داود الظاهري

أبو سليمان بن علي بن خلف الأصبهاني الإمام المشهور المعروف بالظاهري؛ كان زاهداً متقللاً كثير الورع، أخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور وغيرهما، وكان من أكثر الناس تعصباً للإمام الشافعي رضي الله عنه، وصنف في فضائله والثناء عليه كتابين، وكان صاحب مذهب مستقل، وتبعه جمع كثير يعرفون بالظاهرية، وكان ولده أبو بكر محمد على مذهبه-وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى-وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد.

قال أبو عبد الله المحاملي: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة، فلما انصرفت قلت في نفسي: أدخل إلى داود بن علي فأهنيه، وكان ينزل قطيعة الربيع؛ قال: فجئته، وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هندبا وعصارة فيها نخالة وهو يأكل، فهنأته وتعجبت من حاله، ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء، فخرجت من عنده ودخلت على رجل من محبي الصنيعة يقال له الجرجاني، فلما علم بمجيئي خرج إلي حاسر الرأس حافي القدمين، وقال لي: ما عني القاضي أيده الله؟ قالت: مهم، قال: وما هو؟ قلت: في جوارك داود بن علي، ومكانه من العلم ما تعلمه، وأنت فكثير البر والرغبة في الخير تفغل عنه، وحدثته بما رأيت منه، فقال لي: داود شرس الخلق، أعلم القاضي أنني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلام ليستعين بها في بعض أموره فردها مع الغلام وقال للغلام: قل له: بأي عين رأيتني؟ وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي حتى وجهت إلي بهذا؟ قال: فتعجبت من ذلك وقلت له: هات الدراهم فإني أحملها إليه، فدفعها إلي ثم قال: يا غلام، الكيس الآخر، فجاءه بكيس فوزن ألفاً أخرى، وقال: تلك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته، قال: فخرجت وجئت إليه، فقرعت الباب فخرج وكلمني من وراء الباب وقال: ما رد القاضي؟ قلت: حاجة أكلمك فيها، فدخلت وجلست ساعة، ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره أنا بأمانة العلم أدخلتك إلي، ارجع فلا حاجة لي فيما معك، قال المحاملي: فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني ودخلت على الجرجاني فأخبرته بما كان، فقال: أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى، لا أرجع في شيء منها، فليتول القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف على ما يراه القاضي.

قيل: عن كان يحضر مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر، قال داود: حضر مجلسي يوماً أبو يعقوب الشريطي، وكان من أهل البصرة، وعليه خرقتان، فتصدر لنفسه من غير أن يرفعه أحد وجلس إلى جانبي وقال لي: سل يا فتى عما بدا لك، فكأني غضبت منه، فقلت له مستهزئاً: أسألك عن الحجامة، فبرك أبو يعقوب ثم روى طريق "أفطر الحاجم والمحجوم" ومن أرسله ومن أسنده ومن وقفه ومن ذهب إليه من الفقهاء، وروى اختلاف طريق احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعطاء الحجام أجره، ولو كان حراماً لم يعطه، ثم روى طرق أن النبي صلى الله عليه وسلم "احتجم بقرن وذكر أحاديث صحيحة في الحجامة، ثم ذكر الأحاديث المتوسطة مثل "ما مررت بملا من الملائكة" ومثل "شفاء أمتي في ثلاث" وما أشبه ذلك، وذكر الأحاديث الضعيفة مثل قوله عليه السلام "لا تحتجموا يوم كذا ولا ساعة كذا"، ثم ذكر ما ذهب إليه أهل الطب من الحجامة في كل زمان وما ذكروه فيها، ثم ختم كلامه بأن قال: وأول ما خرجت الحجامة من أصبهان، فقلت له: والله لا حقرت بعدك أحداً أبداً.

وكان داود من عقلاء الناس، قال أبو العباس ثعلب في حقه: كان عقل داود أكثر من علمه.

وكان مولده بالكوفة سنة اثنتين ومائتين، وقيل سنة مائتين، وقيل سنة إحدى ومائتين، ونشأ ببغداد، وتوفي بها سنة سبعين ومائتين في ذي القعدة، وقيل في شهر رمضان، ودفن بالشونيزية، وقيل في منزله.

وقال ولده أبو بكر محمد: رأيت أبي داود في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وسامحني، فقلت: غفر لك ففيم سامحك؟ فقال: يا بني الأمر عظيم، والويل كل الويل لمن لم يسامح، رحمه الله تعالى.

وأصله من أصبهان، وقد تقدم الكلام على أصبهان والشونيزية فيما مر من التراجم، فلا حاجة إلى الإعادة.