أبو تمام

أبو تمام حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مروان بن مر بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الغوث بن طيىء-واسمه جلهمه-بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب ابن يعرب بن قحطان الشاعر المشهور؛ وذكر أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي في كتاب الموازنة بن الطائيين ما صورته: والذي عند أكثر الناس في نسب أبي تمام: أن أباه كان نصرانياً من أهل جاسم، قرية من قرى دمشق، يقال له: تدوس العطار، فجعلوه أوساً، وقد لفقت له نسبة إلى طيىء، وليس فيمن ذكر فيها من الآباء من اسمه مسعود، وهذا باطل ممن عمله، ولو كان نسبه صحيحاً لما جاز أن يلحق طيئاً بعشرة آباء.

قلت: وذكر الآمدي هذا في قول أبي تمام:

إن كـان مـسـعـود ســـقـــى

 

أطلالهم سبل الشؤون فلست من مسعود

 

وقد سقط في النسب بين قيس ودفاقة ستة آباء.


وقول أبي تمام: فلست من مسعود، لا يدل على أن مسعوداً من آبائه بل هذا كما يقال: ما أنا من فلان ولا فلان مني، يريدون به البعد منه والأتفة، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولد الزنا ليس منا)، و (علي مني وأنا منه).


وقد ساق الخطيب أبو بكر في تاريخ بغداد نسبه، وفيه تغيير يسير.


وقال الصولي: قال قوم: إن أبا تمام هو حبيب بن تدوس النصراني، فغير، فصار أوساً. كان أوحد عصره في ديباجة لفظه ونصاعة شعره وحسن أسلوبه، وله كتاب الحماسة التي دلت على غزارة فضله وإتقان معرفته بحسن اختياره، وله مجموع آخر مسماه فحول الشعراء، جمع فيه بين طائفة كبيرة من شعراء الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين، وله كتاب الاختيارات من شعر الشعراء، وكان له من المحفوظ ما لا يلحقه فيه غيره، قيل إنه كان يحفظ أربع عشرة ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع، ومدح الخلفاء وأخذ جوائزهم، وجاب البلاد، وقصد البصرة وبها عبد الصمد بن المعذل الشاعر، فلما سمع بوصوله-وكان في جماعة غلمانه وأتباعه-فخاف من قدومه أن يميل الناس إليه ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل دخوله البلد:

 

أنت بين اثنتين تبرز للـنـا

 

س وكلتاهما بوجه مـذال

لست تنفك راجياً لوصـال

 

من حبيب أو طالباً لنـوال

أي ماء يبقى لوجهك هـذا

 

بين ذل الهوى وذل السؤال

 

فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه فلا حاجة لنا فيه. وقد ذكرت نظير هذه الأبيات في ترجمة المتنبي في حرف الهمزة.


ولما قال ابن المعذل هذه الأبيات في أبي تمام، كتبها ودفعها إلى وراق كان هو وأبو تمام يجلسان إليه ولا يعرف أحدهما الآخر، وأمر أن تدفع إلى أبي تمام، فلما وافى أبو تمام وقرأها قلبها وكتب:

 

أفي تنظم قول الـزور والـفـنـد

 

وأنت أنقص من لا شيء في العدد

أشرجت قلبك من غيظ على حنـق

 

كأنها حركات الروح في الجسـد

أقدمت ويلك من هجوى على خطر

 

كالعير يقدم من خوف على الأسد

 

وحضر عبد الصمد، فلما قرأ البيت الأول وقال: ما أحسن علمه بالجدل، أوجب زيادة ونقصاناً على معدوم، ولما نظر إلى البيت الثاني قال: الإشراج من عمل الفراشين ولا مدخل له ههنا، فلما قرأ البيت الثالث عض على شفته وقال: قتل.


وقال الصولي: قد ذكر ذلك أبو الفتح محمود بن الحسين المعروف بكشاجم في كتاب المصايد والمطاردة، عند قوله فيه: وأغفل الجاحظ في باب ذكر انقياد بعض المأكولات لبعض الآكلات ذكر الحمار الذي يرمي بنفسه على الأسد إذا شم ريحه.


