإطالة والإيجاز والتصرف في أفانين البلاغة والألفاظ المركبة على وجوه المعاني إلى أن يأتوا بمثل هذا القرآن ثم ردهم إلى سورة فعجزوا كلهم عن ذلك على سعة بلادهم طولاً وعرضاً وأنه صلى الله عليه وسلم أقام بين أظهرهم ثلاثة وعشرين عاماً يستسهلون قتاله والتعرض لسفك دمائهم واسترقاق ذراريهم وقد أضربوا عما دعاهم إليه من المعارضة للقرآن جملة قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا لا يخفى على من له أقل فهم أنه إنما حملهم على ذلك العجز عما كلفهم من ذلك وارتفاع قوتهم عنه وأنه قد حيل بينهم وبين ذلك ثم عم الدنيا من البلغاء الذين يتخللون بألسنتهم تخلل الناقد ويطيلون في المعنى التافة إظهاراً لاقتدارهم على الكلام جماعات لا بصائر لهم في دين الإسلام منذ أربعمائة عام وعشرين عاماً فما منهم أحد يتكلف معارضته إلا افتضح وسقط وصار مهزأة ومعيرة يتماجن به وبما أتى به ويتطائب عليه منهم مسيلمة بن حبيب الحنفي لما رام ذلك لم ينطق لسانه إلا بما يضحك الثكلى وقد تعاطى بعضهم ذلك يوماً في كلام جرى بيني وبينه فقلت له اتق الله على نفسك فإن الله تعالى قد منحك من البيان والبلاغة نعمة سبقت بها ووالله لئن تعرضت لهذا الباب بإشارة ليسلبنك الله هذه النعمة وليجعلنك فضيحة وشهرة ومسخرة وضحكة كما فعل بمن رام هذا من قبلك فقال لي صدقت والله وأظهر الندم والإقرار بقبحه قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا الذي ذكرنا مشاهد وهي آية باقية إلى اليوم وإلى انقضاء قال أبو محمد رضي الله عنه وقد ظن قوم إن عجز العرب ومن تلاهم من سائر البلغاء عن معارضة القرآن إنما هو لكون القرآن في أعلا طبقات البلاغة قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا خطأ شديد ولو كان ذلك وقد أبى الله عز وجل أن يكون لما كان حينئذٍ معجزة لأن هذه صفة كل باسق في طبقته والشيء الذي هو كذلك وإن كان قد سبق في وقت ما فلا يؤمن أن يأتي في غد ما يقاربه بل ما يفوقه ولكن الإعجاز في ذلك إنما هو أن الله عز وجل حال بين العباد وبين أن يأتوا بمثله ورفع عنهم القوة في ذلك جملة وهذا مثل لو قال قائل إني أمشي اليوم في هذه الطريق ثم لا يمكن أحداً بعدي أن يمشي فيها وهو ليس بأقوى من سائر الناس وأما لو كان العجز عن المشي لصعوبة الطريق وقوة هذا الماشي لما كانت آية ولا معجزة وقد بينا في غير هذا المكان أن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس لأن فيه الأقسام التي في أوائل السور والحروف المقطعة التي لا يعرف أحد معناها وليس هذا من نوع بلاغة الناس المعهودة وقد روينا عن أنيس أخي أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما أنه سمع القرآن فقال لقد وضعت هذا الكلام على ألسنة البلغاء وألسنة الشعراء فلم أجده يوافق ذلك أو كلاماً هذا معناه فصح بهذا ما قلناه من أن القرآن خارج عن نوع بلاغة المخلوقين وأنه على رتبة قد منع الله تعالى جميع الخلق عن أن يأتوا بمثله ولنا في هذا رسالة مستقصاة كتبنا بها إلى أبي عامر أحمد بن عبد الملك ابن شهيد وسنذكر منها هنا إن شاء الله تعالى ما فيه كفاية في كلامنا مع المعتزلة والأشعرية في خلق القرآن من ديواننا هذا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال أبو محمد رضي الله عنه فإن قال قائل أنه منع المعارضون حينئذٍ من المعارضة أو عارضوا فستر ذك قيل له وبالله التوفيق لو أمكن ما تقول لأمكن لغيرك أن يدعي في آيات موسى عليه السلام مثل ذلك بل كان يكون أقرب إلى التلبيس لأن في توراتكم أن