الحافظ السلفي

الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب، ورد بغداد، واشتغل بها على الكيا أبي الحسن علي الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكيريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي باللغة. وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأمائل، وجاب البلاد وطاف الآفاق، ودخل ثغر الاسكندرية سنة إجدى عشرة وخمسمائة في ذي القعدة، وكان قدومه إليه في البحر من مدينة صور، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البيعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار، وزير الظافر العبيدي صاحب مصر، في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن، وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني. وكان قد كتب الكثير، ونقلت من خطة فوائد جمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي من قصيدة:

لولا اشتغالي بالأمير ومـدحـه

 

لأطلت في ذاك الغزال تغزلي

لكن أوصاف الجلال عذبن لـي

 

فتركت أوصاف الجمال بمعزل

ونقلت من خطه أيضا لبثينة صاحبة جميل ترثيه:

وإن سلوي عن جمـيل لـسـاعة

 

من الدهر ما حانت ولا حان حينها

سواء علينا يا جميل بن مـعـمـر

 

إذا مت بأساء الحـياة ولـينـهـا

وكان كثيراً ما ينشد:

قالوا نفوس الدار سكانهـا

 

وأنتم عندي نفوس النفوس

وأمياله وتعاليقه كثيرة، والاختصار بالمختصر أولى.

وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريباً بأصبهان، وتوفي ضحوة نهار الجمعة - وقيل: ليلة الجمعة - خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الاسكندرية، ودفن في وعلة، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره.

ووعلة: بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء، ويقال: إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري، صاحب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل غير ذلك، رحمه الله تعالى.

قلت: وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية، من جملتهم: الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، محدث مصر في زمانه، يقولون في مولد الحافظ السفلي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض، تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص الصفراوي الاسكندري، أن الحافظ أبا طاهر السفلي المذكور - وهوشيخه - كان يقول: مولدي بالتخمين، لاباليقين، سنة ثمان وسبعين، فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانياً وتسعين سنة، هذا آخر كلام الصفراوي المذكور. ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي، فإنه قال: قال عبد الغني المقدسي: سألت الحافظ السفلي عن مولده، فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان لي من العمر حدود عشر سنين  قلت: ولو كان مولده على ما يقوله أهل مصر أنه في سنة اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فانه على مايقولون قد كان عمره ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، ولم تجر العادة أن من يكون في هذا السن يقول: أنا أذكر القضية الفلانية، وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديراً أربع سنين أو خمس سنين أو ستاً، فقد ظهر بهذا أن قول الصفراوي أقرب إلى الصحة، وهو تلميذه، وقد سمع منه أنه قال: مولدي في سنة ثمان وسبعين، وليس الصفراوي ممن يشك في قوله، ولا يرتاد في صحته، مع أننا ماعلمنا أن أحداً منذ ثلثمائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلاً عن أنه زاد عيها، سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، فإنه عاش مائة سنة وسنتين - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى -.

ونسبته إلى جده إبراهيم سلفة - بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء - وهو لفظ عجمي، ومعناه بالعربي ثلاث شفاه، لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية، والأصل فيه سلبه بالباء، فأبدلت بالفاء.