الحلاج

أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج الزاهد المشهور؛ هو من أهل البيضاء وهي بلدة بفارس، ونشأ بواسط والعراق، وصحب أبا القاسم الجنيد وغيره، والناس في أمره مختلفون: فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يكفر. ورأيت في كتاب "مسكاة الأنوار" تأليف أبي حامد الغزالي فصلاً طويلاً في حاله، وقد اعتذر عن الألفاظ التي كانت تصدر عنه مثل قوله "أنا الحق" وقوله "ما في الجبة إلا الله" وهذه الإطلاقات التي ينبو السمع عنها وعن ذكرها وحملها كلها على محامل حسنة، وأولها، وقال: هذا من فرط المحبة وشدة الوجد، وجعل هذا مثل قول القائل:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا       نحن روحان حللنا بـدنـا
فإذا أبصرتني أبصـرتـه              وإذا أبصرته أبصرتـنـا

وكان ابتداء حاله على ما ذكره عز الدين ابن الأثير في تاريخه أنه كان يظهر الزهد والتصوف والكرامات ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ويمد يده إلى الهواء ويعيدها مملوءة دراهم عليها مكتوب: قل هو الله أحد، ويسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما يأكلون وما يصنعون في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائر الناس، فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول؛ وبالجملة فإن الناس اختلفوا فيه اختلافهم في المسيح عليه السلام، فمن قائل إنه حل فيه جزء إلهي ويدعي فيه الربوبية، ومن قائل إنه ولي الله تعالى وأن الذي يظهر منه من جملة كرامات الصالحين، ومن قائل أنه ممخرق ومستغش وشاعر كذاب ومتكهن والجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة بغير أوانها.

وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف شتاء ولا صيفاً، وكان يصوم الدهر فإذا جاء العشاء أحضر له الخادم كوز ماء وقرصاً فيشربه ويعض من القرص ثلاث عضات من جوانبه ويترك الباقي ولا يأكل شيئاً آخر النهار. وكان شيخ الصوفية بمكة عبد الله المغربي يأخذ أصحابه إلى زيارة الحلاج فلم يجده في الحجر وقيل قد صعد إلى جبل أبي قبيس، فصعد إليه فرآه على صخرة حافياً مكشوف الرأس والعرق يجري منه إلى الأرض، فاخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه وقال: هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله وسوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته؛ وعاد الحسين إلى بغداد. انتهى كلام ابن الأثير.

وكان في سنة 299 ادعى للناس أنه إله وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف من الناس، وانتشر له في الحاشية ذكر عظيم، ووقع بينه وبين الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية، فبعث به المقتدر إلى عيسى ليناظره، فأحضر مجلسه وخاطبه خطاباً فيه غلظة، فحكي انه تقدم إليه وقال له فيما بينه وبينه: قف من حيث انتهيت ولا تزد علي شيئاً وإلا خسفت الأرض من تحتك، وكلاماً في هذا المعنى، فتهيب عيسى مناظرته واستعفى منها فنقل في سنة 309 إلى حامد بن العباس الوزير، فحدث غلام لحامد كان موكلاً بالحلاج قال: دخلت عليه يوماً ومعي الطبق الذي عادتي أن أقدمه إليه كل يوم، فوجدته قد ملأ البيت بنفسه وهو من سقفه إلى أرضه وجوانبه ليس فيه موضع، فهالني ما رأيت منه ورميت الطبق من يدي وهربت؛ وحم هذا الغلام من هول ما رأى وبقي مدة محموماً، فكذبه حامد وشتمه وقال: ابعد عني؛ وكان دخوله إلى بغداد مشهراً على جمل وحبس في دار المقتدر، وأفتى العلماء بإباحة دمه.