السحرة عملوا مثل ما عمل موسى عليه السلام حاشا البعوض خاصة فإنهم لم يطيقوه قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا هو الباطل والتبديل الظاهر لأن السحر لا يحيل عيناً ولا يقلبها ولا يحيل طبيعة إنما هو حيل قد بينا الكلام فيها بعون الله تعالى في موضعه من هذا الكتاب وفي غيره قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا الاعتراض هو على سبيل إبطال الكواف لا سبيل من أقر بشيء منها ثم يقال كل من ولي الأمر بعده عليه السلام معروف ليس منهم أحد إلا وله أعداء يخرجون من عداوته إلى أبعد الغايات من الحنق والغيظ فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما تعاديهما الرافضة وتبلغ عداوتهما وتكفيرهما أقصى الغايات وما قال قط أحد مؤمن ولا كافر عدو لهما ولا ولي أن أحداً منهما أجبر أحداً على الإقرار بآيات محمد صلى الله عليه وسلم ولا على ستر شيء عورض به ولا قدر أن يقول هذا أيضاً يهودي ولا نصراني وكذلك عثمان أيضاً وعلي تعاديهما الخوارج وتخرج في عداوتهما وتكفيرهما إلى أبعد الغايات ما قال قط قائل في أحدهما شيئاً من هذا وحتى لو رام أحد من الملوك ذلك لما قدر عليه لأنه لا يملك أيدي الناس ولا ألسنتهم يصنعون في منازلهم ما أحبوا وينشرونه عند من يثقون به حتى ينتشر وهذا أمر لا يقدر على ضبطه والمنع منه أحد لاسيما مع انخراق الدنيا وسعة أقطارها من أقصى السند إلى أقصى الأندلس فلو أمكنت معارضته ما تأخر عن ذلك من له أدنى حظ من استطاعة عند نفسه على ذلك ممن لا بصيرة له في الإسلام في شرق الأرض وغربها فإن قال قائل من اليهود أن موسى عليه السلام قال لهم في التوراة لا تقبلوا من نبي أتاكم بغير هذه الشريعة قال أبو محمد رضي الله عنه قلنا له وبالله تعالى التوفيق لا سبيل إلى أن يقول موسى عليه السلام هذا بوجه من الوجوه لأنه لو قال ذلك لكان مبطلاً لنبوة نفسه وهذا كلام ينبغي أن يتدبر وذلك أنه لو قال لهم لا تصدقوا من دعاكم إلى غير شريعتي وإن جاء بآيات فإنه يلزمه إذا كانت الآيات لا توجب تصديق غيره إذا أتى بها في شيء دعا إليه فهي غير موجبة تصديق موسى عليه السلام فيما أتى به إذ لا فرق بين معجزاته ومعجزات غيره إذ بالآيات صحت الشرائع ولم تصح الآيات بالشرائع لأن تصديق الشريعة موجبة للآية والآية موجبة تصديق الشريعة ومن قال قال أبو محمد رضي الله عنه وأيضاً فإن هذا القول المنسوب إلى موسى عليه السلام كذب موضوع ليس في التوراة شيء منه وإنما فيها من أتاكم يدعي نبوة وهو كاذب فلا تصدقوه فإن قلتم من أين نعلم كذبه من صدقه فانظروا فإذا قال عن الله شيئاً ولم يكن كما قال فهو كاذب هذا نص ما في التوراة فصح بهذا أنه إذا أخبر عن الله تعالى بشيء فكان كما قال فهو صادق وقد وجدنا كلما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في غلبة الروم على كسرى وإنذاره بقتل الكذاب العنسي ويوم ذي قار وبخلع كسرى وبغير ذلك فإن قالوا إن في التوراة أن هذه الشريعة لازمة لكم في الأبد قلنا هذا محال في التأويل لأنه كذلك أيضاً فيها أن هذه البلاد يسكنونها أبداً وقد رأيناهم بالعيان خرجوا عنها قال أبو محمد رضي الله عنه فإن قال قائل فقد قال لكم محمد صلى الله عليه وسلم لا نبي بعدي قيل لهم وبالله تعالى نتأيد ليس هذا الكلام مما ادعيتموه على موسى عليه السلام لأننا قد علمنا من أخباره عليه السلام أنه لا سبيل إلى أن يظهر أحد آية بعده أبداً ولو جاز ظهورها لوجب تصديق من أظهرها ولكنا قد أيقنا أنه لا تظهر آية على أحد بعده عليه السلام