الماوردي

أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، المعروف بالماوردي، الفقيه الشافعي؛ كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم، أخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، ثم عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني ببغداد، وكان حافظاً للمذهب وله فيه كتاب " الحاوي " الذي لم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحّر والمعرفة التامة بالمذهب. وفوّض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد في درب الزّعفراني وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب " تاريخ بغداد " وقال: كان ثقة.

وله من التصانيف غير " الحاوي " " تفسير القرآن الكريم " و" النكت والعيون " و" أدب الدين والدنيا " و" الأحكام السلطانية " و" قانون الوزارة " و" سياسة الملك " و" الإقناع " في المذهب، وهو مختصر، وغير ذلك، وصنف في أصول الفقه والأدب وانتفع الناس به.

وقيل: إنه لم يظهر شيئاً من تصانيفه في حياته، وإنما جمع كلها في موضع، فلما دنت وفاته قال لشخص يثق إليه: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر، فإن عاينت الموت ووقعت في النزع فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب وألقها في دجلة ليلاً، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك فاعلم أنها قبلت وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة. قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت وضعت يدي في يده فبسطها ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه بعده.

وذكر الخطيب في أول " تاريخ بغداد " عن الماوردي المذكور، قال: كتب أخي إليّ من البصرة وأنا ببغداد:

طيب الهواء ببغداد يشـوّقـنـي

 

قدماً إليها وإن عاقت مـقـادير

فكيف صبري عنها الآن إذ جمعت

 

طيب الهواءين ممدود ومقصور

 

وقال أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش: أنشدني أبو الحسن الماوردي، قال: أنشدنا أبو الخير الكاتب الواسطي بالبصرة لنفسه:

جرى قلم القضاء بما يكون

 

فسيّان التحرك والسكـون

جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ

 

ويرزق في غشاوته الجنين

 

ويقال إن أبا الحسن الماوردي لما خرج من بغداد راجعاً إلى البصرة كان ينشد أبيات العباس بن الأحنف - المقدم ذكره - وهي:

أقمنا كارهين لها فـلـمـا

 

ألفناها خرجنا مكرهـينـا

وما حب البلاد بنا ولـكـن

 

أمرّ العيش فرقة من هوينا

خرجت أقرّ ما كانت لعيني

 

وخلّفت الفؤاد بها رهينـا

وإنما قال ذلك لأنه من أهل البصرة وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارهاً لها ثم طابت له بعد ذلك ونسي البصرة فشق عليه فراقها، وقد قيل إن هذه الأبيات لأبي محمد المزني الساكن بما وراء النهر، كذا قال السمعاني، والله أعلم.

وتوفي يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، ودفن من الغد في مقبرة باب حرب ببغداد، وعمره ست وثمانون سنة، رحمه الله تعالى.

والماوردي: نسبة إلى بيع الماورد، هكذا قاله الحافظ ابن السمعاني.