ولما أنشد أبو تمام دلف العجلي قصيدته البائية المشهورة التي أولها:

 

على مثلها من أربع ومـلاعـب

 

أذيلت مصونات الدموع السواكب

 

استحسنها وأعطاه خمسين ألف درهم وقال له: والله إنها لدون شعرك، ثم قال له: والله ما مثل هذا القول في الحسن إلا ما رثيت به محمد بن حميد الطوسي، فقال أبو تمام: وأي ذلك أراد الأمير؟ قال: قصيدتك الرائية التي أولها:

 

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

 

فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

 

وددت والله أنها لك في، فقال: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم قبله، فقال: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر.


وقال العلماء: خرج من قبيلة طيىء ثلاثة، كل واحد مجدي في بابه: حاتم الطائي في جوده، وداود بن نصير الطائي في زهده، وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره.


وأخباره كثيرة ورأيت الناس مطبقين على أنه مدح الخليفة بقصيدته السينية، فلما انتهى فيها إلى قوله:

 

إقدام عمرو في سماحة حاتـم

 

في حلم أحنف في ذكاء إياس

قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟ فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه

 

مثلاً شروداً في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنـوره

 

مثلاً من المشكاة والنبـراس

 

فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر، فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ قال: أريد الموصل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة ومات؛ وهذه القصة لا صحة لها أصلاً.


وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب أخبار أبي تمام، أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله: إقدام عمرو - البيت المذكور - قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي الفيلسوف، وكان حاضراً: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلاً ثم زاد البيتين الآخرين، ولما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعته وفطنته.


 ولما خرج قال أبو يوسف، وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريباً. ثم قال بعد ذلك: وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء، والصحيح هو هذا.


وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل، فلم أجد سوى أن الحسن ابن وهب ولاه يريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين ثم مات بها. والذي يدل على أن القضية ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء، بل مدح بها أحمد بن المعتصم، وقيل أحمد بن المأمون، ولم يل واحد منهما الخلافة، والحيص بيص ذكر في رقاعة السبع اللاتي كتبها إلى الامام المسترشد يطلب منه بايعقوبا أن الموصل كانت إجازة لشاعر طائي، فإما أنه بنى الأمر على ما قاله الناس من غير تحقيق، أو قصد أن يجعل هذا ذريعة لحصول بايعقوبا له، والله أعلم وتابعه في الغلط ابن دحية في كتاب النبراس وذكر الصولي أن أبا تمام لما مدح محمد بن عبد الملك الزيات الوزير بقصيدته التي منها قوله:

 

ديمة سمحة القياد سـكـوب

 

مستغيث بها الثرى المكروب

لو سعت بقعة لإعظام أخرى

 

لسعى نحوها المكان الجديب

 

قال له ابن الزيات: يا أبا تمام، إنك لتحلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسناً على بهي الجواهر في أجياد الكواعب، وما يدخر لك شيء من جزيل المكافأة إلا ويقصر عن شعرك في الموازاة. وكان بحضرته فيلسوف، فقال له: إن هذا الفتى يموت شاباً، فقيل له: ومن أين حكمت عليه بذلك؟ فقال: رايت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده، وكذا كان، لأنه مات وقد نيف على ثلاثين سنة.


قلت: وهذا يخالف ما سيأتي في تاريخ مولده ووفاته بعد هذا إن شاء الله تعالى.


ولم يزل شعره غير مرتب حتى جمعه أبو بكر الصولي، ورتبه على الحروف، ثم جمعه علي بن حمزة الأصبهاني، ولم يرتبه على الحروف، بل على الأنواع.


وكانت ولادة أبي تمام سنة تسعين ومائة، وقيل: سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وسبعين ومائة بجاسم، وهي قوية من بلد الجيدور من أعمال دمشق بين دمشق وطبرية، ونشأ بمصر، قيل إنه كان يسقي الناس ماء بالجرة في جامع مصر، وقيل كان يخدم حائكاً ويعمل عنده بدمشق وكان أبوه خماراً بها، وكان أبو تمام أسمر طويلاً فصيحاً حلو الكلام فيه تمتمة يسيرة ثم اشتغل وتنقل إلى أن صار منه ما صار.


