الأعمش

أبو محمد سليمان بن مهران مولى بني كاهل من ولد أسد، المعروف بالأعمش الكوفي الإمام المشهور؛ كان ثقة عالماً فاضلاً، وكان ابوه من دنباوند، وقدم الكوفة وامرأته حامل بالأعمش فولدته بها؛ قال السمعاني: وهو لا يعرف بهذه النسبة، بل يعرف بالكوفي، وكان يقارن بالزهري في الحجاز، ورأى أنس ابن مالك-رضي الله عنه-وكلمه، ولكنه لم يزرق السماع عليه، وما يرويه عن أنس فهو إرسال أخذه عن أصحاب أنس. ورأى أبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه فقال له: يا بني إنما أكرمت ربك. سمع داود بن سويد وأبا وائل وإبراهيم التميمي وسعيد بن جبير ومجاهداً والنخعي، وروى عن عبد الله بن أي أوفى حديثاً واحداً، ولقي كبار التابعين رضي الله عنهم، وروى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وخلق كثير من جلة العلماء.

وكان الأعمش يقول: إن كان بيننا وبين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر؛ قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: صدق، هكذا كان، وقد رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن والقرن الذي قبلنا مثل الأعمش: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته.

حدث محمد بن جرير، قال عيسى بن موسى لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء؛ قال: فجمعهم، فجاء الأعمش في جبة وفرو وقد ربط وسطه بشريط فأبطأوا فقام الأعمش فقال: إن أردتم أن تعطونا شيئاً وإلا فخلوا سبيلنا، فقال عيسى المذكور: قلت لك تأتي بالفقهاء فتجيء بهذا؟ فقال: هذا سيدنا، هذا الأعمش.

حدثنا أحمد بن علي بن ثابت بإسناد له عن وكيع: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فمار أيته يقضي ركعة.

وقال الأعمش: كنت آتي مجاهداً فيقول: لو كنت أطيق المشي لأتيتك.

وجرى بينه وبين زوجته كلام، وكان يأتيه رجل يقال له أبو ليلى مكفوف فصيح يتكلم بالإعراف يتطلب الحديث منه، فقال: يا أبا ليلى، امرأتي نشزت علي وأنا أحب أن تدخل عليها فتخبرها مكاني من الناس وموضعي عندهم، فدخل عليها وكانت من أجمل أهل الكوفة فقال: يا هنتاه إن الله قد أحسن قسمك، هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا وحلالنا فلا يغرنك عموشة عينيه ولا حموشة ساقيه، فغضب الأعمش وقال: يا أعمى يا خبيث، أعمى الله قلبك كما أعمى عينيك، قد أخبرتها بعيوبي كلها؛ اخرج من بيتي.

وأراد إبراهيم النخعي أن يماشيه فقال الأعمش: إن الناس إذا رأونا معاً قالوا: أعور وأعمش، قال النخعي: وما عليك أن نؤجر ويأثموا؟ فقال له الأعمش: وما عليك أن يسلموا ونسلم؟ وجاء رجل يطلبه في منزله ووصل وقد خرج مع امرأته إلى المسجد فجاء فوجدهما في الطريق فقال: أيكما الأعمش؟ فقال الأعمش: هذه، وأشار إلى المرأة.

ودخل الحمام يوماً وجاء رجل حاسر، فقال له الرجل: متى ذهب بصرك؟ فقال: مذ بدت عورتك.

قال محمد بن حميد، حدثنا جرير قال: جئنا الأعمش يوماً فوجدناه قاعداً في ناحية فجلسنا في ناحية أخرى وفي الموضع خليج من ماء المطر، فجاء الأعمش رجل عليه، فلما بصر بالأعمش وعليه فروة حقيرة قال: قم فعبرني هذا الخليج، وجذب يده وأقامه وركبه وقال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين). فمضى به الأعمش حتى توسط به الخليج فرمى به وقال: (رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين). ثم خرج وترك الأسود يخبط في الماء.

وكان الأعمش إذا رأى ثقيلاً قال: كم غرضك تقيم في هذه البلدة؟.

وكان لطيف الخلق مزاحاً، جاءه أصحاب الحديث يوماً ليسمعوا عليه، فخرج إليهم، وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم.

وقال له داود بن عمر الحائك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء، فقال: ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال: تقبل مع عدلين. ويقال إن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عاده يوماً في مرضه، فطول القعود عنده، فلما عزم على القيام قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك، فقال: والله إنك لتثقل علي وأنت في بيتك. وعادة أيضاً جماعة فأطالوا الجلوس عنده فضجر منهم، فأخذ وسادته وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية؛ وقيل عنده يوماً: قال صلى الله عليه وسلم: "من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه" فقال: ما عمشت عيني إلا من بول الشيطان في أذني. وكانت له نوادر كثيرة.

وقال أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوئ علين فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم شاة فلاكتها، وقال لرسوله: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه، فقالوا لهك يا أبا محمد افتده من القتل، فلما ألحو عليه كتب له "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان رضي الله عنه مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي رضي الله عنه مساوئ أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك، والسلام".

وكتب إلى بعض إخوانه يعزيه:

إنا نعزيك لا انـا عـلـى ثـقة

 

من البقاء ولكـن سـنة الـدين

فلا المعزى بباق بعـد مـيتـه

 

ولا المعزي وإن عاشا إلى حين

ومولده سنة ستين للهجرة، وقيل إنه يوم مقتل الحسين رضي الله عنه، وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وكان أبوه حاضراً مقتل الحسين، وعده ابن قتيبة في كتاب "المعارف" في جملة من حملت به أمه سبعة أشهر.

وتوفي في سنة ثمان وأربعين ومائة في شهر ربيع الأول، وقيل سنة سبع وأربعين، وقيل سنة تسع واربعين، رحمه الله تعالى.

وقال زائدة بن قدامة: تبعت الأعمش يوماً، فأتى المقابر فدخل في قبر محفور فاضطجع فيه، ثم خرج منه وهو ينفض التراب عن رأسه ويقول: واضيق مسكناه.

ودنباوند: بضم الدال المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة، وهي ناحية من رستاق الري في الجبال، وبعضهم يقول "دماوند" والأول أصح، وقد تقدم ذكرها قبل هذا.