القاضي الرشيد ابن الزبير

القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي ابن القاضي الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني؛ كان من أهل الفضل والنباهة والرياسة، صنف كتاب جنان الجنان وياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء، وله ديوان شعر، ولأخيه القاضي المهذب أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضاً، وكان مجيدين في نظمهما ونثرهما.

ومن شعر القاضي المهذب - وهو معنى لطيف غريب - من جملة قصيدة بديعة:

 

وترى المجرة والنجوم كأنما

 

تسقي الرياض بجدول ملآن

لو لم تكن نهراً لما عامت بها

 

أبداً نجوم الحوت والسرطان

 

وله أيضا من جملة قصيدة:

 

ومالي إلى ماءٍ سوى النيل غلة

 

ولو أنه، أستغفر الله، زمـزم

 

وله كل معنى حسن، وأول شعر قاله سنة ست وعشرين وخمسمائة. وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل والذيل وهو أشعر من الرشيد، والرشيد أعلم منه في سائر العلوم، وتوفي بالقاهرة سنة إحدى وستين وخمسمائة في رجب، حمه الله تعالى.
وأما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ أبو الطاهر السلفي - رحمه الله تعالى - في بعض تعاليقه، وقال: ولي النظر بثغر الإسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، ثم قتل ظلماً وعدواناً في المحرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وذكره العماد أيضاً في كتاب السيل والذيل الذي ديل به علىالخريدة فقال: الخضم الزاخر، والبحر العباب، ذكرته في الخريدة وأخاه المهذب، قتله شاور ظلماً لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة ثلاث وستين وخمسمائة، كان أسود الجلدة، وسيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة والرياضات، والعلوم الشرعيات، والآداب الشعريات، ومما أنشدني له الأمير عضد الدولة أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ، وذكر أنه سمعها منه:

 

جلت لدي الرزايا بل جلت هممـي

 

وهل يضر جلاء الصارم الـذكـر

غيري يغيره عن حسن شـيمـتـه

 

صرف الزمان وما ياتي من الغـير

لو كانت النار للياقـوت مـحـرقة

 

لكان يشتبه الياقوت بـالـحـجـر

ولا تظن خفاء النجم مـن صـغـرٍ

 

فالذنب في ذاك محمول على البصر

 

قلت: وهذا البيت مأخوذ من قول أبي العلاء المعري في قصيدته الطويلة المشهورة، فإنه القائل فيها:

 

والنجم تستصغر الأبصـار رؤيتـه

 

والذنب للطرف لا للنجم في الصغر

 

وأورد له العماد الكاتب في الجزيرة أيضاً قوله في الكامل بن شاور:

 

إذا مانبت بالـحـر دار يودهـا

 

ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم

وهب بها صبـاً ألـم يدر أنـه

 

سيزعجه منها الحمام على رغم

 

وقال العماد: أنشدني محمد بن عيسى اليمني ببغداد سنة إحدى وخمسين، قال: أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل:

 

لئن خـاب ظـنـي بـعـدمـا

 

ظننت بأني قد ظفرت بمنصـف

فإنك قد قلـدتـنـي كـل مـنةٍ

 

ملكت بها شكري لدى كل موقف

 

وكان الرشيد أسود اللون، وفيه يقول أبو الفتح محمود بن قادوس الكاتب الشاعر يهجوه:

 

ياشبه لقمـان بـلا حـكـمةٍ

 

وخاسراً في العلم لا راسخـاً

سلخت أشعار الورى كلـهـا

 

فصرت تدعى الأسود السالخا

 

وفيه أيضاً كما يغلب على ظني هذا:

 

إن قلت من نار خـلـق

 

ت وفقت كل الناس فهما

قلنا صدقت فـمـا الـذي

 

أضناك حتى صرت فحما

 

وكان الرشيد سافر إلى اليمن رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها، وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني قال فيه:

 

لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطـوا

 

فلست أنال القحط في أرض قحطان

ومذ كفلت لي مـأرب بـمـآربـي

 

فلست علىأسوان يومـاً بـأسـوان

وإن جهلت حقي زعانف خـنـدفٍ

 

فقد عرفت فضلي غطارف همدان

 

فحسده الداعي في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى صاحب مصر، فكانت سبب الغضب عليه، فأمسكه وأنفذه إليه مقيداً مجرداً، وأخذ جميع موجوده، فأقام باليمن مدة ثم رجع إلى مصر، فقتله شاور كما ذكرناه، وكتب إليه الجليس بن الحباب:

 

ثروة الممكرمات بعدك فقر

 

ومحل العلا ببعدك قفـر

 

بك تجلى إذا حللت الدياجي

 

وتمر الأيام حيث تـمـر

أذنب الدهر في مسيرك ذنباً

 

ليس منه سوى إيا بك عذر

والغساني - بفتح الغين المعجمة والسين المهملة وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى غسان وهي قبيلة كبيرة من الأزد شربوا من ماء غسان، وهو باليمن فسموا به.

والأسواني - بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الواو وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أسوان، وهي بلدة بصعيد مصر، قال السمعاني: هي بفتح الهمزة، والصحيح الضم، هكذا قال لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر، نفعنا الله به آمين.