أبو بكر الشبلي

أبو بكر دلف بن جحدر-وقيل جعفر، وقيل جعفر بن يونس وهكذا هو مكتوب على قبره-المعروف بالشبلي الصالح المشهور الخراساني الأصل البغدادي المولد والمنشأ؛ كان جليل القدر مالكي المذهب، وصحب الشيخ أبا القاسم الجنيد ومن في عصره من الصلحاء رضي الله عنهم، وكان في مبدإ أمره والياً في دنباوند، فلما تاب في مجلس خير النساج مضى إليها وقال لأهلها: كنت والي بلدكم فاجعلوني في حل. ومجاهداته في أول أمره فوق الحد، ويقال: إنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه نوم؛ وكان يبالغ في تعظيم الشرع المطهر؛ وكان إذا دخل شهر رمضان المبارك جد في الطاعات ويقول: هذا شهر عظمه ربي فأنا أولى بتعظيمه، وكان في آخر عمره ينشد كثيراً:

وكم من موضع لو مت فيه

 

لكنت به نكالاً في العشيره

 

ودخل يوماً على شيخه الجنيد، فوقف بين يديه وصفق بيديه، وأنشد:

 

عودوني الوصال والوصل عذب

 

ورموني بالصد والصد صعب

زعموا حين أزمعوا أن ذنبـي

 

فرط حبي لهم، وما ذاك ذنـب

لا وحق الخضوع عند التلاقـي

 

ما جزا من يحـب إلا يحـب

 

قال: فأجابه الجنيد:

 

وتمـنـيت أن أرا

 

ك فلما رأيتـكـا

غلبت دهشة السرو

 

ر فلم املك البكـا

 

حدث أحمد بن منصور بن نصر قال: جاء الشبلي يوماً إلى أبي بكر ابن مجاهد فلم يجده في مسجده فسأل عنه فقيل: هو عند علي بن المجوسي، فلما دخل وقعدنا قال له أبو بكر ابن مجاهد: يا أبا بكر، أخبرت أنك تحرق الثياب والخبز والأطعمة وما ينتفع الناس فيه، أين هذا من العلم والشرع؟ فقال له: يقول الله: "فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ص. أين هذا من العلم؟ فسكت أبو بكر ابن مجاهد، فقال: كأني ما قرأتها قط. وقيل إنهم عابثوه في مثله فقرأ. "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم. الأنبياء. هذه الأطعمة والشهوات حقيقة الخلق ومعبودهم أبرأ منه وأحرقه؛ ومن أناشيده:

 

ودادكم هجر وحبكم قـلـى

 

ووصلكم سلم وسلمكم حرب

 

وحكي عن بعض المعترفين أنه أنس إلى طريقة التصوف واستشرف وشاور أبا بكر فرده عما أراده وحذره التعرض له، وعطفته الخواطر عليه فمال إلى قرين من هذه الطائفة فعلق بهم واتصل بجملتهم، ثم صحب جماعة منهم متوجهاً إلى الحج، فعجز في بعض الطريق من مسايرتهم وقصر عن اللحاق فمضوا وتخلف عنهم، فاستند إلى بعض الرمال إرادة الاستراحة من الإعياء، فمر به الشيخ المذكور فقال مخاطباً له:

 

إن الذين بخير كنت أذكـرهـم

 

قضوا عليك وعنهم كنت أنهاكا

 

فقال له الفتى: ما أصنع الآن؟ فقال له:

 

لا تطلبن حياة غير حبهـم

 

فليس يحييك إلا من توفاكا

 

قال محمد بن إبراهيم: حضرت وفاة الشبلي فأمسك لسانه وعرق جبينه فأشار إلى وضوء الصلاة فوضأته، وبقي تخليل لحيته، فقبض على يدي وأدخل إصبعي في لحيته يخللها، فبكيت وقلت: رجل لم يذهب عليه تخليل لحيته في الوضوء عند نزع روحه وإمساك لسانه.


 

ودخل عليه أبو الفتح عائداً في مرضه، فسمعه يقول:

 

صح عند الناس أني عاشـق

 

غير أن لم يعلموا عشقي لمن

 

قال أبو بكر الشبلي: جئت يوماً إلى باب الطاق فرأيت والدة تضرب ولدها، فقلت لها: لهذا حرمة، فقال الصبي: معارضتك بيني وبين والدتي أشد علي من ضربها، أرأيت أحداً يضرب ولده إلا من محبته إياه؟ إنما ضرب الوالدين تأديب وشفقة وفرط محبة، قال الشبلي: فكأني كنت المقصود بهذه المخاطبة، فانصرفت عنهما وأنا أقول:

 

لبيك تصديقـاً أيا سـيدي

 

من الذي يألم من عثرتك

 

وحكى الخطيب في تاريخه، قال أبو الحسن التميمي: دخلت على أبي بكر في داره يوماً وهو يهيج، ويقول:

 

على بعدك ما يصب

 

ر من عادته القرب

ولا يقوى على هجر

 

ك من تيمه الحـب

فإن لم ترك العـين

 

فقد يبصرك القلب

 

وذكر الخطيب أيضاً في ترجمة أبي سعد إسماعيل بن علي الواعظ ما مثاله: وأنشدنا أبو سعد قال: أنشدنا طاهر الخثعمي قال: أنشدني الشبلي لنفسه:

 

مضت الشبيبة والحبيبة فانبرى

 

دمعان في الأجفان يزدحمان

ما أنصفتني الحادثات، رمينني

 

بمودعين وليس لي قلـبـان

 

 وقال الشبلي أيضاً: رأيت يوم الجمعة معتوهاً عند جامع الرصافة قائماً عريان، وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله، فقلت له: لم لا تدخل الجامع وتتوارى وتصلي؟ فأنشد:

 

يقولون زرنا واقض واجب حقنا

 

وقد أسقطت حالي حقوقهم عني

إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لهـا

 

ولم يأنفوا منها أنفت لهم منـي

وكانت وفاته يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلثمائة ببغداد، ودفن في مقبرة الخيزران، وعمره سبع وثمانون سنة، رحمه الله تعالى، ويقال إنه مات سنة خمس وثلاثين، والأول أصح، ويقال إن مولده بسر من رأى.

والشبلي: بكسر الشين وسكون الباء الموحدة وبعدها لام-وهذه النسبة إلى شبلة، وهي قرية من قرى أسروشنة، وأسروشنة بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الراء وسكون الواو وفتح الشين المعجمة وفتح النون وبعدها هاء ساكنة-وهي بلدة عظيمة وراء سمرقند من بلاد ما وراء النهر.

ودنباوند: بضم الدال المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة-وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، وبعضهم يقول: دماوند، والأول أصح.