بوجه من الوجوه فإن قال قائل وكيف تقولون في الدجال وأنتم ترون أنه يظهر له عجائب فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن المسلمين فيه على أقسام فأما ضرار ابن عمرو وسائر الخوارج فإنهم ينفون أن يكون الدجال جملة فكيف أن يكون له آية وأما سائر فرق المسلمين فلا ينفون ذلك والعجائب المذكورة عنه إنما جاءت بنقل الآحاد وقال بعض أصحاب الكلام أن الدجال إنما يدعي الربوبية ومدعي الربوبية في نفس قوله بيان كذبه قالوا فظهور الآية عليه ليس موجباً لضلال من له عقل وأما مدعي النبوة فلا سبيل إلى ظهور الآيات عليه لأنه كان يكون ضلالاً لكل ذي عقل قال أبو محمد رضي الله عنه وأما قولنا في هذا فهو أن العجائب الظاهرة من الدجال إنما هي حيل من نحو ما صنع سحرة فرعون ومن باب أعمال الحلاج وأصحاب العجائب يدل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم أن معه نهر ماء ونهر خبز فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أهون على الله من ذلك حدثنا يونس بن عبد الله بن مغيث حدثنا أحمد بن عبد الرحيم حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني حدثنا محمد بن بشار بندار حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا هشام بن حسان الفردوسي حدثنا حميد بن هلال عن أبي الدهماء عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سمع من أمتي الدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسبه مؤمن فيتبعه مما يرى من الشبهات قال أبو محمد رضي الله عنه فصح بالنص أنه صاحب شبهات قال أبو محمد رضي الله عنه وبهذا تتألف الأحاديث وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن ما يظهر الدجال من نهر ماء ونار وقتل إنسان وإحيائه أن ذلك حيل ولكل ذلك وجوه إذا طلبت وجدت فقد تحيل ببعض الأجساد المعدنية إذا أذيب أه ماء وتحيل بالنفظ الكاذب أنه نار ويقتل إنسان ويغطي وآخر معدٌّ مخبو فيظهر ليرى أنه قنل ثم أحيي كما فعل الحسين بن منصور الحلاج في الجدي الأبلق وكما فعل الشريعي والنميري بالبغلة وكما فعل زبزن بالزرزور وأنا أدري من يطعم الدجاج الزرنيخ فتخدر ولا يشك في موتها ثم يصب في حلوقها الزيت فتقوم صحاحاً وإنما كانت تكون معجزة لو أحيى عظاماً قد أرمت فيظهر نبات اللحم عليها فهذه كانت تكون معجزة ظاهرة لا شك فيها ولا يقدر غير نبي عليها ألبتة وقد رأينا الدبر يلقى في الماء حتى لا يشك أحد أنها ميتة ثم كنا نضعها للشمس فلا تلبث أن تقوم وتطير وقد بلغنا مثل ذلك في الذباب المسترخي في الماء إذا ذر عليه سحق الآجر الجديد وآيات الأنبياء عليهم السلام لا تكون من وراء حائط ولا من مكان بعينه ولا من تحت ستارة ولا تكون إلا بادية مكشوفة وقد فضحت أنا حيلة أبي محمد المعروف بالحرق في الكلام المسموع بحضرته ولا يرى المتكلم وسمت بعض أصحابه أن يسمعني ذلك في مكان آخر أو بحيث الفضاء دون بنيان فامتنع من ذلك فظهرت الحيلة وإنما هي قصبة مثقوبة توضع وراء الحائط على شق خفي ويتكلم الذي طرف القصبة على فيه على حين غفلة ممن في المسجد كلمات يسيرة الكلمتين والثلاث لا أكثر من ذلك فلا يشك من في البيت مع المحرق الملعون في أن الكلام اندفع بحضرتهم وكان المتكلم في ذلك محمد بن عبد الله الكاتب صاحبه فإن اعترض معترض بقول الله تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون قيل وبالله تعالى التوفيق هذا يخرج على وجهين أحدهما أن معنى قوله تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون إنما هو على معنى