وكان الحلاج قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلد من بلدان الجبل ووافقه على حيلة يعملها، فخرج الرجل فأقام عندهم سنتين يظهر النسك والعبادة وقراءة القرآن والصوم، فغلب على البلد حتى إذا تمكن أظهر أنه عمي فكان يقاد إلى مسجده ويتعامى في كل أحد شهوراً، ثم أظهر أنه زمن فكان يحبو ويحمل إلى المسجد النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقول أنه يطرق هذا البلد عبد صالح مجاب الدعوة تكون عافيتك على يديه ودعائه، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء أو من الصوفية لعل الله تعالى أن يفرج عني، فتعلقت النفوس لورود العبد الصالح، ومضى الجل الذي بينه وبين الحلاج فقدم البلد ولبس الثياب الصوف الرقاق وتفرد في الجامع فقال الأعمى: احملوني إليه، فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج قال له: يا عبد الله رأيت في النوم كذا وكذا فادع الله تعالى لي، فقال: ومن أنا وما تحكي؟ ثم دعا له ومسح يده عليه فقام مبصراً صحيحاً، فانقلب البلد وكثر الناس على الحلاج، فتركهم وخرج من البلد وأقام المتعافي المبرأ مما فيه شهوراً ثم قال لهم: إن من حق الله عندي ورده جوارحي علي أن أنفرد بالعبادة انفراداً أكثر من هذا، وان يكون مقامي في الغز، وقد عملت على الخروج إلى طرسوس، فمن كانت له حاجة يحملها، فأخرج هذا ألف درهم وقال: اغز بهذه عني، واخرج هذا مائة دينار وقال: اخرج بها غزاة من هناك، وأعطاه كل أحد شيئاً فاجتمع له ألوف دنانير ودراهم، فلحق بالحلاج وقاسمه عليها. وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد وزير المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر وقد قرئ عليه رقعة بخطه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد في داره شيئاً لا يلحقه نجاسة ولا يدخله أحد ومنع من يطرقه فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله طوافه بالبيت الحرام، فإذا انقضى ذلك وقضى من المناسك ما يقضي بمكة مثله جمع ثلاثين يتيماً وعمل لهم ما يمكنه من الطعام وأحضرهم إلى ذلك البيت وقدم إليهم ذلك الطعام وتولى خدمتهم بنفسه، فإذا أكلوا وغسلوا أيديهم كسا كل واحد منهم قميصاً ودفع إليه سبة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك قام له قيام الحج، فلما فرغ منها التفت إليه أبو عمر القاضي وقال له: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب "الإخلاص" للحسن البصري، فقال له أبو عمر: كذبت يا حلاج، اللهم قد سمعنا كتاب "الإخلاص" للحسن بمكة وليس فيه شيء مما ذكرت الخ.

ومن الشعر المنسوب إليه على اصطلاحهم وإشاراتهم قوله:

لا كنت إن كنت أدري كيف كنت، ولا           لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكـن

وقوله أيضاً على هذا الاصطلاح:

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له        إياك إياك أن تبتل بالمـاء

وغير ذلك مما يجري هذا المجرى وينبني على هذا الأسلوب.

وقال أبو بكر ابن ثواية القصري: سمعت الحسين بن منصور وهو على الخشبة يقول:

طلبت المستقر بكل أرض          فلم أر لي بأرض مستقرا
أطعت مطامعي فاستعبدتني     ولو أني قنعت لكنت حرا

والبيت الذي قبل قوله:

لا كنت إن كـنـت أدري...

أرسلت تسأل عني كيف كنت وما          لاقيت بعدك من هم ومن حزن

وقيل: إن بعضهم كتب إلى أبي القاسم سمنون بن حمزة الزاهد يسأله عن حاله، فكتب إليه هذين البيتين، والله أعلم.

وبالجملة فحديثه طويل وقصته مشهورة والله يتولى السرائر.

وكان جده مجوسياً وصحب هو أبا القاسم الجنيد ومن في طبقته، وأفتى أكثر علماء عصرة بإباحة دمه.

ويقال: إن أبا العباس ابن سريج كان إذا سئل عنه يقول: هذا رجل خفي عني حاله، وما أقول فيه شيئاً. وكان قد جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير الإمام المقتدر بحضرة القاضي أبي عمر، فأفتى بحل دمه وكتب خطه بذلك وكتب معه من حضر المجلس من الفقهاء، فقال لهم الحلاج: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علي بما يبيحه، وأنا اعتقادي الإسلام ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين وبقية العشرة من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين فالله الله في دمي، ولم ينزل يردد هذا القول وهم يكتبون خطوطهم إلى أن استكملوا ما احتاجوا إليه ونهضوا من المجلس، وحمل الحلاج إلى السجن.

وكتب الوزير إلى المقتدر يخبره بما جرى في المجلس وسير الفتوى، فعاد جواب المقتدر بأن القضاة إذا كانوا قد أفتوا بقتله فليسلم إلى صاحب الشرطة، وليتقدم إليه بضربه ألف سوط، فإن مات من الضرب وإلا ضربه ألف سوط أخرى؛ ثم تضرب عنقه، فسلمه الوزير إلى الشرطي وقال له ما رسم به المقتدر، وقال: إن لم يتلف بالضرب فتقطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم تحز رقبته وتحرق جثته، وإن خدعك وقال لك: أنا أجري الفرات ودجلة ذهباً وفضة، فلا تقبل ذلك منه ولا ترفع العقوبة عنه، فتسلمه الشرطي ليلاً، وأصبح يوم الثلاثاء لسبع بقين، وقيل لست بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلثمائة، فأخرجه عند باب الطاق، واجتمع من العامة خلق كثير لا يحصى عددهم، وضربه الجلاد ألف سوط، ولم يتأوه بل قال للشرطي لما بلغ ستمائة: ادع بي إليك، فإن لك عندي نصيحة تعدل فتح قسطنطينية، فقال له: قد قيل لي عنك إنك تقول هذا واكثر منه وليس إلى أن أرفع الضرب عنك سبيل، فلما فرغ ضربه قطع أطرافه الأربعة، ثم حز رأسه وأحرق جثته، ولما صارت رماداً ألقاها في دجلة، ونصب الرأس ببغداد على الجسر، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوماً.
واتفق أن زادت دجلة في تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها. وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل، وإنما ألقى شبهه على عدو له. وادعى بعضهم أنه رآه في ذلك اليوم بعد الذي عاينوه من الحال التي جرت عليه وهو راكب على حمار في طريق النهروان وقال لهم: لعلكم مثل هؤلاء النفر الذين ظنوا أني هو المضروب والمقتول؛ ومن شعره المنسوب إليه:

متى سهرت عيني لغيرك أو بكـت              فلا بلغت ما أمـلـت وتـمـنـت
وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت            بأرض المنى من وجنتيك وجـنـت

وشرح حاله فيه طول، وفيما ذكرناه كفاية.

والحلاج: بفتح الحاء المهملة وتشديد اللام وبعدها ألف ثم جيم. وإنما لقب بذلك لأنه جلس على حانوت حلاج واستقضاه شغلاً، فقال الحلاج: أنا مشتغل بالحلج، فقال له: امض في شغلي حتى أحلج عنك، فمضى الحلاج وتركه، فلما عاد رأى قطنه جميعه محلوجاً. وقيل إنه كان يتكلم قبل أن ينسب إليه على الأسرار ويخبر عنها، فسمي بذلك حلاج الأسرار.

والبيضاء: بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الضاد المعجمة وبعدها همزة ممدودة.

قلت: وبعد الفراغ من هذه الترجمة، وجدت في كتاب "الشامل" في أصول الدين، تصنيف الشيخ العلامة إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد الجويني رحمهما الله تعالى-الآتي ذكره إن شاء الله تعالى-فصلاً ينبغي ذكره ههنا والتنبيه على الوهم الذي وقع فيه، فإنه قال، وقد ذكر طائفة من الأثبات الثقات: إن هؤلاء الثلاثة تواصوا على قلب الدولة، والتعرض لإفساد المملكة، واستعطاف القلوب واستمالتها، وارتاد كل واحد منهم قطراً: أما الجنابي فأكناف الأحساء، وابن المقفع توغل في أطراف بلاد الترك، وارتاد الحلاج قطر بغداد، فحكم عليه صاحباه بالهلكة والقصور عن درك الأمنية لبعد أهل العراق عن الانخداع؛ هذا آخر كلام إمام الحرمين، رحمه الله.

قلتك وهذا كلام لا يستقيم عند أرباب التواريخ، لعدم اجتماع الثلاثة المذكورين في وقت واحد: أما الحلاج والجنابي فيمكن اجتماعهما لأنهما كانا في عصر واحد، ولكن لا أعلم هل اجتمعا أم لا. والمراد بالجنابي هو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام القرمطي، رئيس القرامطة وحديثهم وحروبهم وخروجهم على الخلفاء والملوك مشهور فلا حاجة إلى الإطالة بشرحه في هذا المكان، بل إن يسر الله تعالى تحرير التاريخ الكبير، فسأذكر فيه حديثهم مستوفى، إن شاء الله تعالى.

وبعد أن جرى ذكرهم، فينبغي أن نذكر منه فصلاً مختصراً ههنا، حتى لا يخلو هذا الكتاب من حديثهم، فأقول: إن شيخنا عز الدين أبا الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير ذكر في تاريخه الكبير الذي سماه "الكامل" أول أمرهم، وأطال الحديث فيه، وشرح في كل سنة ما كان يجري لهم فيها، فاخترت ههنا شيئاً من ذلك طلباً للإيجاز.

