ابن منير الطرابلسي

أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور؛ له ديوان شعر، وكان أبوه ينشد الأشعار، ويغني في أسواق طرابلس، ونشأ أبو الحسين المذكور، وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً كثير الهجاء خبيث اللسان، ولما كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه، وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة المتماثلين.


ومن شعره من جملة قصيدة:

 

وإذا الكريم رأى الخمول نزيلـه

 

في منزل فالحزم أن يتـرحـلا

سفها لحلمك أن رضيت بمشربٍ

 

رنق ورزق الله قد ملأ المـلا

ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً

 

أفلا فليت بهن ناصية الـفـلا

فارق ترق كالسيف سل فبان في

 

متنيه ما أخفى القراب وأخمـلا

لاتحسبن ذهاب نفـسـك مـيتةً

 

ما الموت إلا أن تعيش مذلـلاً

للقفر لا للفقر هبـهـا إنـمـا

 

مغناك ما أغناك أن تتـوسـلا

لاترضى من دنياك ماأدناك مـن

 

دنس وكن طيفاً جلا ثم انجلـى

وصل الهجير بهجر قوم كلـمـا

 

أمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا

من غادر خبثت مـغـارس وده

 

فإذا محضت له الوفـاة تـأولا

لله علمي بالـزمـان وأهـلـه

 

ذنب الفضيلة عندهم أن تكمـلا

طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم

 

إن قلت قال وإن سكت تقـولا

أنا من إذا ما الدهر هم بخفضـه

 

سامته همته السمـاك الأعـزلا

واعٍ خطاب الخطب وهو مجمجم

 

راعٍ أكل العيس من عدم الكـلا

زعم كمنبلج الـصـبـاح وراءه

 

عزم كحد السيف صادف مقتلا

 

ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها:

 

من ركب البدر في صدر الرديني

 

وموه السحر في حد اليمـانـي

وأنزل النير الأعلى إلى فـلـك

 

مداره في القباء الخسـروانـي

طرف رنا أم قراب سل صارمه

 

وأغيد ماس أم أعطاف خطـي

أذلني بعد عـز والـهـوى أبـداً

 

يستعبد الليث للظبي الكنـاسـي

 

ومنها أيضاً:

 

أما وذائب مـسـكٍ مـن ذوائبـه

 

على أعالي القضيب الخيزرانـي

ومايجن عقيقي الشـفـاه مـن ال

 

ريق الرحيقي والثغر الجمـانـي

لو قيل للبدر من في الأرض تحسده

 

إذا تجلس لقال ابـن الـفـلانـي

أربى علي بشتى من محـاسـنـه

 

تألفت بين مـسـمـوع ومـرئي

إباء فارس في لين الشآم مع الـظ

 

رف العراقي والنطق الحجـازي

وما المدامة بالألباب أفـتـك مـن

 

فصاحة البدو في ألفاظ تـركـي

وله أيضاً:

أنكرت مقلته سفـك دمـي

 

وعلى وجنته فاعـتـرفـت

لاتخالوا خـالـه فـي خـده

 

قطرة من دم جفني نطفـت

ذاك من نار فـؤادي جـذوة

 

فيه ساخت وانطفت ثم طفت

وله من جملة قصدة:

لاتغالطني فـمـا تـخ

 

فى علامات المـريب

أين ذاك البشـر يامـو

 

لاي من هذا القطوب؟

 

ونقلت من خط الشيخ الحافظ المحدث زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري رحمه الله تعالى قال: حكى لي أبو المجد قاضي السويداء، قال: كان بالشام شاعران ابن منير وابن القيسراني، وكان ابن منير كثيراً ما يبكت ابن القيسراني بأنه ما صحب أحدا إلا نكب، فاتفق أن أتابك عماد الدين زنكي صاحب الشام غناه مغن على قلعة جعبر، وهو يحاصرها، قول الشاعر:

 

ويلي من المعرض الغضبان إذ نقل ال

 

واشـي إلـيه حـديثـا كـلـه زور

سلمت فازور يزوي قوس حاجـبـه

 

كأنني كأس خمر وهو مـخـمـور

 

فاستحسنها زنكي، وقال: لمن هذه؟ فقيل: لابن منير، وهو بحلب، فكتب إلى والي حلب يسيره إليه سريعاً، فسيره، فليلة وصل ابن منير قتل أتابك زنكي - قلت: وسيأتي شرح الحال في ذلك على التفصيل في ترجمة زنكي إن شاء الله تعالى - قال: فأخذ أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، نور الدين محمود بن زنكي وعسكر الشام وعاد بهم إلى حلب، وأخذ زين الدين علي ولد مظفر الدين صاحب إربل عساكر بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل، وإلى سيف الدين غازي بن زنكي وملكه الموصل، فلما دخل ابن منير إلى حلب صحبة العسكر، قال له ابن القيسراني: هذه بجميع ما كانت تبكتني به! قلت: ولابن القيسراني المذكور في ابن منير، وكان قد هجاه:

 

ابن منير هجوت منـي

 

حبراً أفاد الورى صوابه

ولم تضيق بذاك صدري

 

فإن لي أسوة الصحابـه

 

أشعاره لطيفة فائقة.


وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس، وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب، ودفن في جبل جوشن، بقرب المشهد الذي هناك، رحمه الله تعالى.


وزرت قبره ورأيت عليه مكتوبا:

 

من زار قبري فليكن مرقناً

 

أن الـذي أقـاه يلـقـاه

فيرحم الله امرءا زارنـي

 

وقال لي: يرحمك الـلـه

 

وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فقال في ترجمته: حدث الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة، قال: رأيت أبا الحسين ابن منير الشاعر في النوم بعد موته، وأنا على قرنة بستان مرتفعة، فسألته عن حاله وقلت له: اصعد إلي، فقال: ما أقدر من رائحتي، فقلت: تشرب الخمر؟ فقال: شراً من الخمر ياخطيب، فقلت له: ماهو؟ فقال: تدري ماجرى علي من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس؟ فقلت له: ماجرى عليك منها؟ فقال: لساني قد طال وثخن حتى صار مد البصر، وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلابا تتعلق في لساني، وأبصرته حافياً عليه ثياب رثة إلى غاية، وسمعت قارئا يقرأ من فوقه لهم من فوقهم ظلل من النار - الآية ثم انتبهت مرعوبا.


قلت: ثم وجدت في ديوان أبي الحكم عبيد الله الآتي ذكره أن ابن منير توفي بدمشق سنة سبع وأربعين، ورثاه بأبيات تدل على أنه مات بدمشق منها وهي هزلية على عادته في ذلك:

 

أتوا به فوق أعواد تـسـير بـه

 

وغسلوه بشطي نهـر قـلـوط

وأسخنوا الماء في قدر مرصصة

 

وأشعلوا تحته عـيدان بـلـوط

وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع بين هذين الكلامين، فعساه أن يكون قد مات بدمشق قم نقل إلى حلب فدفن بها، والله أعلم.
ومنير: بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء.

ومفلح: بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام وبعدها حاء مهملة.

والطرابلسي - بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف باء موحدة مضمونة ثم سين مهملة - هذه النسبة إلى طرابلس، وهي مدينة بساحل الشام قريبة من بعلبك، وقد تزاد الهمزة إلى أولها فيقال أطرابلس، وأخذها الفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، وصاحبها يومئذ أبو علي عمار بن محمد بن عمار، بعد أن حوصرت سبع سنين، والشرح في ذلك يطول.

وجوشن: بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الشين المثلثة ثم نون جبل بحلب.