التبكيت لمن قال ذلك وأورد تعالى كلامهم وحذف ألف الاستفهام وهذا موجود في كلام العرب كثيراً والثاني أنه إنما عنى تعالى بذلك الآيات المشترطة في الرقا إلى السماء وأن يكون معه ملك وما أشبه هذا وليس على الله تعالى شرط لأحد قال أبو محمد رضي الله عنه والقول الأول هو جوابنا لأن الله تعالى لا شيء يمنعه عنما يريد وكذلك إن اعترض معترض بقول النبي صلى الله عليه وسلم ما من الأنبياء إلا من قد أوتي ما على مثله آمن البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحي إلي وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة قيل لهم وبالله التوفيق إنما عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول آيته الكبرى الثابتة الباقية أبد الآباد التي هي أول معجزته حين بعث وهي القرآن لبقاء هذه الآية على الآباد وإنما جعلها عليه السلام بخلاف سائر آيات الأنبياء عليهم السلام لأن تلك الآيات يستوي في معرفة إعجازها العالم والجاهل وأما إعجاز القرآن فإنما يعرفه العلماء بلغة العرب ثم يعرفه سائر الناس بأخبار العلماء لهم بذلك مع ما في التوراة من الإنذار البين برسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى فيها سأقيم لبني إسرائيل نبياً من إخوتهم أجعل على لسانه كلامي فمن عصاه انتقمت منه قال أبو محمد رضي الله عنه ولم تكن هذه الصفة لغير محمد صلى الله عليه وسلم وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل وقوله في السفر الخامس منها جاء الله من سينا والشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران قال أبو محمد رضي الله عنه وسيناء هو موضع مبعث موسى عليه السلام بلا شك وساعير هو موضع مبعث عيسى عليه السلام وفاران بلا شك هي مكة موضع مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بيان ذلك أن إبراهيم عليه السلام أسكن إسماعيل فاران ولا خلاف بين أحد في أنه إنما أسكنه مكة فهذا نص على مبثع النبي صلى الله عليه وسلم والرؤيا التي فسرها دانيال في أمر الحجر الذي رأى الملك في نومه الذي دق الصنم الذي كان بعضه ذهباً وبعضه فضة وبعضه نحاساً وبعضه حديد أو بعضه فخار وخلطه كله وطحنه وجعله شيئاً واحداً ثم ربى الحجر حتى ملأ الأرض ففسره دانيال أنه نبي يجمع الأجناس ويبلغ ملك أمره ملء الآفاق فهل كان نبي قط غير محمد صلى الله عليه وسلم جمع الأجناس كلها على اختلافها واختلاف لغاتها وأديانها وممالكها وبلادها فجعلهم جنساً واحداً ولغة واحدة وأمة واحدة ومملكة واحدة وديناً واحداً فإن العرب والفرس والنبط والأكراد والترك والديلم والجيل والبربر والقبط ومن أسلم من الروم والهند والسودان على كثرتهم كلهم ينطقون بلغة واحدة وبها يقرؤن القرآن وقد صار كل من ذكرنا أمة واحدة والحمد لله رب العالمين فصحت النبوة المذكورة بلا أشكال والحمد لله رب العالمين وكل ما ذكرنا في هذا الباب أنه يدخل على النصارى الذين يقولون بنبوة عيسى عليه السلام فقط من الأريوسية والمقدونية والبولقانية سواء سواء مع ما في الإنجيل من دعاء المسيح عليه السلام في قوله اللهم ابعث البارقليط ليعلم الناس أن ابن البشر إنسان قال أبو محمد رضي الله عنه وهذا غاية البيان لمن عقل لأن المسيح عليه السلام علم أنه سيغلوا قومه فيه فيقولون أنه الله وأنه ابن الله فدعا الله في أن يبعث الذي يبين للناس أنه ليس إلهاً ولا ابن إله وإنما هو إنسان من ولد امرأة من البشر فهل أتي بعده نبي يبين هذا إلا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا لا يحيل بيانه على ذي حس سليم وإنصاف ونسأل الله إيزاع الشكر على ما وفق له من الهدى فإن قال قائل فإن المجوس تصدق بنبوة زرادشت وقوم من اليهود بنبوة أبي عيسى الأصبهاني وقوم من كفرة الغالية يصدقون بنبوة يزيع الحائك والمغيرة بن سعيد وبنان بن سمعان التميمي وغيرهم من كلاب الغالية فالجواب وبالله تعالى التوفيق‏.‏

