الجزولي

أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى بن يوماريلي الجزولي اليزدكتني؛ كان إماماً في علم النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغريبه وشاذه، وصنف في المقدمة التي سماها القانون، ولقد أتى فيها بالعجائب، نوهي في غاية الايجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يسبق إلى مثلها، واعتنى بها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا كله فلا تفهم حقيقتها، وأكثر النحاة ممن لم يكن قد أخذوها عن موقف يعترفون بقصور أفهامهم عن إدراك مراده منها، فإنها كلها رموز وإشارات؛ ولقد سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليه في وقته وهو يقول: أنا ما أعرف هذه المقدمة، وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو. وبالجملة فإنه أبدع فيها. وسمعت أن له أمالي في النحو، ولكنها لم تشتهر، ورأيت له مختصر " الفسر " لابن جني في شرح ديوان المتنبي، ويقال: إنه كان يدري شيئاً من المنطق.

ودخل إلى الديار المصرية، وقرأ على الشيخ أبي محمد بن بري المقدم ذكره، وقد نقل عنه شيئاً في المقدمة المذكورة، وذكر بعض المتأخرين في تصنيفه أنه كان قد قرأ " الجمل " على ابن بري، وسأله عن مسائل على أبواب الكتاب، فأجابه ابن بري عنها، وجرى فيها بحث بين الطلبة حصلت منه فوائد علقها الجزولي مفردة، فجاءت كالمقدمة فيها كلام غامض وعقود لطيفة وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة، فنقلها الناس عنه واستفادوها منه. ثم قال هذا المصنف: وبلغني أنه كان إذا سئل عنها: هل هي من تصنيفك؟ قال: لا، لأنه كان متورعاً، ولما كانت من نتائج خواطر الجماعة عند البحث ومن كلام شيخه ابن بري لم يسعه أن يقول: هي من تصنيفي، وإن كانت منسوبة إليه، لأنه هو الذي انفرد بترتيبها.

ثم رجع الجزولي إلى بلاد المغرب بعد أن حج، وأقام بمدينة بجاية مدة، والناس يشتغلون علي، وانتفع به خلق كثير، ورأيت جماعة من أصحابه. وتوفي سنة عشر وستمائة بمدينة مراكش، رحمه الله تعالى، هكذا سمعت جماعة يذكرون تاريخ وفاته، ثم وقفت على ترجمته، وقد رتبها أبو عبد الله ابن الأبار القضاعي فقال: في سنة ست أو سبع وستمائة مات الجزولي.

ويللبخت: بفتح الياء المثناة من تحتها واللام وسكون اللام الثانية وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوقها، وهو اسم بربري.

ويوماريلي: بضم الياء المثناة من تحتها وسكون الواو وفتح الميم وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها لام ثم ياء، وهو اسم بربري أيضاً.

والجزولي: بضم الجيم والزاي وسكون الواو وبعدها لام، هذه النسبة إلى جزولة، ويقال لها أيضاً كزولة - بالكاف - وهي بطن من البربر.

واليزدكتني: بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وفتح اللام المهملة وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها نون، هذه النسبة إلى فخذ من جزولة.

ورأيت بخطي في مسوداتي أنه تولى الخطابة بجامع مراكش وأن قبيلته كزولة من الرحالة يكونون بصحراء بلاد السوس في المغرب الأقصى، وكان إماماً في القراءات والنحو واللغة، وكان يتصدر في الجامع للاقراء، وأنه شرح مقدمته في مجلد كبير أتى فيه بغرائب وفوائد، وذكر بعض أصحابه أنه حضر عنده ليقرأ عليه قراءة أبي عمرو فقال بعض الحاضرين: أتريد أن تقرأ على الشيخ النحو؟ قال: فقلت: لا، قال: فسألني آخر كذلك، فقلت: لا، فأنشد الشيخ وقال: قل لهم:

 

لست للنحو جئتكم

 

لا ولا فيه أرغب

خل زيداً لشـأنـه

 

أينما شاء يذهـب

أنا ما لي ولامرئ

 

أبد الدهر يضرب

وكانت وفاته بهسكورة من أعمال مراكش، والله أعلم.