الفصل الثالث: في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه قواعد ومتممات - الفصل الخامس عشر: في انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة

إعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول فإن الغلب الذي يكون به الملك إنما هو بالعصبية وبما يتبعها من شدة البأس وتعود الافتراس ولا يكون ذلك غالبا إلا مع البداوة فطور الدولة من أولها بداوة ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الأحوال والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله فكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنق فيه تختص به ويتلو بعضها بعضا وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف وما تتلون به من العوائد فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة لضرورة تبعية الرفه للملك وأهل الدول أبدا يقلدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون ومنهم في الغالب يأخذون ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم ولم يكونوا لذلك العهد في شيء من الحضارة فقد حكي أنه قدم لهم المرفق فكانوا يحسبونه رقاعا وعثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحا ومثال ذلك كثير فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم واستعملوهم في مهنهم وحاجات منازلهم واختاروا منهم المهرة في أمثال ذلك والقومة عليهم أفادوهم علاج ذلك والقيام على عمله والتفنن فيه مع ما حصل لهم من اتساع العيش والتفنن في أحواله فبلغوا الغاية في ذلك وتطوروا بطور الحضارة والترف في الأحوال واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني والأسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون والخرثي وكذلك أحوالهم في أيام المباهاة والولائم وليالي الأعراس فأتوا من ذلك وراء الغاية وانظر
173
ما نقله المسعودي والطبري وغيرهما في أعراس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل وما بذل أبوها لحاشية المأمون حين وافاه في خطبتها إلى داره بفم الصلح وركب إليها في السنين وما أنفق في أملاكها وما نحلها المأمون وأنفق في عرسها تقف من ذلك على العجب فمنه أن الحسن بن سهل نثر يوم الأملاك في الصنيع الذي حضره حاشية المأمون فنثر على الطبقة الأولى منهم بنادق المسك ملثوثة على الرقاع بالضياع والعقار مسوغة لمن حصلت في يده يقع لكل واحد منهم ما أداه إليه الاتفاق والبخت وفرق على الطبقة الثانية بدر الدنانير في كل بدرة عشرة آلاف وفرق على الطبقة الثالثة بدر الدراهم كذلك بعد أن أنفق على مقامه المأمون بداره أضعاف ذلك ومنه أن المأمون أعطاها في مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت وأوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من وهو رطل وثلثان وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب مكللا بالدر والياقوت وقال المأمون حين رآه قاتل الله أبا نواس كأنه أبصر هذا حيث يقول في صفة الخمر كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على أرض من الذهب وأعد بدار الطبخ من الحطب لليلة الوليمة نقل مائة وأربعين بغلا مدة عام كامل ثلاث مرات في كل يوم وفني الحطب لليلتين وأوقدوا الجريد يصبون عليه الزيت وأوعز إلى النواتية بإحضار السفن لإجازة الخواص من الناس بدجلة من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة فكانت الحراقات المعدة لذلك ثلاثين ألفا أجازوا الناس فيها أخريات نهارهم وكثير من هذا وأمثاله وكذلك عرس المأمون بن ذي النون بطليطلة نقله ابن سام في كتاب الذخيرة وابن حيان بعد أن كانوا كلهم في الطور الأول من البداوة عاجزين عن ذلك جملة لفقدان أسبابه والقائمين على صنائعه في غضاضتهم وسذاجتهم يذكر أن الحجاج أولم في اختتان بعض ولده فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس وقال أخبرني بأعظم صنيع شهدته فقال له نعم أيها الأمير شهدت بعض مرازبة كسرى وقد صنع لأهل
174
فارس صنيعا أحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة أربعا على كل واحد وتحمله أربع وصائف ويجلس عليه أربعة من الناس فإذا طعموا أتبعوا أربعتهم المائدة بصحافها ووصائفها فقال الحجاج يا غلام انحر الجزر وأطعم الناس وعلم أنه لا يستقل بهذه الأبهة وكذلك كانت ومن هذا الباب أعطية بني أمية وجوائزهم فإنما كان أكثرها الإبل أخذا بمذاهب العرب وبداوتهم ثم كانت الجوائز في دولة بني العباس والعبيديين من بعدهم ما علمت من أحمال المال وتخوت الثياب وإعداد الخيل بمراكبها وهكذا كان شأن كتامة مع الأغالبة بأفريقية وكذا بني طفج بمصر وشأن لمتونة مع ملوك الطوائف بالأندلس والموحدين كذلك وشأن زناتة مع الموحدين وهلم جر تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدول الخالفة فانتقلت حضارة الفرس للعرب بني أمية وبني العباس وانتقلت حضارة بني أمية بالأندلس إلى ملوك المغرب من الموحدين وزناتة لهذا العهد وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك ثم إلى السلجوقية ثم إلى الترك المماليك بمصر والتتر بالعرافين وعلى قدر عظم الدولة يكون شأنها في الحضارة إذ أمور الحضارة من توابع الترف والترف من توابع الثروة والنعمة والثروة والنعمة من توابع الملك ومقدار ما يستولي عليه أهل الدولة فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله فاعتبره وتفهمه وتأمله تجده صحيحا في العمران والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين