أبو مسلم الخرساني

أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وقيل عثمان، الخرساني القائم بالدعوة العباسية، وقيل هو إبراهيم بن عثمان بن يسار بن شذوس بن جودرن من ولد بزرجمهر بن البختكان الفارسي، قال له إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: غير اسمك فما يتم لنا الأمر حتى تغير اسمك، فسمى نفسه عبد الرحمن، والله أعلم.

كان أبوه من رستاق فريذين من قرية تسمى سنجرد وكانت هذه القرية له مع عدة قرى، وقيل: إنه من قرية يقال لها ماخوان، على ثلاث فراسخ من مرو، وكان بعض الأحيان يجلب إلى الكوفة مواشي، ثم إنه قاطع على رستاق فريذين، فلحقه فيه عجز، وأنفذ عامل البلد إليه من يشخصه إلى الديوان، وكان له عند أذين بنداذ ابن وستجان جارية اسمها وشيكة جلبها من الكوفة، فأخذ الجارية معه وهي حامل، وتنحى عن مؤدى خراجه آخذاً إلى أذربيجان، فاجتاز على رستاق فاتق بعيسى بن معقل بن عمير أخي إدريس بن معقل جد أبي دلف العجلي فأقام عنده أياماً، فرأى في منامه كأنه جلس للبول فخرج من إحليله نار وارتفعت في السماء وسدت الأفاق وأضاءت الأرض ووقعت بناحية المشرق، فقص رؤياه على عيسى بن معقل فقال له: ما أشك أن في بطنها غلاماً، ثم فارقه ومضى إلى أذربيجان ومات بها.

ووضعت الجارية أبا مسلم، ونشأ عند عيسى، فلما ترعرع اختلف مع ولده إلى المكتب، فخرج أديباً لبيباً يشار إليه في صغره. ثم إنه اجتمع على عيسى بن معقل وأخيه إدريس جد أبي دلف العجلي بقايا من الخراج تقاعدا من أجلها عن حضور مؤدى الخراج بأصبهان، فأنهى عامل أصبهان خبرهما إلى خالد بن عبد الله القسري والي العراقين، فأنفذ خالد من الكوفة من حملهما إليه بعد قبضه عليهما، فتركهما خالد في السجن، فصادفا فيه عاصم بن يونس العجلي محبوساً بسبب من أسباب الفساد، وقد كان عيسى بن معقل قبل أن يقبض عليه أنفذ أبا مسلم إلى قرية من رستاق فاتق لاحتمال غلتها، فلما اتصل به خبر عيسى بن معقل باع ما كان احتمله من الغلة وأخذ ما كان اجتمع عنده من ثمنها ولحق بعيسى بن معقل، فأنزله عيسى بداره في بني عجل، وكان يختلف إلى السجن ويتعهد عيسى وإدريس ابني معقل. وكان قد قدم الكوفة جماعة من نقباء الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - مع عدة من الشيعة الخرسانية، فدخلوا على العجليين السجن مسلمين، فصادفوا أبا مسلم عندهم، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه، ومال هو إليهم ثم عرف أمرهم وأنهم دعاة، واتفق مع ذلك هرب عيسى وإدريس من السجن، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء، ثم خرج معهم إلى مكة، حرسها الله تعالى، فأورد النقباء على إبراهيم بن محمد الإمام - المذكور في ترجمة أبيه محمد بن علي وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه - عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم، وأهدوا إليه أبا مسلم، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه، وقال لهم: هذا عضلة من العضل. وأقام أبو مسلم عند الإمام إبراهيم يخدمه حضراً وسفراً.

ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم الإمام وسألوه رجلاً يقوم بأمر خراسان، فقال: إني قد جربت هذا الأصبهاني وعرفت ظاهره وباطنه فوجدته حجر الأرض، ثم دعا أبا مسلم وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان وكان من أمره ما كان. وكان إبراهيم الإمام قد أرسل إلى أهل خراسان سليمان بن كثير الحراني يدعوهم إلى أهل البيت، فلما بعث أبا مسلم أمر من هناك بالسمع والطاعة له، وأمره أن لا يخالف سليمان بن كثير، فكان أبو مسلم يختلف ما بين إبراهيم وسليمان.

وقال المأمون، وقد ذكر أبو مسلم عنده: أجل ملوك الأرض ثلاثة، وهم اللذين قاموا بثقل الدول: الاسكندر وأردشير وأبو مسلم الخراساني.

وكان أبو مسلم يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم وأقام على ذلك سنين وفعل في خراسان وتلك البلاد ما هو مشهور ولا حاجة إلى الإطالة بذكره.

وكان مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر وأن أبا مسلم إلى من يدعو منهم، فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعاء لإبراهيم الإمام، وكان مقيماً عند اخوته وأهله بالحميمة - الآتي ذكرها في ترجمة جده علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما - فأرسل إليه وقبض عليه وأحضره إلى حران فأوصى إبراهيم بالأمر من بعده لأخيه عبد الله السفاح. ولما وصل إبراهيم إلى حران حبسه مروان بها ثم غمه بجراب طرح فيه نورة وجعل فيه رأسه وسد عليه إلى أن مات، وذلك في صفر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل إنه قتله غير هذه القتلة لكن هذا هو الأكثر، وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وكان دفنه هناك داخل حران.

ثم صار أبو مسلم يدعو الناس إلى أبي العباس عبد الله بن محمد الملقب السفاح. وكان بنو أمية يمنعون بني هاشم من نكاح الحارثية للخبر المروي في ذلك أن هذا الأمر يتم لابن الحارثيه، فلما قام عمر بن عبد العزيز بالأمر أتاه محمد بن علي وقال: إني أردت أن اتزوج ابنة خالي من بني الحارث بن كعب، أفتأذن لي؟ قال: تزوج من شئت، فتزوج ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الركال بن قطن بن زياد بن الحارث بن كعب، فأولدها السفاح المذكور، فتولى الخلافة.

ووصف المدائني أبا مسلم فقال: كان قصيراً أسمر جميلاً حلواً نقي البشرة أحور العين عريض الجبهة حسن اللحية وافرها طويل الشعرة طويل الظهر قصير الساق والفخذ خافض الصوت، فصيحاً بالعربية والفارسية حلو المنطق راوية للشعر عالماً بالأمور، لم ير ضاحكاً ولا مازحاً إلا في وقته ولا يكاد يقطب في شيء من أحواله، تأتيه الفتوحات العظام فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الحوادث الفادحة فلا يرى مكتئباً، وإذا غضب لم يستفزه الغضب، ولا يأتي النساء في السنة إلا مرة واحدة، ويقول: الجماع جنون ويكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة، وكان من أِشد الناس غيرةً " لا يدخل قصره غيره، وكان في القصر كوى يطرح لنسائه منها ما يحتجن إليه، قالوا: وليلة زفت أليه امرأته أمر بالبرذون الذي ركبته فذبح وأحرق سرجه، لئلا يركبه ذكر بعدها، وقال له ابن شبرمة: أصلح الله الأمير، من أشجع الناس؟ قال: كل قوم في إقبال دولتهم؛ وكان أقل الناس طمعاً، واكثرهم طعاماً، ولما حج نادى في الناس: برئت الذمة ممن أوقد ناراً، فكفى العسكر ومن معه أمر طعامهم وشرابهم في ذهابهم وإيابهم ومنصرفهم، وهربت الأعراب، فلم يبق في المناهل منهم أحد لما كانوا يسمعونه من سفكه الدماء: قتل في دولته ستمائة ألف صبراً، فقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم خير أو الحجاج؟ قال: لا أقول إن أبا مسلم خيراً من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منه ".

وقيل له: بم بلغت ما بلغت؟ فقال: ما أخرت أمر يومي إلى غد قط. وذكر الزمخشري في كتاب" ربيع الأبرار " في باب " الأسنان وذكر الصبا والشباب " أن أبا مسلم نهض للدعوة وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال الزمخشري أيضاً في كتابه المذكور انه كان عظيم القدر - يعني أبا مسلم - وأنه قدم مرة فتلقاه ابن أبي ليلى القاضي المشهور فقبل يده، فقيل له في ذلك فقال: قد لقي أبو عبيدة ابن الجراح عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما فقبل يده، فقيل له: أتشبه أبا مسلم بعمر؟ فقال: أتشبهونني بأبي عبيدة؟ وكان له إخوة من جملتهم يسار جد علي بن حمزة بن عمارة بن حمزة بن يسار الأصبهاني.

