الفصل الثالث: في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه قواعد ومتممات - الفصل 27: في مذاهب الشيعة في حكم الإمامة

اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والأتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على اتباع علي وبنيه رضي الله عنهم ومذهبهم جميعا متفقين عليه أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام ولا يجوز للنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصوما من الكبائر والصغائر وإن
197
عليا رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة وتنقسم هذه النصوص عندهم إلى جلي وخفي فالجلي مثل قوله من كنت مولاه فعلي مولاه قالوا ولم تطرد هذه الولاية إلا في علي ولهذا قال له عمر أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة ومنها قوله أقضاكم علي ولا معنى للإمامة إلا القضاء بأحكام الله وهو المراد بأولي الأمر الواجبة طاعتهم بقوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم والمراد الحكم والقضاء ولهذا كان حكما في قضية الإمامة يوم السقيفة دون غيره ومنها قوله من يبايعني على روحه وهو وصي وولي هذا الأمر من بعدي فلم يبايعه إلا علي ومن الخفي عندهم بعث النبي لقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلت فإنه بعث بها أولا أبا بكر ثم أوحي إليه ليبلغه رجل منك أو من قومك فبعث عليا ليكون القارىء المبلغ قالوا وهذا يدل على تقديم علي وأيضا فلم يعرف أنه قدم أحدا على علي وأما أبو بكر وعمر فقدم عليهما في غزاتين أسامة بن زيد مرة وعمر بن العاص أخرى وهذه كلها أدلة شاهدة بتعيين علي للخلافة دون غيره فمنها ما هو غير معروف ومنها ما هو بعيد عن تأويلهم ثم منهم من يرى أن هذه النصوص تدل على تعيين علي وتشخيصه وكذلك تنتقل منه إلى من بعده وهؤلاء هم الإمامية ويتبرأون من الشيخين حيث لم يقدموا عليا ويبايعوه بمقتضى هذه النصوص ويغمصون في إمامتها ولا يلتفت إلى نقل القدح فيهما من غلاتهم فهو مردود عندنا وعندهم ومنهم من يقول إن هذه الأدلة إنما اقتضت تعيين علي بالوصف لا بالشخص والناس مقصرون حيث لم يضعوا الوصف موضعه ولا هم الزيدية ولا يتبرأون من الشيخين ولا يغمصون في إمامتها مع قولهم بأن عليا أفضل منهما لكنهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل ثم اختلفت نقول هؤلاء الشيعة في مساق الخلافة بعد علي فمنهم من ساقها في ولد فاطمة بالنص عليهم واحدا بعد واحد على ما يذكر بعد هؤلاء يسمون الإمامية نسبة إلى مقالتهم باشتراط معرفة الإمام وتعيينه في الإيمان وهي أصل عندهم ومنهم من ساقها في ولد فاطمة لكن بالاختيار مع الشيوخ ويشترط أن يكون الإمام منهم عالما
198
زاهدا جوادا شجاعا ويخرج داعيا إلى إمامته وهؤلاء ثم الزيدية نسبة إلى صاحب المذهب وهو زيد بن علي بن الحسين السبط وقد كان يناظر أخاه محمدا الباقر على اشتراط الخروج في الإمام فيلزمه الباقر أن لا يكون أبوهما زين العابدين إماما لأنه لم يخرج ولا تعرض للخروج وكان مع ذلك ينعى عليه مذاهب المعتزلة وأخذه إياها عن واصل بن عطاء ولما ناظر الإمامية زيدا في إمامة الشيخين ورأوه يقول بإمامتهما ولا يتبرأ منهما رفضوه ولم يجعلوه من الأئمة وبذلك سموا رافضة ومنهم من ساقها بعد علي وابنيه السبطين على اختلافهم في ذلك إلى أخيهما محمد بن الحنفية ثم إلى ولده وهم الكيسانية نسبة إلى كيسان مولاه وبين هذه الطوائف اختلافات كثيرة تركناها اختصارا ومنهم طوائف يسمون الغلاة تجاوزا حد العقل والإيمان في القول بألوهية هؤلاء الأئمة إما على أنهم بشر اتصفوا بصفات الألوهية أو أن الإله حل في ذاته البشرية وهو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى في عيسى صلوات الله عليه ولقد حرق علي رضي الله عنه بالنار من ذهب فيه إلى ذلك منهم وسخط محمد بن الحنفية المختار بن أبي عبيد لما بلغه مثل ذلك عنه فصرح بلعنته والبراءة منه وكذلك فعل جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه بمن بلغه مثل هذا عنه ومنهم من يقول إن كمال الإمام لا يكون لغيره فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخر ليكون فيه ذلك الكمال وهو قول بالتناسخ ومن هؤلاء الغلاة من يقف عند واحد من الأئمة لا يتجاوزه إلى غيره بحسب من يعين لذلك عندهم وهؤلاء هم الواقفية فبعضهم يقول هو حي لم يمت إلا أنه غائب عن أعين الناس ويستشهدون لذلك بقصة الخضر قيل مثل ذلك في علي رضي الله عنه وإنه في السحاب والرعد صوته والبرق في صوته وقالوا مثله في محمد بن الحنفية وإنه في جبل رضوى من أرض الحجاز وقال شاعرهم ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواه علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الجيش يقدمه اللواء
199
تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء وقال مثله غلاة الإمامية وخصوصا الاثنا عشرية منهم يزعمون أن الثاني عشر من أئمتهم وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه المهدي دخل في سرداب بدارهم في الحلة وتغيب حين اعتقل مع أمه وغاب هنالك وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي وهم إلى الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك ويقفون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب وقد قدموا مركبا فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ثم ينفضون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية وهم على ذلك لهذا العهد وبعض هؤلاء الواقفية يقول إن الإمام الذي مات يرجع إلى حياته الدنيا ويستشهدون لذلك بما وقع في القرآن الكريم من قصة أهل الكهف والذي مر على قرية وقتيل بني إسرائيل حين ضرب بعظام البقرة التي أمروا بذبحها ومثل ذلك من الخوارق التي وقعت على طريق المعجزة ولا يصح الاستشهاد بها في غير مواضعها وكان من هؤلاء السيد الحميري ومن شعره في ذلك إذا ما المرء شاب له قذال وعللته المواشط بالخضاب فقد ذهبت بشاشته وأودى فقم يا صاح نبك على الشباب إلى يوم تتوب الناس فيه إلى دنياهم قبل الحساب فليس بعائد ما فات منه إلى أحد إلى يوم الإياب أدين بأن ذلك دين حق وما أنا في النشور بذي ارتياب كذاك الله أخبر عن أناس حيوا من بعد درس في التراب وقد كفانا مؤونة هؤلاء الغلاة أئمة الشيعة فإنهم لا يقولون بها ويبطلون احتاجاتهم عليها وأما الكيسانية فسباقوا الإمامة من بعد محمد بن الحنفية وإلى ابنه أبي هاشم وهؤلاء هم الهاشمية ثم افترقوا فمنهم من ساقها بعده إلى أخيه علي ثم إلى ابنه الحسن ابن علي وآخرون يزعمون أن أبا هاشم لما مات بأرض السراة منصرفا من الشام أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم المعروف بالإمام وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد الله بن الحارثية الملقب بالسفاح وأوصى هو
200
إلى أخيه عبد الله أبي جعفر الملقب بالمنصور وانتقلت في ولده بالنص والعهد واحدا بعد واحد إلى آخرهم وهذا مذهب الهاشمية القائمين بدولة بني العباس وكان منهم أبو مسلم وسليمان بن كثير وأبو سلمة الخلال وغيرهم من شيعة العباسية وربما يعضدون ذلك بأن حقهم في هذا الأمر يصل إليهم من العباس لأنه كان حيا وقت الوفاة وهو أولى بالوراثة بعصبية العمومة وأما الزيدية فساقوا الإمامة على مذهبهم فيها وإنها باختيار أهل الحل والعقد لا بالنص فقالوا بإمامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زيد بن علي وهو صاحب هذا المذهب وخرج بالكوفة داعيا إلى الإمامة فقتل وصلب بالكناسة وقال الزيدية بإمامة ابنه يحيى من بعده فمضى إلى خراسان وقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن السبط ويقال له النفس الزكية فخرج بالحجاز وتلقب بالمهدي وجاءته عساكر المنصور فقتل وعهد إلى أخيه إبراهيم فقام بالبصرة ومعه عيسى بن زيد بن علي فوجه إليهم المنصور عساكره فهزم وقتل إبراهيم وعيسى وكان جعفر الصادق أخبرهم بذلك كله وهي معدودة في كراماته وذهب