وتوفي بالموصل-على ما تقدم-في سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقيل إنه توفي في ذي القعدة، وقيل في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين، وقيل تسع وعشرين ومائتين، وقيل في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، رحمه الله تعالى قال البحتري: وبنى عليه أبو نهشل ابن حميد الطوسي قبة، قلبت: ورأيت قبره بالموصل خارج باب الميدان، على حافة الخندق، والعامة تقول: هذا قبر تمام الشاعر.


وحكى لي الشيخ عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان الموصلي النحوي المترجم، قال: سألت شرف الدين أبا المحاسن محمد بن عنين الشاعر-الآتي ذكره في هذا الكتاب في حرف الميم إن شاء الله تعالى-عن معنى قوله:

 

سقى الله دوح الغوطتين ولا ارتوت

 

من الموصل الحدباء إلا قبورهـا

 

لم حرمها وخص قبورها؟ فقال: لأجل أبي تمام.


وهذا البيت من قصيدة لابن عنين المذكور يمدح بها السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل بن أيوب-وسيأتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى-أولها:

 

أشاقك من عليا دمشق قصورها

 

وولدان أرض النيربين وحورها

 

وهي من أحسن قصائده ورثاه الحسن بن وهب بقوله:

 

فجع القريض بخاتم الشعـراء

 

وغدير روضتها حبيب الطائي

ماتا معاً فتجاورا في حـفـرة

 

وكذاك كانا قل في الأحـياء

 

وقيل: إن هذين البيتين لديك من رثى بهما أبا تمام، والله أعلم.


ورثاه الحسن أيضاً بقوله من قصيدة:

 

سقى بالموصل القبر الغريبا

 

سحائب ينتحبن له نجـيبـا

إذا أظللنه أظلـلـن فـيه

 

شعيب المزن يتبعها شعيبا

ولطمن البروق به خـدوداً

 

وشققن الرعود به جيوبـا

فإن تراب ذاك القبر يحوي

 

حبيباً كان يدعى لي حبيبـا

 

 ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم بقوله وهو يومئذ وزير، وقيل إنهما لأبي الزبرقان عبد الله بن الزبرقان الكاتب مولى بني أمية:

 

نبأ أتى من أعظم الأنبـاء

 

لما ألم مقلقل الأحـشـاء

قالوا حبيب قد نوى فأجبتهم

 

ناشدتكم لا تجعلوه الطائي

 

ولأبي تمام المذكور:

 

لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه

 

لظل يلثم منه موطئ الـقـدم

وللبحتري أيضاً في هذا المعنى:

ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما

 

في وسعه لسعى إليك المنبر

 

ولما سار المأمون إلى بلاد الشام يريد غزو الروم مدحه أبو تمام بقصيدتين فلم يجد من يوصلهما إليه وذلك قبل قدوم أبي تمام العراق، ثم صار إلى العراق في خلافة المعتصم، فمن ذلك قوله في المأمون قصيدة قال فيها:

 

ثم انبرت أيام عجر أردفـت

 

نحوي أسى فكأنهـا أعـوام

ثم انقضت تلك السنون وأهلها

 

فكأنها وكـأنـهـم أحـلام

 

فأخذها حتى بلغ فيها:

 

اتضعضعت عبرات عينك أن دعت

 

ورقاء حين تضعضـع الإظـلام

لا تشجين لهـا فـإن بـكـاءهـا

 

ضحك وإن بكاءك اسـتـغـرام

هن الحمام فإن كـسـرت عـيافة

 

من حائهـن فـإنـهـن حـمـام

 

حكي عن يموت بن المزرع قال: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر ولم يرض شعره أمر غلمانه أن يمضوا به إلى المسجد فلا يفارقوه أو يصلي مائة ركعة، فكان هذا دأبه؛ قال: فتحاماه الشعراء غلا الأفراد المجيدون فأتاه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصري المعروف بالجعل فاستأذنه في النشيد فقال له: عرفت الشرط؟ قال: نعم، فأنشده:

 

أردنا في أبي حـسـن مـديحـاً

 

كما بالمدح تنـتـجـع الـولاة

فقلنا أكرم الـثـقـلـين طـراً

 

ومن كفيه دجـلة والـفـرات

فقالوا يقبل المـدحـات لـكـن

 

