تقي الدين ابن الصلاح

أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشهرزوري المعروف بابن الصلاح، الشرخاني الملقب تقي الدين، الفقيه الشافعي؛ كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكانت له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسددة وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم. قرأ الفقه أولاً على والده الصلاح وكان من جلة مشايخ الأكراد المشار إليهم، ثم نقله والده إلى الموصل واشتغل بها مدة، وبلغني أنه كرر على جميع كتاب " المهذب " ولم يطر شاربه، ثم إنه تولى الإعادة عند الشيخ العلامة عماد الدين أبي حامد ابن يونس بالموصل أيضاً، وأقام قليلاً ثم سافر إلى خراسان فأقام بها زماناً وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام وتولى التدريس بالمدرسة الناصرية بالقدس المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى، وأقام بها مدة، واشتغل الناس عليه وانتفعوا به، ثم انتقل إلى دمشق وتولى تدريس المدرسة الرواحية التي أنشأها الزكي أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد ابن رواحة الحموي، وهو الذي أنشأ المدرسة الرواحية بحلب أيضاً. ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب، رحمه الله تعالى، دار الحديث بدمشق فوض تدريسها إليه. واشتغل الناس عليه بالحديث، ثم تولى تدريس ست الشام زمرد خاتون بنت أيوب - وهي شقيقة شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره التي هي داخل البلد قبلي البيمارستان النوري، وهي التي بنت المدرسة الأخرى ظاهر دمشق، وبها قبرها وقبر أخيها المذكور وزوجها ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص - فكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا لعذر ضروري لابد منه، وكان من العلم والدين على قدم حسن، وقدمت عليه في أوائل شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وأقمت عنده بدمشق ملازم الاشتغال مدة سنة.

وصنف في علوم الحديث كتاباً نافعاً، وكذلك في مناسك الحج جمع فيه أشياء حسنة يحتاج الناس إليها، وهو مبسوط، وله إشكالات على كتاب " الوسيط " في الفقه، وجمع بعض أصحابه فتاويه في مجلد. ولم يزل أمره جارياً على سداد وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلي عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر، رحمه الله تعالى. ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان.

وتوفي والده الصلاح ليلة الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ثمان عشرة وستمائة بحلب، ودفن خارج باب الأربعين في الموضع المعروف بالجبل بتربة الشيخ علي بن محمد الفارسي، وكان مولده في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة تقديراً لأنه كان لا يتحققه، وتولى بحلب تدريس المدرسة الأسدية المنسوبة إلى أسد الدين شيركوه بن شاذي - المقدم ذكره - وكان قد دخل بغداد واشتغل بها، واشتغل أيضاً على شرف الدين بن أبي عصرون -المقدم ذكره.

والنصري: بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء، هذه النسبة إلى جده أبي نصر المذكور.

وشر خان: بفتح الشين المثلثة والراء والخاء المعجمة وبعد الألف نون، قرية من أعمال إربل قريبة من شهرزور.

وتوفي الزكي ابن رواحة المذكور يوم الثلاثاء سابع رجب سنة اثنتين وعشرين وستمائة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية، وذكر الشهاب عبد الرحمن المعروف بأبي شامة في تاريخه المرتب على السنين أنه مات سنة ثلاث وعشرين.

وتوفيت ست الشام بنت أيوب المذكورة في سنة ست عشرة وستمائة يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة، رحمها الله تعالى.

وروي عن تقي الدين المعروف بابن الصلاح، رحمه الله تعالى، أنه قال: أخبرني الشيخ الصالح علي بن الرواس، قدس الله روحه، قال: ألهمت في النوم هذه الكلمات: ادفع المسألة ما وجدت التجمل يمكنك، فإن لكل يوم رزقاً جديداً، والإلحاح في الطلب يذهب البهاء، وما أحسن الصنيع إلى الملهوف، وربما كانت الغير نوعاً من أدب الله تعالى، والحظوظ مراتب فلا تعجل على ثمرةٍ قبل أن تدرك، فإنك ستنالها في أوانها، ولا تعجل في حوائجك فتضيق بها ذرعاً ويغشاك القنوط، والله أعلم