ابن أفلح الشاعر

جمال الملك أبو القاسم علي بن أفلح العبسي الشاعر المشهور؛ شاعر ظريف حسن المديح كثير الهجاء، مدح الخلفاء فمن دونهم من أرباب المراتب، وجاب البلاد ولقي رؤساها وأكابرها ، رأيت ديوانه في مجلد وسط وقد جمعه بنفسه وعمل له خطبة وقفاه، وذكر عدد ما في كل قافية في بيت، واعتنى بأمره وهذبه، نقلت منه قوله يخاطب محبوبه:

يا جاهلاً قدر المحـبة سـاءنـي

 

ما ضاع من كلفي ومن تبريحـي

سيان عندك مـغـرم بـك هـائم

 

وخلي قلـبٍ فـيك غـير قـريح

لو كنت أعلم أن طبعـك هـكـذا

 

لم أعص يوم نصحت فيك نصيحي

ما كان في عزمي السلو وإنـمـا

 

ألزمتنيه بكـثـرة الـتـقـبـيح

 

وله في غلام ناقص الجمال:

وما عشقي له وحـشـاً لأنـي

 

كرهت الحسن واخترت القبيحا

ولكن غرت أن أهوى ملـيحـاً

 

وكل الناس يهوون الملـيحـا

 

ولابن المعتز في هذا المعنى أيضاً، أي في ناقص الجمال:

قلبي ميال إلى ذا وذا

 

ليس يرى شيئاً فيأباه

يهيم بالحسن كما ينبغي

 

ويرحم القبح فيهـواه

 

ومن أبياته السائرة المشهورة من جملة أبيات قوله:

بيننا يوم أثـيلات مـنـى

 

كان عن غير تراضٍ بيننا

 

ولبعض المتأخرين في المعنى الأول:

أنا لا أعشـق مـن يع

 

شقـه كـل الأنــام

وأعاف المنهل الـعـذ

 

ب لبغضي في الزحام

 

وله في غلام أعرج، أي لابن أفلح المذكور:

بأبـي مـن رأيتـه يتـثـنــى

 

فهو من لـينـه يحـل ويعـقـد

حسدوه على الجمـال فـقـالـوا

 

أعرج والمليح مـازال يحـسـد

هو غصنٌ والحسن في الغصن النا

 

عم مـا كـان مـائلاً يتـــأود

 

وله في بعض الرؤساء، وقد وصل إلى بابه، فمنعه البواب من الدخول إليه:

حمدت بـوابـك إذ ردنـي

 

وذمه غيري عـلـى رده

لأنـه قـلـدنـي نـعـمة

 

تستوجب الإغراق في حمده

أراحني من قبح ملقاك لـي

 

وكبرك الزائد فـي حـده

 

وأورد له الحظيري في " زينة الدهر ":

لا غرو من جزعي لبينهم

 

يوم النوى وأنا أخو الفهم

فالقوس من خشب تئن إذا

 

ما كلفوها فرقة السهـم

 

وقال وقد وعده رجل بدرياق وتأخر عنه:

لا غرو أن أخلف ميعـاده

 

من لم يجد قط ولم يكـرم

وإنما الأعجب مـنـه أنـا

 

أن أطلب الدرياق من أرقم

وله نوادر كثيرة.

وتوفي يوم الخميس ثاني شعبان سنة خمس، وقيل ست، وقيل سبع وثلاثين وخمسمائة، وعمره أربع وستون سنة وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوماً، وكانت وفاته ببغداد، ودفن بالجانب الغربي بمقابر قريش، رحمه الله تعالى.

وأفلح: بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام وبعدها حاء مهملة.

والعبسي: بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها سين مهملة، هذه النسبة إلى عبس، وهو اسم لعدة قبائل، ولا أعلم إلى أيها ينسب المذكور، وهو يتصحف بالعنسي، مثل الأول لكن بدل الباء نون، وهي قبيلة أيضاً.