جوايزه عـلـيهـن الـصـلاة

فقلت لهم وما يغنـي عـيالـي

 

صلاتي إنما الشـأن الـزكـاة

فيأمرني بكسر الـصـاد مـنـه

 

فتصبح لي الصلاة هي الصلات

 

فضحك ابن المدبر وقال: من أين أخذت هذا ومن أين وقع لك؟ فقال: أخذته من قول أبي تمام:

 

هن الحمام فإن كسرت عيافة

 

قال: فأعجبه صدقه ووصله ومن قصيدته الأخرى التي مدح بها المأمون التي أولها:

 

كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي

 

ويقول فيها:

 

أولي أمة أحمد ما أحـمـد

 

بمضيع ما أوليت أمة أحمد

أما الهدى فقد اقتدحت بزنده

 

للعالمين فويل من لا يهتدي

 

حدث الصولي عن محمد بن يحيى قال: حدثني يحيى بن علي قال: كان محمد ابن القاسم بن مهرويه يقدم دعبلاً على أبي تمام، فقلت له: بأي شيء قدمته؟ فلم يأت بمقنع، فجعلت أنشده محاسنهما فإذا محاسن أبي تمام أكثر وأطرز وإذا عيوب دعبل أعظم وافحش، فأقام على رأيه وتعصبه لدعبل فقلت:

 

يا أبا جعفر أتحكم فـي الـشـع

 

ر ومـا فـيك آلة الـحـكـام

إن نقد الدينار إلا عـلـى الـص

 

رف صعب فكيف نقد الـكـلام

قد رأيناك ليس تفرق فـي الأش

 

عار بـين الأرواح والأجـسـام

إنما يعرف العتيق مـن الـمـح

 

دث قين في وقت عرض الحسام

لا تقس دعبـلاً إذن بـحـبـيب

 

ليس خف البعير مثل السـنـام

 

قال عبد الله بن المعتز: جاءني محمد بن يزيد النحوي فجرى ذكر أبي تمام فلم يوفه حقه، فقال له رجل من الكتاب كان في المجلس، ما رأيت أحداً أحفظ لشعر أبي تمام منه: يا أبا العباس، ضع يدك على من شئت من الشعراء ثم انظر أيحسن أن يقول مثل ما قاله أبو تمام لأبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافقي يعتذر إليه:

 

لعمري لقد أقوت مغانيكم بعـدي

 

ومحت كما محت وشائع من برد

وأنجدتم من بعد إتـهـام داركـم

 

فيا دمع أنجدني على ساكني نجد

 

ثم مر فيها حتى بلغ إلى قوله في الاعتذار:

 

أتاني مع الركبان ظن ظننـتـه

 

لففت له رأسي حياءً من المجد

كريم متى أمـدحـه والـورى

 

معي ومتى ما لمته لمته وحدي

 

حدث الصولي قال: كان أبو تمام إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه كأنه قد علم ما يقول فاعد جوابه، فقال له رجل: يا أبا تمام لم لا تقول من الشعر ما يعرف؟ فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال؟ فأفحمه. وكان الذي قال له هذا أبو سعيد الضرير بخراسان، وكان هذا من علماء الناس وكان متصلاً بالطاهرية.


قال علي بن محمد بن عبد الكريم: لما صار إلينا أبو تمام مقدمه من مصر عمل قصيدته التي أولها:

 

أرامة كنت مألف كل ريم

 

فاتصل خبرها بعتبة بن عصيم الذي يهجوه أبو تمام، وهو كلبي من قضاعة، وكان أديباً شاعراً، فأحب أن يسمع هذه القصيدة من أبي تمام فقال لمن حضر: ايتوني به، فجاءوا به فأنشده إياها، فلما فرغ قال: أحسنت يا غلام على صغر سنك، فسكت أبو تمام وقال: يا عم أنشدني من شعرك، فأنشده قصيدة، فلما فرغ قال: يا عم ما أحسنت على كبر سنك، فقال عتبة لبني عبد الكريم: أخرجوا هذا من بلدنا فليس يصلح أن يقيم في بلدنا.