وأول ما شرع فيه في سنة ثمان وسبعين ومائتين، فقال: في هذه السنة تحرك قوم بسواد الكوفة يعرفون بالقرامطة، ثم بسط القول في ابتداء أمرهم، وحاصله: أن رجلاً أظهر العبادة والزهد والتقشف، وكان يسف الخوص ويأكل من كسبه وكان يدعو الناس إلى إمام من أهل البيت، رضي الله عنهم؛ وأقام على ذلك مدة، فاستجاب له خلق كثير، وجرت له أحوال أوجبت له حسن الاعتقاد فيه، وانتشر ذكرهم بسواد الكوفة. ثم قال شيخنا ابن الأثير بعد هذا في سنة ست وثمانين ومائتين: وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنابي بالبحرين، واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة وقوي أمره، فقتل من حوله من أهل تلك القرى. وكان أبو سعيد المذكور يبيع للناس الطعام، ويحسب لهم بيعهم، ثم عظم أمرهم وقربوا من نواحي البصرة، فجهز إليهم الخليفة المعتضد بالله جيشاً يقاتلهم مقدمة العباس بن عمرو الغنوي، فتواقعوا وقعة شديدة، وانهزم أصحاب العباس واسر العباس، وكان ذلك في آخر شعبان سنة سبع وثمانين فيما بين البصرة والبحرين. وقتل أبو سعيد الأسري وأحرقهم، واستبقى العياس ثم أطلقه بعد أيام وقال له: امض إلى صاحبك وعرفه ما رأيت، فدخل بغداد في شهر رمضان من السنة، وحضر بين يدي المعتضد فخلع عليه.

ثم إن القرامطة دخلوا بلاد الشام في سنة تسع وثمانين ومائتين، وجرت بين الطائفتين وقعات يطول شرحها. ثم قتل أبو سعيد المذكور في سنة إحدى وثلثمائة، قتله خادم له في الحمام وقام مقامه ولده أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد، ولما قتل أبو سعيد كان قد استولى على هجر والقطيف والطائف وسائر بلاد البحرين.

وفي سنة إحدى عشرة وثلثمائة في شهرربيع الآخر منها، قصد أبو طاهر وعسكره البصرة وملكوها بغير قتال، بل صعدوا إليها ليلاً بسلالم الشعر، فلما حصلوا بها واحسوا بهم ثاروا إليهم فقتلوا متولي البلاد ووضعوا السيف في الناس فهربوا منهم، وأقام أبو طاهر سبعة عشر يوماً يحمل منها الأموال، ثم عاد إلى بلده، ولم يزالوا يعيشون في البلاد ويكثرون فيها الفساد من القتل والسبي والنهب والحريق إلى سنة سبع عشرة وثلثمائة، فحج الناس فيها، وسلموا في طريقهم.

ثم وافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، فنهبوا أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه؛ وقلع الحجر الأسود وأنفذه إلى هجر، فخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف فقاتلوه فقتلهم أجمعين وقلع باب الكعبة، واصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام من غير كفن ولا غسل ولا صلاة على أحد منهم. وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهيب دور أهل مكة، فلما بلغ ذلك المهدي عبيد الله صاحب إفريقية-الآتي ذكره إن شاء الله تعالى-كتب إليه ينكر عليه ذلك ويلومه ويلعنه ويقيم عليه القيامة، ويقول له: حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا الكفر واسم الإلحاد بما قد فعلت، فإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما قد أخذت منهم، وترد الحجر الأسود إلى مكانه وترد كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة. فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر، واستعاد ما أمكنه من أموال أهل مكة فرده. ثم ذكر شيخنا ابن الأثير في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة أن القرامطة ردوا الحجر إلى مكة وقالوا: أخذناه بأمر وأعدناه بأمر. وكان بجكم التركي أمير بغداد والعراق قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار فلم يردوه، وردوه الآن. وقال غير شيخنا: إنهم ردوه إلى مكانه من الكعبة المعظمة لخمس خلون من ذي القعدة، وقيل من ذي الحجة من السنة، في خلافة المطيع لله، وإنه لما أخذوه تفسخ تحته ثلاثة جمال قوية من ثقله، وحملوه لما أعادوه على جمل واحد ضعيف فوصل به سالماً.

قلت: وهذا الذي ذكره شيخنا-من كتاب المهدي إلى القرمطي في معنى الحجر، وأنه رده لذلك-لا يستقيم، لأن المهدي توفي سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وكان رد الحجر في سنة تسع وثلاثين، فقد ردوه بعد موته بسبع عشرة سنة، والله أعلم.

