أبو الفرج ابن الجوزي

أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وبقية النسب معروف، القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ؛ كان علاّمة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ. صنف في فنون عديدة، منها " زاد المسير في علم التفسير " أربعة أجزاء أتى فيه بأشياء غريبة، وله في الحديث تصانيف كثيرة، وله " المنتظم " في التاريخ، وهو كبير، وله " الموضوعات " في أربعة أجزاء، ذكر فيها كل حديث موضوع، وله " تلقيح فهوم الأثر " على وضع كتاب " المعارف " لابن قتيبة، وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد. وكتب بخطه شيئاً كثيراً، والناس يغالون في ذلك حتى يقولوا: إنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس، وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله العقل. ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت وفضل منها. وله أشعار لطيفة، أنشدني له بعض الفضلاء يخاطب أهل بغداد:

عذيري من فتية بالعـراق

 

قلوبهم بالجـفـا قـلـب

يرون العجيب كلام الغريب

 

وقول القريب فلا يعجـب

ميازيبهم إن تندت بـخـيرٍ

 

إلى غير جيرانهم تقلـب

وعذرهم عند توبـيخـهـم

 

مغنية الحي ما تـطـرب

وله أشعار كثيرة. وكانت له في مجالس الوعظ أجوبة نادرة، فمن أحسن ما يحكى عنه أنه وقع النزاع ببغداد بين أهل السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي، رضي الله عنهما، فرضي الكل بما يجيب به الشيخ أبو الفرج، فأقاما شخصاً سأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه، فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ونزل في الحال حتى لا يراجع في ذلك، فقالت السنة: هو أبو بكر لأن ابنته عائشة رضي الله عنها تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الشيعة: هو علي لأن فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من لطائف الأجوبة، ولو حصل بعد الفكر التام وإمعان النظر كان في غاية الحسن فضلاً عن البديهة. وله محاسن كثيرة يطول شرحها. وكانت ولادته بطريق التقريب سنة ثمان، وقيل عشر وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة ببغداد ودفن بباب حرب، وتوفي والده في سنة أربع عشرة وخمسمائة رحمهما الله تعالى.

وحمادى: بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف دال مهملة مفتوحة وياء مفتوحة.

والجوزي: بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها زاي، هذه النسبة إلى فرضة الجوز، وهو موضع مشهور.

ورأيت بخطي في مسوداتي أن جده كان من مشرعة الجوز، إحدى محال بغداد بالجانب الغربي، والله أعلم.

وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: كان أبو الفرج ابن الجوزي يقول: لا أتحقق مولدي غير أن والدي مات سنة أربع عشرة وقالت الوالدة: كان لك من العمر نحو ثلاث سنين. وكان والده يعمل الصفر بنهر القلايين، والله أعلم.

وكان ولده محيي الدين أبو محمد يوسف بن عبد الرحمن محتسب بغداد وتولى تدريس المدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة، وكان يتردد في الرسائل إلى الملوك، وصار أستاذ دار الخلافة، ومولده ليلة السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي في وقعة التتر قتيلاً سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وكان سبطه شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي الواعظ المشهور حنفي المذهب، وله صيت وسمعة في مجالس وعظه وقبول عند الملوك وغيرهم، وصنف تاريخاً كبيراً رأيته بخطه في أربعين مجلداً سماه " مرآة الزمان "، وتوفي ليلة الثلاثاء حادي عشرين ذي الحجة سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق بمنزله بجبل قاسيون ودفن هناك، ومولده سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، وكان هو يقول: أخبرتني أمي أن مولدي سنة اثنتين وثمانين.