عماد الدين زنكي

أبو الجود عماد الدين زنكي بن آق سنقر بن عبد الله الملقب بالملك المنصور المعروف والده بالحاجب؛ صاحب الموصل-وقد تقدم ذكر أبيه في حرف الهمزة-وكان من الأمراء المقدمين، وفوض إليه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي ولاية بغداد في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، ولما قتل آق سنقر البرسقي-المذكور في حرف الهمزة-وتوفي أيضاً ولده مسعود-حسبما ذكرناه في ترجمته-ورد مرسوم السلطان محمود من خراسان بتسليم الموصل إلى دبيس بن صدقة الأسدي صاحب الحلة-وقد تقدم ذكره أيضاً-فتجهز دبيس للمسير، وكان بالموصل أمير كبير المنزلة يعرف بالجاولي، وهو مستحفظ قلعة الموصل ومتولي أمورها من جهة البرسقي، فطمع في البلاد وحدثته نفسه بتملكها، فأرسل إلى بغداد بهاء الدين أبا الحسن علي بن القاسم الشهرزوري وصلاح الدين محمد اليغيساني لتقرير قاعدته، فلما وصلا إليها وجدا الإمام المسترشد قد أنكر تولية دبيس، وقال: لا سبيل إلى هذا، وترددت الرسائل بينه وبين السلطان محمود في ذلك، وآخر ما وقع اختيار المسترشد عليه تولية زنكي المذكور، فاستدعى الرسولين الواصلين من الموصل وقرر معهما أن يكون الحديث في البلاد لزنكي، ففعلا ذلك، وضمنا للسلطان مالاً وبذل له على ذلك المسترشد من ماله مائة ألف دينار، فبطل أمر دبيس وتوجه زنكي إلى الموصل وتسلمها، ودخلها في عاشر رمضان سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، كذا قال ابن العظيمي في تاريخه، وقد قيل: إن انتقاله إلى الموصل كان في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، والأول أصح-وسيأتي ذكر السلطان محمود في حرف الميم إن شاء الله تعالى-.

ولما تقدم زنكي الموصل سلم إليه السلطان محمود ولديه ألب ارسلان وفروخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلهذا قيل له "أتابك" لأن الأتابك هو الذي يربي أولاد الملوك-وقد تقدم ذكر ذلك في حرف الجيم عند ذكر جقر-ثم استولى زنكي على ما وإلى الموصل من البلاد، وفتح الرها يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وكانت لجوسلين الأرمني، ثم توجه إلى قلعة جعبر ومالكها يوم ذاك سيف الدولة أبو الحسن علي بن مالك، فحاصرها وأشرف على أخذها، فأصبح يوم الأربعاء خامس شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة مقتولاً، قتله خادمه وهو راقد على فراشه ليلاً، ودفن بصفين، رحمه الله تعالى.

وذكر شيخنا عز الدين بن الأثير الجزري في تاريخه الأتابكي أن زنكي المذكور لما قتل والده كان عمره تقديراً عشر سنين، وقد تقدم تاريخ قتل والده في ترجمته، فيكون مولده سنة سبع وسبعين وأربعمائة.

وعن بعض خواصه قال: دخلت إليه في الحال وهو حي، فحين رآني ظن أني أريد قتله فأشار إلي بإصبعه السبابة يستعطفني، فوقفت من هيبته وقلت له: يا مولانا، من فعل بك هذا؟ فلم يقدر على الكلام، وفاضت نفسه لوقته. وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت أهلاً وسكاناً.
قال عز الدين بن الأثير في تاريخه: حكى لي والدي قال: رأيت الموصل وأكثرها خراب، وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه من يحميه لبعده عن العمارة، وهو الآن في وسط العمارة.

وكان شديد الغيرة لا سيما على نساء الأجناد، وكان يقول: لو لم تحفظ نساء الأجناد بالهيبة وإلا فسدن لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار. وكان من أشجع خلق الله تعالى.

وصفين-بكسر الصاد المهملة وتشديد الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون-وهي أرض على شاطئ الفرات بالقرب من قلعة جعبر، إلا أنها في بر الشام، وقلعة جعبر في بر الجزيرة الفراتية، بينهما مقدار فرسخ أو أقل، وفيها مشهد في موضع الوقعة المشهورة التي كانت بها بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وبهذه الأرض قبور جماعة من الصحابة-رضي الله عنهم-حضروا هذه الوقعة وقتلوا بها، منهم عمار بن ياسر رضي الله عنه.

وتوفي القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري الرسول المذكور يوم السبت سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بحلب، وحمل إلى صفين ودفن بها، رحمه الله تعالى عليه.