ثم قال شيخنا عقيب هذا: ولما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة، وعلقوه بجامعها حتى رآه الناس، ثم حملوه إلى مكة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة.

قلت: وقد ذكر غير شيخنا أن الذي رده هو ابن سنبر، وكان من خواص أبي سعيد.

ثم ذكر شيخنا في سنة ستين وثلثمائة أن القرامطة وصلوا إلى دمشق فملكوها وقتلوا جعفر بن فلاح نائب المصريين-وقد سبق في ترجمة جعفر المذكور طرف من خبر هذه القضية-ثم بلغ عسكر القرامطة إلى عين شمس، وهي على باب القاهرة، وظهروا عليهم، ثم انتصر أهل مصر عليهم فرجعوا عنهم.

قلت: وعلى الجملة فالذي فعلوه في الإسلام لم يفعله أحد قبلهم ولا بعدهم من المسلمين، وقد ملكوا كثيراً من بلاد العراق والحجاز وبلاد الشرق والشام إلى باب مصر، ولما أخذوا الحجر تركوه عندهم في هجر، وقتل أبو طاهر المذكور في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة.

والقرمطي: بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة؛ والقرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض، يقال: خط مقرمط، ومشي مقرمط، إذا كان كذلك. وكان أبو سعيد المذكور قصيراً مجتمع الخلق أسمر كريه المنظر، فلذلك قيل له قرمطي. وقد ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني فصلاً طويلاً من أحوالهم في كتاب "كشف أسرار الباطنية".

وأما الجنابي: فإنه بفتح الجيم وتشديد النون وبعد الألف باء موحدة، وهذه النسبة إلى جنابة، وهي بلدة من أعمال فارس متصلة بالبحرين عند سيراف، والقرامطة منها، فنسبوا إليها. والأحساء-بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وبعدها سين مهملة ثم همزة ممدودة-وهي كورة في تلك الناحية، فيها بلاد كثيرة منها جنابة المذكورة وهجر والقطيف-وهي بفتح القاف وكسر الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها فاء-وغير ذلك من البلاد؛ والأحساء: جمع حسي-بكسر الحاء وسكون السين المهملة-والحسي: ماء تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته فتحفر العرب عنه الرمل فتستخرجه. ولما كانت هذه الأرض كثيرة الأحساء سميت بهذا الاسم، وصار علماً عليها لا تعرف إلا به.

وأما البحرين فقد قال الجوهري في كتاب "الصحاح": البحرين بلد، والنسبة إليه بحراني، وقال الأزهري: إنما ثنوا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر الأعظم عشرة فراسخ، وقدرت البحيرة ثلاثة أميال في مثلها، ولا يغيض ماؤها، وهو راكد زعاق، وهذه النواحي كلها بلاد العرب، وهي وراء البصرة تتصل بأطراف الحجاز وهي على ساحل البحر المتصل باليمن والهند، بالقرب من جزيرة قيس ابن عميرة وهي التي تسميها العامة كيش، وهي في وسط البحر بين عمان وبلاد فارس، وفي تلك الناحية أيضاً رامهرمز وغيرها من البلاد، والله أعلم.

وأما ابن المقفع فهو عبد الله ابن المقفع الكاتب المشهور بالبلاغة، صاحب الرسائل البديعة، وهو من أهل فارس، وكان مجوسياً فأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح والمنصور الخليفتين الأولين من خلفاء بني العباس، ثم كتب له واختص به. ومن كلامه "شربت من الخطب ريا، ولم أضبط لها رويا، فغاضت ثم فاضت، فلا هي هي نظاما، وليست غيرها كلاما". وقال الهيثم ابن عدي: جاء ابن المقفع إلى عيسى بن علي فقال له: قد دخل الإسلام في قلبي، وأريد أن أسلم على يدك، فقال له عيسى: ليكن ذلك بمحضر من القواد ووجوه الناس، فإذا كان الغد فاحضر؛ ثم حضر طعام عيسى عشية ذلك اليوم، فجلس ابن المقفع يأكل ويزمزم على عادة المجوس، فقال له عيسى: أتزمزم وأنت على عزم الإسلام؟ فقال: أكره أن أبيت على غير دين، فلما أصبح أسلم على يده.