وكانت ولادته في سنة مائة للهجرة، والخليفة يومئذ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، في رستاق فاتق، بقرية يقال لها ناوانه، ويدعي أهل مدينة جي الأصبهانية أن مولده بها. ولما ظهر بخراسان كان أول ظهوره بمرو يوم الجمعة لتسع بقين، وقال الخطيب لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ومائة، والوالي بخراسان يومئذ نصر بن سيار الليثي من جهة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فكتب نصر إلى مروان:

 

أرى جذعاً إن يئن لم يقو ريضٌ

 

عليه، فبادر قبل أن يثني الجذع

 

وكان مروان مشغولاً عنه بغيره من الخوارج بالجزيرة الفراتية وغيرها منهم الضحاك بن قيس الحروري وغيره فلم يجبه عن كتابه، وأبو مسلم يوم ذاك في خمسين رجلاً، فكتب إليه ثانية قول أبي مريم عبد الله بن إسماعيل البجلي الكوفي وهو من جملة أبيات كثيرة، وكان أبو مريم منقطعاً إلى نصر بن سيار وكان له مكتب بخراسان:

 

أرى خلل الرماد وميض نارٍ

 

ويوشك أن يكون لها ضرام

فإن النار بالزنـدين تـورى

 

وإن الحرب أولهـا كـلام

لئن لم يطفها عقـلاء قـوم

 

يكون وقودها جثـثٌ وهـام

أقول من التعجب ليت شعري

 

أأيقـاظٌ أمـية أم نـــيام

فإن كانوا لحينـهـم نـيامـاً

 

فقل قوموا فقد حان القـيام

 

وهذا مثل ما يحكى عن بعض علوية الكوفة أنه قال، لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أبي جعفر المنصور وأخوه إبراهيم بن عبد الله:

أرى ناراً تشب على يفـاعٍ

 

لها في كل ناحية شعـاع

وقد رقدت بنو العباس عنها

 

وباتت وهي آمنةٌ رتـاع

كما رقدت أمية ثم هبـت

 

تدافع حين لا يغني الدفاع

 

رجعنا إلى الأول:  فانتظر ابن سيار ما يكون من مروان، فجاءه جوابه وهو يقول: إنا حين وليناك خراسان، والشاهد يرى ما يرى الغائب، فحسم الثؤلول قبلك، فقال نصر حين أتاه الجواب: قد أعلمكم أن لا نصر عنده، ثم كتب ثانياً فأبطأ عنه الجواب. واشتدت شوكة أبي مسلم فهرب نصر من خراسان وقصد العراق، فمات في الطريق بناحية ساوة، وقيل أنه مرض بالري وحمل إلى ساوة وهي بالقرب من همذان، فمات بها في شهر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين ومائة، وكانت ولايته بخراسان عشر سنين.


وفي يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على علي بن جديع بن علي الكرماني بنيسابور فقتله بعد أن قيده وحبسه، وقعد في الدست وسلم عليه بالإمرة وصلى وخطب ودعا للسفاح أبي العباس عبد الله بن محمد أول خلفاء بني العباس، وصفت له خراسان وانقطعت عنها ولاية بني أمية. ثم سير العساكر لقتال مروان بن محمد، وظهر السفاح بالكوفة وبويع بالخلافة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر وقيل الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقيل غير هذا التاريخ.


وتجهزت العساكر الخراسانية وغيرها من جهة السفاح لقصد مروان بن محمد ومقدمها عبد الله بن علي عم السفاح، فتقدم مروان إلى الزاب، النهر الذي بين الموصل وإربل، وكانت الوقعة على كشاف - بضم الكاف وهي قرية هناك -، وانكسر عسكر مروان وهرب إلى الشام، فتبعه عبد الله بجيوشه، فهرب إلى مصر، فأقام عبد الله بدمشق وأرسل جيشاً وراء مروان مع الأصفر - وقيل: مصفر - وعامر بن إسماعيل الجرجاني.


