الشيخ الخصر بن عقيل الإربلي

أبو العباس الخصر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي الفقيه الشافعي؛ كان فقيهاً فاضلاً عارفاً بالمذهب والفرائض والخلاف، اشتغل ببغداد على الكيا الهراسي وابن الشاشي ولقي عدة من مشايخها، ثم رجع إلى إربل، وبنى له بها الأمير أبو منصور سرفتكين بن عبد الله الزيني، نائب صاحب إربل، مدرسة القلعة، وتاريخها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ودرس فيها زماناً، وهو أول من درس بإربل، وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقه وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ستاً وعشرين خطبة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وكان رجلاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً متقللاً ونفسه مباركاً.

وذكره الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" وأثنى عليه، وكان قد قدم دمشق فأقام بها مدة ثم رجع إلى إربل.

ومن جملة من تخرج عليه الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو عمرو عثمان بن عيسى ابن درباس الهذباني، الذي شرح "المهذب"-وسيأتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى-وتخرج عليه أيضاً بان أخيه عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل ابن نصر وغيرهما.

وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وكانت وفاته ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وستين وخمسمائة بإربل ودفن بها في مدرسته التي بالربض في قبة مفردة، وقبره يزار وزرته كثيراً، رحمه الله تعالى.

ولما توفي تولى موضعه ابن أخيه المذكور في المدرستين، وكان فاضلاً، ومولده بإربل سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وسخط عليه الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل وأخرجه منها، فانتقل إلى الموصل، فكتب إليه أبو الدر الرومي-الآتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى-من بغداد، وكان صاحبه:

أيا ابن عقيل لا تخف سطوة الـعـدا

 

وإن أظهرت ما أضمرت من عنادها

وأقصتك يوماً عـن بـلادك فـتـية

 

رأت فيك فضلاً لم يكن في بلادهـا

كذا عادة الغربان تـكـره أن تـرى

 

بياض البزاة الشهب بين سـوادهـا

 

وأشار بذلك إلى الجماعة الذين سعوا به حتى غيروا خاطر الملك عليه، وكان ذلك في سنة اثنتين أو ثلاث وستمائة، كذا أعرفه، وقال ابن باطيش: في سنة ست وستمائة، والله أعلم.

 

وفي تلك السنة خرجت الكرج على مدينة مرند، من أعمال أذربيجان، وهي قريبة من إربل، فقتلوا وسبوا واسروا، فعمل شرف الدين محمد وله عز الدين أبي القاسم المذكور في إخراجهم من إربل:

 

إن يكن أخرجوا النساء من الأو

 

طان ظلماً وأسرفوا في التعدي

قلنا أسوة بمن جارت الـكـر

 

ج عليهم وأخرجوا من مرنـد

وهذا الشرف له في عمل الدوبيت اليد الطولى، ولولا خوف التطويل لذكرت شيئاً منها.

 وسكن عز الدين ظاهر الموصل في رباط ابن الشهرزوري، وقرر له صاحب الموصل راتباً، ولم يزل هناك حتى توفي يوم الجمعة ثالث عشر شهر ربيع الآخر وقيل جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى، ودفن بمقبرة تل توبه، وهو ابن خالة الشيخ عماد الدين أبي حامد محمد بن يونس، وتوفي ولده الشرف المذكور ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، رحمه الله تعالى، ومولده في رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل، وقرأ الفقه على أبيه وعلى عماد الدين بن يونس، والأدب على أبي الحرم مكي.

وسرفتكين-بفتح السين المهملة والراء وسكون الفاء وكسر التاء المثناة من فوقها والكاف وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون-كان مملوك زين الدين علي صاحب إربل، والد مظفر الدين، وكان أرمنياً صالحاً فأعتقه وتقدم عنده واعتمد عليه واستنابه في المملكة، وبنى مساجد كثيرة بإربل وقراها وبنى المدرسة المذكورة، وبنى سور مدينة فيد التي في طريق مكة من جهة بغداد، وأثر آثاراً صالحة، كل ذلك من ماله، وتوفي في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.