وكان ابن المقفع مع فضله يتهم بالزندقة، فحكى الجاحظ أن ابن المقفع ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد كانوا يتهمون في دينهم؛ قال بعضهم: فكيف نسي الجاحظ نفسه؟ وكان المهدي بن المنصور الخليفة يقول: ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع؛ وقال الأصمعي: صنف ابن المقفع المصنفات الحسان منها "الدرة اليتيمة" التي لم يصنف في فنها مثلها؛ وقال الأصمعي: قيل لابن المقفع: من أدبك؟ فقال: نفسي، إذا رأيت من غيري حسناً أتيته وإن رأيت قبيحاً أبيته. واجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد صاحب العروض، فلما افترقا قيل للخليل: كيف رايته؟ فقال: علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: عقله أكثر من علمه. ويقال: إن ابن المقفع هو الذي وضع كتاب "كليلة ودمنة"، وقيل: إنه لم يضعه وإنما كان باللغة الفارسية فعربه ونقله إلى العربية، وإن الكلام الذي في أول هذا الكتاب من كلامه. وكان ابن المقفع يعبث بسفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة أمير البصرة وينال من أمه ولا يسميه إلا بابن المغتلمة، وكثر ذلك منه، فقدم سليمان وعيسى ابنا علي البصرة-وهما عما المنصور-ليكتبا أماناً لأخيهما عبد الله بن علي من المصور، وكان عبد الله المذكور قد خرج على ابن أخيه المنصور وطلب الخلافة لنفسه، فأرسل إليه المنصور جيشاً مقدمه أبو مسلم الخراساني، فانتصر أبو مسلم عليه. وهرب عبد الله بن علي إلى أخويه سليمان وعيسى، واستتر عندهما خوفاً على نفسه من المنصور، فتوسطا له عند المنصور ليرضى عنه، ولا يؤاخذه بما جرى منه، فقبل شفاعتهما، واتفقوا على أن يكتب له أمان من المنصور، وهذه الواقعة مشهورة في كتب التواريخ. وقد أتيت منها في هذا المكان بما تدعو الحاجة إليه لينبني الكلام بعضه على بعض. فلما أتيا البصرة قالا لعبد الله ابن المقفع: اكتبه أنت وبالغ في التأكيد كي لا يقتله المنصور. وقد ذكرت أن ابن المقفع كان كاتباً لعيسى بن علي، فكتب ابن المقفع الأمان وشدد فيه حتى قال في جملة فصوله: "ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله بن علي، فتساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حل من بيعته".

وكان ابن المقفع يتنوق في الشروط فلما وقف عليه المنصور عظم ذلك عليه، وقال: من كتب هذا؟ فقالوا له: رجل يقال له عبد الله ابن المقفع يكتب لأعمامك، فكتب إلى سفيان متولي البصرة المقدم ذكره يأمره بقتله، وكان سفيان شديد الحنق عليه للسبب الذي تقدم ذكره، فاستأذن ابن المقفع يوماً على سفيان، فأخر إذنه حتى خرج من كان عنده، ثم أذن له فدخل، فعدل به إلى حجرة فقتل فيها.

وقال المدائني: لما دخل ابن المقفع على سفيان، قال له: أتذكر ما كنت تقول في أمي؟ فقال: أنشدك الله أيها الأمير في نفسي، فقال: أمي مغتلمة إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد، وأمر بتنور فسجر، ثم أمر بابن المقفع فقطعت أطرافه عضواً عضواً، وهو يلقيها في التنور، وهو ينظر، حتى أتى على جميع جسده، ثم أطبق عليه التنور، وقال: ليس علي في المثلة بك حرج لأنك زنديق وقد أفسدت الناس.

وسأل سليمان وعيسى عنه فقيل: إنه دخل دار سفيان سليماً ولم يخرج منها، فخاصماه إلى المنصور، وأحضراه إليه مقيداً، وحضر الشهود الذين شاهدوه وقد دخل داره ولم يخرج، فأقاموا الشهادة عند المنصور، فقال لهم المنصور: أنا أنظر في هذا الأمر، ثم قال لهم: أرأيتم إن قتلت سفيان به ثم خرج ابن المقفع من هذا البيت-وأشار إلى باب خلفه-وخاطبكم ما تروني صانعاً بكم؟ أأقتلكم بسفيان؟! فرجعوا كلهم عن الشهادة، وأضرب عيسى وسليمان عن ذكره، وعلموا أن قتله كان برضا المنصور. ويقال: إنه عاش ستاً وثلاثين سنة.

وذكر الهيثم بن عدي أن ابن المقفع كان يستخف بسفيان كثيراً، وكان أنف سفيان كبيراً، فكان إذا دخل عليه قال: السلام عليكما، يعني نفسه وأنفه؛ وقال له يوماً: ما تقول في شخص مات وخلف زوجاً وزوجة؟ يسخر به على رؤوس الناس، وقال سفيان يوماً: ما ندمت على سكوت قط، فقال له ابن المقفع: الخرس زين لك فكيف تندم عليه؟! وكان سفيان يقول: والله لأقطعنه إرباً إرباً وعينه تنظر، وعزم على أن يغتاله، فجاءه كتاب المنصور بقتله فقتله.

