عبد المؤمن صاحب المغرب

أبو محمد عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي الذي قام بأمره محمد بن تومرت المعروف بالمهدي؛ كان والده وسطاً في قومه، وكان صانعاً في عمل الطين يعمل منه الآنية فيبيعها، وكان عاقلاً من الرجال وقوراً. ويحكى أن عبد المؤمن في صباه كان نائماً تجاه أبيه وأبوه مشتغل بعمله في الطين، فسمع أبوه دوياً من السماء، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فنزلت كلها مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم، فغطته ولم يظهر من تحتها ولا استيقظ لها، فرأته أمه على تلك الحال فصاحت خوفاً على ولدها، فسكتها أبوه فقالت: أخاف عليه، فقال: لا بأس عليه، بل إني متعجب مما يدل عليه ذلك، ثم إنه غسل يديه من الطين ولبس ثيابه ووقف ينتظر ما يكون من أمر النحل، فطار عنه بأجمعه، فاستيقظ الصبي وما به من ألم، فتفقدت أمه جسده فلم تر به أثراً، ولم يشك إليها ألماً، وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزجر، فمض أبوه إليه فأخبره ما رآه من النحل مع ولده، فقال الزاجر: يوشك أن يكون له شأن، يجتمع على طاعته أهل المغرب، فكان من أمره ما اشتهر.

ورأيت في بعض تواريخ المغرب أن ابن تومرت كان قد ظفر بكتاب يقال له " الجفر " وفيه ما يكون على يده وقصة عبد المؤمن وحليته واسمه، وأن ابن تومرت أقام مدة يتطلبه حتى وجده وصحبه وهو إذ ذاك غلام، وكان يكرمه ويقدمه على أصحابه، وأفضى إليه بسره وانتهى به إلى مراكش وصاحبها يومئذ أبو الحسن علي بن يوسف بن تاشفين ملك الملثمين، وجرى له معه فصول يطول شرحها، وأخرجه منها فتوجه إلى الجبال وحشد واستمال المصامدة، وبالجملة فإنه لم يملك شيئاً من البلاد، بل عبد المؤمن ملك بعد وفاته بالجيوش التي جهزها ابن تومرت والترتيب الذي رتبه، وكان أبداً يتفرس فيه النجابة وينشد إذا أبصره:

 

تكاملت فيك أوصافٌ خصصت بها

 

فكلنا بك مسرورٌ ومـغـتـبـط

السن ضاحكةٌ والكـف مـانـحة

 

والنفس واسعةٌ والوجه منبـسـط

 

وهذان البيتان وجدتهما منسوبين إلى أبي الشيص الخزاعي الشاعر المشهور، وكان يقول لأصحابه: صاحبكم هذا غلاب الدول، ولم يصح عنه أنه استخلفه، بل راعى أصحابه في تقديمه إشارته فتم له الأمر وكمل.


وأول ما أخذ من البلاد وهران ثم تلمسان ثم فاس ثم سلا ثم سبتة، وانتقل بعد ذلك إلى مراكش وحاصرها أحد عشر شهراُ ثم ملكها، وكان أخذه لها في أوائل سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، واستوثق له الأمر، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى وبلاد إفريقية وكثير من بلاد الأندلس، وتسمى أمير المؤمنين، وقصدته الشعراء وامتدحته بأحسن المدائح، وذكر العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن أبي العباس التيفاشي لما أنشده:

 

ما هز عطفيه بين البيض والأسل

 

مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي

أشار عليه بأن يقتصر على هذا البيت وأمر له بألف دينار.

ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه خرج من مراكش إلى مدينة سلا، فأصابه بها مرض شديد، وتوفي منه في العشر الأخير من جمادى الآخرة السابع والعشرين منه سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وقيل أنه حمل إلى تين مل المذكورة في ترجمة المهدي محمد بن تومرت، ودفن هناك، والله أعلم، وكانت مدة ولايته ثلاثاً وثلاثين سنة وأشهراً، وكان عند موته شيخاً نقي البياض.

ونقلت من تاريخ فيه سيرته وحليته، فقال مؤلفه: رأيته شيخاً معتدل القامة عظيم الهامة أشهل العينين كث اللحية شثن الكفين طويل القعدة واضح بياض الأسنان، بخده الأيمن خال، رحمه الله تعالى.

وقيل إن ولادته كانت سنة خمسمائة، وقيل سنة تسعين وأربعمائة، والله أعلم. وعهد إلى ولده أبي عبد الله محمد فاضطرب أمره وأجمعوا على خلعه في شعبان من سنة ولايته، وبويع أخوه يوسف - على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

والكومي: بضم الكاف وسكون الواو وبعدها ميم، هذه النسبة إلى كومية، وهي قبيلة صغيرة نازلة بساحل البحر من أعمال تلمسان، ومولده في قرية هناك يقال لها تاجرة.

وأما كتاب " الجفر " فقد ذكره ابن قتيبة في أوائل كتاب " اختلاف الحديث " فقال بعد كلام طويل واعجب من هذا التفسير تفسير الروافد للقرآن الكريم وما يدعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من الجفر الذي ذكره سعد بن هارون العجلي وكان رأس الزيدية فقال:  

ألم تر أن الرافضين تفـرقـوا

 

فكلهم في جعفر قال منـكـرا

فطائفة قالوا إمـامٌ ومـنـهـم

 

طوائف سمته النبي المطهـرا

ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم

 

برئت إلى الرحمن ممن تجفرا

 

والأبيات أكثر من هذا فاقتصرت منها على هذا لأنه المقصود بذكر الجفر، ثم قال ابن قتيبة بعد الفراغ من الأبيات: " وهو جلد جفر ادعوا أنه كتب لهم فيه الإمام كل ما يحتاجون إليه وكل ما يكون إلى يوم القيامة ". قلت: وقولهم " الإمام يريدون به جعفراً الصادق، رضي الله عنه، وقد تقدم ذكره. وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله من جملة أبيات:

 

لقد عجبوا لأهل البيت لمـا

 

أتاهم علمه في مسك جفر

ومرآة المنجم وهي صغرى

 

أرته كل عامرةٍ وقـفـر

وقوله " في مسك جفر " المسك، بفتح الميم وسكون السين المهملة، الجلد. والجفر، بفتح الجيم وسكون الفاء وبعدها راء، من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وجفر جنباه، وفصل عن أمه، والأنثى جفرة، وكانت عاداتهم ذلك الزمان أنهم يكتبون في الجلود والعظام والخزف وما شاكل ذلك.