ابن سريج

أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، الفقيه الشافعي؛ قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في حقه في كتاب الطبقات: كان من عظماء الشافعيين، وأئمة المسلمين، وكان يقال له: الباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الإمام الشافعي، حتى على المزني، وإن فهرست كتبه كانت تشتمل على أربعمائة مصنف، وقام بنصرة مذهب الشافعي ورد على المخالفين، وفرع على كتب محمد بن الحسن الحنفي.

وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام، ومنه انتشر مذهب الشافعي في أكثر الآفاق.

وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له أبو بكر يوماً أنت تقول بالظاهر، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فمن يعمل نصف مثقال؟ فسكت محمد طويلا، فقال له أبو العباس لم لاتجيب؟ فقال أبلعني ريقي، فقال له أبو العباس: أبلعتك دجلة، وقال له يوماً: أمهلني ساعة، فقال: أمهلتك من الساعة إلى أن تقوم الساعة، وقال له يوماً: أكلمك من الرجل فتجيبني من الرأس، فقال له: هكذا البقر، إذا حفيت أظلافها دهنت قرونها.

وكان يقال له في عصره: إن الله بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة، أظهر كل سنة وأمات كل بدعه، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة، ومن الله تعالى بك على رأس الثلثمائة حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة، وكان له مع فضائله نظم حسن.

وتوفي لخمس بقين من جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة، وقيل: يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول ببغداد، ودفن في حجرته بسويقة غالب بالجانب الغربي بالقرب من محلة الكرخ، وعمره سبع وخمسون سنة وستة أشهر، رحمه الله تعالى. وقبره ظاهر في موضعه يزار، ولم يبق عنده عمارة ولا قبر، بل هو منفرد هناك.

رأى أبو العباس المذكور في مرضه الذي مات فيه كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول: أين العلماء؟ فجاءوا؛ فقال: ماذا عملتم في ما عملتم؟ فقالوا: يارب قصرنا وأسأنا، فأعاد السؤال كأنه لم يرضى به، وأراد جوابا آخر، فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي الشرك وقد وعدت أن تغفر ما دونه، فقال: اذهبوا فقد غفرت لكم؛ ومات بعد ذلك بثلاثة أيام، رحمه الله تعالى.

وكان جده سريج رجلاً مشهوراً بالصلاح الوافر - وهو بضم السين المهملة وفتح الراء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها والجيم - ورأيت في بعض الأجزاء أنه كان أعجمياً لايعرف بالعربية شيئاً، وأنه رأى الباري سبحانه وتعالى في النوم وحادثه وقال له في الآخر: ياسريج طلب كن، فقال: ياخدا سر بسر، قالها ثلاثا، وهذا لفظ عجمي معناه بالعربية: ياسريج اطلب، فقال: يارب رأس برأس، كما يقال: رضيت أن أخلص رأسا برأس، ثم وجدت في تاريخ بغداد أن صاحب المنام المذكورهو سريج بن يونس بن إبراهيم بن الحارث المروزي الزاهد العابد صاحب الكرامات، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائتين ببغداد، رحمه الله تعالى، ورأيت بالمنام جزءا منفردا متصل السماع بالإسناد إلى سريج المذكور، والقول الأول كنت سمعته من بعض المشايخ. والله أعلم.