فلما وصل إلى بوصير القرية التي عند الفيوم قتل بها ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، رحمه الله تعالى، وقيل في ذي القعدة من السنة، قتله عامر المذكور، واحتزوا رأسه وبعثوه إلى السفاح، فبعثه السفاح إلى أبي مسلم وأمره يطيف به في بلاد خراسان.

 

وقيل لمروان: ما الذي أصارك إلى هذا؟ قال: قلة مبالاتي بكتب نصر بن سيار لما استنصرني وهو بخراسان.


فاستقل السفاح بالخلافة، وخلا له الوقت من منازع.


" وقال أبو عثمان التيمي قاضي مروان بن محمد: رأيت في منامي كأن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقى بين مراقي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص التي أولها:

يا بيت عاتكة الذي أتعزّل

 

أين الشباب وعيشنا اللذّ الذي

 

كنا به زمنا نسر ونجـذل

ذهبت بشاشته وأصبح ذكره

 

حزناً يعل به الفؤاد وينهل

 

قال أبو عثمان التيمي: فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أمية إلا أقل من شهر.


ووجد بخط محمد بن أسعد قال: كان الخراز يقول: من أعجب أحاديث مروان بن محمد ما رواه المدائني قال: لما حاصر مروان تدمر فظفر بها وهدم دورها افضى إلى جرن طويل، فلم يشك مروان والحاضرون أن تحته كنزاً، فنبشوه فإذا امرأة مسجاة عظيمة الخلق على قفاها فوق سرير من حجارة عليها سبعون حلة منسوجة بالذهب جرباناتها، لها غدائر من رأسها إلى رجليها، فذرع قدمها فكانت عظيمة الساق، وكان طولها سبعة أذرع، وإذا عند رأسها صفيحة من نحاس مكتوب عليها بالحميرية، فطلب من قرأه فإذا فيه: أنا تدمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن هرم العماليقي، من دخل علي بيتي هذا فأزعجني منه حتى يراني أدخل الله عليه المهانة والذل والصغار؛ فلما قرىء المكتوب على مروان عظم عليه وندم على ما كان منه وتطير بذلك وجعل يسترجع، ثم أمر بطبق الجرن وأن يرد إلى موضعه، وما كان بين ذلك وبين الظفر به وزوال الملك واستباحة حريمه إلا قليل ".


وكان السفاح كثير التعظيم لأبي مسلم لما صنعه ودبره، وكان أبو مسلم عند ذلك ينشد في كل وقت:

 

أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت

 

عنه ملوك بني مروان إذ حشـدوا

ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم

 

والقوم في غفلة بالشام قد رقـدوا

حتى ضربتهم بالسيف فانتبـهـوا

 

من نومةٍ لم ينمها قبلـهـم أحـد

ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ

 

ونام عنها تولى رعـيهـا الأسـد

 

ولما مات السفاح في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بعلة الجدري - وكانت وفاته بالأنبار - وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر المنصور يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة وهو بمكة، صدرت من أبي مسلم أسباب وقضايا غيرت قلب المنصور عليه فعزم على قتله، وبقي حائراً بين الاستبداد برأيه في أمره أو الاستشارة، فقال يوماً لسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي: ما ترى في أمر أبي مسلم؟ قال: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " الأنبياء:22 " فقال: حسبك يا ابن قتيبة، لقد أودعتها أذناً واعية.


وكان أبو مسلم قد حج، فلما عاد نزل الحيرة التي عند الكوفة وكان بها نصراني عمره مائتا سنة يخبر عن الكوائن، فأحضره وسمع كلامه، وكان في جملته أنه يقتل، وقال له: إن صرت إلى خراسان سلمت، فعزم على الرجوع إليها.