أن أبا عيسى وبنان ويزيعاً وسائر من تدعي له الغالية بنبوة أو إلهية من خيار الناس وشرارهم لم تظهر لواحد منهم آية بوجه من الوجوه والآيات لا تصح إلا بنقل الكواف وكل هؤلاء كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخبر الذي جاءت البراهين بصدقه صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعده فقد صح البرهان ببطلان ما ادعى لهؤلاء من النبوة وأما زرادشت فقد قال كثير من المسلمين بنبوته قال أبو محمد رضي الله عنه ليست النبوة بمدفوعة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن صحت عنه معجزة قال الله عز وجل وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وقال عز وجل ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وقالوا إن الذي ينسب إليه المجوس من الأكذوبات باطل مفتري منهم وبرهان ذلك أن المنانية تنسب إليه مقالتهم وأقوال هؤلاء كلهم متضادة لا سبيل إلى أن يقول بها قائل واحد صادق ولا كاذب في وقت واحد وكذا المسيح عليه السلام ينسب إليه الملكانية قولهم في التثليث وتنسب إليه النسطورية قولهم أيضاً وكذلك اليعقوبية وتنسب إليه المنانية أيضاً قولهم وكذلك المزقونية وهذا برهان ظاهر على كذب جميعهم عليهما بلا شك وقد رامت الغالية مثل هذا في القرآن ولكن قد تولى الله حفظه وبالجملة فكل كتاب وشريعة كانا مقصورين على رجال من أهلها وكانا محظورين على من سواهما فالتبديل والتحريف مضمون فيهما وكتاب المجوس وشريعتهم إنما كان طول مدة دولتهم عند المؤبذ وعند ثلاثة وشعرين هربذاً لكل هربذ سفر قد أفرد به وحده لا يشاركه فيه غيره من الهرابذة ولا من غيرهم ولا يباح بشيءٍ من ذلك لأحد سواهم ثم دخل فيه الخرم يا حراق الإسكندر لكتابهم أيام غلبتهم لدار ابن دارا وهم مقرون بلا خلاف منهم أنه ذهب منه مقدار الثلث ذكر ذلك بشير الناسك وغيره من علمائهم وكذلك التوراة إنما كانت طول مدة ملك بني إسرائيل عند الكوهن الأكبر الهاروني وحده لا ينكر ذلك منهم إلا كذاب مجاهر وكذلك الإنجيل إنما هي كتب أربعة مختلفة من تأليف أربعة رجال فأمكن في كل ذلك التبديل وقد نقلت كواف المجوس الآيات المعجزات عن زرادشت كالصفر الذي أفرغ وهو مذاب على صدره فلم يضره وقوائم الفرس التي غاصت في بطنه فأخرجها وغير ذلك وممن قال أن المجوس أهل كتاب علي بن أبي طالب وحذيفة رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب وقتادة وأبو ثور وجمهور أصحاب أهل الظاهر وقد بينا البراهين الموجبة لصحة هذا القول في كتابنا المسمى الإيصال في كتاب الجهاد منه وفي كتاب الذبائح منه وفي كتاب النكاح منه والحمد لله رب العالمين ويكفى من ذلك صحة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية منهم وقد حرم الله عز وجل في نص القرآن في آخر سورة نزلت منه وهي براءة أن تؤخذ الجزية من غير كتابي قال أبو محمد رضي الله عنه وأما العيسوية من اليهود فإنه يقال لهم إذا صدقتم الكافة في نقل القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه عليه السلام بعث إلى الناس كافة بقوله تعالى فيه آمراً لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً وقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وقوله تعالى فيه قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وما فيه من دعاء اليهود إلى ترك ما هم عليه والرجوع إلى شريعته عليه السلام وهذا ما لا مخلص منه فإن اعترضوا بما في القرآن مما حرم عليهم يعني اليهود وحضهم على التزام السبت‏.‏

