حاتم الأصم

حاتم بن عنوان الأصم من أهل بلخ؛ كان أوحد من عرف بالزهد والتقلل واشتهر بالورع والتقشف، وله كلام يدون في الزهد والحكم. واسند الحديث عن شقيق البلخي وشداد بن حكيم البلخي أيضاً، وروى عنه حمدان بن ذي النون ومحمد بن فارس البلخيان. وقدم حاتم بغداد في ايام أبي عبد الله أحمد بن حنبل واجتمع معه؛ قيل لما دخل حاتم بغداد في ايام أبي عبد الله أحمد بن حنبل اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا: يا ابا عبد الرحمن، أنت رجل أعجمي وليس يكفك أحد إلا قطعته لأي معنى؟ فقال حاتم: معي ثلاث خصال بها أظهر علي خصمي، قالوا: أي شيء هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن له إذا أخطأ، وأخفض نفسي لا تتجاهل عليه، فبلغ ذلك أحمد بن حنبل، فقال: سبحان الله ما أعقله من رجل! وقال أبو جعفر الهروي: كنت مع حاتم كرة وقد أراد الحج، فلما وصل إلى بغداد قال: يا أبا جعفر، أحب أن ألقى أحمد بن حنبل، فسألنا عن منزله ومضينا إليه فطرقت عليه الباب فلما خرج قلت: يا أبا عبد الله أخوك حاتم؛ قال: فسلم عليه ورحب به وقال بعد بشاشته به: أخبرني يا حاتم فيم أتخلص من الناس؟ قال: يا أبا عبد الله في ثلاث خصال، قال: وما هي؟قال: أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئاً؛ قال: وتقضي حقوقهم ولا تستقضي منهم حقاً؛ قال: وتحمل مكروههم ولا تكره واحداً منهم على شيء؛ قال: فأطرق احمد ينكت بإصبعه الأرض ثم رفع رأسه وقال: يا حاتم، إنها لشديدة، فقال له حاتم: وليتك تسلم وليتك تسلم وليتك تسلم.

وقال رجل لحاتم: على أي شيء بنيت أمرك؟ قال: على أربع خصال: على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقي وعلى أن رزقي لا يأكله غيري، وعلى أن أجلي لا أدري متى هو، وعلى أن لا أغيب عن الله طرفة عين، وقال: لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله فلا تحارز منه.

وقال رجل لحاتم الأصم: بلغني أنك تجوز المفاوز من غير زاد، فقال حاتم: بل أجوزها بالزاد وإنما زادي فيها أربعة أشياء، قال: وما هي؟ قال: أرى الدنيا كلها ملكاً لله، وأرى الخلق كلهم عباد الله وعياله، والأسباب والأرزاق بيد الله، وأرى قضاء الله نافذاً في كل أرض لله؛ فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم؛ أنت تجوز به مفاوز الآخرة.

وقال حاتم: جعلت على نفسي إن قدمت مكة أن أطوف حتى أنقطع، وأصلي حتى أنقطع، وأتصدق بجميع ما معي، فلما قدمت مكة صليت حتى انقطعت وطفت كذلك فقويت على هاتين الخصلتين ولم أقوى على الأخرى؛ قال: كنت أخرج من هاهنا ويجيء من هاهنا.

وقال حاتم: وقع الثلج ببلخ فمكثت في بيت ثلاثة ومعي أصحابي فقلت: يخبرني كل رجل منكم بهمته؛ قال: فأخبروني فإذا ليس فيهم أحد لا يريد إلا ان يتوب من تلك الهمة؛ قال: فقالوا لي: همتك أنت يا أبا عبد الرحمن، قال: قلت: ما همتي إلا شفقة على إنسان يريد أن يحمل رزقي في هذا الطين؛ قال: وإذا رجل قد جاء ومعه جراب خبز وقد زلق فابتلت ثيابه بطين، وقال: ياأبا عبد الرحمن، خذ هذا الخبز.

قال حاتم: خرجت في سفر ومعي زاد فنفد زادي في وسط البرية فكان قلبي في السفر والحضر واحداً.

قيل لحاتم: من أين تأكل؟ فقال: (ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون).

وقال: لي اربع نسوة وتسعة من الأولاد، فما طمع الشيطان أن يوسوس غلي في شيء من أرزاقهم.

وقال حاتم: لقينا الترك فكان بيننا جولة فرماني تركي بوهق فأقلبني عن فرسي ونزل عن دابته وقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة وأخرج من خفه سكيناً ليذبحني بها، فوحق سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينة إنما كان قلبي عند سيدي فأنظر ماذا ينزل به القضاء، فقلت: يا سيدي قضيت علي أن يذبحني هذا فملى الرأس والعين أنا لك وملكك. فبينما أنا أخاطب سيدي وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتين إذ رماه المسلمون بسهم فما اخطأ حلقه، فسقط عني فقمت أنا إليه وأخذت السكين من يده وذبحته، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات.

وقال أبو بكر الوراق: حاتم الأصم لقمان هذه الأمة؛ قيل: جاءت امرأة فسالت حاتماً عن مسألة، فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت فخجلت، فقال لها حاتم: ارفعي صوتك، وأرى من نفسه أنه أصم، فسرت المرأة بذلك وقالت: لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الصمم.
وجاء إليه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد ووسط الزهد وآخر الزهد؟ فقال حاتم: رأس الزهد الثقة بالله ووسطه الصبر وآخره الخلاص؛ رحمه الله تعالى.