وقال البلادري: لما قدم عيسى بن علي البصرة في أمر أخيه عبد الله بن علي قال لابن المقفع: اذهب إلى سفيان في أمر كذا وكذا، فقال: ابعث إليه غيري، فإني أخاف منه، فقال: اذهب فأنت في أماني، فذهب إليه ففعل به ما ذكرناه، وقيل: إنه ألقاه في بئر المخرج وردم عليه الحجارة، وقيل أدخله حماماً وأغلق عليه بابه فاختنق.

قلت: ذكر صاحبنا شمس الدين أبو المظفر يوسف الواعظ سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي الواعظ المشهور في تاريخه الكبير الذي سماه "مرآة الزمان" أخبار ابن المقفع وما جرى له وقتله في سنة خمس وأربعين ومائة، ومن عادته أن يذكر كل واقعة في السنة التي كانت فيها، فيدل على أن قتله كان في السنة المذكورة، وفي كلام عمر بن شبه في كتاب "أخبار البصرة" ما يدل على أن ذلك كان في سنة اثنتين وأربعين ومائة أو ثلاث وأربعين.

ولا خلاف في أن سليمان بن علي المقدم ذكره مات في سنة اثنتين وأربعين ومائة، وقد ذكرنا أنه قام مع أخيه عيسى بن علي في طلب ثأر ابن المقفع، فيدل أيضاً على أنه قتل في هذه السنة، والله أعلم. وابن المقفع له شعر، وهو مذكور في كتاب "الحماسة"، وسيأتي في ترجمة أبي عمرو ابن العلاء المقرئ له مرثية فيه. وقد قيل: إنها لولده محمد بن عبد الله ابن المقفع على ما ذكرته هناك من الخلاف، فلينظر فيه. وكيفما كان، فإن تاريخ قتله لم يكن بعد سنة خمس وأربعين ومائة وإنما كان فيها أو فيما قبلها، وإذا كان كذلك، فكيف يتصور أن يجتمع بالحلاج والجنابي-كما ذكره إمام الحرمين رحمه الله تعالى-ومن ها هنا حصل الغلط، وايضاً فإن ابن المقفع لم يفارق العراق، فكيف يقول: إنه توغل في بلاد الترك، وإنما كان مقيماً بالبصرة ويتردد في بلاد العراق، ولم تكن بغداد موجودة في زمنه، فإن المنصور أنشأها في مدة خلافته: فاختطها في سنة أربعين ومائة، واستتم بناءها ونزلها في سنة ست وأربعين، وفي سنة تسع وأربعين تم جميع بنائها، وهي بغداد القديمة التي كانت بالجانب الغربي على دجلة، وهي بين الفرات ودجلة كما جاء في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تنشأ مدينة في هذا المكان، وهذا الحديث هو الذي ذكره الخطيب أبو بكر البغدادي في أول تاريخه الكبير وقد غاب عني الآن لفظه فلهذا لم أذكره. وبغداد في هذا الزمان هي الجديدة التي في الجانب الشرقي وفيها دور الخلفاء، وهي قاعدة الملك في هذا الوقت، وكان السفاح وأخوه المنصور قد نزلا بالكوفة، ثم بنى السفاح بليدة عن الأنبار سماها الهائمية، فانتقلا إليها، ثم انتقلا إلى الأنبار، وبها مت السفاح وقبره ظاهر بها، وأقام المنصور على ذلك إلى أن بنى بغداد فانتقل إليها.

والمقفع-بضم الميم وفتح القاف وتشديد الفاء وفتحها وبعدها عين مهملة-واسمه داوديه، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي في أيام ولايته العراق وبلاد فارس قد ولاه خراج فارس فمد يده وأخذ الأموال، فعذبه فتقفعت يده فقيل له المقفع، وقيل: بل ولاه خالد بن عبد الله القسري-الآتي ذكره إن شاء الله تعالى-وعذبه يوسف بن عمر الثقفي الآتي ذكره لما تولى العراق بعد خالد، والله أعلم أي ذلك كان.

وقال ابن مكي في كتاب "تثقيف اللسان" ويقولون: ابن المقفع والصواب ابن المقفع-بكسر الفاء-لأن أباه كان يعمل القفاع ويبيعها.