فلم يزل المنصور يخدعه بالرسائل حتى أحضره إليه، وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها وأنه مميت دولة ومحيي دولة وأنه يقتل ببلاد الروم، وكان المنصور يومئذٍ برومية المدائن التي بناها كسرى، ولم يخطر بقلب أبي مسلم أنها موضع قتله، بل راح وهمه إلى بلاد الروم، فلما دخل على المنصور رحب به ثم أمره بالانصراف إلى مخيمه، وانتظر المنصور فيه الفرص والغوائل، ثم إن أبا مسلم ركب إليه مراراً فأظهر له التجني، ثم جاءه يوماً فقيل له: إنه يتوضأ للصلاة، فقعد تحت الرواق، ورتب المنصور له جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم، فإذا عاتبه لا يظهرون فإذا ضرب يداً على يد ظهروا وضربوا عنقه؛ ثم جلس المنصور ودخل عليه أبو مسلم فسلم فرد عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ثم عاتبه وقال: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ما يقال هذا لي بعد سعيي واجتهادي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدنا وحظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك، ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك قبلي؟ ألست الكاتب تخطب عمتي آسيا وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن العباس؟ لقد ارتقيت لا أم لك مرتقىً صعباً. فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال له المنصور وهو آخر كلامه: قتلني الله إن لم أقتلك، ثم صفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم، والمنصور يصيح: اضربوا قطع الله أيديكم، وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة: استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك، قال: لا أبقاني الله أبداً إذاً، وأي عدو أعدى منك؟ وكان قتله يوم الخميس لخمس بقين من شعبان، وقيل لليلتين، وقيل يوم الأربعاء لسبع ليال خلون منه، سنة سبع وثلاثين ومائة، وقيل سنة ست وثلاثين، وقيل سنة أربعين وهذا القول ضعيف، وكان قتله برومية المدائن، وهي بلدة بالقرب من بغداد على دجلة بالجانب الغربي معدودة من مدائن كسرى. ولما قتله أدرجه في بساط فدخل عليه جعفر بن حنظلة فقال له المنصور: ما تقول في أمر أبي مسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم اقتل ثم اقتل، فقال المنصور: وفقك الله، هاهو في البساط، فلما نظر إليه قتيلاً قال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك، فأنشد المنصور:

 

فألقت عصاها واستقرت بها النوى

 

كما قر عيناً بالإياب المسـافـر

 

ثم أقبل المنصور على من حضره، وأبو مسلم طريح بين يديه وأنشد:

زعمت أن الدين لا يقتضى

 

فاستوف بالكيل أبا مجـرم

اشرب بكأسٍ كنت تسقي بها

 

أمر في الحلق من العلقـم

 

وكان المنصور بعد قتله أبا مسلم كثيراً ما ينشد جلساءه قول بعضهم:

طوى كشحه عن أهل كل مشورةٍ

 

وبات يناجي عزمه ثم صمـمـا

وأقدم لما لم يجد ثـم مـذهـبـاً

 

ومن لم يجد بداً من الأمر أقدمـا

 

قلت: ومن ها هنا أخذ البحتري قوله في قصيدته التي مدح بها الفتح بن خاقان صاحب المتوكل على الله وقد لقي أسداً في طريقه فلم يقدم عليه الأسد فقتله الفتح، وهي من غرر قصائده والمقصود منها قوله:

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعاً

 

وأقدم لما لم يجد منك مهربا

والله أعلم.
وقد اختلف الناس في نسب أبي مسلم، فقيل إنه من العرب، وقيل من العجم، وقيل من الأكراد، وفي ذلك يقول أبو دلامة المقدم ذكره:

أبا مجرم ما غير الله نعـمةً

 

على عبده حتى يغيرها العبد

أفي دولة المنصور حاولت غدرةً

 

ألا إن أهل الغدر آباؤك الكـرد

أبا مجرم خوفتني القتل فانتحـى

 

عليك بما خوفتني الأسد الـورد

ورومية: بضم الراء وسكون الواو وكسر الميم وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة، بناها الإسكندر ذو القرنين لما أقام بالمدائن، وكان قد طاف الأرض شرقاً وغرباً، كما أخبر عنه الباري تعالى في القرآن الكريم ولم يختر منها منزلاً سوى المدائن فنزلها، وبنى رومية المذكورة إذ ذاك، والله أعلم.