آخرون منهم إلى أن الإمام بعد محمد ابن عبد الله النفس الزكية هو محمد بن القاسم بن علي بن عمر وعمر هو أخو زيد ابن علي فخرج محمد بن القاسم بالطالقان فقبض عليه وسيق إلى المعتصم فحبسه ومات في حبسه وقال آخرون من الزيدية إن الإمام بعد يحيى بن زيد هو أخوه عيسى الذي حضر مع إبراهيم بن عبد الله في قتاله مع منصور ونقلوا الإمامة في عقبه وإليه انتسب دعي الزنج كما نذكره في أخبارهم وقال آخرون من الزيدية إن الإمام بعد محمد بن عبد الله أخوه أدريس الذي فر إلى المغرب ومات هنالك وقام بأمره ابنه أدريس واختط مدينة فاس وكان من بعده عقبه ملوكا بالمغرب إلى أن انقرضوا كما نذكره في أخبارهم وبقي أمر الزيدية بعد ذلك غير منتظم وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان وهو الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل ابن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين السبط وأخوه محمد بن زيد ثم قام بهذه الدعوة في الديلم الناصر الأطروش منهم وأسلموا على يده وهو الحسن بن علي بن الحسن ابن علي بن عمر وعمر أخو زيد بن علي فكانت لبنيه بطبرستان دولة وتوصل
201
الديلم من نسبهم إلى الملك والاستبداد على الخلفاء ببغداد كما نذكر في أخبارهم وأما الإمامية فساقوا الإمامة من علي الرضى إلى ابنه الحسن بالوصية ثم إلى أخيه الحسين ثم إلى ابنه علي زين العابدين ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق ومن هنا افترقوا فرقتين فرقة ساقوها إلى ولده إسماعيل ويعرفونه بينهم بالإمام وهم الإسماعيلية وفرقة ساقوها إلى ابنه موسى الكاظم وهم الاثنا عشرية لوقوفهم عند الثاني عشر من الأئمة وقولهم بغيبته إلى آخر الزمان كما مر فأما الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام بالنص من أبيه جعفر وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه إنما هو بقاء الإمامة في عقبه كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما قالوا ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم وهو أول الأئمة المستورين لأن الإمام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر وتكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق وإذا كانت له شوكة ظهر وأظهر دعوته قالوا وبعد محمد المكتوم ابنه جعفر الصادق وبعده ابنه محمد الحبيب وهو آخر المستورين وبعده ابنه عبد الله المهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي في كتامة وتتابع الناس على دعوته ثم أخرجه من معتقله بسجلماسة وملك القيروان والمغرب وملك بنوه من بعد مصر كما هو معروف في أخبارهم ويسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل ويسمون أيضا بالباطنية نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن أي المستور ويسمون أيضا الملحدة لما في ضمن مقالتهم من الإلحاد ولهم مقالات قديمة ومقالات جديدة دعا إليها الحسن بن محمد الصباح في آخر المائة الخامسة وملك حصونا بالشام والعراق ولم تزل دعوته فيها إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر وملوك التتر بالعراق فانقرضت ومقالة هذا الصباح في دعوته مذكورة في كتاب الملل والنحل للشهرستاني وأما الاثنا عشرية فربما خصوا باسم الإمامية عند المتأخرين منهم فقالوا بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق لوفاة أخيه الأكبر إسماعيل الإمام في حياة أبيهما جعفر فنص على إمامة موسى هذا ثم ابنه علي الرضا الذي عهد إليه المأمون ومات قبله فلم يتم له أمر ثم ابنه محمد التقي ثم ابنه علي الهادي ثم ابنه محمد الحسن العسكري ثم ابنه محمد المهدي المنتظر الذي قدمناه قبل وفي كل واحدة من
202
هذه المقالات للشيعة اختلاف كثير إلا أن هذه أشهر مذاهبهم ومن أراد استيعابها ومطالعتها فعليه بكتاب الملل والنحل لابن حزم والشهرستاني وغيرهما ففيها بيان ذلك والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو العلي الكبير