فإنما هو تبكيت لهم فيما سلف من أسلافهم الذين قفواهم آثارهم يبين هذا نص القرآن في قوله تعالى عن عيسى عليه السلام أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني إسرائيل ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم وهذا نص جلي على نسخ شريعتهم وبطلانها ثم ما لم ينكره أحد من مؤمن ولا كافر من أنه عليه السلام حارب يهود بني إسرائيل من بني قريظة والنضير وهذل وبين قينقاع وقتلهم وسباهم وألزمهم الجزية وسماهم كفاراً إذ لم يرجعوا إلى الإسلام وقبل إسلام من أسلم منهم فلو لم يكن نسخ دينهم ما حل له إجبارهم على تركه أو الجزية والصغار ولا جاز له قبول ترك ما ترك منهم بدين بني إسرائيل ومن المحال الممتنع أن يكون عند العيسويين رسولاً صادقاً نبياً ثم يجور ويظلم ويبدل دين الحق فوضح فساد قولهم وتناقضه بيقين لا إشكال فيه والحمد لله رب العالمين وهكذا يقال لمن أقر بنبوة بعض الأنبياء عليهم السلام من فرق الصابئين كإدريس وغيره ممن لا يوقن بصحة قولهم فيه كعادمون واسقلابيوس وايلون وغيرهم وللمجوس المقتصرين على زرادشت فقط أخبرونا بأي شيء صحت نبوة من تدعون له النبوة فليس ههنا إلا صحة ما أتوا به من المعجزات فيقال لهم فإن النقل إلى محمد صلى الله عليه وسلم في معجزاته أقرب عهداً وأظهر صحة وأكثر عدداً ناقلين وأدخل في الضرورة ولا فرق ولا مخلص لهم من هذا أصلاً لأنه نقل ونقل إلا أن نقلنا أفشى وأظهر وأقوى انتشاراً ومبدأ هذا مع ذهاب دين الصابئين وانقطاعهم ورجوع نقلهم إلى من لا يقوم بهم حجة لقلتهم ولعلهم اليوم في جميع الأرض لا يبلغون أربعين وأما المجوس فإنهم معترفون مقرون بأن كتابهم الذي فيه دينهم أحرقه الإسكندر إذ قتل دارا بن دارا وأنه ذهب منه الثلثان وأكثر وأنه لم يبق منه إلا أقل من الثلث وأن الشرائع كانت فيما ذهب فإذ هذا صفة دينهم فقد بطل القول به جملة لذهاب جمهوره وأن الله تعالى لا يكلف أحداً ما لا يتكفل بحفظه حتى يبلغ إليه وفي كتاب لهم اسمه خذاي بأنه يعظمونه جداً أن أنوشروان الملك منع من أن يتعلم دينهم في شيء من البلاد إلا في أزدشير خرة وفشا من داتجرد فقط وكان قبله لا يتعلم إلا باصطخر فقط وكان لا يباح إلا لقوم خصائص وكتابهم الذي بقي بعد ما أحرق الإسكندر ثلاثة وعشرون سفراً فلهم ثلاثة وعشرون هربذاً لكل هربذ سفر لا يتعداه إلى غيره وموبذ موبذ أن يشرف على جميع تلك الأسفار وما كان هكذا فمضمون تبديله وتحريفه وكل نقل هكذا فهو فاسد لا يوجب القطع بصحته هذا إلى ما في كتبهم التي لا يصح دينهم إلا بالإيمان بها من الكذب الظاهر كقولهم أن جرم الملك كان يركب إبليس حيث شاء وإن مبدأ الناس من بقلة الريباس وهي الشرالية ومن ولادة بيروان سياوش بن كيفاوش نبي مدينة كنكدر بين السماء والأرض وأسكنها ثمانين ألف راجل من أهل البيوتات هم فيها إلى اليوم فإذا ظهر بهرام هماوند على البقرة ليرد ملكهم نزلت تلك المدينة إلى الأرض ونصروه وردوا دينهم وملكهم قال أبو محمد رضي الله عنه وكل كتاب دون فيه الكذب فهو باطل موضوع ليس من عند الله عز وجل فظهر من فساد دين المجوس كالذي ظهر من فساد دين اليهود والنصارى سواء سواء والحمد لله رب العالمين