الكسائي

أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز، الأسدي بالولاء الكوفي المعروف بالكسائي؛ أحد القراء السبعة، كان إماماً في النحو واللغة والقراءات، ولم تكن له في الشعر يد، حتى قيل: ليس في علماء العربية أجهل من الكسائي بالشعر؛ وكان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب ولم يكن له زوجة ولا جارية، فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في هذه الأبيات:

قل للخليفة لا تقـول لـمـن

 

أمسى إليك بحـرمة يدلـي

ما زلت مذ صار الأمين معي

 

عبدي يدي ومطيتي رجلـي

وعلى فراشي من ينبهني

 

من نومتي وقيامه قبلي

أسعى برجل منه ثالـثة

 

موفورة مني بلا رجـل

وإذا ركبت أكون مرتدفاً

 

قدام سرجي راكب مثلي

فامنن علي بما يسكـنـه

 

عني وأهد الغمد للنصل

فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء بجميع آلاتها وخادم وبرذون بجميع آلاته.

واجتمع يوماً بمحمد بن الحسن الفقيه الحنفي في مجلس الرشيد فقال الكسائي: من تبحر في علم تهدى إلى جميع العلوم، فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو، هل يسجد مرة أخرى؟ قال الكسائي: لا، قال: لماذا؟ قال: لأن النحاة تقول: التصغير لا يصغر، هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة مواضع؛ وذكر الخطيب في " تاريخ بغداد " أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن المذكور والفراء - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وهما ابنا خالة، والله أعلم بالصواب.

رجعنا إلى بقية الحكاية: فقال محمد: فما تقول في تعليق الطلاق بالملك؟ قال: لا يصح، قال: لم؟ قال: لأن السيل لا يسبق المطر.

وله مع سيبويه وأبي محمد اليزيدي مجالس ومناظرات -سيأتي ذكر بعضها في تراجم أربابها إن شاء الله تعالى.

روى الكسائي عن أبي بكر ابن عياش وحمزة الزيات وابن عيينة وغيرهم وروى عنه الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما. وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة بالري وكان قد خرج إليها صحبة هارون الرشيد. قال السمعاني: وفي ذلك اليوم توفي محمد بن الحسن المذكور بالري أيضاً - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى - وكذا قال ابن الجوزي في " شذور العقود "توفي برنبويه قرية من قرى الري - ورنبويه مذكورة في ترجمة محمد بن الحسن - وقال السمعاني أيضاً: وقيل إن الكسائي مات بطوس سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة، والله أعلم، ويقال إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري.

والكسائي: بكسر الكاف وفتح السين المهملة وبعدها ألف ممدودة، وإنما قيل له الكسائي لأنه دخل الكوفة وجاء إلى حمزة بن حبيب الزيات وهو ملتف بكساء، فقال حمزة: من يقرأ؟ فقيل له: صاحب الكساء، فبقي عليه، وقيل بل أحرم في كساء فنسب إليه، رحمه الله تعالى.