اسحاق بن حنين

أبو يعقوب إسحاق بن حنين بن إسحاق العبادي، الطبيب المشهور؛ كان أوحد عصره في علم الطب، وكان يلحق بأبيه في النقل، وفي معرفته باللغات وفصاحته فيها. وكان يعرب كتب الحكة التي بلغة اليونانيين إلى اللغة العربية كما كان يفعل أبوه، إلا أن الذي يوجد من تعريبه في كتب الحكمة من كلام أرسطاطاليس وغيره أكثر مما يوجد من تعريبه لكتب الطب، وكان قد خدم من الخلفاء والرؤساء من خدمه أبوه، ثم انقطع إلى القاسم بن عبيد الله وزير الإمام المعتضد بالله، واختص به، حتى إن الوزير المذكور كان يطلعه على أسراره، ويفضي إليه بما يكتمه عن غيره.

وذكر ابن بطلان في كتاب دعوة الأطباء أن الوزير المذكور بلغه ان إسحاق المذكور استعمل دواء مسهلاً، فأحب مداعبته، فكتب إليه:

أبن لي كيف أمسيت

 

وما كان من الحـال

وكم سارت بك الناق

 

ة نحو المنزل الخالي

فكتب إليه جوابه:

بخير بت مسروراً

 

رخي البال والحال

فأما السير والنـاق

 

ة والمرتبع الخالي

فإجلالك أنسـانـي

 

ه ياغاية آمـالـي

وكنت قد وقفت في كتاب الكنايات على مثل هذه القضية، فذكر أن الأول كتب البيتين الأولين وأن الثاني كتب الجواب:

كتبت إليك والنـعـلان مـا إن

 

أقلهما من المشي الـعـنـيف

فإن رمت الجواب إلي فاكتـب

 

على العنوان يوصل في الكنيف

وله ولأبيه المصنفات المفيدة في الطب - وسيأتي ذكر أبيه إن شاء الله تعالى - ولحقه الفالج في آخر عمره.

وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، وقيل: تسع وتسعين ومائتين.

والعبادي - بكسر العين المهملة وفتح الباء الموحدة وبعد اللف دال مهملة - هذه النسبة إلى عباد الحيرة، وهم عدة بطون من قبائل شتى نزلوا الحيرة وكانوا نصارى ينسب إليهم خلق كثير، منهم عدي بن زيد العبادي الشاعر المشهور وغيره، قال الثعلبي في تفسيره في سورة المؤمنين في قوله تعالى فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون أي مطيعون متذللون، والعرب تسمي كل من دان الملك عابدا له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة العباد، لأنهم كانو أهل طاعة لملوك العجم.

والحيرة - بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء - وهي مدينة قديمة كانت لبني المنذر ومن تقدمهم من ملوك العرب مثل عمرو بن عدي اللخمي، وهو جد بني المنذر ومن بعده من أبنائه، وكانت من قبل عمرو لخاله الأبرش الأزدي صااحب الزباء، وخربت الحيرة، وبنيت الكوفة في الإسلام على ظهرها في سنة سبع عشرة للهجرة، بناها عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - على يد سعد بن ابي وقاص، رضي الله عنه.