سعيد الحيري

أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الواعظ الحيري؛ ولد بالري ونشأ بها ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن توفي بها، وكان قد سمع بالري من محمد بن مقاتل وغيره، وبالعراق من محمد بن إسماعيل الأحمسي وحميد بن الربيع للحمي وغيرهما، ودخل بغداد.

ويقال: إنه كان مستجاب الدعوة وقام في مجلسه رجل فقال: يا أبا عثمان، من يكون الرجل صادقاً في حب مولاه؟ قال: إذا خلا من خلافه كان صادقاً في حبه، قال: فوضع الرجل التراب على وجهه وصاح، وقال: كيف أدعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه؟ فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وجعل أبو عثمان يقول: صادق في حبه، مقصر في حقه.

قال ابو عمرو: وكنت أختلف إلى أبي عثمان مدة في وقت شبابي، وحظيت عنده، ثم اشتغلت مدة بشيء مما يشتغل به الفتيان فانقطعت عنه، وكنت إذا رأيته من بعيد أو في طريق اختفيت حتى لا يراني، فخرج علي يوماً من سكة في عطفة فلم أجد عنه محيصاً فتقدمت إليه وأنا دهش، فلما رأى ذلك قال: يا أبا عمرو، لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوماً.

وكان يقول: طول العتاب فرقة، وترك العتاب حشمة، وكان يقول: لا يستوي الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع والعطاء، والعز والذل.

وكان يقال: ثلاثة أشياء لا رابع لها: أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله ابن الجلاء بالشام.

وقال أبو عثمان: منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في شيء فكرهته، ولا نقلني إلى حال فسخطته.

وقالت مريم امرأة أبي عثمان: كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان في ورده من الصلاة، فإنه إذا دخل ستر الخلوة لم يحس بشيء من الحديث وغيره. وقالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها، وقلت: يا أبا عثمان، أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم، لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يراودونني على التزوج فأمتنع جاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان، قد أحببتك حباً ذهب بنومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب أن تتزوج بي، فقلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخياط في موضع كذا، فراسلته، فأجاب، فتزوجت بها، فلما دخلت وجدتها عوراء عرجاء سيئة الخلق، فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك، فأزيدها براً وإكراماً، إلى أن صارت لا تدعني أخرج من عندها، فتركت حضور المجلس إيثاراً لرضاها وحفظاً لقلبها، وبقيت معها على هذه الحالة خمس عشرة سنة، وكنت معها في بعض أوقاتي كأني قابض على الجمر ولا أبدي لها شيئاً من ذلك، إلى أن ماتت، فما شيء عندي أرجى من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.

ولما تغير على أبي عثمان الحال عند الموت مزق ابنه أبو بكر قميصاً على نفسه. ففتح أبو عثمان عينه وقال: خلاف السنة يا بني في الظاهر، وعلامة رياء في الباطن.

توفي لثلاث عشرة بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين، رحمه الله تعالى.

وكان كثيراً ما ينشد في حال وعظه:

وغير تقي يأمر الناس بالتقـى

 

طبيب يداوي والطبيب مريض