قال الصولي: ومن باب الجود قول أبي تمام:

 

بيمن أبي إسحاق طالت يد الهوى

 

وقامت قناة الدين واشتد كاهلـه

هو البحر من أي النواحي أتيتـه

 

فلجته المعروف والجود ساحله

تعود بسط الكف حتى لـو أنـه

 

دعاها لقبض لم تجبه أنامـلـه

 

وللبحتري في هذا المعنى:

 

لا يتعب النائل المبذول همـتـه

 

وكيف يتعب عين الناظر النظر

 

وهذان البيتان لا غاية وراءهما.


قال ابن أبي داود لأبي تمام: إن لك أبياتاً أنشدتها فلو قلتها زاهداً أو معتبراً أو حاثاً على طاعة الله تعالى لكنت قد أحسنت وبالغت، فأنشدنيها، قال: ما هي؟ قال: التي قافيتها: فأدخلها. فأنشده:

 

ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلة

 

عني وقد طال ما استفتحت مقفلها

كأنها جنة الفـردوس مـعـرضة

 

وليس لي عمل زاك فأدخلـهـا

 

حدث الصولي قال: دخل أبو تمام على أحمد بن أبي داود فقال له: ما أحسن هذا فمن أين أخذته؟ قال: من قول الحاذق في الفضل بن الربيع:

 

وليس لله بمسـتـنـكـر

 

أن يجمع العالم في واحد

 

وحدث الصولي عن الحسن بن وهب قال: لما أدخل المازيار على المعتصم وكان عليه شديد الغيظ قيل له: لا تعجل عليه فإن عنده أمولاً جمة، فأنشد بيت أبي تمام:

 

إن الأسود أسود الغاب همـتـهـا

 

يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

 

ثم قتله؛ وكذلك جمال الدين بن رشيق أفتى ببيت المتنبي في النصراني الذي سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما ولي الملك الصالح مصر وهو:

 

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

 

حتى يراق على جوانبـه الـدم

 

فعمل بمقتضاه.


وحدث علي بن يحيى بن علي بن مهدي قال: كان المنجمون حكموا لما خرج المعتصم إلى الروم بأنه لا يرجع من وجهه، فلما فتح ما فتح وخرب عمورية في شهر رمضان سنة 223 وانصرف سالماً، قال أبو تمام:

 

السيف أصدق أنباء من الـكـتـب

 

في حده الحد بين الجد واللـعـب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في

 

متونهن جـلاء الـشـك والـريب

والعلم في شهب الأرمـاح لامـعة

 

بين الخميسين لا في السبعة الشهب

 

وقيل إنه كرر إنشاد هذه القصيدة ثلاثة أيام فقال له المعتصم: لم تجلو علينا عجوزك؟ قال: حتى أستوفي مهرها يا أمير المؤمنين، فأمر له بمائة وسبعين ألف درهم عن كل بيت منها ألف.


قال الحسن بن وهب: دخل أبو تمام على محمد بن عبد الملك الزيات فأنشده قصيدته التي أولها:

 

لهان علينا أن نقول وتفعلا

فلما بلغ إلى قوله:

وواللـه لا آتـيك غـلا فـريضة

 

وآتي جميع العالمـين تـنـفـلا

وليس امرءاً في الناس كنت سلاحه

 

عشية يلقى الحادثـات بـأعـزلا

 

فقال: أما والله ما أحب بمدحك مدح غيرك لتجويدك وإبداعك ولكن تنقص مدحك ببذلك له لغير مستحقه، فقال: لسان العذر معقول وإن كان فصيحاً، ومر في القصيدة فأمر له بخمسة آلاف درهم وكتب إليه بعد ذلك:

 

رأيتك سهل البيع سمحاً وإنمـا

 

يغالي إذا ما ضن بالشيء بايعه

فأما الذي هانت بضائع بـيعـه

 

فيوشك أن تبقى عليه بضايعه

فأجابه أبو تمام:  

أبا جعفر إن كنت أصبحت تاجراً

 

أساهل في بيعي له من أبايعـه

فقد كنت قبلي شاعراً تاجراً بـه

 

تساهل من عادت عليك منافعه

 

قال الصولي: لما كلم خالد بن يزيد ابن أبي دواد في أمر أبي تمام قال أبو تمام يشكره:

 

لأشكرنك إن لم أوت من أجلـي

 

شكراً يوافيك عني آخـر الأبـد

وإن توردت من بحر البحور ندى

 

فلم أنل منه إلا غـرفة بـيدي

 

قال محمد بن يزيد النحوي: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد وهو بأرمينية فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف درهم ونفقة لسفره وأمره أن لا يقيم إن كان عازماً على الخروج، فودعه ومضت عليه أيام فركب يزيد ليتصيد فرآه تحت شجرة وقدامه زكرة فيها نبيذ وغلام بيده طنبور فقال: حبيب؟ قال: خادمك وعبدك، فقال له: ما فعل المال؟ فقال:

 

علمني جودك السماح فمـا

 

أبقيت شيئاً لدي من صلتك

ما مر شهر حتى سمحت به

 

كأن لي قدرة كمقـدرتـك

تنفق في اليوم بالهبات وفي

 

الساعة ما تجتبيه في سنتك

فلست أدري من أين تنفق لو

 

لا أن ربي يمد في هبتـك

 

فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى فأخذها وانصرف.


ولأبي تمام وقد اعتل الياس صاحب عبد الله بن طاهر: فإن يكن وصب قاسيت سورته. فالورد حلف لليث الغابة الأضم

 

إن الرياح إذا ما أعصفت قصـفـت

 

عيدان نجد ولم يعـبـأن بـالـرتـم

بنات نعش ونعش لا كسـوف لـهـا

 

والشمس والبدر منها الدهر في الرقم

فليهنك الأجر والنعمى التي سبـغـت

 

حتى جلت صدأ الصمصامة الخـذم

قد ينعم الله بالبلوى وإن عـظـمـت

 

ويبتلي الله بعض القوم بـالـنـعـم

 

قال محمد بن هبيرة النحوي: حجب أبو تمام عن إسحاق بن إبراهيم المصعبي فقال:

 

يا أيها الملك المرجو نـائلـه

 

وجوده لمراعي جوده كتـب

ليس الحجاب بمقص عنك آمله

 

إن السماء ترجى حين تحتجب

 

وقيل لأبي تمام: قد هجاك مخلد الموصلي فلو هجوته، قال: الهجاء يرفع منه إذ ليس هو شاعراً؛ لو كان شاعراً لم يكن من الموصل، يعني أن الموصل لا يخرج منها شاعر، وكان مخلد قد هجاه بقوله:

 

يان نبي الله في الشـع

 

ر ويا عيسى بن مريم

أنت من أشعر خلق الل

 

ه ما لـم تـتـكـلـم

وكان لأبي تمام حبسة إذا تكلم. قرأت في كتاب المستنير، أن أبا تمام والخثعمي اجتمعا في مجلس أنس، فقام أبو تمام إلى الخلاء فقال له الخثعمي: ندخلك؟ قال: نعم وأخرجك، فتعجب الحاضرون من هذا الابتداء البديع والجواب العجيب.

وكان لأبي تمام صديق قليل البضاعة في الشرب يسكر من قدحين، فكتب إليه يوماً يدعوه: إن رأيت أن تنام عندنا فافعل.

ودخل على جعفر بن سليمان يعزيه بأخيه محمد بن سليمان وقد كان جزع عليه جزعاً عظيماً، فقال جعفر حين رآه: إن يكن عند أحد فرج فعند حبيب، فلما سلم قال: أيها الأمير التمس ثواب الله بحسن الجزاء والتسليم الأمر الله، واذكر مصيبتك في نفسك تنسك مصيبتك في غيرك والسلام.

ومحاسن حبيب كثيرة.

وجاسم: بفتح الجيم وبعد الألف سين مهملة مكسورة ثم ميم.

وأما النسب فهو مشهور فلا حاجة إلى ضبطه.

والجيدور-بفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء-وهو إقليم من عمل دمشق يجاور الجولان.

والطائي: منسوب إلى طيىء القبيلة المشهورة، وهذه النسبة على خلاف القياس، فإن قياسها طيئي لكن باب النسب يحتمل التغيير، كما قالوا في النسبة إلى الدهر دهري وإلى سهل سهلي-بضم أولهما-وكذلك غيرهما.