قلت: والقفاع بكسر القاف جمع قفعة بفتح القاف، وهي شيء يعمل من الخوص شبيه الزبيل لكنه بغير عروة، والقول الأول هو المشهور بين العلماء، وهو فتح الفاء.

قلت: ولما وقفت على كلام إمام الحرمين-رحمه الله تعالى-ولم يمكن أن يكون ابن المقفع أحد الثلاثة المذكورين قلت: لعله أراد المقنع الخراساني الذي ادعى الربوبية، وأظهر القمر-كما شرحته في ترجمته بعد هذا في حرف العين- فإن اسمه عطاء، ويكون الناسخ قد حرف كلام إمام الحرمين فأراد أن يكتب المقنع فكتب المقفع فإنه يقرب منه في الخط. فيكون الغلط والتحريف من الناسخ لا من الإمام، ثم أفكرت في أنه لا يستقيم أيضاً، لأن المقنع الخراساني قتل نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة-كما ذكرناه في ترجمته-فما أدرك الحلاج والجنابي أيضاً. وإذا أردنا تصحيح هذا القول وأن ثلاثة اجتمعوا واتفقوا على الصورة التي ذكرها إمام الحرمين فما يمكن أن يكون الثالث إلا ابن الشلمغاني، فإنه كان في عصر ا لحلاج والجنابي، وأموره كلها مبنية على التمويهات، وقد ذكره جماعة من أرباب التاريخ، فقال شيخنا عز الدين بن الأثير في تاريخه الكبير في سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة فصلاً طويلاً اختصرته، وهو: وفي هذه السنة قتل أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن ابي العزاقر، وسبب ذلك أنه أحدث مذهباً غالياً في التشيع والتناسخ وحلول الإلهية فيه، إلى غير ذلك مما يحكيه، وأظهر ذلك من فعله أبو القاسم الحسين بن روح الذي تسميه الأمامية "الباب" فطلب ابن الشلمغاني فاستتر وهرب إلى الموصل وأقام سنين، ثم انحدر إلى بغداد وظهر عنه أنه يدعي الربوبية، وقيل: إنه تبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر بالله وابنا بسطام وإبراهيم بن أحمد بن أبي عون وغيرهم، وطلبوا في أيام وزارة ابن مقلة للمقتدر فلم يوجدوا، فلما كان في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة ظهر ابن الشلمغاني، فقبض عليه ابن مقلة وحبسه وكبس داره، فوجد فيها رقاعاً وكتباً ممن يدعي أنه على مذهبه يخاطبونه بما لا يخاطب به البشر بعضهم بعضاً، فعرضت على ابن الشلمغاني فأقر أنها خطوطهم وأنكر مذهبه، واظهر الإسلام، وتبرأ مما يقال فيه. وأحضر ابن أبي عون وابن عبدوس معه عند الخليفة، فأمر بصفعه فامتنعا، فلما أكرها مد ابن عبدوس يده فصفعه، وأما ابن أبي عون فإنه مد يده إلى لحيته ورأسه، وارتعدت يده وقبل لحية ابن الشلمغاني ورأسه وقال: إلهي وسيدي ورازقي، فقال له الخليفة الراضي بالله: قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية فما هذا؟ فقال: وما علي من قول ابن أبي عون؟ والله يعلم أنني ما قلت له إنني إله قط، فقال ابن عبدوس: إنه لم يدع إلهية، إنما ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر، ثم أحضروا مرات ومعهم الفقهاء والقضاة، وفي آخر الأمر أفتى الفقهاء بإباحة دمه، فأحرق بالنار في ذي القعدة من سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة.

وذكره محب الدين بن النجار في "تاريخ بغداد" في ترجمة ابن أبي عون المذكور وقال: إن ابن أبي عون ضربت عنقه بعد أن ضرب بالسياط ضرباً مبرحاً لمتابعته ابن الشلمغاني، وصلب ثم أحرق بالنار، وذلك في يوم الثلاثاء لليلة خلت من ذي القعدة من السنة المذكورة.

قلت: وابن أبي عون هو صاحب التصانيف المليحة منها "التشبيهات" و"الأجوبة المسكتة" وغير ذلك، وكان من أعيان الكتاب.

والشلمغاني-بفتح الشين المعجمة وسكون اللام وبعدها ميم ثم غين معجمة وبعد الألف نون-هذه النسبة إلى شلمغان، وهي قرية بنواحي واسط، وقد ذكره السمعاني في كتاب "الأنساب" أيضاً، والله أعلم.